اللغة العدد
رسائل الرواة.. الحكاية الشعبية العراقية والبنية الاجتماعية
رسائل الرواة.. الحكاية الشعبية العراقية والبنية الاجتماعية
العدد 52 - أدب شعبي

أ.صفاء ذياب – العراق 

تختلف الحكاية الشعبية العربية بين ثقافة وأخرى، ففي بعض الثقافات تنقسم الحكايات حسب الفصول، فهناك الصيفية والشتوية، وهناك الربيعية والخريفية. قصص الغول والحمار والذئب وحكايات الحيوان الأخرى لا تروى إلاّ في الشتاء، في حين تكون قصص بنت السلطان ومساعدة الأعمى وجحا وغيرها حكايات الصيف. لذا تختلف طرق السرد ومواعيده، ففي بعض المجتمعات يرتبط السرد بموسم الحصاد أو شهر رمضان، والآخر يرتبط بموسم الشتاء والتجمع حول الكانون، وهكذا حسب المجتمعات وثقافاتها وطرائقها الخاصة في الحكي.

ربما يبدو الأمر مختلفاً تماماً مع البيئة العراقية، فأغلب القصص التي كانت تروى جاءت من أجل الترهيب والترغيب لا أكثر. الترهيب من النهر والسباحة فيه؛ على سبيل المثال، أدى إلى اختلاق حكاية الرفش الذي يأكل البشر، وعبد الشط الذي يأخذ كل من يقترب من النهر شتاءً، أو ليلاً في الفصول جميعها، ومن ثمَّ بقيت حكايات الحوريات والجان والعمالقة ترتبط بالوعظ الديني والروايات التي تحكي عن الأنبياء والأولياء. فهل يمكن أن نعدَّ ما كنّا نسمعه حكياً شعبياً؟!

الملاحظة البارزة التي تواجه أي قارئ للحكايات الشعبية العراقية خلو البيئة الاجتماعية العراقية من الحكواتي بشكله الذي عُرف به في الشام ومصر، سوى ما أشيع لفترات قليلة، وسمي حينها بـ(القصّخون)، وربما ذلك عائد لطبيعة المجتمع العراقي والتحولات التي مرَّت به. وإذا كان لهؤلاء الرواة وجود، فطبيعتهم اقتصرت على رواية مقتل الإمام الحسين ولم تمتد للحكي الشعبي، لهذا بقيت الحكاية الشعبية العراقية التي يرويها الرواة مقيدة إما بروايات الأئمة (ع)، أو بحكايات بسيطة ترويها الأمهات لأطفالهن... هذه الحكايات؛ في أغلبها، لم تخرج عن هدف التعليم والنصح والحكمة، مبتعدة بذلك عن متعة الحكي ذاته، وفن القص الذي يعتمد على الابتكار والخلق والإضافة، وهذا ما يلاحظ على أغلب القصص والحكايات الشعبية العراقية المدونة، بل وحتى الشفاهية منها!

بين الشفاهية والكتابية:
للحكاية الشعبية تعبيراتها الخاصة، ومفاهيمها التي تختلف عن السرديات الأخرى. لأنها؛ أي الحكاية الشعبية، نتاج بيئة صغيرة، تحكمها ظروف وأعراف اجتماعية خاصة. وربما تتشابه الحكايات الشعبية «الكبرى» بين بلدان وبيئات كثيرة، غير أن لكل واحدة منها خطاباً مغايراً بين مدينة وأخرى.

لكن التساؤل المهم هنا يكمن في معرفة الشعبي على مستوى المجتمع العراقي، ومن خلاله نتمكن من الدخول في تحولاتنا الخاصة، فكرياً واجتماعياً..
يؤكد معجم (مفاتيح اصطلاحية جديدة) أن دراسة الفولكلور أو التراث الشعبي لم تقتصر على إنتاج مفهوم الشعبي بوصفه ثقافة شعبية، بل ساعدت أيضاً على تأسيس التراث الثقافي بالنظر إلى الناس العاديين كحشود، وثقافة حشد استهلاكية.

مبيناً أن التفكير المتأخر المتعلق بالنقاشات الخاصة بما بعد الحداثة حوّل الأفكار حول ما يشكل الشعبي. والمفترض أن الثقافة ما بعد الحديثة هي ثقافة صار يختفي فيها التمييز بين الرفيع والشعبي باستمرار منذ ستينيات القرن الماضي. وهذا عند بعضهم سبب يدعو إلى الاحتفاء بنهاية الإقصاء والنخبوية التي أقيمت على تمييزات اعتباطية للثقافة.

لكن النظرة العامة للتفريق بين النخبوي والسلطوي يكمن في نقاط كثيرة، يبدو أن أولها وأهمها هو الصراع بين الشفاهية والكتابية.

التفريق بين الاثنين غير محسوم حتى الآن بالنسبة للحكاية الشعبية، فهناك عدة مدارس تطالب الرواة بأن يبقوا حكاياتهم شفاهية لتبقى حية وفي تطور دائم، في حين ترى مدارس أخرى أن تدوين الحكاية يسهم في تحديد آليات اشتغالها ومعرفة بنياتها ووظائفها.

وفي قراءتنا لمدرستين مختلفتين في قراءة الحكاية الشعبية، المدرسة السورية والمدرسة المصرية، نلاحظ الفارق الكبير بينهما، فالكاتب السوري علي أبو شنب يرفض تدوين الحكايات الشفاهية، ذلك لأسباب يراها منطقية، فـ«الحكاية هي قصة مروية»، لكن الميزة الرئيسة في عملية الخلق الفني المنتجة للحكاية كونها حالة خلق مستمرة ما دامت تُروى، وما دام جمهور يصغي إليها، وهذه الحركية في عملية الخلق الفني للحكاية سمة تنفرد بها الحكاية الشفهية المروية عن جميع أشكال القصة الحديثة.

ويؤكد أبو شنب أن عملية الخلق الفني في القصة الحديثة تنتهي بمجرد أن يفرغ الكاتب من كتابتها، في حين أن حكاية ما- وهي مجهولة المؤلف والمصدر والزمان والمكان- تظل تنتقل من راوية إلى آخر، وهي في حالة من المرونة، شكلاً ومضموناً، بحيث أن راويها لا يؤديها، كل مرة، بالشكل والمضمون نفسه، فربما زاد عليها أو أنقص منها، حذف أو أضاف، وهكذا تكتسب الحكاية مرونة في الخلق، بينما تصبح القصة المكتوبة حالة من الجمود والكمون، بعد أن تنتهي عملية الخلق الفني المنتجة لها.

وإذا كان أبو شنب يشدّد على أهمية أن تبقى الحكاية الشعبية خارج التدوين رهينة الرواية- حتى وإن كان قد دوَّن بعض الحكايات السورية مجبراً لغرض عرض بنيتها وتشابهها مع حكايات أخرى؛ فارسية وروسية، إلا أن الكاتب المصري شوقي عبد الحكيم يصرُّ على تدوين هذه الحكايات، فهو يرى أن الحكايات الشعبية يمكن أن تكون بلا فائدة تذكر، ما لم يكن تاريخها قد تقرر خلال الفحص والاستقصاء المقارن. وبالطبع لا يمكن عقد هذه المقارنة دون توفر وتراكم الجزيئات أو عناصر وأحداث الحكاية الشفاهية- والمدونة- الفولكلورية بأنواعها وأنماطها وتصنيفاتها المختلفة.

لهذا السبب يشير عبد الحكيم إلى أن الحاجة تشتد إلى محاولة وضع تصنيفات للحكايات العربية، من منطلقها الأشمل؛ أي العربي السامي، مع مراعاة الخصائص والسمات القومية المميزة، سواءً تلك التي جرى الاتفاق عليها، ممن تعاقبوا على دراسة فولكلورنا وكذا شعائرنا، منذ روبرتسون سميث- وموسوعته عن الأديان السامية، ونولدكه، وتيودور بنغي حتى روبرت جريفز، وليفي شتراوس وتباعاً حتى سميث وغيرهم.

كما يراعي عبد الحكيم الخصيصة الاستراتيجية أو الجوهرية لهذا التراث القبلي المحمل ببذوره ومكوناته الأولى الفاشية العنصرية، في تشريعها، بل تقديسها للحرب والإبادة وصراعات تملك المياه وكذا صراعات الهجرات وتملك الأرض أو الحمى، والتوسل من أجل هذا بأساطير أرض الميعاد، التي لم يبرأ منها شعب أو قبيلة أو رهط أو جماعة.

ربما هناك خلط واضح وقع فيه عبد الحكيم بين الحكايات الشعبية العربية وبين ما درسه نولدكه وجريفز وغيرهما، فهذان الباحثان درسا الكتابات السلطانية بالدرجة الأولى وليست الشعبية، بمعنى أنهما حاولا تقديم الفكر العربي بعد أن تداولا ما قدمته السلطات الحاكمة لهما وليس ما كان مخبأً في أفواه الشعوب.

وبعيداً عن إصرار أبو شنب وعبد الحكيم، غير أن الأمر يبقى متأرجحاً بين هذين الرأيين، فشفاهية الأدب الشعبي إحدى أهم سماته، بدءاً من الحكاية أو السيرة أو الأمثال وليس انتهاءً بالحكم. للشفاهية أهمية كبرى لا يمكن أن تضاهيها كتابية الحكاية، غير أن هذه الكتابية تمنحنا وقتاً لتأمل الحكاية وقراءة بنياتها وآليات اشتغالها، والفنية التي عمد الراوي إلى ابتكارها بين حقبة وأخرى.

وربما ترتبط الشفاهية بمفهوم الزمان أكثر من مفهوم المكان، فالزمان هو المحرك الرئيس للحكاية وتحولاتها لأنها في تحول دائم مع كل مرحلة جديدة يمر بها مجتمع ما حتى وإن انتقلت لمجتمع آخر.

زمن الحكاية:
يبحث الكاتب المغربي عبد السلام بنعبد العالي عن مفهوم الزمان بين هايدغر وهيجل، لكنه في الوقت نفسه لا يقف عند آرائهما فقط، بل في كيفية فهم الزمان وتحولاته عبر التاريخ، مبيناً أن «الإنسان لا يوجد ككائن تاريخي، بل زماني، فليس الوجود البشري زمانياً لأنه يحتل موقعاً في التاريخ. إنه، على العكس من ذلك، وجود تاريخي لأنه زماني». ومع هذا؛ فإن مفهومي التاريخ والزمان لا يمكن أن يتحددا بطريقة نهائية، بل يبقيان مترجرجين ما فتئت اللحظة تمضي إلى غير رجعة، لتتحول إلى تاريخ بعد أن كانت زماناً ما ربما سيتغير به الكثير.

غير أن هناك نقطة مهمة تفصل ما بين الشفاهية والكتابية في البحث عما هو زمان وما هو تاريخ، اللذان ربما يندمجان في جانب ويفترقان في جانب آخر. فالشفاهية زمان مفتوح لا يمكن الإمساك به، أما الكتابية فهي زمان مقيد تحول تدريجياً إلى تاريخ. فلا يمكن أن نعدَّ النص الشفاهي تاريخاً ما لم يدوَّن، حينها تتحدد ماهيته وقدسيته وتتشكل سلطته على القارئ. أما السامع، فيبقى مندهشاً بالزمان الذي لا بداية له ولا نهاية إلى أن يوقفه التدوين.

يمكننا من خلال ذلك ضرب أمثلة كثيرة، فلا حدود للحكاية الشفاهية، ولا نهاية لها، وفي بعض الأحيان لا بداية أيضاً، فهي باقية أبداً تتمدد حول الرواة، ويعتاش عليها راوٍ بعد آخر حتى تمتد السلسلة منذ ما قبل التاريخ لتعبر المستقبل إلى اللامعلوم. في حين ما أن يتم تدوين الحكاية؛ أية حكاية كانت، يموت الراوي وتتيبس شفتاه ليتحول في لحظة التدوين إلى حجر لا يغير نطقه شيئاً في سير الحكاية.

جانبا الزمان والتاريخ يحددان الكثير من بنى الحكاية، فعندما كانت زماناً، لم تكن تحت رهن مكان واحد، مكان محدد، بل كان الطواف هو ما تريده دائماً، وما يريده الرواة والمستمعون في الوقت ذاته. فتتداخل الحكايات مع بعض وينتقل جزء من حكاية ما إلى حكاية أخرى ويكون ضمن بنيتها، وهذا هو ما يجعل كل بلد يدّعي بأن هذه الحكاية من تراثه القديم، وبلد آخر له نفس الادعاء، وفي الأصل أن الحكاية حينما كانت زماناً لا بلد لها. وربما من قراءة بسيطة، نفهم كيف تشابهت حكايات السندباد في بعض رحلاته مع حكاية الملك سيف بن ذي يزن، فمثلما وصل السندباد إلى جبل المغناطيس، وصل الملك سيف أيضاً للجبل نفسه، ومثلما صعد الرجل العجيب ذو القدمين الطويلتين على ظهر السندباد ولم يتمكن من الخلاص منه إلا بعد أن عصر له العنب حتى سكر حدَّ الثمالة، تخلص منه الملك سيف أيضاً... وهكذا تتوالد الحكايات، وترتبط بعضها ببعض حتى لحظة تحولها إلى تاريخ بعد أن دوِّنت، فلا نعرف الآن من الأقدم (تاريخياً) ألف ليلة وليلة أم سيرة الملك سيف بن ذي يزن.

تشابه الحكايات الشعبية وتداخلها يرجعنا إلى البحث عن الراوي وثقافته ومرجعياته الفكرية، فالنص الشعبي هو «مجرد جسم ذي علاقة بالتراث الخاص بالمجتمع الذي ينتمي إليه، والراوي هنا هو الذي يكسوه، ويزينه بزخارفه، ويجعله حياً بالطريقة التي يقدمها بها، ويجذب الانتباه إليه، بالهيئة التي يعرضه عليها، ويزيد من تأثيره بانفعاله وتفاعله معه». ويضيف الدكتور أحمد علي مرسي «إن الراوي لا يمكن أن يعيش بعيداً عن مجتمعه، ولا أن يُدرس منفصلاً عن بيئته التي يؤدي فيها دوره، ويكتسب فيها وجوده الحي المؤثر، وقيمته وقيمة ما يرويه». فالرواة غالباً ما يمثلون تراثهم وتراث مجتمعهم بما يحمله من قيم ثقافية، «تتضمن الأفكار والمشاعر والخبرات التي يجمع الناس عليها، أو تجمع عليها أغلبيتهم عادةً، ويتقبلونها باعتبارها مسلمات لا تحتاج إلى نقاش حولها، ويحافظون عليها باعتبارها أساساً لحياتهم التي يعيشونها، وإطاراً يصوغ علاقاتهم التي تربطهم ببعضهم البعض». ثقافتنا العراقية لم تعرف رواة بعينهم، بل جمعت أغلب حكاياتها من أفواه الناس، شيوخاً ونساءً، وهذا ما سنجده في الكتابين المهمين اللذين دونا بعضاً من حكاياتنا الشعبية.

حكاياتنا العراقية:
مرَّت الحكاية العراقية بأكثر من تحوّل، ويمكن ملاحظة ذلك في كتابين مهمين لتدوينهما حكايات شفاهية مباشرة من ألسن الرواة، الكتاب الأول (ديوان التفتاف أو حكايات بغداديات) للأب أنستاس ماري الكرملي الذي دوِّن في العام 1933، والكتاب الثاني (حكايات وقصص شعبية عراقية من مختلف الأزمنة والعصور) لصادق راجي، المودع في المكتبة الوطنية ببغداد في العام 1986.

يلاحظ أن هناك تحولين كبيرين بين حكايات الكتابين. فحكايات الكرملي التي دونها من ألسن نساء بغداديات في بداية القرن العشرين أو ما قبل ذلك بقليل تدور في أغلبها حول قصص الجان والخرافة، ومن ثمَّ البحث عن العوالم الغامضة وعوالم السحر والجن والسعالي.

يبلور الدكتور داود سلوم، في تقديمه للطبعة الأخرى من هذه الحكايات بعد أن فصَّحها وحقق النص الشعبي المكتوب باللهجة البغدادية، عدداً من الخطوط حول هذه الحكايات، منها:
- أبطالها هم دائماً من الشباب والشابات الذين لم يتزوجوا بعد في بداية الحكاية وتنتهي الحكايات في الغالب بزواج الشاب من الشابة، ونجد أن القاص العراقي يلقب دائماً الشاب بـ«الولد» والشابة بـ«البنت» حتى بعد زواجهما، إشارة إلى يفاعة سن أبطال هذه القصص التي يكون الحب هو موضوعها الأول.
- تبقى جميع الشخصيات الأخرى كالآباء والأمهات والإخوة الآخرين شخصيات ثانوية مساعدة.
- غالباً ما يكون الإخوة ثلاثة، يكون الأخ الأصغر هو البطل وكذلك في حالة الأخوات، فهن في الغالب ثلاث وتكون الأخت الصغرى هي محور القصة وبطلتها الأولى.
- الحب في هذه القصص يقع من النظرة الأولى، ويكون حباً ظامئاً يعمد إلى الزواج لإرواء الرغبة الجنسية، وقد يكون هذا الإرواء خارج نطاق الحياة الزوجية، ولكنه غالباً ما ينتهي بالعشق والزواج.
- نهايات أغلب هذه الحكايات؛ كما هو الحال في كل الحكايات الشعبية، نهايات سعيدة تنتهي بالزواج ونيل المرام وانتقال حال الشخصية إلى حال حسنة.
- عالم الجن والسعالي في هذه الحكايات من العوالم المؤسسة لها، وتكاد لا تخلو حكاية منها.
- هناك ظواهر سحرية كثيرة تتناثر في الحكايات، فإن بعض الأدوية يؤدي شربها إلى الحمل، وهذا ينطبق على الإناث من الفتيات دون زواج.
- قد يتمكن الإنسان بوساطة الدعاء والصلوات من تحويل الجماد بشراً، وقد تتحول لعبة من الخشب إلى امرأة، أو تمثال من الطين إلى شاب.

ويستمر الدكتور سلوم بوصف الحكايات وتقسيمها، لكن بعد قراءة الحكايات الاثنتين والخمسين التي دونها الكرملي يتضح بأن أغلب؛ إن لم يكن جميع، الحكايات تقترب من الحكايات العالمية، مع إضافة مسحة محلية بسيطة تبعاً للراوي وثقافته. فالحكايات الشعبية العراقية القديمة لا تبتعد عن الحكايات الشعبية العربية من جهة، والعالمية من جهة أخرى، وهي وليدة ثقافة إنسانية كبرى تنتقل من بلد إلى آخر مع إضافات بسيطة لكل مكان جديد تروى فيه، فضلاً عن ابتعاد هذه الحكايات عن الواقع العراقي ومشاكله، وطبيعة المجتمع العراقي والبيت الذي تروى فيه.

المرحلة الأولى من جمع الحكايات الشعبية العراقية كانت بلسان بغدادي، لكن بعد قراءة هذه الحكايات يلاحظ أن اللسان لم يكن بغدادياً خالصاً، بل كان خليطاً بين البغدادي واليهودي والموصلي، فقلب الحروف وإدغامها كان واضحاً في حكايات الكتاب جميعاً، وربما هذا كان واضحاً لدى الكرملي، الذي دفع بالكتاب إلى ناسخ شاب وطلب منه إضافة بعض الحكايات التي يسمعها من النساء «كنت قد عنيت منذ عودتي من ديار الإفرنج إلى مسقط رأسي بغداد، بجمع ما يرويه بعض العوام من ضروب الحكايات بلهجتهم العامية، البدوية الإسلامية ولما اجتمع عندي منها عدد يستحق التبييض دفعتها إلى أحد النساخ لينقلها بقلمه الجلي الواضح فجاءت بهذه الصفحات كما أني جمعت الأمثال العامية النصرانية، وحكاياتهم مع حكايات اليهود في مجلد آخر وسميت هذا الكتاب (ديوان التفتاف) على ما ذكرت في أوله في العنوان وقد تم نسخه في سنة 1933 للميلاد، لطف بي أرزق العباد ورب البلاد».

نقل الكرملي ما كان شائعاً في وقته من حكايات، وهذه الحكايات، رغم أنها لم تنقل طبيعة بغداد في ذلك الوقت، إلا أنها عبَّرت بشكل واضح عن بنية التفكير العراقي، الباحث عن القصص الغريبة والحكايات العجيبة، كانت المتعة همها الأول، في حين يلاحظ أن بنية الحكي الشعبي اختلفت تماماً مع كتاب صادق راجي.

المرحلة الثانية من الحكاية الشعبية اختلفت تماماً عن المرحلة الأولى، فلم تكن الخرافة وقصص الجان والسعالي ضمن بنية هذه الحكايات، بل كان الواقع الاجتماعي وتحولاته السمة البارزة فيها.

سرد راجي ثلاثاً وخمسين حكاية التقطها من أفواه رواة معروفين، لكنهم ينقلون حكاياتهم في مجالسهم الخاصة وبين أهلهم وأصدقائهم، فلم تعرف عن المقاهي العراقية أنها كانت مكاناً لروي الحكايات.

وإذا كان الكرملي جمع حكاياته من مدينة واحدة، وهي بغداد، فإن حكايات راجي كان لها رواة من سبع مدن، كان تسعة منهم من مدينة بغداد، نقلوا له 26 حكاية، وراوٍ واحد من مدينة الديوانية نقل له 10 حكايات، وراويان من النجف نقلا له 3 حكايات، وراوية (امرأة) واحدة من مدينة خانقين نقلت له 8 حكايات، وراوٍ من مدينة كربلاء نقل له حكاية واحدة، وراوٍ واحد من البصرة نقل له حكاية واحدة، وراوٍ واحد من مدينة قلعة سكر نقل له حكاية واحدة أيضاً.. في حين لم يدوّن راجي رواة بعض الحكايات ولا من أية مدينة جاءت.

يلاحظ أن أغلب الحكايات التي نقلها راجي تعبر عن بنية المجتمع العراقي في تلك الفترة، فكانت في أغلبها حكايات اجتماعية وعشائرية تبحث عن الأمانة والشرف والصدق، إلا حكايات الراوية عطية عبد الرحمن من مدينة خانقين، التي كانت تبلغ من العمر حينها 81 عاماً، فقد كانت في أغلبها مليئة بالسحر والجان، وكأنها كانت امتداداً لحكايات الكرملي.. لكن راجي حاول أن ينقل الحكايات بلغة أقرب للفصحى مع إيراد بعض المفردات العامية التي لم يجد معادلاً ينقل معناها المراد في اللغة العربية، على عكس الكرملي الذي نقل حكاياته جميعاً باللهجة العامية البغدادية، ليأتي فيما بعد الدكتور داود سلوم وينقلها إلى اللغة الفصحى.

من جهة أخرى، نقل الكرملي الحكايات التي كانت تروى في زمنه، وهي في أغلبها امتداد لحكايات قديمة منذ قرون طويلة، في حين سعى راجي لنقل حكايات قريبة من المجتمع في ثمانينيات القرن الماضي، حتى وإن كان رواتها من الشيوخ المعمرين... لكن الميزة المهمة التي يمكن ملاحظتها في قصص راجي هو الانتقال من المدنية وحكاياتها إلى الريف وأطره الاجتماعية، فالتخلي عن قيم المدنية مقابل العشائرية سمة واضحة في هذه الحكايات، لهذا تحولت الحكايات من الجان والعجائب والغرائب إلى حكايات اجتماعية، تكثر حكايتها بدايةً في مضايف الشيوخ كشواهد على حالات عشائرية عامة، لينهي الراوي حكايته فيما بعد بـ: رباط السالفة. وإذا كان الدكتور داود سلوم قد حدَّد بعض سمات الحكايات الشعبية التي دوَّنها الكرملي، فإن حكايات ساطع راجي لها سمات أخرى، وهي تنطبق تماماً مع تعريف الدكتور عمر الطالب للحكاية الشعبية العراقية، بأنها «أسلوب اجتماعي هدفه الإصلاح والتقويم والمواجهة والموافقة في مجال الحياة العامة»، وربما كان هذا واضحا في التغير الذي طرأ على بنية المجتمع العراقي، واستجابته لانحسار المدنية مقابل المد القادم من الريف منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، فإذا «استجابت الجماعة الشعبية لهذا التغيير ووعته سواء كان هذا التغيير اجتماعياً أو سياسياً أم أخلاقياً، فإنها لا بد أن تعبر عنه تلقائياً في أشكال تعبيرها. ويترتب على ذلك إدراكها لعجز الأشكال القديمة عن التعبير عما يخالج نفوس أفرادها. ومن هنا يحدث التغيير في الشكل والمحتوى معاً، وإن ظل الشكل الجديد يرتبط إلى حدٍّ ما بالشكل القديم. ولا تتمثل مقدرة الجماعة الشعبية التي يمثلها الراوي، على التغيير والتحوير فحسب، بل تتمثل فضلاً عن ذلك في خلق الشكل الفني الجديد الذي يعد كذلك استجابة لنمو مقدرتها الفنية». إضافة إلى ذلك، فإذا كانت الجدات والأمهات يروين الحكايات لأطفالهن في زمن جَمْعِ الكرملي لحكاياته، فإن الوضع مع راجي كان مختلفاً، فلم يعد الأطفال وحدهم من يريدون أن يستمعوا لحكايات الشيوخ، بل حتى الكبار في الجلسات العشائرية وجلسات الشيوخ في المدن، ولهذا «لم يعد من اليسير على الباحث أن يستمع إلى الحكايات الخرافية من النساء العجائز في حين يمكنه أن يستمع إلى كثير من الحكايات ذات الطابع الواقعي إذا ما جلس مع جماعة من الرجال في أوقات فراغهم في جلسة طبيعية أو عندما يجلس مع الرواة المحترفين في أثناء الاحتفالات بالأعياد الدينية أو حتى المناسبات الاجتماعية». فهذه الحكايات من الممكن أن تقسم إلى أقسام واضحة، مثل حكايات الواقع الاجتماعي، حكايات الشرف، حكايات الثأر، حكايات البخل والكرم، حكايات العقائد والدين، حكايات السياسة.. وغيرها الكثير، غير أنها بشكل أو بآخر ابتعدت عن الحكايات الخرافية واقتربت إلى حكايات المجتمع وتحولاته.

الهوامش
1. ينظر: الإنسان وانسجام الكون.. سميائيات الحكي الشعبي، محمد حجو، الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، دار الأمان- الرباط، منشورات الاختلاف- الجزائر، ط1، 2012، ص64 - 65.
2. ينظر: مفاتيح اصطلاحية جديدة.. معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، طوني بينيت ولورانس غروسبيرغ وميغان موريس، ترجمة سعيد الغانمي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2010، ص433.
3. ينظر: كان ياما كان. دراسة أدبية اجتماعية للحكايات الشعبية وأثرها في تكوين شخصية الفرد العربي، عادل أبو شنب، د. دار، د. ط، 1972، ص12 - 13.
4. ينظر: م. ن، ص13.
5. ينظر: الحكاية الشعبية العربية، شوقي عبد الحكيم، دار ابن خلدون، بيروت، ط1، 1970، ص 8 - 31.
6. هايدغر ضد هيجل.. التراث والاختلاف، عبد السلام بنعبد العالي، دار التنوير، بيروت، ط2، 2006، ص49.
7. رواة الأدب الشعبي، د. أحمد علي مرسي، ضمن كتاب (أبحاث في التراث الشعبي)، كتاب التراث الشعبي ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986، ص12.
8. م. ن، ص12.
9. م. ن، ص12.
10. صدرت هذه الحكايات بطبعتين، الأولى بتحقيق عامر رشيد السامرائي عن الدار العربية للموسوعات، والثانية بتحقيق الدكتور داود سلوم عن دار المدى، والذي قام بنقل الحكايات الشعبية من اللهجة العراقية إلى اللغة العربية الفصحى.
11. ينظر: حكايات بغداد، الأب أنستاس ماري الكرملي، تحقيق: الدكتور داود سلوم، دار المدى، بغداد، ط1، 2010، ص7 - 14.
12. ديوان التفتاف أو حكايات بغداديات، جمع الأب أنستاس ماري الكرملي سنة 1333 هـ، حققه وشرحه وعلق عليه: عامر رشيد السامرائي، الدار العربية للموسوعات، ط1، 2003، ص15.
13. حكايات وقصص شعبية عراقية من مختلف الأزمنة والعصور، صادق راجي، الجزء الأول، منشورات مكتبة آفاق عربية، بغداد- المنصور، د. ط، د. ت.
14. أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية، د. عمر محمد الطالب، منشورات دار الجاحظ للنشر، سلسلة الموسوعة الصغيرة 86، بغداد، 1981، ص3.
15. قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية، الدكتورة نبيلة إبراهيم، دار العودة، بيروت، 1974، ص171.
16. م. ن، ص172.

الصور

1. https://i.pinimg.com/564x/0c/70/4e/0c704ef25620e9c438569695d29676fb.jpg
2. 3. 4. 5. 6. https://www.pinterest.com/