فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

الفضلة الشفاهية في عالم الكتابية

العدد 10 - أدب شعبي
الفضلة الشفاهية في عالم الكتابية
 إبراهيم عبد الحافظ
كاتب من مصر

إن تعدد السياقات ينتج تعددا في النصوص، حسبما أشار بول زمتور(Paul Zumthor)(1)، وربما كانت من بين أهم المشكلات التي حددها دارسو الأدب الشفاهي صعوبة رصد التغير الذي يحدثه الاستلهام أو إعادة الإنتاج للأنواع الأدبية الشعبية في محتوى هذه الأنواع، وصعوبة رصد هذه العملية الدينامية للعلاقة بين ماهو تقليدي (شفاهي) وبين ماهو مستلهم (كتابي)، « فالتقاليد كانت المصطلح صاحب الامتياز الذي ارتبط (بالثبات) من حيث المحتوى القيمي المتطابق مع الأطر المرجعية الأوسع، التي تسلطت في الفكر الاجتماعي لدى الشعب – الفلاحين والبدائيين – لكي يكونوا محافظين، بما أطلق عليها «رابطة التقاليد «المقاومة للتغير»2، بينما عرف الكتابي المستلهم بأنه متحرر تماما من التقاليد وإن ارتكز عليها.

والتجربتان المعروفتان لديّ واللتان استلهمتا الحكاية الشعبية المصرية هما تجربة « قالت الراوية « تحرير هالة كمال3، والتي سيأتي الحديث عنها في ثنايا هذه الدراسة، والثانية للمركز الفرنسي والألماني التي بنيت على حكايات شعبية جمعت من واحة سيوة، والتي نتخذها نموذجا لدراستنا الحالية وتحمل عنوان: حكايات الصحراء بين الماضي والحاضر، واحة سيوة.4

وأما من حيث الدراسات التي تناولت موضوع الاستلهام فهي قليلة أيضا، وتأتي من بينها بصورة عامة كتابات سعيد يقطين الرواية والتراث السردي5، وآخرها إحدى الدراسات التي تهتم بالمقارنة بين آليات السرد بين الشفاهية والكتابية لسيد ضيف الله6، والتي تتناول بالمقارنة رواية للسيرة الهلالية للشاعر فتحي سليمان ورواية مراعي القتل لفتحي إمبابي.

ومصطلح الفضلة الشفاهية الذي نحاول اختباره هنا منحنا إياه والتر أونج (Walter Ong) في كتابه الشفاهية والكتابية، مشيرًا إلى أهم الخصائص الشفاهية التي تبقى في عالم الكتابية بعد إدخال الكتابة، وإن كانت هذه الخصائص الشفاهية التي قال بها أونج كان ينوي بها تغطية أنواع أكبر من الأدب، فإننا نحاول هنا اختبارها على نوع أدبي شعبي محدد هو الحكاية الشعبية، وفي منطقة محددة هي واحة سيوة إحدى واحات الصحراء الغربية المصرية التي جمعت منها المادة الميدانية الحكائية خلال عام 2007، وجاء بعضها الآخر في كتيب المركز الفرنسي والألماني في مشروع الحكي نفذ عام 2007 أيضا.

إننى أركز في دراستي على نصوص الحكايات المحكية باللغة العربية والتي تتقلص تدريجيا بسبب انتشار التعليم ووسائل الاتصال الحديثة والسياحة وإقامة بعض السياح في الواحة ومحاولتهم تعلم لغة أهل الواحة، وسوف أحاول رصد تحول النصوص من خلال تحليل أسلوب السرد الشفاهي التقليدي لدى أحد الرواة، ومقارنته بأسلوب السرد الكتابي لدى إحدى الكاتبات التي قامت باستلهام حكايات من سيوة في نص حكائي جديد. وسوف أغطي العناصر التالية:

1.سياق تقديم الحكاية وتحوله من الليلي وفق الطقوس التقليديةإلى أحضان التلفاز أو نهاري في سياق مصطنع.

2.وظيفة الحكاية من حيث تحولها من الإمتاعية والتعليمية في السياق الشفاهي إلى التندرية والسخرية أو زرع الأيديولوجيا في السياق الكتابي.

3.اكتشاف بعض التقنيات السردية الشفاهية والكتابية استخلاصًا من المقارنة بين حكايتين.

4.بنية الحكايات والدلالات الكامنة في بعض نصوصها.

أولا: تقسيم الحكايات الشائعة في سيوة:

تكاد الحكايات الشعبية في سيوة لا تخرج عن الأنواع والتقسيمات المعروفة للحكاية الشعبية عموما والتي توفرت منها باللغة العربية:

1.الحكاية الخرافية: حكاية البقرة الخضراء التي جمعها فتحي مالم من الواحة عام 2004، حكاية العصفور الأخضر التي جمعها المركز الفرنسي من عمران مطعم عام 2007.

2.حكاية الحيوان: حكاية الأسد والذئب والثعلب التي جمعتها عام 2007 من نصر أبو زيد.

3.حكاية المعتقدات في الأولياء: حكاية سيدي عبدالرحمن أبو بطيخة التي جمعتها من الراوية نصر أبو زيد عام 2007.

4.حكاية الواقع الاجتماعي: حكاية الفقر والسعد التي جمعتها من محمد عبدالسلام (سلومة) عام2007.

5.حكاية الواقع الأخلاقي: حكاية ابن الملك التي جمعتها من محمد عبدالسلام (سلومة) عام2007.

6.حكاية الواقع السياسي: لم تجمع لها حكايات.

7.الحكاية المرحة: حكاية زام أو مسودة ونسائه السبع التي جمعتها من ماهر مسلم عام 2007.

وهناك ملاحظتان حول الحكايات، وهي أن أكثرها جُمع من الرجال، بينما جمع القليل منها من النساء، وأننا نستطيع أن نميز إلى حد ما بين حكايات أهل سيوة ذوي الأصول الأمازيغية (البربرية) من أحد فروع قبائل زناتة، وذوي الأصول البدوية العربية «البدو» من قبائل غرب وادي الفيل وليبيا، وذوي الأصول الأفريقية «العبيد». بإعتبار أن أهل سيوة عبارة عن مجموعة من الأخلاط امتزجت بمرور الوقت.

فمن المجتمع الزراعي المستقر في سيوة جمعت من محمد عبدالسلام وهو مزارع سيوي يبلغ الثامنة والخمسين ويعمل حارسا ليليا في أحد الفنادق، وقد جمعت منه سبع حكايات في معظمها حكايات اجتماعية، بينما جمعت عددا آخر من الحكايات من نصر أبو زيد الشهيبي وهو من قبيلة الشهيبات التي تقيم في قرية بهي الدين، والتي تبعد حوالى 35 كم إلى الغرب من سيوة، وهي في معظمها حكايات اجتماعية حول الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والكرم والبخل، ... إلخ من القيم السائدة لدى البدو.

وأما الحكايات الأخرى التي اعتمدت عليها فقد جمعها المركز الثقافي الفرنسي والألماني:

- حكاية العصفور الأخضر) عمران مطعم(.

- حكاية عمر مالم (مران مطعم).

- حكاية الداية تمون (سمكة عين كليوباترا/ أغورمي) طاهر عبد الغني

ثانيا: خصائص الشفاهية وتقنيات السرد الشفاهي:

في كتابه الشفاهية والكتابية يقارن والتر أونج بين الثقافتين «الشفاهية» المنطوقة « والكتابية» المدونة، ويبرز بعض أساليب التعبير والفكر في الثقافة الشفاهية في عدة نقاط من أهمها:

1.الأسلوب الشفاهي أميل إلى عطف الجمل بدلا من التركيب والتداخل اللغوي، كما تتمتع الشفاهية بخاصية تجميعية؛ بحيث تتكون من عبارات متصلة وصيغ متكررة.

2.يميل إلى الإطناب لضمان استمرار العلاقة بين المتكلم والمستمعين، فيعين المتكلم بمنحه فرصة للتذكر وترتيب الأفكار ويساعد المستمع على المتابعة.

3.يقرب المعرفة وينقلها إلى الحياة الإنسانية، حيث يرتبط إلى حد كبير بعناصر الزمان والمكان التي يتم تداولها من خلاله7.

4.القرب من حياة الإنسان اليومية، حيث يلونها بخصائص الصراع والمشاركة الوجدانية، في مقابل الحياد الموضوعي، فالشفاهية تصنع المعرفة في سياق الصراع بإبقائها في عالم الحياة الإنسانية والتواصل اللفظي مباشرة، بما يتضمنه الصوت من عملية الأخذ والرد.

5.التوازن؛ حيث تعيش المجتمعات الشفاهية إلى حد كبير في الحاضر، على نحو يحفظها في توازن أو اتزان من خلال التخلص من الذكريات التي لم يعد لها صلة بالحاضر .. وهكذا يعرض الحاضر إنجازه على ذكريات الماضي، فالشفاهية تسمح للأجزاء غير المريحة من الماضي أن تُنسى بسبب مقتضيات الحاضر المستمر، مما ينتج عنه تنويع الرواة الشفاهيين في سردهم التقليدي؛ لأن جزءا من مهارتهم يتمثل في قدرتهم على التلاؤم مع المتلقين الجدد والمواقف الجديدة، وفي قدرتهم على التلاعب8.

وسوف نتناول هذه التقنيات فيما يلي:

أ- التقنية السردية للقاص الشعبي:

يقع قسم كبير من سردية النص الشعبي على كاهل القاص (الراوي) الذي يضع استراتيجية للحكي بناء على خبرة تقليدية سابقة توارثها من خلال الاستماع والحكي، وهي تتألف من الخطوات التالية التي حددتها ليندا ديج (Linda Degh) في مقالها عن الحكاية الشعبية:

1.وضع الإطار العام للحكاية ثم زخرفتها بمجموعة من الكلمات، ويتضمن الإطار العام: التمهيد ـ الخاتمة ـ التدخلات الصيغية التي تتصل بموقف الحكي، وهي صيغ المواقف الأولية التي تنطلق منها أحداث الحكاية، والتي تعد أقل في عددها من أنماط الحكاية.

2.استخدام العناصر التي أشار إليها طومسون في فهرسه.

3.التدخل الفردي من قبل القاص الشعبي أو ما يسمى بالميتا/سرد يشكل جسرا صيغيا بين واقع مشهد الأداء (سياق الأداء الفعلي)وبين الخيال في الحكي.

4.توظيف مجموعة من الصيغ البلاغية المنمطة بصورة معتادة في الوصف التركيبي للأبطال والمناوؤن للأبطال، ومشاهد الجمال، ومشاهد الرعب، وأماكن الذروة، وهي نقاط التحول في الحكاية ... إلخ.

5.يمثل التكرار لمقطوعات ومواقف بعينها عامل استمرارية، و أساسا في الوقت نفسه في تركيب الحكاية نفسها9.

فكيف تتحقق هذه الاستراتيجية الحكائية الشفاهية لدى القاص الشعبي في الواحة؟ انني سأختار إحدى الحكايات التي جمعتها من القاص محمد عبدالسلام (الذي سبق التعريف به) وهي حكاية «ابن الملك»، وحكاية أخرى نشرت في كتيب المركز الفرنسي والألماني «العصفور الأخضر»، وسأقوم بتلخيص الحكاية أولا، ثم أشرح التقنية السردية فيهما، محاولاً إلقاء الضوء على هذه النقطة.

1 ـ الحكاية الأولى: حكاية ابن الملك: (جمعتها من القاص محمد عبد السلام (سلومة))

ملخص الحكاية:

كان هناك ملك وله ابن واحد، وكان الإبن سيء السلوك يعيش حياة اللهو والعبث، فوصل الخبر للملك فقرر أن يطرد ابنه، ولكنه منحه مبلغا من المال لكي يعينه على حياته الجديدة. التقى الشاب أثناء سيره بعد أن أنهكه التعب بجني ينادي من يشتري كلمة بـ 100 جنيه، فطلب منه الشاب أول كلمة فكانت: من آمنك لا تخونه حتى لو كنت خاين، فطلب منه الثانية وأعطاه مئة أخرى وهي: إذا جابلك (قابلك) الطرب ما ترده بالغضب، وأما الثالثة فكانت: نفسك وما تحب ولو كان فرخ دب.

دخل الولد بلدة وبها بائع في دكان لا يشتري منه أحد شيئًا، وبدأ الشاب قراءة القرآن بصوت جميل، فتدافع الناس على الدكان للشراء، مما دفع الرجل لأن يعتبره ابنا له ويأتمنه على بضاعته.

قرر الرجل الذهاب للحج، وانتهزت زوجة الرجل فرصة غيابه وبدأت تساورها نفسها في ارتكاب الإثم مع الشاب، لكنه رفض بشدة وتذكر الكلمة (الحكمة) الأولى، وذهب إلى أحد الشيوخ فأيد له الحكمة. وادعت الزوجة زورا عندما عاد زوجها من الحج أن الشاب أراد بها السوء وراودها عن نفسها، مما أوغر صدر الرجل وقرر التخلص من الشاب، فدبر خطة مع صاحب الفرن وأمره بأن يلقي بالفرن أول من يحضر إليه، وأمر الشاب بأن يحمل طاولة العجين ويذهب إلى الفرن. وفي الطريق سمع طبلاً وزمرًا، فتذكر الحكمة الثانية فترك طاولة العجين أمام المسجد وتبع المغنين. بعد أن تأخر الشاب ذهبت المرأة فوجدت طاولة الخبز أمام المسجد فحملتها وذهبت إلى الفرن، فألقاها الخباز في الفرن، تنفيذًا لطلب زوجها بأن يلقي أول قادم إليه. وبعد أن نضج الخبز حمله الشاب وعاد إلى البيت، فسأله الرجل عن الحقيقة فأخبره بما حدث من زوجته، فاعتبر أن الزوجة الخائنة جوزيت وطلب منه البقاء، لكن الشاب قرر الرحيل. فركب باخرة ورحل إلى بلد أجنبي. ونزل في بلدة هناك بها طاحونة مرصودة، ولم يجد أحدًا يدله على حقيقة الطاحونة سوى عجوز أخبرته أن بها فتاتين إحداهما سمراء والثانية بيضاء وهناك جني يظهر لمن يبيت بالطاحونة، فإذا أجاب من يبيت بالطاحونة بأنه يريد البيضاء تقطع رأسه في الحال. دخل الشاب الطاحونة وسأله الجني فتذكر كلام العجوز وتذكر الحكمة الثالثة فقال أريد السمراء. فعفا الجني عنه ودارت الطاحونة وانحلت العقدة، وتزوج ابنة الملك وعاد إلى بلدته بالمال والزوجة.

نحن لا نتوقع في السرد الشفاهي خبرة بالحبكة المطولة، وأن يكون الخط الذروي في حجم الملحمة أو حجم الرواية، بل انه لايستطيع أن ينظم قصة أقصر بالطريقة الذروية المدروسة الصارمة ... فأنت لا تجد حبكات طويلة ذروية جاهزة التكوين في حيوات الناس10.

ولكن استراتيجية الحكي لدى القاص محمد عبدالسلام لهذه الحكاية قامت على عدة أساليب:

1- مرونة الحبكة: ويتم عن طريق إضافة عناصر جديدة للحكي تختلف في كل مرة من مرات الحكي السابقة. لقد كان محمد عبدالسلام عند سرده الحكاية السابقة يحاول إفهامي بعض الكلمات بتوسيع حبكة الحكاية، وفق سياق القص (سياق اصطناعي)، فيشير مثلا إلى قراءة الشاب للقرآن بقوله:

صوته كان حلو تقولش عبد الباسط (في إشارة منه إلى قارئ القرآن المشهور عبدالباسط عبدالصمد)، وفي موضع آخر يشير إلى جمال صوته بعبارة: جي من السما ولا من الأرض؟ كما أضاف بعض الأحداث الجديدة، وفي موضع ثالث استطرد في حكاية فرعية قصيرة ضمنها داخل الحكاية.

2- اللجوء للحيل الشكلية: عن طريق استخدام الخطاب المباشر الذي يقوم على:

الموازاة التركيبية: وتعني تكرارا بانتظام لعنصر متغير، وربط عنصر متغير بعنصر آخر غير متغير للعمل، والتركيب المتوازي يمكن تطويره على المستوى الشكلي صوتيًا، وتركيبيًا، وموضوعيا (فكرة)، نحويا11.

الموازاة الموضوعية: وتقوم على تكرار التغير التركيبي لأحد عناصر الحبكة، من حدث بسيط يكشف عن نفسه لكي يدخل القصة، وهذه حيلة تركيبية مستقرة في تركيب القصة الكلي .

3– الميتا/ سرد: وأعني بالميتا / سرد تلك الحيل التي تشير أو تعلق على القص نفسه (مثل رسالته، جنسه، مشكلته، وظيفته، وسياقه) أو مكوناته أو إدارة حدث القص (بما يشمل المشاركين، التنظيم، والحدث).

وفي الحقيقة ليس هناك قص شفهي بدون ميتا / سرد، لأن العبارات الميتا / سردية تقدم حيلا خارج زمن القص، ليشير القاص إلى نفسه وإلى المستمعين المشاركين في حدث القص الحاضر، فالميتا / سرد عبارة عن عناصر التدخلات الاجتماعية الجهرية والصريحة لخطاب القاص.

فهي أولا تقدم وتعلق على التداخل الاتصالي لموقف القص من طريق التعليق، وتعتمد على قدرة القاص الشعبي لحمل المستمعين (إقناعهم) لكي يصدقوا مقولته. وقضية دفع المستمعين للتصديق في وجه منها تقوم على كفاءة الاتصال الوصفي. وفي وجه آخر عميق تحت السطح بالطبع تعد رسالة ميتا / سردية. وهي ثانيا تقوم بغرض تفسيري، خطوة خارج القص لكي توضح قسما من الحدث غير المألوف12.

والعبارة التقديمية التي يبدأ بها القاص الشعبي ضرورية أولاً لتأسيس علاقة بين معرفة المستمعين والتجربة وطبيعة القص، وهي حيلة تعريفية تنشط مشاركة المستمعين عن طريق ربط تجربتهم مع تجربة القاص نفسه. وثانيًا هي الإشارة إلى الذات أي إلى القاص نفسه، الذي تقف هويته خلف الحدث القصصى لكي يطوق الحاضر. فالعبارة التقديمية تربط المستمعين بحدث القص، وتربط القاص كقاص، عبر الفاصل الزمني بين الحدث المروي بوقت القص ذاته، فالحكاية بدأها القاص محمد عبد السلام بقوله: «صلي ع النبى. كان فيه ملك»، وأنهاها بعبارة «وسيبتهم وجيت». هذه في الحقيقة إشارات عابرة، ولكنها مؤثرة، وحيلة من حيل التدخيل. وتشتمل إشارة القاص إلى نفسه كمتحدث وللمستمعين ارتباطًا للعبارات المؤطرة لموقف القص، مثل «حسنا كما تعلمون» «أقول لك أنا سمعت». وهذه جميعها عبارات لتجسير (عمل جسر) لردم الفجوة بين حدث القص وموقف القص (الموقف الحاضر)، بالوصول مباشرة للمستمعين، وكأنها تعمل كإضاءات تعريفية للمشاركة الوقتية للقصة. وهذا بالطبع مهم بالنسبة لبداية القص ونهايته13.

ويعد أي عنصر من عناصر الإقناع جزءا من الميتا / سرد أي التعليق على القصة، وكذلك عناصر دمج المبالغة والإقناع معا. وكان التعليق من قبل القاص محمد عبدالسلام على بعض أحداث الحكاية وفيها إلقاء الزوجة في الفرن جزاء لها «شوف اللي حفر حفرة يقع ومنها» وفي موقف آخر قال: «رضي بنصيبه والسودا أحسن من البيضا»، فقد نجح فى الربط بين عنصري الإقناع والمبالغة معا ببراعة.

وتعد الكلمات المنطوقة شفهيا قوة وفعلا، كما أن الصيغ تساعد الحديث الإيقاعي على التحقق، كما تقوم بوظيفة العوامل المساعدة للتذكر أيضا، ومن ثم تدور التعبيرات الجاهزة في الحكاية بفعل التوازن الإيقاعى وتشكل مادة القص ذاته، ومن أمثلة ذلك في الحكاية التي بين أيدينا:

- من أمنك لا تخونه حتى لو كنت خاين

- إن قابـلك الطــرب لا تـرده بالغضـب

- نفسك وما تحب حتى لو كان فرخ دب

بنية النص وبعض دلالاته:

بني النص السابق على الإيحاءات الضمنية ذات أبعاد اجتماعية وأخلاقية تنبع من حياة الناس، ويمكن لنا أن نلخص ذلك على النحوالتالي:

الوضعية الافتتاحية: الأمير ابن الملك يعيش في قصر أبيه.

اضطراب: سوء السلوك -----> الجهل

انقلاب الوضعية (الإبن):

السلوك الطيب ----------> الحكمة

وأما فتوى رجل الدين فهي ترمز إلى الحكمة، وتربط قراءة القرآن بالحصول على الرزق. والحكمة الأولى التي تعلمها الشاب هي أنه من حفر لأخيه حفرة وقع فيها (مصير الزوجة)،كما توحي الحكمة الثانية بأن الطرب / حياة أي أن في الطرب إنقاذا للحياة، وأما الغضب / موت، وتخلص إلى القول: إذا قابلك الطرب لا ترده بالغضب.

وربطت الحكاية بين الحكمة وبين كبر السن بما يرمز إلى دور الخبرة، فالرجل العجوز أعطى الشاب ثلاث نصائح مقابل المال، والمرأة العجوز أعطته نصيحة مجانًا. والخلاصة أن الرضا ولو بالقليل فيه نجاة الإنسان. الفتاة السمراء أفضل من البيضاء = في الثقافة العربية (إنما الأسود عربي) وعلى الناس في هذه الدنيا ألا يتعجلوا الحصول على الرزق.

الوضعية النهائية: زاوج ابنة الملك + الحكمة

البنية العميقة للحكاية: تقوم على الحكمة الثلاثية:

- وجوب التحلي بالأمانة .

- وجوب التمتع بالحياة .

- وجوب الرضا ولو بالقليل .

لقد تحولت الوظيفة التي كانت تقوم بها هذه الحكاية في الماضي من موجهات للقيم، ومتعة يمضي بها أهل الواحة أوقاتهم في ليالي السمر في الشتاء، وأصبحت الآن غير ذات فعالية. فالقاص محمد عبدالسلام يعمل حاليًا حارسًا بفندق سياحي (العولمة) مكان تسجيل الحكاية، ولم يكن هناك حضور سوى أحد السائحين وأحد أبناء الواحة.

ب- تغير السرد في علاقته بالسياق:

في السرد الشفاهي لدينا ثلاثة سياقات يتم فيها حكي الحكايات: السياق الأول كان هو السياق التقليدى للحكي الذي اعتاد أهل الواحة ومن بينهم محمد عبدالسلام أن حكى حكايتهم فيه، والسياق الثانى كان تسجيل الحكايات منه أثناء زيارتي للواحة وجلوسي أمامه بحضور فرد واحد أو فردين أثناء الحكي. أماالسياق الثالث فكان تسجيل هذه الحكايات للبعثة التي تكونت من مجموعة الورشة والأجانب (الفرنسيين والألمانيين) الذين صحبوهم أثناء تسجيل الحكايات، ولا شك أن تقنيات السرد كانت تختلف في كل سياق عن السياق الآخر.

أما من السياق الكتابي للسرد فهو القصدية التي كانت لدى أمل حسن عند إعدادها لنصها الذي وضعت من أجله استراتيجية لتقديمه على مسرح في أحد فنادق الواحة أمام أهل الواحة، أو في المركز الثقافي الفرنسي في الإسكندرية صيف عام 2007، والذي سوف نعالجه في القسم الأخير من هذه الدراسة.

كان السياق الأول يتم في ليالي الشتاء حيث يسهر محمد عبدالسلام أمام النار (المدفأة) مع عمه، الذي حفظ منه هذه الحكايات كما أخبرني بذلك، ومجموعة من أصدقائه أبناء الواحة، وهم جميعًا معتادون تماما لموقف القص والاستماع للحكايات، فمنهم المزارعون والزقالة (فئة العمال المأجورين) والفلاحون مألوف لديهم هذا النوع من القصص، وكذلك عالم الريف (الواحة) الذي تتم فيه الحكاية، فعالم القص كان واحدا من الأنشطة النشطة. وإن كان هذا مدعاة للإطالة في نص الحكاية، لقطع الوقت وتزجية وقت الفراغ. وعندما تحول محمد عبدالسلام لسرد الحكايات في سياقين آخرين أحدهما أمامي بوصفي أحد الباحثين المهتمين بالحكاية الشعبية، والثاني أمام بعثة المركز الفرنسي والألماني وبصحبتهم عدد من المهتمين المصريين الآخرين، فقد تحول إلى قاص شبه محترف تم اختياره من بين أبناء الواحة، وتم الاتفاق معه مسبقا للتسجيل. وجمهوره الحديث هذا يختلف تماما عن جمهوره الحقيقي السابق، وهم في معظمهم من أهل المدينة الذين يحضرون تسجيلا لحكاية شعبية من أحد الرواة... أو أجانب يودون ملاحظة الحكي في إحدى البيئات التقليدية المصرية، ولهذا كان على محمد عبدالسلام أن يطيل إلى حدٍ ما في شرح حكايته، ليدخل تفاصيل وتفسيرات أكثر بوصفهم غرباء عن الواحة.

ويأتي التكرار الذي يمكن ملاحظته في السياق الحديث لكي يربط المستمعين غير المعتادين على هذا النوع من الحكي بطريقة الحكي التقليدية، لكي يستوعبوا الحكاية، وبالإضافة إلى عدم ألفتهم بالحياة الواحية، فإن الناس الذين استمعوا إلى محمد عبدالسلام وأضرابه من الحكائين في السياق الحديث ليسوا على وعي كامل بالحكايات، والتي قد تبدأ بالحكي، وباستمرار القاص في سرده لقصته خطوة تلو الأخرى. يضطر القاص إلى تأسيس عناصر المبالغة وجر الجمهور معه لفهم القصة. والقاص محمد عبد السلام كشخص يبقى غريبا بالنسبة للجمهور الجديد الوافد على الواحة، فهذا الجمهور لا يعرف حياته الشخصية، ولا يعرف سوى أنه أحد الحكائين بالمنطقة يحفظ بعض الحكايات.

ويشير ريتشارد باومان (Richard Bauman) إلى تغير السرد حسب السياق بقوله: وتشمل التغيرات انتقالا من السرد الاتفاقي (الحديث بضمير الشخص الثالث ) في بعض الحكايات الطويلة، لكي يملأ السرد الشخص الأول. إذ تحدث للحكائين المحترفين وشبه المحترفين أن ينشطوا حكاياتهم ويتحولوا لقصاصين، فتحدث انتقالات14.

2 - الحكاية الثانية: حكاية العصفور الأخضر: (جمعتها بعثة المركز الفرنسي والألماني من عمران مطعم)

ملخص الحكاية:

وجد رجل من سيوة عصفورًا أخضر على شاطئ البحر، كان العصفور يغني بصوت جميل، فطلب الناس من الرجل أن يحضر لهم عصافير مثل هذا العصفور من بلاد بعيدة. التقى الرجل بعجوز عند مفرق ثلاثة طرق؛ طريق ذقاوة (براني)، طريق ملوك (الإسكندرية)، طريق المشقة. فنصحته العجوز باختيار الطريق الأخير. بعد أن سار عدة أيام وجد كلبًا فأعطى له الطعام فأكله واختفى. بعد عدة أيام وجد كلبًا بجواره تحول إلى جني وعلم أنه الكلب الذي أطعمه من قبل، وعرض عليه الجني أن يساعده وينقله لأي مكان يريده. فطلب أن يوصله إلى بلاد العصفور الأخضر، فحمله وأغمض الرجل عينيه، فوجد نفسه في قصر مملوء بالعصافير فجمع منها ما استطاع، ولكنه طمع في الزيادة، فأمسك به الحراس واقتادوه إلى الملك. فاشترط عليه أن يحضر فرسانًا وأحصنة لها سروج (لوكاف) من ذهب وفضة حتى يمنحه العصافير.

وفي لمح البصر حمله الجني على كتفه وذهب إلى بلاد الذهب والفضة، فجمع منها ما استطاع ولكنه طمع في الزيادة، فوقع في أيدى الحراس، واشترط الملك عليه أن يحضر أجمل فتاة، وحمله الجني مرة ثانية فوجد الفتاة الجميلة فأعطاها الذهب والفضة. ونزل ضيفًا عند ملك، ترفض ابنته الزواج ممن تقدم لها. وطلب الرجل من الملك أن يزوجه ابنته، ووافقت الفتاة بعد أن أعطاها أسورة من الفضة كان قد حملها معه من الواحة، ولكن الملك رفض أن يعود بزوجته إلى بلده.

اتفق الرجل مع زوجته أن تبيت في بيت أبيها وتظاهر بأنه سيسافر بدونها، ولكنه اتفق معها على الرحيل. وحملهم الجني وعاد إلى القلعة، وقال للملك ها هي الفتاة الجميلة فأعطاه الذهب والفضة فأخذها وغافل الحراس وهرب بالفتاة، وذهب بالذهب والفضة إلى الملك الأول فأعطاهما إليه وأخذ العصافير، ولكنه غافله أيضًا وأخذ الفتاة، وعاد بكل ما معه الزوجة والذهب والفضة والعصافير إلى سيوة.

(وهذه الحكاية ليست شبيهة بالحكاية المصرية الشائعة في مناطق أخرى باسم «العصفور الأخضر»)

ولنحاول الآن تحليل الحكاية السابقة سيميائيًا ونسترشد في تحليلنا بتراث التحليل السيميائي لدى جريماس (Grimas) وكلود بريمون وبما أنجزه عبد الحميد بورايو في مقالته «التحليل السيميائي للخطاب السردي» والتي عين فيها الأصناف الوظائفية القاعدية الخمسة كالتالي:

1.الوضعية الافتتاحية: مجموع علاقات المجتمع باستقرار نسبي.

2.اضطراب: تغيير يصيب إحدى العلاقات على الأقل مما يخلق حالة فقدان للتوازن.

3.تحول فعل صادر عن أحد الأطراف المساهمة في الوضعية الافتتاحية، يؤدي إلى تغيير العلاقات المذكورة سابقًا.

4.حل: وهو نوعية التحويل الناتج عن تغيير العلاقات المذكورة أعلاه.

5.وضعية نهائية: مجموع علاقات جديدة مستقرة15.

(1)المسار السردي

ويمكن لنا تقسيم خطاب الحكاية إلى ثلاثة أقسام

1- الموقف الافتتاحي.

2- المتن.

3- الموقف الختامي16.

يوضح الموقف الافتتاحي وضعية مستقرة تتمثل في عثور الرجل على العصفور الأخضر الذي يغني بصوت جميل، وسعادة أهل الواحة بهذا العصفور. ولكنهم أرادوا الحصول على عصافير مثل هذا العصفور، ويبدو هذا النقص أو الافتقار للعصافير المحرك مما يدفع الموقف نحو التحول. وندخل إلى المتن الذي يبدأ بخروج الرجل للحصول على العصافير، ويلاقي مجموعة من الاضطرابات وتحولات تؤدي فى النهاية إلى نجاحه في الحصول على الهدف الذي خرج من أجله وهو العصافير، كما يتزوج ابنة الملك، وهو موقف استقرار نهائي.

يتكون متن خطاب الحكاية من متواليات:

المتوالية الأولى: خروج الرجل ثم لقاؤه بعجوز يدله على الطريق.

المتوالية الثانية: ظهور الكلب وعطف الرجل عليه وإعطاؤه الطعام.

المتوالية الثالثة: الكلب يرد الجميل ويتحول إلى جني يحمل الرجل إلى قصر العصافير.

المتوالية الرابعة: وضعية الرجل بعد حصوله على العصافير وقبض الحراس عليه.

المتوالية الخامسة: وضعية الرجل بعد حصوله على الفتاة وقبض الحراس عليه.

المتوالية السادسة: حصول الرجل على الذهب والفضة وعلى الفتاة الجميلة.

المتوالية السابعة: خاتمة الحكاية بعودة الرجل وزوجته والعصافير إلى سيوة.

نلاحظ من خلال المسار السردي أن هناك تداخلاً بين المتوالية الرابعة والخامسة والسادسة فوظائف المتوالية الرابعة تداخلت مع الخامسة. حيث تشير الحروف:

(ض = اضطراب، ت = تحول، ح = حل) في المتتاليات السبع أي:

1-ض1 -->  ت --> 1 ح1

2-ض2 -->  ت2 --> ح2

... وهكذا حتى المتتالية السابعة

المتوالية أصناف الوظائف الوظائف الجمل السردية ملخصة
1 ـ اضطراب ـ تحول ـ حل ـ خروج ـ نقص ـ وساطة ـ قضاء على النقص خرج الرجل يبحث عن العصافير. جهل الطريق واحتار أمام ثلاث طرق . دل العجوز الرجل على الطريق . عرف الرجل الطريق الصحيح .
2 ضطراب ـ تحول ـ حل ـ خروج ـ تهديد ـ وساطة ـ تسلم الأداة السحرية ـ قضاء على النقص ـ مكافأة سار الرجل لعدة أيام . لم يجد من يعينه على الوصول للعصافير. تحول الكلب إلى جني. ركب الرجل ظهر الجني. حمل الجني الرجل إلى قصر العصافير. حصل على العصافير.
3 ـ اضطراب ـ تحول ـ حل إساءة خدعة وساطة قضاء على الإساءة قبض الحراس على الرجل. طلب الملك منه الحصول على خيول أسرجة(لوكاف) من الذهب والفضة لكي يعطيه العصافير. احتال الرجل على الملك. حمل الجني الرجل إلى قصر الذهب والفضة. حصل على الذهب والفضة.
4 ـ ضطراب ـ تحول ـ حل نقص خدعة وساطة تلقي مساعدة مكافأة قبض الحراس على الرجل. احتال الرجل على الملك حمله الجني إلى قلعة الفتاة الجميلة. حمل الجني الفتاة الجميلة والرجل إلى قصر الملك. حصل على الفتاة الجميلة.
5 ـ اضطراب ـ تحول ـ حل خروج إساءة خدعة وصل الرجل إلى قصر الملك. رفض الملك عودته وزوجته إلى بلاده. احتال على الملك وتظاهر بعزمه على السفر بدونها. نجح فى الهروب مع زوجته على ظهر الجني.
6 ـ اضطراب ـ تحول ـ حل ـ خروج ـ خدعة ـ انخداع ـ مكافأة عاد الرجل إلى الملك وأعطاه الفتاة وحصل على الذهب والفضة. غافل الملك وأخذ الفتاة والذهب والفضة. انخدع الملك نجح الرجل في الهروب
7 اضطراب تحول حل ـ خروج ـ خدعة ـ مكافأة عاد الرجل إلى الملك الأول وأعطاه الذهب والفضة وأخذ العصافير. غافل الرجل الملك وأخذ العصافير والذهب والفضة والفتاة. عاد إلى بلده ومعه العصافير والزوجة والذهب والفضة

( 2 ) المسار الغرضي

يسيطر على هذه الحكاية مسار غرضي واحد، وهو الهدف الذي خرج الرجل من أجله وهو الحصول على العصافير، وقد جدّ في الوصول إلى الهدف بواسطة الأداة المساعدة، وهي الجني الذي حمله إلى بلاد العصافير، كما حمله إلى القلعة التي بها الفتاة، وأخيرًا حمله إلى بلاد الذهب والفضة، كما عاد به وبزوجته وكل ما حصل عليه إلى بلده، وقد تحسن مصير الرجل في النهاية.

( 3) البنية الفاعلية

( 4 )البنية العميقة

تدور مضامين الحكاية على العلاقات التالية:

متعــة

العصفور ----> الـرجـل

لونه أخضر يغني بصوت حلو

تضحــية

الرجـل  -----> أهل الواحة

تحمل المشقات للحصول على العصافير

وفــــاء

الكلـب -------> الـرجـل

تحول إلى جني وحمل الرجل إلى هدفه

تطرح الحكاية مسألة التضحية من أجل المجموع، فالرجل تحمل كل المصاعب للوصول إلى العصافير التي أعجب بها أهله وذووه، وانتهت بتحقيق هذه الغاية من أجل الجميع. كما تطرح فكرة أن الإحسان للمخلوقات الأخرى أمر محمود ويأتي في النهاية بالخير، فالرجل عندما أطعم الكلب تحول إلى جني يساعده في الحصول على هدفه.

1 المرسل الذات الفاعلة موضوع القيمة المرسل إليه المساعد المعارض
أهل الواحة الرجل متعة الغناء العالم المجهول الرجل العجوز العجز عن الوصول
2 أهل الواحة الرجل الحصول على العصافير العالم المجهول الجني العجز
3 الملك (1) الرجل الحصول على أحصنة ولوكاف الذهب والفضة العالم المجهول الجني الحراس
4 الملك (2) الرجل الحصول على الفتاة الجميلة العالم المجهول الجني الحراس
5 الملك (3) الرجل الحصول على العصافير والفضة والفتاة العالم المجهول الجني الملك

( 5 )البعد الأنثروبولوجي للحكاية

أوضحت الحكاية تطلع أهل الواحة إلى خارجها، فالتوجه نحو المجتمع الخارجي يمثله العصفور الأخضر الذي يغني –حسب تفسير راوية الحكاية- وهو الراديو الذي وصل إلى الواحة واستمع إليه أهلها. فهي تظهر تطلع أهل الواحة إلى البلاد الأخرى. وفكرة الزواج من خارج الواحة، فالزواج في الواحة كان داخليًا وغير مسموح للغرباء، نظرًا لانغلاق الواحة على نفسها، ولكن التغير الذي حدث بشر بالتطلع للزواج من خارج الواحة، بل إن البعض يتطلع للزواج من بعض الأجنبيات من السائحات اللائي يقمن فى الواحة لمدة طويلة، كما اهتمت الحكاية بدور الجن الخيرة التي تعين الإنسان، والعلاقة مع هذا العالم السحري الذي كان سائدًا في الواحة من قبل.

ثالثا: الفضلة الشفاهية في تجربة استلهام حكايات من سيوة:

أشرنا في مقدمة هذه الدراسة إلى أن هناك بعض التجارب التي قامت على استلهام حكايات شعبية، ومنها مجموعة «قالت الراوية « تحرير هالة كمال17، التي تعد محاولة من مجموعة من الكاتبات المصريات اللائي احترفن الكتابة الروائية أو القصصية، وهي مجموعة للحكايات الخيالية/نسائية تتعامل مع الشخصيات النسائية التي وردت في الحكايات الشعبية التي استلهمت منها، بحيث تقلب صورة الأدوار النمطية للمرأة وتمنح الشخصية النسائية صوتا خاصا.

وعلى مستوى التزام الكاتبات في هذه المجموعة بالنص الميداني أو المرجعي للحكاية، فقد اتبعن منهجًا كتابيًا أنتج ـ من وجهة نظرنا ـ نصوصا مستقلة معتمدة على التعديل والتحوير «وتجاوزت التعددية مضمون النصوص لتنعكس على شكل الكتابة، فالنصوص تتنوع ما بين شكل أقرب إلى الحكايات الشعبية التي تتبني عناصر الحكي كفن شفاهي، ونصوص هي أقرب إلى شكل القصة القصيرة كفن أدبي كتابي . وبين هذه وتلك العديد والعديد من النصوص التي تتجاوز الأطر المحددة، جامعة بين عناصر الحكي والقص»18.

ومن المعروف أن هناك صعوبات للفصل بين السرد الشفاهي والسرد الكتابي يقول سيد ضيف الله « تجدر الإشارة إلى أنه يصعب الفصل بين مفهومي السرد الشفاهي والكتابي سواء نظريا أو تطبيقيا، إذ يستدعي الحديث عن أحدهما الآخر ليتضح به وتحدد باختلافاته عنه خصائصه، كما لا يخلو في الغالب السرد الكتابي من أثر لموروثات السرد الشفاهي عليه . فليس ثمة سرد كتابي محض يمكن الحديث عنه نظريًا بشكل منفصل ومستقل، كما أنه لم يعد ثمة سرد شفاهي محض لا أثر للكتابة عليه منذ أن عرفت الكتابة فضلا عن لواحقها الطباعية19. إن السرد الشفاهي يتم في إطار عملية سردية حقيقية، وأن السرد الكتابي يتم في إطار عملية تُمثل له، قد استتبع اختلافا في أنواع الرواة في السرد الكتابي عما رأيناه من أنواع في السرد الشفاهي20.

لقد قُسمت مجموعة الحكايات التي جمعها المركز الفرنسي الألماني من سيوة والتي نقيم عليها دراستنا إلى ثلاثة أقسام: حكايات الجن والمعتقدات، حكايات عن عادات البدو، حكايات البطولة (حول البطل على حدة).

وقد قامت الكاتبة أمل عمر وهي كاتبة للقصة باستلهام ثلاث حكايات، وجاء في مقدمة الكتيب الذي نشرت فيه الحكايات أن الحكاية الأولى (العصفور الأخضر) أثارت حفيظتها الإنسانية، والثانية أدهشتها، والثالثة شوقتها لإيجاد تفسير للغز اللعنة التي تصيب واحة سيوة في إحدى الحكايات، وإن ورشة نقاش دارت بين المجموعة التي جمعت الحكايات في مشروع الاستلهام، ثم بدأت في نسج قصتها التي نورد ملخصًا لها:

اختفى رجل من سيوة فجأة، وبحث أهل الواحة عنه في كل مكان فلم يجدوه، فذهبوا إلى عراف فدلهم على مكان تتبعوا آثار قدميه فوجدوها قد اختفت عند نخلة، فعرفوا أن الجن قد اختطفته. وبعد عدة أيام عاد الرجل لكنه كان ضعيف الجسم جدا، ودار حوار بينه وبين الناس فذكر لهم أن الجن عذبته في البداية ومنعت عنه الطعام، لكن ابنة ملك الجن أحبته وتعلقت به، وطلبت من أبيها أن تتزوج من الإنسي فرفض، وأصرت على ذلك، وكان مبررها أن الجن محرومون من أشياء كثيرة، وأن حياة الإنس أفضل وحذرها أبوها من سوء أخلاق البشر، وبعد أن جردت من صفات الجن عدا صفة أو اثنتين بقيت فيها، تحولت إلى إنسية جميلة وتزوجت من الرجل، ولما أحضرها معه إلى عالم الإنس في سيوة لم يحضر زواجهما سوى (عم عمران) الذي كان يصنع الفضة لنساء سيوة. فأهداها طقم فضة وخلخال وأسورة لأنه أحبها. ونصحهم العراف أن يجدوا مكانا آخر يقيمون فيه، فذهبوا إلى الجارة (إحدى الواحات النائية التي تتبع واحة سيوة) .

في أحد الأيام سافر إليهما العراف، وكان مضطربا وأخبرهما أن رسالة جاءت إلى الواحة من عند الجن تقول إنه إذا ولد بالواحة مولود سوف يموت أحد الأحياء في المقابل، وأن عدد سكان الواحة لابد أن يقف عند 371 شخصا. وبدأت الخلافات تنشب بين الزوج وزوجته عندما طلب الزوج منها أن تطلب من أهلها الجن أن يرسلوا إليها بعض الجواهر.

وصلت إلى واحة الجارة التي يسكنها الزوجان إحدى الأجنبيات (خوجاية) وبدأت في تعلم اللغة الأمازيغية على يد الزوج، فغارت منها زوجته الجنية، وحاولت الأجنبية تحسين علاقتها مع الجنية، لكن الرجل وقع في حبها فعلا وطلب الزواج منها، فطلبت منه أن يطلق زوجته فرفض .. وكان أهل الواحة قد تعلقوا بالجنية وأحبوها. فبدأت المرأة الأجنبية في شراء جميع المجوهرات الفضية من نساء الواحة، وحذرتهم الجنية من مكر الخوجاية . فلما علمت بذلك قبلت الزواج من زوج الجنية كيدا فيها.

وبدأ الزوج وزوجته الخوجاية في زيارة عم عمران صانع الفضة في الواحة، فأطلعها على الآلة (العدة) التي تصنع بها الفضة، وطريقة صنع الفضة. وأشاعت الخوجاية أن سر لعنة الواحة هي هذه الجنية فبدأ أهل الواحة يخافون منها، وطمعت الخوجاية في الفضة التي تلبسها الجنية وحاولت سرقتها، ولكنها لم تستطع، فهربت من الواحة. واتهم الزوج زوجته الجنية بأنها السبب فغضبت، وذهبت إلى أبيها تطلب مساعدته لكي يعيد الفضة للواحة والآلة التي كانت عند عم عمران، واشترط عليها أن تترك زوجها، وأن أهل الجارة يستطيعون فك اللعنة، وأرسل معها عددا من الجان يعبثون بالخوجاية، فبدأوا في سحرها وحولوا أرجلها إلى هيئة أرجل الماعز. فألقت بالفضة والآلة وتحولت إلى مجنونة وبدأت تغني باللغة الأمازيغية، ورجعت بنت ملك الجان إلى أهلها وودعت أهل الواحة.

1 -التقنيات السردية للكاتب المستلهم:

هذه حكاية استلهمت من ثلاث حكايات شعبية جمعت من الواحة فماذا بقي من الشفاهية فيها؟ وبماذا يتميز أسلوب السرد الكتابي؟ وإلى أي حد يمكن مطابقة المكتوب بالشفاهي؟

من ناحية الطول غطت الحكاية سبع صفحات في مقابل صفحتين جاءت فيهما الحكايات الثلاث التي جمعت من سيوة مدونة في الكتيب الذي صدر عن المركز الفرنسي والألماني. لقد عكست الحكاية بصورة عامة هموم الكاتبة المثقفة التي جعلت من بعض عناصر الحكي الدعوة للحفاظ على التراث في مواجهة الأجانب الذين ينهبونه، وهي عبارة يرددها بطل القصة (بنت الجنية). وسوف أحاول هنا تحليل البنية السردية للقصة من حيث صورة الزمن، صورة البطل، صورة اللغة.

يقوم السرد الكتابي على تقنية يطلق عليها التطعيمات والزرع والتوليد الاسترجاعي عبر زرع الحاضر في الماضي، فالكاتبة قامت بدمج ثلاث حكايات ميدانية في قصة واحدة، ومن ثم لا نستطيع أن نطبق عليها منطق السرد السابق. والتقنية السردية الكتابية تبدو لنا منذ افتتاح النص، فالعنوان « بنت الجنية « يوحي بأن القصة مستلهمة من الحكايات الشعبية المرتبطة بالجن والتي جمعت من الواحة، وإن كان العنوان يلتبس على القارىء فقد يحيل إلى البراعة والشطارة، وهو ما لا يحدث في السرد الشفاهي، حيث من الشائع أن يكون عنوان الحكاية وصفيا إلى حد بعيد يصف البطل: الشاطر حسن، ست الحسن والجمال، أو أن تحكي الحكاية دون عنوان.

1.زمن القصة:

تستعير الكاتبة فكرة شائعة في الحكايات الشعبية وهي فكرة الاختفاء، وتشير إليه باسم «فلان بن علان»، ومع ذلك فإن الحكاية الشعبية الشفاهية لا تستخدم هذه التسمية، فأسماء شخوص الحكاية تكون دائما بتجهيل الاسم: كان فيه واحد، أو كان فيه راجل، أو امرأة ... وبطل القصة له ماض مع أهل سيوة، وكان لابد من الحديث عن مهمة إخبار القارىء بماضي الشخصية ومستقبلها (عن طريق احتواء زمن السرد للزمن المسرود) باستحضار الذاكرة الزمان من زمن الحكاية الأصلية.

لكن زمن الحكي قام من خلال حركات استرجاعية واستباقية، ومن خلال الإشارة إلى طريق السياح الأجانب وإقامتهم في الواحة وعلاقتهم بأهل سيوة وحصولهم على الفضة من نساء الواحة. ولا يفلت الزمن الحاضر من قبضة الزمن الماضي إلا حين يلتقي بطل القصة بالسائحة الأجنبية الخواجاية، ويتحول من جذوره الواحية ويرغب في الزواج منها.

وتمثل السرد الكتابي للزمن هنا يقوم على تعقيد وتركيب بين الأزمنة، جاء بسسب اختلاف أسلوب السرد عن السرد الشفاهي.

2.محاور القصة:

قامت محاور القصة على نقل أحداث القصة من واحة سيوة إلى عالم الجن ثم عودتها مرة أخرى، وانتقال شخصيات القصة إلى «جارة أم الصغير» التي تعد مكانًا ثالثًا جرت فيه الأحداث، مما زج ببعض الأحداث خارج الإطار الموضوعي للحكاية الأصلية، ونوع الأماكن التي تجري فيها الأحداث. وربطت محاور القص بين عالمين هما عالم الإنس وعالم الجن، وقسمت عالم الإنس إلى عالمين بدورها عالم الواحة (الأنا) وعالم السائحين (الآخر).

3.البطل وشخصيات القصة:

تقوم القصة على تجهيل بطلي القصة كما هو الشائع في الحكاية الشعبية لكن الكاتبة أدخلت تقنية كتابية وهي ذكر أسماء لبعض شخصيات القصة (عم عمران ـ مارتينا (الخوجاية)). وتظهر بعض الثغرات في عملية التحايل الفني لتشكيل صورة البطلة بنت الجنية، فهي عندما تحولت إلى إنسية في عالم الإنس، صورت بطريقة مثالية، فقد تعايشت مع واقع الناس في الواحة، وانتقلت مع زوجها إلى الجارة.

ولم تلجأ الكاتبة إلى موقع وحيد للراوي يحقق من خلاله هذا التحول في وعي البطل، وإنما عمدت إلى توظيف عدة مواقع للراوي وفق ما يقتضيه سياق السرد:

الروائي يقدم البطل.

الروائي يفكك وعي البطل.

الروائي يؤدلج البطل.

وذلك كله في إطار أن الروائي يقوم بعملية تمثل لعملية السرد الشفاهي بهدف إحلال أيديولوجية المفارقة (الفردانية ) محل الرؤية الجمعية للعالم21.

4.لغة القصة:

لقد قامت اللغة في القصة على اللغة الحوارية التمثيلية (الديالوج) عوضا عن اللغة السردية الخطية (الوصفية)، ويبدو ذلك في عدة مواضع في القصة، فعندما حدثت المشاجرة بين ملك الجن وابنته التي رغبت فى الزواج من الإنسى يدور الحوار التالي:

ممكن أفهم إيه اللي هببتيه ده؟

هببت إيه سموك ؟ كنت بالعب.

لعب: أنا اللي دلعتك وبوظت أخلاقك الحق علي أنا .

يعني كنت عايزني أسيبه يأكل أكلنا ويصبح جني زينا.

وهو يطول؟

وكذلك اصطناع لغة مقلدة للصيغ الشفاهية، ولكنها تميل إلى السجع كما يبدو في المقطع التالي:

«في يوم من الأيام صحيوا أهل سيوة على صوت ميكروفون بيقول إلحقوا يا جدعان ... فلان بن علان اختفى .. فص ملح وداب .. مش عارفين انشقت الأرض وبلعته ولا كلته الدياب .. خرجوا الناس .. كل الناس .. اللي بيعزق؟ رمى من إيده الفاس .. واللي بياكل قال شبعت خلاص .. واللي بتغسل سابت الزهرة على البوتاس .. واللي بتطبخ نسيت النار تحت القلقاس ... .

ويكفينا هذين النموذجين للتدليل على لغة القصة المستلهمة.

المجتمع القبلى مجتمع المدينة (أو المجتمع الحضرى)
قيم العمل الزراع قيم العمل في وظيفة أو صناعة
فصل الحريم عن الرجال الاختلاط بين الرجال والنساء
شيوع تعدد الزوجات تفضيل الزواج بالواحدة
تفضيل الزواج الداخلي تفضيل الزواج الخارجي

2 - الأيديولوجيا:

لقد سيطرت فكرة حفظ التراث ورعايته على بنية القصة، كما طرحت قضية جديدة هي العلاقة بين الذات والآخر أهل الواحة/الأجانب بما يضع رباعية من القيم المتقابلة أمامنا:

المجتمع القبلى مجتمع المدينة

(أو المجتمع الحضرى)

قيم العمل الزراع قيم العمل في وظيفة أو صناعة

فصل الحريم عن الرجال الاختلاط بين الرجال والنساء

شيوع تعدد الزوجات تفضيل الزواج بالواحدة

تفضيل الزواج الداخلي تفضيل الزواج الخارجي

اويجب ألا ننسى أن الأيديولوجيا ليست قاصرة على مؤسسة الكتابة، لكن الاختلاف أن أيديولوجية مؤسسة الكتابة أيديولوجية فردية أو فئوية متصارعة، أما الصوت السردي الجمعي الذي قدمه الراوي في النمط الشفاهي، إنما هو محمل أو بالأحرى نتاج أيديولوجيا جمعية، حددت من كل قيمة، ومن كل سلوك، موقفها بإجماع يرفض المساءلة، ولا يسمح إلا بالتغني بهذه الأيديولوجيا الجمعية»22.

3 -التطعيم والزرع:

الخطاب الكتابي كما يبدو من القصة هو نتاج لمختلف أنواع التوليف أو الاستدخال. عبر استكشاف قابلية اللغة للإعادة ـ أي قدرتها على أداء وظيفة في سياقات جديدة بقوة جديدة ـ في التطعيم النصي تصنيف مختلف طرق استدخال خطاب في آخر أو ما يطرأ من قلقلة في الخطاب محل التفسير. وإن هي إلا مجرد أفكار مبهمة عن كيفية إنشاء نمذجة للتطعيمات؛ مما يشير إلى جدة هذا المتطور، وصعوبة جعله مثمرًا23.

وحقيقة الأمر أن استراتيجية التطعيم استراتيجية مزدوجة، فالتفسير بوجه عام يستند إلى فروق بين المركزي والهامشي، الجوهري وغير الجوهري: أي تفسير يعني أن تكتشف ما هو مركزي في النص أو في مجموعة من النصوص. من جهة، يشتغل تطعيم الهامش من داخل هذه الحدود ليقلب التراتب، فيبين أن ما قد تم اعتباره سابقا هامشيا هو في حقيقة الأمر مركزي24.

وهذه الحيلة الكتابية في تمثل السرد الشفاهي أنشأت المسافة بين المؤلف والراوي، في السرد الكتابي، ووجود هذه المسافة لازمه عدد من العلاقات بين المؤلف والراوي ليست بالضرورة علاقة وفاق ومساعدة، وإنما كانت في بعض الأوقات علاقة صراع من أجل الاستحواذ على سلطة توجيه السرد. ومما يزيد من صعوبة مهمة الكاتب مقارنة بالراوي الشفاهي، أن فعل الكتابة ينزع إلى الفردانية؛ ومن ثم فهو ينزع إلى الإقناع برؤية فردية محضة تجاه العالم، بينما فعل الشفاهية ينزع إلى تأكيد التصور الجمعي؛ ومن ثم فالراوي الشفاهي يعكس رؤية جمعية تجاه العالم25.

إن تجربة استلهام الحكاية الشعبية من سيوة بواسطة كاتبة للقصة قد سلب الحكاية الشفاهية بعض مقوماتها بما يصدق فيه قول سعيد يقطين: « تحاور الرواية أو (القصة القصيرة) الأنواع الأخرى، تسلبها أهم مقوماتها لتحتفظ بها لنفسها. إنها ترهن النص السابق، لتسلبه جوهره. وبذلك تؤسس ذاتها من خلال استمداد عناصر حياتها من مقومات حياة الأنواع الأخرى، وبذلك تحيا وهي تجدد نفسها بناء على قاعدة المحاكاة والتحويل»26.

وبصورة عامة فإن البنية السردية للقصة في مجملها تقوم على عدة خصائص، فهي عبارة عن تجريب روائي يستفيد من فكرة تعدد الأصوات في النص الحكائي، ومعنى ذلك أن هناك انحرافا في مطابقة المكتوب عن المنطوق، يقوم على التطعيم والتوليف واستدخال خطاب في آخر، يغلب عليه منطق التكميل والتركيز على ما هو هامشي أحيانا، ويأتى ختام القصة بأسلوب درامي يلخص الدعوة للعودة إلى التراث وحمايته ضد الهجمة الشرسة من الأجانب الغرباء عن ثقافتنا.

خاتمة:

رأينا في العرض السابق بعض ظواهر التحول في الحكايات الشعبية الشفاهية حسب السياقات المختلفة التي تؤدى فيها، وأن عددا من العوامل تؤثر في ذلك التحول ومنها التغير الذي أصاب الحياة الشعبية في البيئات المغلقة مثل واحة سيوة، وتبعا لذلك فإنه عندما تتاح الحكايات الشعبية الشفاهية لأحد الكتاب أو القصاصين لكي يستلهم منها قصة، فإنها تتحول من حيث الشكل والوظيفة واللغة بحيث ينتج نص جديد فيه بعض خصائص النصوص الشفاهية المستلهمة (فضلة شفاهية)، وأن هذه الفضلة قد تختلف من كاتب إلى آخر، وأقلها حضورا الاحتفاظ بالشكل العام للحكاية، وتضمينها بعض المعتقدات أو العادات، واستخدام بعض القوالب الصياغية الشائعة في الحكاية الشفاهية وفقا للإمكانات والأطر التالية:

- دمج عدد من الحكايات الشعبية في قصة واحدة طويلة .

- نقل مكان وزمان الحكاية الشعبية إلى زمان ومكان معاصرين أو واقعيين .

- تجاور العناصر الخيالية والتقليدية إلى جانب الاستكشافات العلمية .

- تفاوت نبرة القص بين الجدية والسخرية ـ لدى بعض الكتاب على الأقل ـ بما يتناسب مع الهدف من استلهام الحكايات والسياق الذي تؤدى فيه القصة .

- تبني منظور نسائي جديد .

- توظيف اللغة باستدماج الفصحى والعامية .

- إعادة بناء النصوص في شكل فني جديد يجمع بين شكل الحكاية الشعبية، والقصة القصيرة (الجمع بين الحكي والقص)، والأسلوب التمثيلي المسرحي .

- تقليد الأسلوب الصيغي الشفاهي بتخليق صيغ مشابهة بطريقة مصطنعة .

- اختفاء الدلالات الرمزية في البنية العميقة للحكايات أو زحزحتها وتحولها .

الهوامش

(1) بول زمتور . مدخل إلى الشعر الشفاهي، ترجمة وليد الخشاب، دار شرقيات للنشر، 1999، ص 98.

(2) Richard Bauman story performance and event:contextual studies of oral narratire ,Cambridge university press ,1988.p78

(3) هالة كمال . قالت الراوية، حكايات من وجهة نظر المرأة من وحي نصوص شعبية عربية، ملتقى المرأة والذاكرة، ط1، القاهرة، 1999 .  

(4) المركز الثقافي الفرنسي والألماني حكايات الصحراء بين الماضي والحاضر، واحة سيوة، الإسكندرية، يوليو، 2007

(5) سعيد يقطين . الرواية والتراث السردي، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006 .

(6) سيد ضيف الله . آليات السرد بين الشفاهية والكتابية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، القاهرة، ع174، 2008 

(7) والتر آونج، الشفاهية والكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين، الكويت، عالم المعرفة، ع 182، فبراير 1994، ص ص 97 ـ109

(8)المرجع السابق ص ص 109 ـ115

(9)راجع بالتفصيل هذه المخططات للحكي الشفهي عند: Linda Degh , Folk narrative (tale genres) (in) Richard Dorson , folklore and folklife , the university of Chicago press, 1972 ,pp60 - 80

(10) والتر أونج، الشفاهية والكتابية، مرجع سابق

(11) انظر: Richard Bauman ,story , Performance , and event contextual studies of oral Narrative , Indiana University press , 1988 . p 90

(12) Richard Bauman ibid pp 98-99

(13) Ibid p 100

(14)Richard Bauman , story , performance and event Ibid p 80

(15)عبد الحميد بورايو، التحليل السيميائي للخطاب السردي نماذج تطبيقية، بحث غير منشور، 2000، ص ص 2-3.

(16)عبد الحميد بورايو، الادب الشعبى الجزائري، الجزائر، دار القصبة للنشر، 2007، ص ص 191-192.

(17) هالة كمال . قالت الراوية: حكايات من وجهة نظر المرأة من وحي نصوص شعبية عربية، القاهرة. ملتقى المرأة والذاكرة، ط1، 1999.

(18) المرجع السابق ص ص 67 – 68 

(19) سيد ضيف الله . آليات السرد بين الشفاهية والكتابية، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، سلسة كتابات نقدية، ع 174، 2008، ص20

(20) المرجع السابق

(21) سيد ضيف الله . آليات السرد بين الشفاهية والكتابية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، القاهرة، 2008، ص79

(22) المرجع السابق . ص 64

(23)جوناثان كلر . مدخل إلى التفكيك مجلة إبداع ترجمة حسام نايل ملحق العدد 5-6 شتاء وربيع 2008

(24) المرجع السابق . ص 99

(25) محمد رجب النجار . التراث القصصي في الأدب العربي، الكويت، منشورات ذات السلاسل، مج1، 1995 ص 44

(26) المرجع السابق . ص 195

أعداد المجلة