اللغة العدد
التمثلات الاجتماعية للمجذوب في المجتمع المحلي فضاء بمدينة الجلفة «أنموذجا»
التمثلات الاجتماعية للمجذوب في المجتمع المحلي فضاء بمدينة الجلفة «أنموذجا»
العدد 52 - عادات وتقاليد

أ.عبدالقادر حميدة - الجزائر

يقول الباحث المغربي عبدالغني منديب: «من بين الأوهام التي تعمل السوسيولوجيا كعلم اجتماعي على تدميرها هي شفافية الواقع»1، من هذا المنطلق بدت لنا صعوبة موضوع كهذا، ذلك أن المهمة الأساسية للباحث هنا، هي محاولة فهم هذا الواقع غير الشفاف، الذي يقدم لك وقائعا وأحداثا ورموزا وحكايات على الباحث قراءتها قراءة صحيحة، وفق مناهج ملائمة وبأدوات مناسبة، من هنا تبدأ الحيرة في الإعلان عن نفسها، وخاصة أنه عليه أن يعيد بناء الواقع المائل أمامه وتركيبه. وقد بدا لنا في محاولة اقترابنا من الفهم أن لا نتساءل السؤال الذي قد يتبادر لأي دارس للوهلة الأولى وهو: ما هي التمثلات الاجتماعية للمجذوب في المجتمع المحلي؟ وهو تساؤل منطقي ومشروع، لكننا رأينا أنه قد يقودنا إلى وصف سطحي وساذج، لأننا سننشغل بتتبع مختلف التمثلات وعدها دون فهمها فهما عميقا، وبالتالي فإننا اهتدينا إلى أنه لو قلبنا الطرح على رأسه وعكسنا السؤال سيكون ذلك أجدى، وقد بدا لنا أيضا أن التقنية المناسبة لهذا الفهم هي الملاحظة بالمشاركة، ومنه فإننا سنتساءل عن الآليات التي أوجدت هذه التمثلات، والتي تعمل على استمرارها، فيكون التساؤل الرئيسي كالتالي:
- ما هي الآليات التي أنتجت وتعيد إنتاج مختلف التمثلات الإجتماعية للمجذوب الشيخ النعاس في فضائه المتواجد في مدينة الجلفة؟
ويتفرع عن هذا السؤال سؤالان:
- ما هي الآليات التي أنتجت وتعيد إنتاج المكانة المركزية للمجذوب الشيخ النعاس في المجتمع المحلي؟
- ما هي الآليات التي تعمل على استمرار التمثلات الاجتماعية في فضاء الشيخ النعاس في المجتمع المحلي؟

مشكاة المفاهيم:
ثمة افتراضات بديهية تؤكد وجود هذه الآليات التي أنتجت وما تزال تعيد إنتاج المكانة المركزية للمجذوب الشيخ النعاس في مدينة الجلفة، وتكون أكثر وضوحا في فضائه، ولذا فإننا من أجل الإجابة على هذه التساؤلات، وجب علينا تحديد المفاهيم الرئيسية في هذا المقال وهي:
المجذوب، المقدس والتقديس، السلطة، المكانة الإجتماعية، المجتمع المحلي، المريد، الطقس.

اولاً:المجذوب:
يعد هذا المفهوم من أكثرالمفاهيم العصية على التحديد في الدراسات السوسيولوجية اليوم، فإذا كان الجنون حالة مرضية، فإنه في الوعي الجمعي المحلي يضفي قداسة على المصاب به، وقد حاول التصوف الإسلامي احتواءه تحت مسمى الجنون الصوفي la folie mystique، ولم يفوت إدموند دوتي هو الآخر فرصة الحديث عن هذا النوع من الجنون مشيرا إلى كون «العصابيين يعتبرون من جهة أخرى أولياء صالحين أكثر منهم مصابين بمس من الجنون. والحق أن التمييز بين الحالين أمر بالغ الدقة والصعوبة»2، إن الصعوبة التي يتحدث عنها دوتي تمكنا من تجاوزها حينما حاولنا تقديم مفهوم قريب من المجذوب، مفهوم يغرف من واقع المجذوب لا مما تحكيه عنه الكتب، إن القداسة التي حظي بها هذا الجنون الصوفي هي التي بوأته مكانة مركزية، جعلته يمارس سلطات رمزية مختلفة في المجتمع المحلي، بما هي هيمنة وتصرف في حياة الزوار.

ولم يكن المجذوب ليحظى بتلك المكانة لولا وجود «المستثمرين لهذا الجنون»، وهم النواة القيادية في هذا الفضاء، هذه النواة التي يعتبر وجودها شرطا أساسيا في تكوين ما أسماه دارندورف بـ«جماعات المصلحة» والتي قال فيها: «لكي تتولد جماعة معينة عن شبه جماعة، من الضروري أن يقوم بعض الأفراد بمهمة التنظيم، وأن ينجزوها عمليا على أحسن وجه، وأن يلعبوا دورا قياديا. إن وجود مؤسسين ومنظمين وزعماء يعد أساسا قبليا تقنيا لخلق جماعة مصلحة. إن المنظمين هم إحدى الخمائر، وليسوا نقطة البداية أو سبب التنظيم. بدونهم يكون التنظيم مستحيلا»3.

وحتى لا يتوهم القارئ لبحثنا أننا ربطنا مفهوم المجذوب في علاقته بالآخر فقط، وقد سميناه هنا «فضاء» فإننا ندقق القول فنقول: نعني ب المجذوب ذلك الشخص غريب الأطوار، الذي يرتدي لباسا رثا، باليا، متسخا، يتحدث بكلام غير مفهوم في الغالب، تظنه مجنونا عند أول وهلة، لأن غرابة أطواره ومظهره توحي بذلك، لكنه لا يؤذي الآخرين مثل المجنون، ولا يعتدي عليهم، بل يحظى بمعاملة خاصة، تضفي على حضوره وعلى كلامه وتصرفاته قداسة وسلطة، إنه في الغالب يحتفظ بلباس واحد طوال شهور السنة وفصولها، لا فرق في مظهره بين الصيف والشتاء، وهو على أنواع، فهناك الماكث في مكان واحد لا يغادره أبدا، وهناك المتجول الذي لا يتوقف في مكان، وهناك الذي يقيم تارة في مكان ثم يغيره، يعني يجمع بين النوعين، المقيم والمتجول، وهذا الشخص يسميه الصوفية المجذوب أو المراد أو المأخوذ، وعند العامة الدرويش أو الزهدي. والمحدد الرئيسي في الفرق بين المجذوب والمجنون هو الأذى، فالمجذوب لا يؤذي الآخرين باستعمال العنف، والآخرون لا يخافونه بل يحترمونه ويستأنسون بمجالسته، ولعل ما ذهبت إليه غيتة الخياط من تحديد تعريف المجذوب في المظهر الخارجي وحده دون تصرفاته ليس كافيا، فهو عنصر لا ينزع اللبس بينه وبين المجنون.

وقد استخدمنا كلمة مجذوب للاستعاضة بها عن تسميات أخرى أهمها «الولي» و«الزاهد» أو «الزهدي» وعادة ما ينادى هنا بـ«الشيخ» بالنسبة للجميع، وبـ«أبي» أيضا بالنسبة للبعض، وهو عموما من عرف عنه صلاح ما، بربطه بخوارق أو أحداث حصلت معه، ومن بين أهم المجاذيب الذين تتمثلهم الذاكرة الشعبية في كل حين، سيدنا الخضر عليه السلام، الذي له مكانة خاصة، وتأتي حكايته مع سيدنا موسى المروية في القرآن الكريم ﴿سورة الكهف الآيات من 64 إلى 82﴾ لتعزيز تلك الصورة، وتربط الثقافة الدينية المحلية بين الخضر عليه السلام والمجاذيب الموجودين في المنطقة بعلاقة أبوة روحية، فهم يرون أن هؤلاء المجاذيب وأهمهم على الإطلاق الشيخ النعاس أبناء الخضر عليه السلام..
ولكي يتضح المفهوم علينا الانتباه لمحددين أساسين: أحدهما خارجي وهو المظهر اللباس وثانيهما خارجي أيضا لكنه يتحدث باسم الداخلي وهو التصرفات، فالمظهر الخارجي يشترك فيه المجذوب مع المجنون، أما التصرفات فهي التي تشكل عنصر الفرق بينهما.

ثانياً: المقدس والتقديس: محددات المفهوم:
التقديس هو إضفاء هالة من التبجيل المبالغ فيه، والاحترام الزائد عن حده، لشيء أو شخص أو حيوان أو مكان أو زمان، ويكون هذا الفعل مسيّجا بشبكة من المحرمات، فالمقدس بهذا الشكل يتعارض مع المدنس، ويتجاوز في معناه وتمثلاته المحرم، حيث يقترب معناه من المحظور الأرضي، ليأخذ سمة المرغوب السماوي، وذلك لأن تبعات انتهاك المحرم في تصور وواقع الإنسان المؤمن قد تكون أخف من تبعات انتهاك المقدس، التي يصعب جبرها خلافا للمحرم.

إنه الاعتقاد في وجود قوى سحرية تنفع وتضر، وبإمكانها إضفاء البركة على الأمكنة والأزمنة والأشخاص، إنه انتقال في الرؤية لمحل المقدس، من العادي إلى ما فوق العادي، ومحل المقدس هو مقره، وكل شيء صالح لأن يكون محلا للمقدس.

إن إضفاء هذه القوى الخارقة على محل ما (مكان، زمان، شخص، حيوان..) يجعلنا ننظر إليه نظرة مختلفة، ونتمثله بطريقة مغايرة للعادي، ونحيطه بمحظورات وربما بطقوس أيضا..
فالمقدس إذن لا يكتمل إلا بوجود ثنائية متلازمة وهي:
- الاعتقاد في وجود القوى الخارقة محدد نظري
- شبكة المحرمات محدد عملي
لقد بدا واضحا جليا، ظهور محدد (المحرم)، الذي يأخذ شكله النهائي على حسب كل مجتمع، وكل دين، وكل ثقافة، وهو المحدد العملي لتصور نظري عن قدسية شيء ما، أو شخص ما، أو مكان ما، ولقد درج الفهم للمقدس على اعتباره مرادفا للمحرم أو التابو4، غير أن التمثل للمقدس في واقع الإنسان المتدين يتجاوز المحرم، فالمقدس أعم وأوسع.

ثالثاً: السلطة:
الشيء الذي جعل من السلطة مفهوما عصيا على الضبط الاصطلاحي هو تخفيها، فهي خفية وتوجد في كل مكان، لكنه يمكن الحديث عنها من خلال رصدنا لمختلف تجلياتها، فهي تتجلى داخل المجتمع على شكل قوة، وهذه القوة بدورها قد تكون ظاهرة ومادية في حالة التعرض مثلا لأذى جسماني من طرف سلطة ما لم ننصع لها، وقد تكون خفية كانصياع المؤمنين بقانون ما لهذا القانون، فالسلطة إذن تمارس عملها بآليات مختلفة مثل العرف أو القانون أو القوة المادية، لكنها تتجلى في أشكال مختلفة تجعلنا نتحدث عن سلطة اجتماعية وسلطة دينية وسلطة كاريزمية، وسلطة سياسية وأخرى اقتصادية.

وما يهمنا في السلطة هنا هو تجليها في فضاء المجذوب، كسلطة دينية تحوي في هذا التجلي المحلي السلطتين الرمزية والكاريزمية في آن واحد، كما أنه وأثناء مسار أجرأة هذا المفهوم لا يمكننا إغفال المدلول اللغوي، الذي من شأنه أن يعزز هذا المسار نحو فهم أعمق، فالسلطة في اللغة تنحو من فعل تسلط على الشيء أي احتواه وأحكم القبضة عليه، والسلطة هي القوة المحكمة والمؤطرة بشكل يصعب الإفلات منها، ومن هنا يتجلى تعريفنا السلطة في هذا الفضاء بما «هي قدرة شخص معين على فرض أنماط سلوكية على شخص آخر»5، حيث أن السلطة هنا تتجلى كسلطة رمزية بما هي سلطة كاريزمية، وكسلطة كاريزمية بما هي رمزية ومادية في آن واحد.

وربما كانت سلطة فرد أو مؤسسة، تشكل توظيفا ما للمقدس في سياقه الدنيوي، ويعتبر هذا أهم تشكل يظهر به المقدس، حيث تتداخل الحدود بين (المقدس والسلطة) ويصبحان عملة واحدة ذات وجهين، هذا التماهي قد يجعل من السلطة مقدسا، ومن المقدس سلطة، يستخدمان التابو ذاته، والمعنى ذاته للمحرم «تبدو السلطة كالمقدس عصية، خارجية، تتخذ من الشخص مقراً مؤقتاً لها. إنها تُنال بالتنصيب والتنشئة والتكريس، وتُفقد بالخلع وانعدام الأهلية أو الفساد والظلم كما تحظى بدعم كامل من المجتمع الذي يشكل المؤتمن عليه الرابط بين جميع أعضائه»6.

وبما أننا سنعتمد المقاربة البورديوية في التحليل، فإننا سنشير إلى مفهوم (السلطة الرمزية)، وفق تصوره، الذي حتما سيتقاطع أثناء ذلك مع السلطة الكاريزمية كما تصورها ماكس فيبر بما هي نوع من السلطة يستمد شرعيته من إيمان الآخرين بالقدرات الخارقة لشخص ما.

رابعاً: المكانة والمكانة الاجتماعية:
نعني بالمكانة ذلك الوضع الذي يشغله الفرد في ضوء توزيع الحقوق والالتزامات والسلطة. بما هي توقعات متبادلة للسلوك بين الذين يشغلون الأوضاع المختلفة في بناء ما أو نسق اجتماعي، وهي تعبر عن وضع معين فيه، وعموما فإن المكانة هي الوضع الذي يشغله الفرد أو مجموعة أفراد داخل الجماعة التي ينتمي إليها حيث تحدده سلسلة من العوامل كالعمر، والجنس، والمهنة، والدخل، الخ، وهذه العوامل تعد مؤثرات على مكانة الفرد داخل الجماعة التي ينتمي إليها وداخل المجتمع ككل. ويمكننا أن نميز بين المكانة المكتسبة من خلال جهود الفرد واستخدام القدرات الخاصة، والمعرفة، والمهارة، والمكانة الموروثة التي تأتي بطريقة تلقائية، كأن يصل الفرد إلى سن معينة مثلا
أما بالنسبة إلى المكانة الاجتماعية، فيتفق المفكرون على أنها: «الوضع الذي يشغله الفرد داخل تنظيم معين»7 أي أن المكانة الاجتماعية هي المرتبة التي يحتلها الفرد طبقا لمواصفات تؤهله لذلك، كما تمثل مجمل تفاعل التقديرات التي يحظى بها الفرد من طرف جماعته المنتمي إليها، «ولكل مكانة إجتماعية معايير بما يتوقع من شاغل هذه المكانة»8.

لكن كل هذا الكلام عن المكانة ما هو إلا محدد خارجي وعام لها، حيث إننا سنتحدث في دراستنا عن المكانة المركزية التي هي التقاء وجمع لوجهين هما (القداسة والسلطة) أو ما نحب تسميته بالهيمنة والخضوع، وهنا يجدر بنا أن نلاحظ أن ماكس فيبر في حديثه عن (الشامان) اعتبر أنه يكتسب مكانته الاجتماعية من قدرته على الإتيان بأفعال لا يستطيعها غيره، وهذه القدرة التي تساوي المكانة هي التي اقتضت تقديس الشامان والطاعة له، وهنا تبرز بوضوح ثنائية التقديس والسلطة التي بنينا عليها المكانة.. لقد دار فيبر حول الفكرة لكنه لم يفصلها التفصيل الواضح. ومن هنا يمكننا القول إن تعريفنا الإجرائي للمكانة المركزية هو الذي يتركز على بعدين أساسيين هما:

من جهة السلطة التي يمارسها المجذوب على المريدين والزوار لكي يعزز مكانته المركزية في مجتمعه المحلي، ومن جهة ثانية القداسة التي يحظى بها داخل هذا المجتمع، والتي تساهم في تعزيز مكانته.
فتتحدد المكانة إجرائيا، بتحقق هذين البعدين الأساسيين، فإذا توفرا صارت المكانة مركزية، وإذا لم يتوفرا انتفت المكانة المركزية وصارت هامشية.

خامساً: المجتمع المحلي:
تركز أغلب تعريفات المجتمع المحلي على الموقع الجغرافي الواحد، لمجموعة من الأفراد والجماعات، الذين تربط بينهم علاقات اجتماعية وثقافية ودينية، وهي تعريفات لا تفي بالغرض، ذلك أن الانتماء لفضاء ما، تتعدد جوانبه، وتتداخل، وتحديده يتطلب تدقيقا أكثر، ومعالجة أوضح، حيث أن الموقع الجغرافي الواحد، إن المجتمع المحلي الذي نعنيه هنا هو مجتمع مدينة الجلفة، المتردد على فضاء المجذوب الشيخ عبدالرحمن النعاس بن ابراهيم، وهو مجتمع يتميز بكونه متعدد يضم جميع الشرائح الإجتماعية، ويشمل كل الفئات، وبالتالي فهو مجتمع ديناميكي يحوي جميع العناصر الأساسية التي يمكن أن يحويها المجتمع المحلي، وهي: الجماعة، التفاعل، الروابط الزمانية والمكانية:
فالجماعة: هم المريدون القدامى، الدائمون، والزوار المؤقتون، وأقارب الشيخ القاطنين في محيط فضائه.

والروابط الزمانية التي تعنينا هنا، هي الأفراد الذين تواجدوا في المكان أثناء حياة الشيخ، وما يزالوا أوفياء للمكان بعد رحيل الشيخ، يحرسون الفضاء ويرعونه، ويشرفون على الهبات والزيارات ومختلف الطقوس.
والروابط المكانية التي تؤطر مجتمعنا المحلي، هي المنازل التي تكون الفضاء، والتي هي عبارة عن تجمع سكاني يحوي حوالي 07 عائلات، ومنزل الشيخ، وخاصة غرفته والساحة التي أمامها، بما هي فضاء لمختلف طقوس الزيارة والهبات، وأيضا ضريحه المتواجد داخل قبته على بعد حوالي كلم شمال المكان الأول.. أما التفاعل فهو مختلف العلاقات المتبادلة داخل فضاء الشيخ.

وتحديدنا لمفهوم المجتمع المحلي، يتطلب منا حتما توضيح وأجرأة مفهومنا للمريد، فمن هم المريدون، وماذا نعني بالمريد؟

سادساً: المريد:
يختلف مفهوم المريد في فضاء المجذوب، عنه في حقل التصوف عموما، فليس هو «الذي تعلقت إرادته بمعرفة الحق، ودخل تحت تربية المشايخ»9، بل يأخذ مفهوما أعم لدخول متغير قصدي مباشر، يفسره دافعه الذي جعله يداوم على زيارة الشيخ، فمريد الشيخ المتصوف قد يسلك هذا الطريق مريدا وجه الله، وطمعا في مكانة تدنو من مكانة شيخه، ويكون المقصد المادي غير ظاهر، لكن هذا المتغير المادي هو الذي يقف وراء تصرفات مريدي المجذوب غالبا، ومنه فإن المريد هنا هو كل من داوم على التردد على الشيخ حال حياته، ويخرج بهذا من دائرة المريدين المترددين على ضريح الشيخ أو فضائه بعد رحيله،
إن اعتراف المريد بسلطة الشيخ عليه، يجعله يطلب منه تدخله في كل شؤون حياته الخاصة، ويعتبر هذا التدخل مصدر فرح، ودليل رضا وقبول، ومورد بركة، ومنه يصبح الشيخ عارفا تجب طاعته في كل الأمور، وقائدا، ومعلما، ومصلحا، ومرشدا، يجب الامتثال لأوامره، والرضوخ له. وهو ما يلغي ذواتهم الفاعلة، لأن هناك دائما من يحدد لهم الخطاب والمسار..

إن هؤلاء المريدين وتحت وطأة الضربات المتتالية لإخفاقاتهم وجدوا أنفسهم يصنعون عالما موازيا، داخل (آسرة) جديدة، وفضاء جديدا، إنه يضمن لهم إحساسهم بوجودهم، الذي حرموا منه في العالم الأول..
القرب من هؤلاء المجاذيب صعب. والدليل ما حل بالبعض منهم، فمنهم من محا نفسه بيده. وهناك من بقي مسلوبا لا يدري شيئا. وصحبتهم صعبة لأن هناك خيطا رفيقا، دقيقا بين الربح معهم والخسران.
والمريدون هم أبناء الشيخ الروحيون الذين تعارف الناس على مناداتهم بذلك، وهم اليوم في فضاء المجذوب النعاس، ما يقارب 60 الستين ما بين رجال ونساء، وقد شكلوا في دراستنا هذه عينتنا التي حددت معالم مجتمع البحث.
وإذا كان المجتمع المحلي يرعى طقوسا في فضاء المجذوب، فماذا نقصد بالطقس؟

سابعاً: الطقس: في بناء مفهوم إجرائي:
ذات يوم اختلف طلبة من علم الاجتماع حول المعنى الدقيق لكلمة «طقس»، وكل منهم راح يسرد تعاريف يحفظها عن ظهر قلب، معتقدا أنه على صواب، وبعد جلبة واختلاف شديد، حسم أستاذهم الراحل الدكتور محمد بن علي –رحمه الله- المسألة قائلا بحدة: الطقس هو كل ما تجاوز الكلام..

من هذه الحادثة التي كنت احد أطرافها، سأبدأ بنائي لمفهومي الإجرائي لـ«الطقس»، مع الوفاء لمعنى أستاذي، لأن تعريفه كان حاسما، لكن ذلك لا يمنع من محاولة المناقشة والتجاوز، لأن ذلك حتما يفرح الأستاذ الحقيقي.

أولا سيساهم المدلول اللغوي للكلمة في تقريب معناها، بما هو مدلول يختزن كل الأبعاد السوسيو-لغوية، ولن نغوص في المعاجم، بل يكفينا هنا الإتيان بمدلول الكلمة كما وردت عند البستاني في قاموسه «محيط المحيط»، أن الطقس عند النصارى يطلق على شعائر الديانة واحتفالاتها، وهو معرب لكلمة «تكسيس» باليونانية، ومعناها نظام وترتيب، والجمع طقوس، والطقيساء، والطقيسة مكان صغير خارج دار الحريم، يُستقبل فيه الأضياف10.

سآخذ كلمتين من تعريف البستاني (النظام والترتيب) و(يستقبل فيه الأضياف).. النظام يعني طريقة ومسار واحد، والترتيب يعني التتابع الذي لا يتغير، بمعنى حركات وأفعال ظاهرة للعيان، و(يستقبل فيه الأضياف) يعني مكان للزوار يقومون فيه بعمل ما، وعادة ما يكون هذا المكان ذا قداسة ما، او على صلة بالعوالم المقدسة، وهنا يمكن استدعاء المعنى اللاتيني لكلمة (طقس) وهو ««Rite» مشتقة من الكلمة اللاتينية «Ritus» وهي عبارة تعني عادات وتقاليد مجتمع معين كما تعني أنواع الاحتفالات التي تستدعي معتقدات تكون خارج الإطار التجريبي11، وبجمع كل ما ذكرناه يمكننا أن نصل إلى مفهومنا الذي أردناه لكلمة (طقس) وهو: هو مجموعة الحركات والأفعال التي تتجاوز الكلام والتي تتميز بتكرارها على نظام واحد، ويقوم بها شخص ما استجابة لتجربة دينية داخلية وتعاليم خارجية لها صلة بالعوالم المقدسة.

الشيخ المجذوب عبدالرحمن النعاس وفضاؤه:
اولاً: ترميم أطراف سيرة ممكنة:
شخصية تكاد تكون أسطورية، شديدة الحضور في أذهان وتمثلات المجتمع المحلي في منطقة الجلفة وما حولها، أشعار شعبية تمتدح خصالها النادرة، وأغان تتغنى بكراماتها، أهازيج تملأ الملاعب الرياضية المحلية، والأفراح العائلية، إنها شخصية الشيخ النعاس، فمن هو هذا الشيخ المجذوب؟ وما قصته؟

إن الإجابة على هذين السؤالين بقدر ما تبدو سهلة للوهلة الأولى فهي صعبة جدا، لأن الباحث سيرتاد منطقة بكرا، ففخ الحكايات الشفوية التي يحمل كل أنواع النقائض، وتدوين الحكاية كما يرويها المريدون مهمة مستحيلة لأنها متناثرة، ومتناقضة، ويختلط فيها المخطئ والمصيب، ويتداخل فيها ذلك الذي يروي حكاية حقيقية والذي يحكي حكاية متخيلة، ولذا كان الحذر سلاحنا الأول لمواجهة هذه الصعوبة، فبدءا من تاريخ ميلاد الشيخ المختلف فيه، الذي يحصره البعض بين عامي 1904م و1907م، والذي اعتمدنا فيه على اللوح الموضوع في مدخل الضريح 1905م كونه التاريخ الوسط بين مختلف الأرقام، إلى السيرة المتضاربة التي تتناقلها الروايات المختلفة للمرحلة الأولى من حياته، أي قبل أن يستقر به المقام نهائيا في مكانه الذي لازمه مدة طويلة من الزمن..

ورغبة منا في لملمة أطراف هذه السيرة المتفرقة هنا وهناك، كان علينا الاتصال بالمريدين المعروفين، الذين تفرقوا هم أيضا هنا وهناك، ولم يكن الأمر يسيرا أمام تمنع البعض عن الإدلاء بأي كلمة تخص سيرة شيخهم، وأمام إصرار البعض على التحدث من وحي ذاكرتهم، رغم أن فيهم من كتب نتفا عنه في كراسات ودفاتر قديمة*، المهم أننا حرصنا على طرق باب كل واحد منهم، حتى لا تفوتنا كلمة أو حكاية، قد تخدمنا في مهمتنا هذه، ولعل ما قابلنا من صعوبات زادنا إصرارا على ضرورة إنجاز هذه المهمة، التي ليست سوى صفحة من صفحات تاريخ شفوي، نمعن في دفنه، كأننا نريد التخلص من هويتنا.

الشيخ عبدالرحمن النعاس بن إبراهيم بورقبة، ولد عام 1905م، وتوفي يوم الأربعاء 07 أفريل 1993م، ويقال أن الشيخ النعاس هو وارث الشيخ الشلالي، نسجت حوله حكايات أسطورية، هو البركة وفيه البركة، والبركة بيديه، يمنحها لمن يشاء من مريديه أو زواره، ويضفيها على الأشياء حوله كما يشاء، قد يخلعها على مكانه، أو غرفته، أو لباسه الذي يغيره على فترات متباعدة جدا ويعتبر يوم تغييره لثيابه يوم عيد، حيث يقول مريدوه أن «الشيخ اليوم عيّد»، أي هو يوم عيده، ومنه فهو يوم عيدهم، حيث يتقاطرون على تلك الثياب القديمة المملوءة في نظرهم بركة وقدسية والتي تحمل كل معاني الخير وتجلبها، وبإمكانها دفع كل شر، فيقطعونها إلى قطع صغيرة يتقاسمونها فيما بينهم، ويمنحون بعض القطع لبعض الزوار ذوي الحاجة الملحة.

هو الغوث الذي كاد أن يتجاوز درجات الغوثية، وهو قطب الزمان، وهو الشيخ الذي لم ير مثله في المشرق ولا في المغرب ، وهو الجنرال، وهو طرطاق الجعب
سبب التسمية بـ«عبدالرحمن النعاس»:
تسمية عبدالرحمن النعاس انتشرت في الجلفة وضواحيها في بدايات القرن الماضي، وكان ذلك لما ذاع صيت الشيخ عبدالرحمن النعاس بن سليمان العقوني، أحد الشيوخ المتصوفة المشهورين الذين تتلمذوا على يد الشيخ المختار بن عبدالرحمن الجلالي (نسبة إلى أولاد جلال)، وهو الذي أطلق عليه تسمية النعاس لأنه كان حين يحضره (حاله) الصوفي فإنه ينعس، وتأتيه سنة من نوم، وكانت لهذا الشيخ منزلة رفيعة في قلوب الناس لما حباه الله به من خصال وكرامات يحكيها القاصي والداني، بل وما تزال تتردد إلى اليوم، وهكذا لم تشذ السيدة (النخلة) والدة شيخنا عبدالرحمن النعاس بن إبراهيم عن هذه القاعدة، في تسمية ابنها الثاني باسم أحد الصالحين، بعد أن سمت الأول (محمدا).. لكن لهذه التسمية حكاية، يرويها الأخ الأكبر للشيخ وهو (محمد) لمحدثنا وهي كالتالي:
يقول محمد: كان الشيخ عبدالرحمن النعاس بن سليمان-رحمه الله- يأتينا نحن عائلة بورقبة المعروفين بـ(الشناين)، من عرش أولاد الغويني من قبيلة أولاد نائل الذائعة الصيت، وكانت أمي النخلة، قد ولدتني وبقيت سنينا عديدة بدون إنجاب، إلى أن جاءنا الشيخ النعاس في العام الذي توفي فيه (أي سنة1905م)، وأثناء تلك الزيارة خاطب الشيخ أمي وأبي قائلا:
«جاءنا طفل اسمه النعاس، واللي يحضر لويته للى فيه».
وهكذا ولدت النخلة الشيخ، وسمته على الرجل الصالح، حامل البشارة لها بالمولود الجديد: عبدالرحمن النعاس بن إبراهيم.
وقد ولدت بعده عدة أولاد هم: احمد، عثمان، عطية، عبدالغني، وكان له أيضا أخوان من أبيه إبراهيم هما: علي وعمر.
سبب جذبته:
طبعا تتعدد روايات سبب جذبة الشيخ، لكن الرواية الأكثر تداولا، أي المستفيضة هي تلك التي سمعناها من أكثر من واحد، لكننا أحببنا أن نقيدها هنا على لسان المرحوم محمد (الأخ الأكبر للشيخ) والتي رواها مشافهة لمحدثنا:
بعد وفاة والدي إبراهيم، قسمنا الأرض، وقسمنا المنازل، أي البيوت المتواجدة على تلك الأرض، والتي بها بيت الشيخ اليوم، في الجهة الشرقية من مدينة الجلفة بجانب الطريق المؤدي إلى مدينة بوسعادة، وكانت قديما خارج المدينة، لكن بنايات المدينة الآن وصلت إليها، فهي الآن بجانب الجامعة وبجانب محطة النقل البري، وهنا نتوقف لنحكي ما قيل للشيخ ذات يوم حيث اشتكى له زائروه من بعد بيته عن المدينة فقالوا له: يا شيخ لو تجيئنا إلى الجلفة (وسط المدينة) أحسن، فابتسم الشيخ وقال: الجلفة هي التي ستجيئني. وهكذا حدث بالفعل.
قال محمد: وكان الشيخ يرحل معنا، ويقيم معنا، يمشي بيننا، يرعى الغنم، ويصطاد أيضا معنا.
لكن الذي حدث بعد ذلك هو أنه تزوج امرأة جميلة من (النواورة)، ويبدو أنه أحبها، لكن المرأة لم تمكث عنده طويلا، بل هربت عليه، وتركت له ابنة بهية الطلعة اسمها (عائشة) هي التي عند يحيى بلخيري اليوم، وعلى إثر هذا الحادث، قبضته الجذبة، ودخل في حال آخر.
في البداية كان يمشي في أحياء الجلفة، ووراءه كلاب تتبعه، وكان ينام عند الشيخ (الرب) في دشرة (بن تيبة)، وكان الجميع يعرفه في وسط المدينة كان أيضا يمكث أحيانا عند (السعدية المايدية) أو عند (أم هاني) زوجة الشيخ عبدالرحمن بن الطاهر-رحمه الله-، وفي سنة 1979م، استقر به المقام في بيته خارج المدينة.
وكان خلال تلك السنوات أي منذ سنة 1979 إلى غاية 1982، يخرج من غرفته، ويتجول حول البيت وفي محيطه ولا يبتعد كثيرا، لكنه منذ سنة 1982 وإلى غاية يوم وفاته في 07 أفريل 1993م لم يغادر غرفته قط. والعجيب أن ثيابه كانت تبلى، والأعجب أن حذاءه من نوع صوفي (بانطوفة) كان يبلى على الرغم أنه كان لا يمشي به إطلاقا (ثم يستدرك قائلا: في الظاهر لا يمشي، لكن في الباطن كان يمشي كثيرا)، وكان لا يغير ثيابه إلا في يوم عيده.
وقد كان أخوه الذي يصغره أحمد -رحمه الله- من أحب إخوته إليه وأعزهم، وقد حكا لمحدثنا هذه الحكاية، التي تتحدث عن حال الشيخ في بدايات جذبته قال: غاب عنا الشيخ مدة وأصبحنا لا نراه، فقلقت عليه واشتقت إليه، وذات يوم بلغ قلقي أقصاه، فركبت بغلتي، وذهبت أبحث عنه، فوجدته في نواحي (الزريقة) جالسا تحت قنطرة صغيرة وتحيط به الحيات والثعابين، الثعبان الواحد كان يقوم واقفا مثل رجل.
وقد حكا أحمد هذه الحكاية مرات أمام الشيخ، وكان الشيخ يبتسم.. ولقد تأثر الشيخ كثيرا يوم وفاة أخيه أحمد..
كان الشيخ يتحسس مشكلة كل واحد من زائريه، وكانت المحبة هي ذلك الرباط الذي يصل بينه وبين مريديه، ربما في البداية كان لكل واحد غرضه الدنيوي، لكن المقاصد تتغير بمجرد اجتياز عتبة باب داره، فتحل محل الرغبات الدنيوية الفانية، رغبات أسمى وأبقى، وهكذا تصير زيارة الشيخ عادة يومية، وطقسا مستمرا، يغذيه الشوق لرؤية وجه الشيخ، والمكوث عنده أطول وقت ممكن..

ثانياً: محددات فضاء المجذوب الشيخ النعاس:
حالة الأمكنة:
دار الشيخ النعاس
: دار الشيخ النعاس لم تزل على حالها، لم يتغير فيها شيء، سواء داخلها أو خارجها، وسواء في شكلها التقليدي كسقفها مثلا، أو في طلائها الخارجي الأبيض..
فداخل غرفة الشيخ نجد سريره الفردي الذي هو في مواجهة الباب مباشرة، وعلى يساره أي عند رجلي الشيخ توجد (القبارية) وهي بناء حديدي يشبه الغرفة الضيقة جدا بالكاد تسع شخصا واحدا، مغطاة بأزر ذات ألوان مختلفة، كان الشيخ يدخل داخلها أحيانا، وكان يقول أحيانا قبل دخوله هناك أنه ذاهب (ليسقي الحديقة)، والشيخ لم يكن يغادر غرفته أبدا، وبالذات منذ نهايات ثمانينيات القرن الماضي، فقد كان يتنقل داخلها لكنه لم يكن يغادرها.. ويوجد أمام سرير الشيخ (مائدة حديدية مصنوعة على شكل مكتب صغير)، كان الزوار يضعون عليها بعض هباتهم أو طلباتهم، وكثيرا ما وضعت على هذا المكتب ملفات إدارية فمثلا: وضع أحد ولاة الجلفة القدماء ملفه هناك بغية ارتقائه كوزير، لكن الشيخ رفض الملف، وكثيرا ما وضعت عليه استدعاءات الخدمة العسكرية وحادثة عبدالقادر بلحاج معروفة في هذا الباب، وكثيرا ما وضعت عليه ملفات طلب سكن اجتماعي أو رغبات زواج او صورة امرأة يريد احد الزوار خطبتها والزواج منها، والكل كان ينتظر ما يقوله الشيخ بخصوص طلباتهم الموضوعة على المكتب، مكتب الشيخ كان يمثل احد السبل المهمة للوصول على الشيخ ومخاطبته، فهو محل هيبة وتقديس مثله مثل الشيخ، قد وضع عليه مصحف ما يزال إلى اليوم، وغناء ماء يشرب منه الزوار بضع شربات متمثلين قداسة المشروب، ودائما ما يوضع عليه طبق مملوء (روينة) أو (مردودا)، فتجد الزوار يتسابقون ليظفروا بلقيمات لاعتقادهم ببركته، فها هي «قيم الأكل تسري خلال الآكل»12.

جدران غرفة الشيخ كلها مغطاة بالزرابي، وأرضها أيضا مفروشة بالزرابي، ما عدا موضعا واحدا، وسط الغرفة يظل كما هو، وهو عبارة عن حفرة صغيرة، تسقى دوريا بالماء، ولا تكاد تجف، لأن الشيخ أمر بذلك، تلك الحفرة الصغيرة كان الشيخ يسميها (عين الحياة)، وهاهم المريدون حينما يدخلون غرفة الشيخ لا ينسون طقس وضع يد على ذلك المزيج من التراب والماء، ومسح وجوههم به، مستحضرين قداسة تلك الحفرة الصغيرة جدا..
هذه هي الغرفة التي يردد المريدون أن الشيخ قال عنها «هذي الجنة، واللي تنفس فيها والله ما يخاف..» ولا تقتصر دار الشيخ على هذه الغرفة، بل هناك ثلاث غرف أخرى داخلية، وهي مخصصة للطهو وتحضير (المعروف)، يتوسطها فناء مخصص (للحضرة).. وهي غرف النساء، أما الرجال فلهم غرفتان خارجيتان خارج البناء كله، كما يوجد خارج البناء (حاسي الماء) وهو بئر ماء حفره أحد ولاة ولاية الجلفة الذين كانوا يخدمون الشيخ، وللإشارة فقد قام أحد الولاة السابقين بشق الطريق المؤدي لدار الشيخ.

القبة والضريح:
باب القبة خشبي أخضر طوله 2م و16 سم وعرضه 97سم، عليه لوحة خشبية صغيرة بلون يميل إلى البني الفاتح مكتوب عليها بخط صغير أسود: هذا ضريح المرحوم الشيخ النعاس.
أما على الجدار يمين الباب فتوجد لوحة أخرى أكبر من القطعة الخشبية الأولى، وهي من الرخام، بيضاء، مربعة الشكل، يبلغ طول كل ضلع فيها: 29 سم، مكتوب عليها باللغة العربية وبالفرنسية ما يلي:
المرحوم الشيخ النعاس بورقبة
CHEIKH NAAS
المولود بسنة 1905
المتوفى بسنة 1993
-رحمه الله-
وهذه القبة التي بها ضريح الشيخ، هي التي بناها المقاول الراحل حمروش الغويني، بعد أربعينية الشيخ مباشرة، ويبلغ طولها: 8 م و41 سم، وعرضها 6 م و55 سم، وارتفاعها 3 م و16 سم، بها نافذتان صغيرتان من جهة الشرق، وأخريان مماثلتان تماما من جهة الجنوب، ويبلغ عرض كل منها 47 سم، والطول 92 سم، وتنتهي من الأعلى بما يشبه المثلث أو الهرم.

في داخل القبة وفوق الضريح مباشرة يوجد بناء خشبي يسمى محليا بـ»القبارية»، مغطى بقطع قماش ذات ألوان مختلفة تسمى كل قطعة منها بـ«الإزار»، ويبلغ إرتفاع القبارية 1م و35 سم، أما عرضها فيبلغ 1م و5 سم.
وتوجد إلى جانب قبة الشيخ قبة أخرى أصغر، وأقدم، فارغة، أي لا يوجد بها ضريح، وقد أخبرنا المقدم علي، وهو واحد من المقاديم المتواجدين بالمكان وأهمهم كونه يقطن المكان، بأن عجوزا تدعى «الوعيلة» هي التي بنت تلك القبة الصغيرة حينما كان الشيخ على قيد الحياة وقد ساعدها في ذلك أحد المريدين المسمى شرماط علي، وقد تم البناء عام 1982م، غير أن الشيخ أبدى امتعاضه من هذا البناء، وخاصة كره إيحاءاته، وقد اشار إلى ذلك حين ذكر ما معناه كأن القوم يستعجلون رحيله.

رابعا: ديناميكية الفضاء من خلال التمثلات
«قراءة سوسيولوجية»:
وجدنا في فضاء المجذوب رؤيتين أساسيتين متناقضتين، ربما تشكلان امتيازا لهذا الفضاء، أو ربما هما نتاج التعدد الذي يتيحه الفضاء للدارس والمتأمل والباحث، فهو أولا فضاء لإذابة الفوارق الاجتماعية وتعايش الطبقات وتوحيد الرؤى والتطلعات بين المريدين، ومن ثم نجد أن المجذوب يعمل من خلال أقواله وسلوكه وإشاراته على إذابة كل الخلافات الموجودة بين المريدين على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتحرير المريدين المنحدرين من الفئات الدنيا من عقدهم الطبقية الشعورية واللاشعورية وتخليصهم من مركب النقص عن طريق، أوامره، وما يبثه من أمل في النفوس، وما يتيحه من فرص للنجاح في شتى الميادين، ولعل من أهم الوظائف الأساسية التي يضطلع بها هذا الفضاء هي إيجاد حالة من التوازن بين عناصر البيئة الاجتماعية، ويساهم في خلق علاقات إيجابية بين المريدين الدائمين فيما بينهم، وبين الزوار المؤقتين، وأيضا بينهم وبين القائمين على الفضاء المنحدرين من أقارب الشيخ خصوصا، وهذه العلاقات مبنية على التعاون والأخوة والتسامح والتواصل والتآلف والمشاركة، ونبذ كل علاقة قائمة على الصراع والعدوان والإقصاء والتهميش والتنافر والكراهية.

إنه فضاء يتيح للمريد والزائر معا معارف متعددة، وجديدة أيضا، ويعلمهم أسلوب الانفتاح على الآخر والتثاقف معه Acculturation كما أن المستفيدين في هذه الفضاءات من الرأسمال الرمزي، يعملون على المحافظة عليه ودعمه بمختلف الآليات والوسائل المتاحة، مثل إعادة إنتاج حكايات الكرامات، (ونلاحظ أن العديد من الكرامات تستنسخ في جهات مختلفة من الوطن) واستظهار أقوال المجذوب، وقدراته الخارقة، «ويساهم الخدام والمريدون هم أيضا في تدعيم الرأسمال الرمزي للولي صاحب الضريح برواياتهم المتجددة حول حاجاتهم التي قضيت ورغباتهم التي حققت بفضل مزايا وبركات الولي». ومن جهة ثانية، وفي رؤيا مختلفة فإن فضاء المجذوب هو فضاء لتكريس الطبقية والهيمنة، المقربون من الشيخ سواء كانوا مريدين قدامى أو أقارب المجذوب، يحتلون مراكز متقدمة تمكنهم من بسط نفوذهم وهيمنتهم، فنظام فضاء المجذوب، يشبه نظام المجتمع في كل مؤسساته، فهو نظام هرمي يقوم على السلطة والتسلط والعنف الرمزي، ويحتل المجذوب فيه المركز الرئيسي والأول، ويحتل المريد المبتدئ أو الزائر المؤقت المركز الأدنى، وبينهما يجيء المريدون القدامى، وأفراد عائلة المجذوب.

اولاً: دوافع ارتياد فضاء المجذوب:
تتعدد دوافع ارتياد فضاء الشيخ وزيارته، تبعا لتعدد مقاصد الزوار، وعادة ما يمكن تقسيم الدوافع إلى خاصة وعامة، فالخاصة مثل: الشفاء من الأمراض، الإنجاب، الخوف من الغد، الزواج بصفة عامة، واختيار الزوج أو الزوجة بصفة خاصة، جلب الحظ، فتح أبواب الرزق، النجاح في الانتخابات، الارتقاء في المناصب، رضا الله، دخول الجنة، الولاية، محبة الأولياء..

ولقد مكنتنا التقنية البحثية التي اعتمدنا عليها وهي الملاحظة بالمشاركة، من إدراك مختلف الدوافع الحياتية، والتي صرح لنا بها المريدون، حيث شرعنا في تسجيل مختلف القضايا التي استشاروا فيها الشيخ، وهكذا بعد جمعنا الإجابات، تمكنا من تحديد مختلف دوافع الزيارة، طبعا دون أن نسألهم مباشرة عن ذلك، لأن السؤال المباشر من شأنه أن يغالطنا، وجاءت القضايا التي تكمن وراء الزيارة، وفق الترتيب التالي: حيث لاحظنا أن الدوافع الاجتماعية من زواج وطلاق وإنجاب تحتل الصدارة، وهذا مما يعزز اجتماعية ظاهرة اللجوء للمجذوب، ويجعل من هذه الظاهرة موضوعا اجتماعيا بامتياز، وتأتي الدوافع الاقتصادية من عمل وتجارة في الرتبة الثانية وهي نسبة تعزز الرأي القائل بأن الرأسمال الرمزي قد يكون منتجا لرأسمال مادي، ثم تأتي الدوافع الشخصية الفردية التي قد لا ترتبط بأبعاد اجتماعية في ظاهرها من الدراسة والخدمة العسكرية والشفاء من الأمراض، بينما تحتل الدوافع السياسية رتبة متأخرة، بما هي دوافع تقف وراء الزيارة، وهذا يبدو لنا أنه عكس نتائج دراسة حسن رشيق التي وضعت الدافع السياسي في المقام الأول، لكن كون الدافع السياسي هنا ضئيلا، لا يعني أن هذه الفضاءات لا تستغل سياسيا بل بالعكس هي فضاءات خصبة لأي نوع من أنواع الاستغلال والاستلاب، مثال ذلك ما حدثنا به المريد علي جداوي حول الدوافع بالذات حيث قال: «المريدون على أنواع، منهم من يبحث عند المجاذيب عن الحكمة، أو الكيمياء، أو استخراج الكنوز، وقليل منهم أولئك الذين يريدون وجه الله، أنا عندما ذهبت إلى الشيخ النعاس كنت في بداية أمري أبتغي الدنيا، وكنت كلما دخلت عليه قال لي: يا أحمد اخرج اربط «الزايلة» ولم يسمح لي بالدخول، تكرر ذلك معي مرتين أو ثلاث، وفي ذلك اليوم الذي فهمت فيه أنه يقصد بالزايلة الدنيا الفانية، سمح لي باليقاء ولم يعد يخرجني»13. كما نود الإشارة إلى أن هناك من لم يبوحوا بدوافعهم معتبرين ذلك «سرا خاصا» أو مسألة بينهم وبين الشيخ، وحبذوا أن تظل طي الكتمان، لكن رغم ذلك فإنها مهما كانت لن تخرج عن محيط ما تحدث عنه المريد جداوي آنفا.

وهناك أيضا دوافع أكثر عمومية مثل تلك الدوافع السياسية الخاصة بأمن البلاد واستقرارها، أو الدعاء لولي الأمر بطول العمر والصحة والعافية، وأن يرزقه الله البطانة الصالحة، وأيضا يندرج ضمن هذه العمومية الاستسقاء، وأن يكون العام عام خير على الحرث والنسل. كما لا يمكننا إغفال الدوافع الأخرى التي لا تنتمي إلى هذه ولا إلى تلك مثل الفضول، واستغلال الحرية المتاحة داخل الفضاء، وديمقراطية العلاقات بين الجنسين لمعاكسة النساء ومراودتهن، أو الالتقاء بجماعة رفاق للتسلية وتمضية الوقت بل وحتى اقتراف بعض المنكرات كشرب الخمر، طبعا ليس أمام الشيخ، ولا داخل محيطه المقدس، بل قد تكون خلف البنايات المهدمة القديمة التي كانت يوما جزءا من بيوت عائلة الشيخ.

فالزائر إذن يلجأ للمجذوب بغية قضاء المصالح الاجتماعية كالزواج والإنجاب، أو طبية كالشفاء من بعض الأمراض المستعصية عن العلاج «في فضاء الشيخ تروى حكايات بأن الشيخ كان السبب في الشفاء من أمراض خطيرة كالسرطان مثلا، وهي كثيرة هذه الحكايات لا يتسع المقام لسردها»... أو اقتصادية للحصول على منصب عمل والربح في التجارة وغيرها، أو نفسية كرجاء الشفاء من الاكتئاب أو الوسواس أو الهلوسة وغيرها، أو سياسية كالنجاح في الانتخابات أو الارتقاء في المناصب، وهناك أيضا من يعتبر هذه الزيارة تراثا تجب المحافظة عليه، استمرارا لتقاليد قبلية أو ثقافية.

ثانياً: طقوس الزيارة والذبيحة والهبة في فضاء المجذوب:
إن الزيارة للمجذوب في المجتمع المحلي أثناء حياته أو بعد رحيله، إما أن تكون فردية، أي أمرا شخصيا، أو جماعية، والجماعية إما أن يكون «ركبا» أي زيارة منظمة من طرف عشيرة أو قبيلة معينة، كركب «أولاد بلول» أو ركب «أولاد عيفة»، أو «وعدة» أي معروفا سنويا لا يشترط فيه الانتماء لقبيلة ما، وللزيارة وظائفها ودلالاتها الاجتماعية والدينية، فهي عادة ارتبطت بالتراث الشعبي وهي ظاهرة عامة عرفها المجتمع الجزائري عامة، والمحلي خاصة، حيث عرفت انتشارا بالغا، وعمل الناس على إحيائها في مواسم معينة واستمروا في إقامتها، وديمومة هذه الظاهرة ترتبط ارتباطا وثيقا بواقع الناس الاجتماعي، وبمعتقدهم الديني.. وهي بذلك تعتبر جزءا من الممارسة الشعبية الدينية، وبالتالي فهي متجذرة في السلوك الاجتماعي والمخيال الشعبي، ومنه فإن رؤيتنا السوسيولوجية تفرض علينا تناولها من حيث هي ظاهرة دينية تلامس المعتقد الديني، ومن حيث هي ظاهرة ثقافية تشكل عنصرا من عناصر ثقافة مجتمع، كل هذا انطلاقا من تفاصيل ممارساتها التي تتخذ من المجذوب مركزا لها، وفاعلا أساسيا.

وتتكون الزيارة الفردية من مجموعة من الطقوس التي تنجز بالمقام، أما الزيارة الجماعية أو الوعدة أو ما يسمى في بعض المناطق بالذبيحة فتعتبر طقسا جماعيا يقيمه الزوار على شرف الولي الشيخ، فنجد أن ذكرى الشيخ هي الوعدة السنوية الرئيسية، وهي تقام في ذكرى وفاة الشيخ يوم 07 أفريل من كل عام، حيث تحضر إلى جانب الذبائح الأناشيد الدينية أو ما يعرف محليا بـ(التقصاد) بمعنى التغني بقصائد تمدح خصال الصالحين عموما وخصال الشيخ خصوصا14، ويكون الرقص داخل الحضرة دون تمييز بين الجنسين، ففي فضاء الشيخ لا مكان لأجساد بل الأرواح هي صاحبة المكان، وهناك من يدخل أثناء رقصه في حال فيقال «طاح في الحال»، فتشرئب له الأعناق وتدنوا من فمه الآذان، عله يتلفظ لأصحاب المشاكل والمقاصد من الزوار بحلول لمشاكلهم: «فهذه عاقر يبشرها بمولود قريب واسمه كذا. وهذه عانس يبشرها بزوج قادم من ظهر الغيب، وهذا يريد منصبا فيبشره باقتراب حصول المقصود».
غير أنه بخلاف المواسم في مناطق أخرى، لا تحضر الأنشطة التجارية والدنيوية بصفة مباشرة، بل قد تأخذ طابعا غير مباشر كأن تعقد صفقات واتفاقات يكون تنفيذها لاحقا خارج «مراح الشيخ».. وهنا يمكن أن يحضر مفهوم السلعة الرمزية عند ماكس فيبر، فمفهوم «السلعة الرمزية» يدل على الطقوس والأديان والأساطير واللغات، ويقوم على المماثلة بين السلع الرمزية والسلع المادية، حيث يرى فيبر أن سوق السلع الرمزية تتحكم فيه نفس المبادلات التي تتحكم في سوق السلع المادية، ويمكن هنا أن أسوق جملة قالها أحد المريدين، وهي تعبر أدق تعبير عن ما ذهب إليه فيبر «صحبتهم أي المجاذيب بين الربح والخسارة»15 أي أن فضاءهم يتحكم فيه قانون الربح والخسارة مثله مثل منطق السوق، ويمكن للشكل التالي أن يوضح المقصود أكثر:

الفاعلون     الاقتصاديون     الفاعلون الدينيون
      سلعة مادية          سلعة رمزية
             الربح أو الخسارة

فالهبة والذبيحة تسمح بإقامة علاقة تواصل بين الزوار والولي أي بين المدنس والمقدس، والمواسم ترتبط أساسا بذكرى الشيخ أو معروف عارض والذي ينقسم إلى قسمين:
- معروف تطوعي بغية الشفاء أو قضاء حاجة أو رغبة في استعادة أجواء الزمن الماضي.

- معروف إجباري يكون أساسا استجابة لرؤيا رآها احد المريدين، أو لنذر نذره.

وقد دأب المريد «محمد تفريج»16 لعدة سنوات على الإشراف على معروف تطوعي يسميه «زورة الشيخ» تكون الأضحية فيه عبارة عن (عجل) لكنه انقطع عن ذلك في السنوات الاخيرة.

وكاد الأمر ينقطع تماما حيث فتر مدة بسبب تفرق المريدين القدامى، وموت بعضهم مثل عبدالغني أخو الشيخ وإبراهيم ليميقري، ورحيل رحمون إلى المجبارة، و«محمد رحو» إلى عين وسارة، و«عبد القادر بلحاج» إلى فرنسا، لكن الأمور نشطت من جديد خاصة بعد مجيء «الخونية مسعودة بورقبة» إثر رؤيا رأتها يأمرها فيها الشيخ بالمكوث هناك..

الملاحظ أن في هذا الفضاء، لا يوجد (مقدم) واضح، فكل من تجده هناك، من أحفاد الشيخ «مثل الكوموندا ابن أخ الشيخ» أو «علي بورقبة» بن أخ الشيخ أيضا أو المريدين القدامى «مثل البشير العسكري» بإمكانه لعب هذا الدور، حيث يشرع في ممارسة طقوس هذا الدور، من توجيه وحكي عن الشيخ وكراماته، ويستعد ذهنيا «وتصرفاته تدل على ذلك» لتقبل الزيارة، التي يشرع مباشرة بعدها في اللهج بأدعية مختلفة، تجعل من بركة «المقام»، وبركة «الشيخ» تحلان على الزائر..

غير أنه في الأعوام الأخيرة، حلت بـ(المقام)، إحدى حفيدات الشيخ، وتدعى «الخونية مسعودة»، وبدأت تلعب دور «المقدم» الدائم، وتقول أنها رأت رؤيا يأمرها فيها الشيخ بالمكوث هناك وخدمة زوار المقام، لقد شكل قدومها في منتصف شهر «جانفي2011» بعثا جديدا لحضور «المقام» في الذهنية المحلية، بعد أن بدأ يفتر ويتلاشى، خلال سنوات العشرية السوداء، فأشرفت على «موسم الشيخ» يوم 07 أفريل، وأحيت ليالي رمضان بمختلف أنواع الذكر، من قراءة قرآن، ومدائح دينية، وحضرات، حيث استقطبت بعض المريدين القدامى الذين شاركوها عملية الإحياء هذه، منهم محمد ابن الماحي ومحمد رحو وعبدالقادر بلحاج، وخصوصا البشير العسكري ورابح القصاد..
لقد عمل هؤلاء جميعا، بواسطة عملية (البعث والتجديد) هذه، على الحفاظ على هذا الرأسمال الرمزي الذي هو استمرار لنظام اجتماعي من العلاقات بين الجماعتين (الأقرباء والخدام) وهي علاقات تتجلى في شكل حقوق وواجبات.. حيث يمثل هؤلاء الجانب الدنيوي أي «المدنس ويمثل الشيخ النعاس الجانب «المقدس»، وهي علاقة تبادلية يمكن تمثيلها في الشكل التالي17:

 

ومن الهبات والذبائح ومن الرأسمال الرمزي الذي يتحول إلى رأسمال مادي يستفيد على وجه الخصوص:
- أقرباء الشيخ وخاصة أولئك القاطنون في محيطه إلى غاية اليوم.

- خدامه القدامى الذين يزورون المكان بصفة منتظمة وهناك من حمل رأسماله الرمزي معه إلى مدينة أخرى.

وربما نجد من الضروري هنا سرد إحدى كرامات الشيخ النعاس التي تواترت، والتي ترددت كثيرا أمامنا في هذا الفضاء، فقد رواها أكثر من واحد، ولنستمع إليها على لسان محمد إبراهيمي أحد من عايشوها وأحد مريدي الشيخ النعاس القدامى، حيث يقول18:
كان الشيخ النعاس في تلك الفترة أي فترة الثورة التحريرية الكبرى، يجوب شوارع الجلفة، ولم يكن قد استقر بعد في بيته «استقر بداية من 1978م كما أكد لنا علي جداوي»، وكان يرتدي في تلك الفترة برنوسا أبيضا، ويتبعه كلبان (كما تبينه الصورة التي التقطها له محدثنا محمد إبراهيمي عام 1976م)، وذات ليلة من ليالي حظر التجول الذي كان مفروضا ابتداء من الساعة السادسة مساء، وحين كان الشيخ سائرا كعادته في الشارع الرئيسي متوسطا الطريق (لم يكن الشيخ يمشي على الرصيف بل في وسط الطريق وتلك عادته حسبما أكد لنا جل المريدين) فإذا بدورية فرنسية تمر من هناك، وتتفاجأ عن بعد بشبح رجل يخرق حظر التجول، وتستغرب حال هذا (الأنديجان) الذي يعصي الأوامر، حيث صرخ فيه قائدها قال: قف (بالفرنسية).. فلم يأبه به الشيخ واستمر في سيره، وهكذا كرر القائد أمره مرارا، لكن الشيخ لم يتوقف، هناك أعطى القائد أوامره بإطلاق النار عليه، لكنه ما لبث أن أعطى أوامر أخرى بضرورة التوقف عن ذلك، حيث رأى أن الرصاص كان يتساقط على الأرض حينما يلمس برنوس الشيخ، وكان أمره بالتوقف هذه المرة مصاحبا لكلمة أخرى هي: مرابط.. مرابط (بالفرنسية).. من يومها لم تعد الدورية الفرنسية تطبق قانون حظر التجول على الشيخ النعاس، وفي الصباح تناقل الناس خبر هذه الكرامة، ورووها باعتداد وتفاخر، بقوى شيخهم الخارقة، التي أرضخت الفرنسيين.

خاتمة:
لقد تبين من خلال هذا العرض أن فضاء المجذوب ببنياته المختلفة يسعى إلى إعادة إنتاج تمثلات المريدين، والزوار، عن طريق «الهابيتوس» فيضمن بذلك استمرار الرأسمالين الرمزي والثقافي، وأن اللغة بما هي أداة للتواصل، تشكل الرافد الأساسي عن طريق الحكاية، حكاية كرامات المجذوب، المحور المركزي في هذا الفضاء، وفي الأخير نحب أن نفتح المجال أمام الباحثين الآخرين في هذا المجال، حتى تكون كلماتنا هنا بمثابة طرف الخيط، إن أرادوا التقاطه، وذلك أننا حين نتكلم عن تمثلات اجتماعية، فإننا نتحدث عن واقع اجتماعي داخل فضاء البحث لأنه «لا شيء غير حقيقي في الصورة المتكونة عن فرد معين أو منظمة في أذهان الأفراد، لأن هذه الصورة هي ذلك الفرد أو تلك المنظمة، كما يراها هؤلاء الأفراد أو تلكم الجماعة، سواء كانت زائفة أو صادقة، والشخص الذي تكونت لديه صورة معينة عن شيء سيتصرف مع هذا الشيء تبعا لهذا التصور الذي كونه أو تكون لديه»19 لقد تمكنا ولو جزئيا من الكشف عن بعض الآليات التي تحكم صيرورة العلاقات الاجتماعية داخل هذا الفضاء، فضاء المجذوب الشيخ عبدالرحمن النعاس.

الهوامش

1. عبدالغني منديب: الدين والمجتمع دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب، الدار البيضاء، المغرب، إفريقيا الشرق، ط2، 2010، ص 10.
2. إدموند دوتي: السحر والدين في إفريقيا الشمالية، تر: فريد الزاهي، الرباط، المغرب، منشورات مرسم، 2008، ص31.
3. Dabrendorf ,R:Classes et conflits de classes dans les sociétés industrielles, Paris, lahay, mouton,1972 , p188.
4. انظر في ذلك : عبدالحكيم شوقي في كتابه علمنة الدولة وعقلنة التراث العربي، بيروت، لبنان، دار العودة، ط1، 1979، ص ص 20 -37..
5. أحمد شبشوب: علوم التربية،تونس، الدار التونسية للنشر، ط1، 1991، ص25.
6. روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، تر: سميرة ريشا، بيروت، لبنان، المنظمة العربية للترجمة، 2010، ص132.
7. محمد الجوهري: مقدمة في علم الاجتماع الصناعي، مصر، دار الثقافة، ط1، 1979، ص166.
8. إبراهيم عثمان: مقدمة في علم الإجتماع، الأردن، دار الشروق، ط1، 1999، ص 171.
9. أحمد ابن عجيبة: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، تـ: عبد المجيد خيالي، الدار البيضاء، المغرب، مركز التراث الثقافي المغربي، ط1، ب س طبع، ص78.
10. بطرسالمعلم،البستاني: محيطالمحيط،بيروت،لبنان،مطبعةتبيويرس،ط 2، 1987،ص553.
11. نورالدين،طوالبي: الدين،الطقوس،التغيرات،الجزائر،ديوانالمطبوعاتالجامعية،ط1، 1988،ص 147.
12. عبدالحكيم شوقي: علمنة الدولة وعقلنة التراث، مرجع سابق، ص30.
13. في لقاء معه ببيته، بحي مائة دار، بمدينة الجلفة يوم، 26 ماي 2011م.
14. مثل قولهم: زاهد وصبار** للنعمة شكار
يبري من الأضرار** ودواه امزية
15. المريد علي جداوي ببيته بتاريخ، 26/05/2011م.
16. حسب زياراتنا الأخيرة للفضاء فإن هذه المبادرة انقطعت لعدة إكراهات، وبقي معورف ذكرى وفاة الشيخ تشرف عليه الخونية مسعودة ورحمون والبشير العسكري وبعض أقرباء الشيخ مثل سميه: النعاس بورقبة.
17. بعد إنجازنا لهذا المخطط، وجدنا أن الأستاذة حورية بن بركات تورد في تقديمها لكتاب "مارسيل موس" المعروف بـ "محاولات في الهبة" فقرة، فكرتها قريبة من المخطط، فأحببنا أن نورد تلك الفقرة هنا،
- "CE qui intéresse Mauss, c’est que le don, suppose un contre don, soit une contre partie et une compensation dans les dons rendues usurairement, ainsi que dans les faveurs, l’alliance et le soutien escomptés des puissances surnaturelles.", Marcel Mauss, Essai sur le don, présenté par HouriaBenbarkat, ENAG/Editions, Alger, 1989, p. XLV.
18. لقاء يوم 12 جانفي 2011 في بيته بحي الضاية بوسط مدينة الجلفة.
19. علي عجوة: العلاقات العامة والصورة الذهنية، القاهرة، مصر، عالم الكتب، ب ط، 1997، ص4.

المراجع باللغة العربية:
- إبراهيم عثمان: مقدمة في علم الاجتماع، الأردن، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1999.
- أحمد ابن عجيبة: معراج التشوف إلى حقائق التصوف، تـ: عبد المجيد خيالي، الدار البيضاء، المغرب، مركز التراث الثقافي المغربي، الطبعة الأولى، ب س طبع.
- أحمد شبشوب: علوم التربية، تونس، الدار التونسية للنشر، الطبعة الأولى، 1991.
- إدموند دوتي: السحر والدين في إفريقيا الشمالية، تر: فريد الزاهي، الرباط، المغرب، منشورات مرسم، 2008.
- بطرس المعلم، البستاني: محيط المحيط، بيروت، لبنان، مطبعة تبيويرس، الطبعة الثانية، 1987.
- روجيه كايوا: الإنسان والمقدس، تر: سميرة ريشا، بيروت، لبنان، المنظمة العربية للترجمة، 2010.
- عبدالحكيم شوقي: علمنة الدولة وعقلنة التراث العربي، بيروت، لبنان، دار العودة، الطبعة الأولى، 1979.
- عبدالغني منديب: الدين والمجتمع دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب، الدار البيضاء، المغرب، إفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 2010.
- علي عجوة: العلاقات العامة والصورة الذهنية، القاهرة، مصر، عالم الكتب، ب ط، 1997.
- محمد الجوهري: مقدمة في علم الاجتماع الصناعي، مصر، دار الثقافة، الطبعة الأولى، 1979.
- نور الدين، طوالبي: الدين، الطقوس، التغيرات، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الأولى، 1988.

المراجع باللغة الأجنبية:
- Dabrendorf ,R:Classes et conflits de classes dans les sociétés industrielles, Paris, lahay, mouton,1972.
- Marcel Mauss: Essai sur le don, présenté par HouriaBenbarkat, Alger, ENAG/Editions, 1989.

الصور

1. https://1.bp.blogspot.com/-J8qbjwISG6U/XkapCSBk8UI/AAAAAAAAAyM/JmCqGl6RWzMxOw3DPKYkPYm_llIwOuqAgCLcBGAsYHQ/s1600/%25D9%25A2%25D9%25A0%25D9%25A2%25D9%25A0%25D9%25A0%25D9%25A2%25D9%25A1%25D9%25A1_%25D9%25A2%25D9%25A1%25D9%25A3%25D9%25A8%25D9%25A2%25D9%25A9.jpg
2. https://3.bp.blogspot.com/--lcqV7si2xI/TVkYdcmGHGI/AAAAAAAABMY/1HHzI_X3jqg/w1200-h630-p-k-no-nu/marabout%2BCheikh%2BNaas.jpg
3. https://sites.google.com/site/naassidi/naassidichrif
4. https://sites.google.com/site/naassidi/home/naassidi2