اللغة العدد
الفضاء السكني والثقافة: نحو أنتروبولوجيا للمنزل
الفضاء السكني والثقافة: نحو أنتروبولوجيا للمنزل
العدد 52 - آفاق

د. عبد الله بن معمر -  الجزائر

حينما وجه الأنتروبولوجيون أنظارهم نحو الطريقة التي يشغل بها الناس مساكنهم، وأماكن الصيد والعمل، لاحظوا على الفور بأن الفضاء ليس حاملا محايدا. فبعض الأماكن تكون خاصة بالاحتفالات المقدسة، وأخرى تكون ممنوعة على الرجال أو النساء، وثمة أماكن يجب اجتنابها لأنها مسكونة بالأرواح الشريرة.

وقد كان الاهتمام الأول للباحثين، فيما يتعلق بشغل الفضاء، يتعلق بمورفولوجيا المدن والقرى. ففي حدائق الكواري وصف مالينوفسكي كيف أن لدى التروبرانديين تكون القرية مبنية حول موضوع مركزي مخصص للمراسيم، والرقص والممارسات الجماعية. والمساكن العائلية مرتبة حسب مكانة كل عائلة. وفي كتابه الأنتروبولوجيا البنيوية حاول ليفي- ستروس بناء نظرية رمزية في شغل الأماكن، تكون انعكاسا لبنية اجتماعية وذهنية معقولة جدا1.

ففي العديد من المجتمعات التقليدية يتم بناء القرى حسب قواعد محددة لشغل الفضاء، بحيث أن بعض المنازل تكون مخصصة للرجال، وأخرى للنساء، بعض المواضع تكون محصورة على المراسيم وبعضها الآخر على القادة أو الشامان، الفضاءات الخاصة والعامة المخصصة للبعض أو المحظورة على البعض الآخر، تعد مؤشرات رمزية قوية جدا، بحيث من يخترقها يرتكب محرما حقيقيا. فبنية القرية البورورية تقوم على مركز موحد يتألف من دار للرجال ومنزل العازبين ومقر اجتماع الرجال المتزوجين الذي يحظر على النساء دخوله حظرا تاما. كما يشمل المركز أيضا ساحة الرقص المتاخمة لدار الرجال. إن تلك البنية تقوم على العلاقة بين المركز والأطراف التي تتجلى في تضادين : التضاد بين الذكر (المركز) والأنثى (الأطراف)، والتضاد الآخر بين المقدس والدنيوي، ذلك أن المركز يستخدم كمسرح للحياة الاحتفالية، في حين يتم تخصيص الأطراف للنشاطات المنزلية التي تزاولها النساء باعتبارهن مستبعدات بطبيعتهن عن أسرار الديانة2.

الفضاء الاجتماعي أتوني atoni مبني حول محاور رئيسية عديدة والتي تبرز كتمظهرات، ضمن أبعاد مختلفة، لتقابل أساسي بين الخارج والداخل. هذا المحور يقع أولا بين الشرفة حيث يأكل الرجال وقيام جماعات العزاب، وعمق المنزل، حيث تأكل النساء والفتيات وينمن. لدى التتوم الشماليين، هناك تقابل بين الباب الأمامي، المخصص للرجال ويعتبر كعين للمنزل، والباب الخلفي، يعتبر كمهبل للمنزل ويستعمل من قبل النساء. داخل المنزل أتوني هذا التقابل يظهر بين الجانب الأيمن (الذكري) والجانب الأيسر (الأنثوي) يرى من الداخل مقابلا للباب الأمامي، على اليمين توجد المسطحة الكبيرة حيث تخزن الحبوب النيئة، والتي تستخدم ككرسي للرجال، على اليسار يوجد المطبخ وكذلك المساطح حيث يعرض الطعام المطبوخ، وحيث تلد النساء، هذا التطابق بين التقابل نيئ/ مطبوخ، والتقابل الخارج / الداخل يفسر بتصور المطبخ على أنه نار داخلية تقابل الشمس باعتبارها نارا خارجية3.

وهكذا فداخل المنازل ذاتها نجد تقسيما رمزيا للمكان.

إن السلطة والمركز والمقدس، إذن، تتدخل في الفضاء. وهذا الطابع الخاص بالفضاء ليس خاصا بالمجتمعات التقليدية فقط، بل إننا نجده أيضا في المجتمعات الحديثة تحت صور شتى. مثال ذلك المكتب الكبير للمدير، وفصل المراحيض العمومية بين الرجال والنساء، وفضاء الكنائس المقدس وغيره4.

وهكذا فإن المفهوم الثقافي والاستخدام الاجتماعي لمصطلح المكان، كان محور الاهتمام الأنتروبولوجي من خلال مجالات عديدة من البحث بدءا من المورفولوجيا الاجتماعية ومرورا بالإيكولوجيا الثقافية وانتهاء بدراسات الشعائر، والرمزية، والفلسفة السلالية، والميدان الأحدث نسبيا هو أنتروبولوجيا الفراغ. وقد أماطت الدراسات الأنتروبولوجية للمكان اللثام عن عدد من الموضوعات الاجتماعية المختلفة، منها الأسلوب الذي يعكس به استخدام المكان وتوزيعه ملامح البناء الاجتماعي، والأسلوب الذي يعكس من خلاله المفاهيم والتصورات الفلسفية والكوزمولوجية (المتصلة بتفسير ِنشأة الكون) ومضامينها الإيكولوجية (البيئية)، وأخيرا أسلوب التحكم في المكان عمدا أو عن غير عمد5.

أعمال الأنثروبولوجيين تبين كيف أن استعمال الفضاء يختلف باختلاف الثقافات. فئات التقابل طاهر/ الجنس، خاص/ عام، مهذب/ غير مهذب، ذكر/أنثى، مفاهيم التجمع، والتربية أو العائلة، التي تستدعي غالبا فيما يخص الصعوبات المتعلقة بالمساكنة في المجموعة الحضرية الواحدة، تفهم بطريقة مختلفة حسب الثقافات الأصلية.

والأنثروبولوجيا تحاول وصف وفهم الانتاجات، والممارسات والتصورات الخاصة بالفضاء الإنساني في اختلافاتها6.

تعريف أنتروبولوجيا الفضاء:
قبل تعريف أنتروبولوجيا الفضاء لنتساءل أولا مع لويس مورو Louis Moreau إن كانت هذه الأنتروبولوجيا ممكنة. إنه -فيما يرى مورو -بالنظر إلى الأعمال التي أنجزها علماء اجتماع وأنتروبولوجيون وجغرافيون، أمثال بالونديي (فضاء المدن الإفريقية)، علماء اجتماع مدرسة شيكاغو (ساهموا في تأسيس أنتروبولوجيا الفضاء السكني)، روبير هيرتز Robert Hertz وأعماله حول الذاكرة الجمعية، قام علاوة على ذلك بتحليلات دقيقة للفضاءات الإنسانية، مثلا مكان الحج، إنه بالنظر إلى ذلك يمكن الحديث عن أنتروبولوجيا الفضاء فيما يذهب لويس مورو. ويضيف هذا الأخير أنه في ميدان الفضاء ليس هناك تمييز بين علم الاجتماع والأنتروبولوجيا، ويدخل معهما علم اجتماعي آخر هو الجغرافيا الإنسانية، فهذه الأخيرة منذ عشريات عديدة أنتجت حول الفضاء المعيش والفضاء السكني أعمالا يكون أحيانا من الصعب القول عنها إن كانت أنتروبولوجية أو سوسيولوجية أو جغرافية. هذا يجعلنا نؤكد أنه من الضروري أن تنفتح أنتروبولوجيا الفضاء على مختلف العلوم الاجتماعية وهذا ما يمنحها خصوصيتها7.

إنه من خلال تلك الأعمال يمكن القول إن «أنتروبولوجيا الفضاء تهتم بطرق السكن وبالطرق التي تنظم بها المجتمعات الفضاء»8.

علم كهذا للفضاء الإنساني صار ممكنا وضروريا، يهتم بالفضاء السكني الممارس والمحلوم به، والمرسوم، والمتمثل والمنطوق، والمتقاسم ليس فقط على استعمالات الفضاء، وليس فقط علم إنتاج الفضاء السكني من قبل فاعلين مختلفين ومختلف الهيئات المهنية، ولكن أيضا نظرية للأشياء المكانية ذاتها، وطرق تنظيمها في الزمن.

وتذهب أليس هاتزويولون Alice Hutzopoulon إلى أن أنتروبولوجيا الفضاء تهتم بعلاقات الإنسان بالفضاء والزمن9.

مفهوم الفضاء السكني أو المسكن:
سنتعامل مع كلمات: مكان، وفضاء، ومجال على أنها مترادفة، وهذه الكلمات يجعلها خليل أحمد خليل تقابل كلمة Espace الفرنسية وSpace الإنجليزية، ويعرف المكان بالقول: «المكان من التمكُّن، لا من الكون ( كالمقال من القول)، هو حاوي الشيء المستقّر. ويميز بين المكان والمكانة. فالمكان في الحسيّ (كالمنزل) والمكانة في المعنوي (كالمنزلة)»10. و«المكان هو الموضع، وجمعه أمكنة، وهو المحل (Lieu) المحدد الذي يشغله الجسم. تقول مكانا فسيحا، ومكان ضيقا» 11. وهكذا فالمكان يحيلنا إلى شيء حسي يشغله الجسم، وبهذا المعنى فإن المكان تتعدد أنواعه وصوره تبعا لأبعاده وحسب شاغله وما يجرى داخله، ولهذا فالمسكن أو المنزل يمثل أحد أنواع المكان.

بالرجوع إلى الجذر اللغوي للكلمة (س. ك. ن) نجد المشتقات الفعلية والاسمية منه تحيل على أربعة معان رئيسة:
1. المنزل بمعناه المادي المباشر: فالسكن والمسكن: المنزل والبيت.
2. فعل السكن أي الإقامة بالمكان المعَّد للسكنى: فسكن بالمكان يسكن سُكنى وسكونا: أقام.
3. الإنسان الذي يسكن: فالسكْن أهل الدار، اسم لجمع ساكن كشارب وشرْب.
4. الهدوء والسكينة: سكن الشيء يسكن سكونا إذا ذهبت حركته... والسكن: كل ما سكنت إليه واطمأننت به من أهل وغيره، وربما قالت العرب السكن لما يسكن إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿جعل لكم الليل سكنا﴾(سورة الروم: الآية 21). و«استكن وتمسكن واستكان، أي خضع وذلّ» 12.
ويبدو أن كل هذه المعاني تتركز حول معنى القرار والثبات، في مقابل الحركة والاضطراب. فالمسكن أو المنزل هذا الوسط المادي الحامي والمحمي في الوقت نفسه يحقق السكينة والهناءة والراحة والاطمئنان ولذلك سمي مسكنا.

المقاربات المختلفة للمنزل
اولاً: الدراسات الأولى حول المنزل:
فحص البيئة المبنية يجد أصله في النظريات الأولى للحتمية البيئية، وفي التقاليد الاتنوغرافية. الحتمية البيئية هي وجهة نظر تشدد على الأثر المباشر للبيئة الفيزيائية على المنزل، متجاهلة أو مبخسة عوامل أخرى (السياق التاريخي، خصوصيات ثقافية، التنظيم الاجتماعي إلخ). في المقابل الوظيفية في الهندسة المعمارية تركز على الشكل المبني تبعا للاستعمال الذي خصص له. هاتان المقاربتان مهما تعارضتا فقد قدمتا تحليلا تطوريا للمسكن. الأولى تشدد على تطور التقنيات، والثانية على تكيف المسكن مع الحاجات. التعارض النظري بين الطبيعيين والوظيفيين تحدد النقاشات حول الهندسة المعمارية إلى غاية بداية السبعينات، فترة انطبعت بالأعمال المجددة لراموس رايوبورت حول العلاقة بين المنزل والثقافة. ولذلك يمكن أن نحدد المقاربات المختلفة للمنزل في:
- المقاربة الطبيعية أو الجغرافية التي تمنح الأهمية للاعتبارات البيئية والتكنولوجية من أجل تفسير التغيرات في أشكال المنزل.
- المقاربات الإتنوغرافية التي تربط الأشكال المبنية بالتنظيم الاجتماعي وتشدد على الوجه الوظيفي للمنزل.
- النظرية الثقافية المتعددة العوامل لراموس رابوبورت التي هي نقد للنظريات الحتمية البيئية والمقاربات الوظيفية للمنزل. هذه المقاربة هي أهم مقاربة لأنها تتجاوز المقاربات الأحادية.

ثانياً: أموس رابوبورت Amos Rapoport
والنظرية الثقافية المتعددة الأسباب للمنزل:
إذا كانت الفكرة المعبر عنها من قبل موس حول الأهمية السببية المزدوجة (البيئية والاجتماعية) قد فتحت الطريق لسبل جديد من البحث المعماري، فإن أموس رابوبورت هو الذي أسهم في تأسيسها النظري. كتابه المعروف جدا، المنزل الشكل والثقافة (1969) هو كتاب مقتضب، ولكنه مقارن، يرفض فيه صاحبه التفسيرات الحتمية المبسطة لصالح مقاربة ثقافية متعددة الأسباب وتاريخية.

أموس رابوبورت رغم أنه مهندس في تكوينه فإنه توجه نحو الأنتروبولوجيا الرمزية ونحو نظريات الهيرمينوطيقا من أجل تحليل المنزل باعتباره مؤشرا على المركز الاجتماعي للأفراد داخل الأنتروبولوجيا الرمزية، هذا الكاتب شدد دائما على واقع أنه لا يبحث عن إثبات عمل القوى السوسيو-ثقافية خصوصا في اختراع المنزل، ولكن بالأحرى عن أسبقيتها. بعبارة أخرى إنه يجهد من أجل فكرة أن هناك دائما قوى عديدة مشتركة تتدخل في تشكيل المنزل، بعضها هي عوامل أولية (الثقافة) وبعضها الآخر عوامل معدلة أو ثانوية (المناخ مثلا).

وفي كتابه الثاني من أجل أنتروبولوجيا للمنزل رد فيه الاعتبار للمنهج الأنتروبولوجي آخذا في الاعتبار البيئة العامة ومبينا تعقيد العلاقات التي تربط الإنسان بالمكان. فهو محاولة لتقديم مخطط دراسة للتنوع الهائل في أنماط وأشكال المنازل والقوى التي تؤثر فيها. فهو يحاول أن يضع نوعا من النظام في هذا الميدان المعقد ويساعد في الفهم الأحسن للأسباب الرئيسة المحددة للمسكن.

ينطلق رابوبورت أولا من نقده للنظريات المختلفة التي حاولت تفسير شكل المنزل 13. هذه النظريات اعتمدت على عوامل مختلفة بعضها أدخلت الأوجه المادية كالمناخ والحاجة إلى المأوى، والمواد والتقنيات والموقع، وبعضها أدخل الأوجه الاجتماعية، الاقتصادية والعسكرية والدينية. لكن اعتماد تلك النظريات على عوامل أحادية تكون قد قدمت تفسيرات مبسطة في حين أن شكل المنزل ظاهرة معقدة.

فالمناخ والحاجة إلى المأوى ليس عاملا كافيا إذا عرفنا أن هناك منازل مختلفة الشكل بنيت في منطقة مناخية واحدة، ومهما كانت أهمية عامل الحاجة إلى المأوى فإنها لا يجب أن تؤخذ في الاعتبار لذاتها؛ فبناء منزل ليس فعلا طبيعيا وعالميا باعتبار أن هناك قبائل في مناطق كشرق آسيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا ليس لها منازل. إذن هناك عوامل أخرى تتحكم في شكل المنزل كالمعتقدات الدينية والموقع الاجتماعي وغير ذلك.

كذلك المواد والبناء والتقنية ليست عوامل محددة بل هي عوامل معدِّلة لأنها لا تتحكم فيما يبنى ولا في شكله، فقد تستخدم مواد واحدة ولكن أشكال المنازل تختلف.

والموقع بدوره يندرج ضمن هذه العوامل المعدلة لأن أشكالا من المنازل عبر التاريخ قد بنيت في موقع واحد.

أما بالنسبة للعوامل الاقتصادية التي تندرج ضمن العوامل الاجتماعية، فإنها ليست عوامل محدِّدة. يقول رابوبورت «باعتبار أن المنزل تعبير عن تصور للعالم، فإن النظام الاقتصادي ليس له أثر محدد لشكل المنزل» 14.

وفيما يتعلق بالدين فقد ذهب البعض إلى القول في مقابل الحتمية الفيزيائية بحتمية ضد طبيعية، تهمل العوامل الطبيعية تماما وتعزو شكل المنزل إلى الدين. ويعد ميرسيا إلياد من أنصار هذه النظرية، فقد أكد على الخاصية المقدسة للمنزل، فهذا الأخير ليس مجرد مأوى، بل إن له أوجها رمزية وكوسمولوجية. هذه النظرية تذهب إلى حد اعتبار المنزل معبدا، وتنفي كونه مأوى أو إقامة. ولكنها – فيما يرى رابوبورت- نظرية مبسطة لأنها تهمل الحاجات الضرورية.

وينتهي رابوبورت إلى التأكيد أن العوامل البيئية والاقتصادية ما هي إلا عوامل ثانوية أما العوامل الأساسية التي تحدد شكل المنزل فهي العوامل السوسيو- ثقافية، يقول رابوبورت: «إن المنزل مؤسسة مبتدَعة ضمن سلسلة كاملة من الاهتمامات المعقدة، وليس مجرد بناء. فكما أن بناء منزل يعد ظاهرة ثقافية، فإن شكله وتهيئته يتأثران بالضرورة بالمحيط الثقافي الذي ينتميان إليه» 15.

مستلهمة من أعمال رابوبورت، سوزان كنت Susan kent افترضت أن الأفراد ليسوا أبدا دمى لبيئتهم الفيزيائية. إنهم، على العكس، يمتلكون مصادر ثقافية ورمزية تمكنهم من التحكم في المنزل من أجل إشباع حاجاتهم الاجتماعية. من غير إبعاد أهمية العناصر الفيزيائية، سوزان كنت اعتبرت البيئة الفيزيائية للمنزل كأداة بسيطة تتوسط العلاقات بين الأثاث وبيئته. بإنجاز هذه الوساطة، تعتقد الكاتبة أن «كل الباقي ثقافي» 16. المنزل لدى كنت لا يوجد مستقلا عن الإرادة الإنسانية. إنه منتوج للفكر البشري. إن المنزل يصبح عملية خلق وفهم لأشكال البناء والانتماء.

سوزان كنت لاحظت في الأخير أن المنزل يتنوع في أهميته حسب الخصائص السوسيو-ديمغرافية وأساليب الحياة، والوضعية التي ترجع إلى ميادين أخرى، نتيجة تذكر مرة أخرى بأعمال رابوبورت.

أكثر من كنت، من عرف كرائد للأبحاث السيمائية والأنتروبولوجيا الرمزية هو الجامعي أومبرتو إكو Umberto Eco. دائما متموضعا ضمن توجه رابوبورت، هذا الكاتب طور نظرية كاملة من السيميائية المطبقة على الظواهر الميدانية. في كتابه A theorie of semiotics () إكو عرف الهندسة المعمارية كنسق من الأشياء المنتجة والفضاءات على أساس أنظمة من الاتفاقيات (قوانين). هذا الوجه الاتصالي يهيمن حسب إكو على الوجه الوظيفي والنفعي للهندسة المعمارية ويسبقه من وجهة النظر هذه، استنتج أن الوظائف الدالة للمنزل ليست بالضرورة مراجع. إنها ليست بالضرورة وظائف يمكن أن تنجز أو أنها قد أنجزت. إنه يفترض وجود في بعض المجتمعات وحدات سكنية لم تستعمل أبدا، لكن دورها في تواصل المركز الاجتماعي للمالك مهم، ضمن هذا المسلك، الوظائف الدالة للمنزل هي قبل كل شيء ثقافية، قبل أن تكون أفعالا ملموسة. بعبارة أخرى المنزل هو أساس دال، بالمعنى السوسوري (دو سوسير) للكلمة، الذي يدل على معنى (مدلول) 17.

من أجل دراسة المنزل أنتروبولوجيا:
ذكرنا سابقا أن الإتنولوجيين والأنتروبولوجيين أدركوا دائما الارتباط بين المكان والمجتمع والثقافة، والمنزل يمثل أحد جوانب المكان ولذلك فقد أولوا هؤلاء عنايتهم به من جوانب متعددة. يحدد لنا مارسيل موس الجوانب التي ينبغي أن يتناولها الإتنولوجي في دراسته للمسكن كما يلي 18:
- نوع المواد الداخلة في بناء المسكن وهذا يقود إلى دراسة شكله ( دائرة، مربع، مستطيل...) ونمطه (كهف، خيمة، المسكن ذو الجدران والسقف ).
- الناحية الوظيفية والمورفولوجية ويشمل هذا دراسة الأثاث واستعمالاته، والمعتقدات المرتبطة به، وطقوس البناء، والمطبخ، وعلاقة المنزل بالحديقة والحقل، العناية بالمنزل وتزيينه، وطريقة بنائه فرديا أو جماعيا...
- الغاية من المسكن: أي دراسة المسكن من حيث الاستخدام الخاص والعام، ذلك أن هناك منازل خاصة بالرجال ومنازل للنساء الحائضات...
دراسة التجمعات السكنية: ذلك أن الدراسة الإتنولوجية للمنزل لا تكتمل في نظر موس بدون دراسة القرية أو المدينة في حال وجودهما، لأن المنزل لا وجود له لذاته إلا في البلدان التي تكون فيها المساكن متفرقة ولكن هذه الحالة نادرة 19.

هكذا إذن تتعدد الوجوه التي ينبغي أن يتناول منها المنزل أنتنروبولوجيا لأنه ظاهرة معقدة تتداخل وتتشابك في إنتاجها عوامل عديدة، يقول برومبيرغر: «إن المسكن، الذي هو تقنية استهلاك لا تخضع للضغوطات المادية والوظيفية بقدر خضوعها لتقنيات التصنيع أو الكسب، يظهر في الواقع كحصيلة عوامل عديدة (أرضية، مناخية، تاريخية، اقتصادية، اجتماعية، رمزية، إلخ.) ينظمها كل مجتمع ويرتبها حسب شكليات خاصة به. إن دراسة إتنولوجية للبيت تهدف إلى إلقاء الضوء على هذه اللعبة المعقدة للمعايير والمتطلبات والحدود التي تتداخل في إنتاج واحتلال الحيز المعمَّر» 20. ولذلك يرى برومبيرغر ضرورة أخذ الأمور التالية في الاعتبار:
1. الإجابات الاصطفائية التي ترد بها الهندسات المحلية على مساوئ المحيط المجاور ( قسوة الطقس، الحشرات، إلخ.): فبناء المساكن لا يخضع لاعتبارات عملية فقط، بل هناك ضغوطات المناخ التي تحدد مواقع الإقامة، ووجهة المباني وشكلها، واختيار المواد. كذلك ينبغي الأخذ في الاعتبار التمايز الاجتماعي (الاستعمال المتباهي لمواد حديثة قلما تكون متكيفة مع الظروف المحيطة، في المجتمعات الانتقالية)، وكذلك الأسباب الرمزية.

2. الوسائل التقنية المستخدمة بالأخص لحل المشاكل الأساسية لمتانة البناء وهذه الحلول تبرز مستوى التطور التقني.

3. متانة المسكن وتوابعه في نظام الإنتاج: الاهتمام بعلاقة المسكن بعملية الإنتاج التي تأخذ أشكالا عديدة كتربية الحيوانات الداجنة، وحفظ وتحويل الغلال، والتصنيع وغير ذلك.

4. رمزية التنظيم الاجتماعي عبر هيئة وشكليات إشغال الأبنية: يمثل توزيع البيوت ضمن منطقة سكنية الترجمة المكانية للعلاقات الاجتماعية السائدة: علاقات القرابة، والعلاقات بين الفئات والطوائف أو الطبقات (وضعية إقامة الجماعات المسيطرة التي غالبا ما تكون مركزية ومرتفعة، الوضعية الهامشية والمتدنية لأحياء السكان الخاضعة)؛ التمايز بين الجنسين وطبقات السن التي يرمز إليها في مجتمعات عديدة وجود بيوت جماعية مخصصة حصرا للرجال أو الشباب (بيت الرجال الكبير لدى الكاناك).

ارتباط شكل وحدة السكن وتنظيمها الداخلي ببنية الجماعة البيتية التي تقطنها: فالغرف أو الطوابق قد تتوزع حسب الأجيال (في حالة العائلة الأصلية مثلا)، قاعة كبيرة مشتركة تجمع كل أفراد عائلة غير منقسمة لتناول الطعام، حجر مختلفة الموقع والمساحة، حسب عدد زوجات زعيم العائلة.

والبيت لكونه يرمز إلى وحدة الانتماء الاجتماعي يعد المكان الذي تتوضح فيه آليات المصاهرة والنسب، وذلك من خلال اختيار المسكن، ومن خلال القواعد والإستراتيجيات التي تتحكم بتناقلها، والمسكن وتوابعه من حيث المساحة والمظهر الخارجي يشير إلى الوضع الاجتماعي- الاقتصادي لمن يقيم فيه.

5. طرائق تصور وسكن الحيز المنزلي التي تعبر عن قيم مجتمع: يقوم الفضاء السكني على مجموعة من التقابلات: خاص/ عام، داخل/ خارج، مغلق/ مفتوح، وهذه الفئات تعالجها كل ثقافة على طريقتها. فقد يغلب تصور خلوي للبيت، إذ تجري غالبية الأعمال في أماكن مشتركة، وقد يغلب تصور وحدوي، إذ تتخصص كل عائلة بمجالها الخاص المتكامل، وتارة تحفظ الخصوصية الشخصية بعيدا عن الأنظار داخل جدران خارجية حاجبة مثلما هو في العالم الإسلامي، أو يتم التعبير عن هذه الخصوصية بطرق أخرى. ويمكن أن يقسم السكن إلى غرف مختصة بوضوح أو، على العكس، أن تؤلف وحدة متعددة الوجوه. وهذه الطرق في إدارة المكان تشكل جزءا من نظرة مثالية للراحة تدغم، في نسب متغيرة حسب المجتمعات، البحث عن الظل أو النور، الانتعاش أو الدفء، القرب أو البعد بين الأفراد، وعن أثاث محدد أو مقتصر على الحد الأدنى.

6. الروابط الرمزية التي تنسجها المجتمعات بين العمارة ومجمل معتقداتها وتصوراتها: تتجلى هذه الروابط من خلال الممارسات الطقوسية التي تدشّن البناء (القربان، تقديس الحدود)، وتؤمِّن حمايته (وضع طلاسم على النوافذ لإبعاد التأثيرات المؤذية). وإعطاء قيم متناقضة لأقسام البيت العليا والسفلى، الشرقية والغربية، الأمامية والخلفية مثال ذلك مسكن القبائلي بالجزائر كما بين بورديو.

7. القواعد الجمالية التي تتحكم بالشكل الهندسي العام: تحديد المساحات المبنية، توزيع متطابق أو غير متطابق للنوافذ، تقدير المواد الخام أو ما يلبَّس به البناء، العمل على تآلف الألوان، الزخرفة، الخ.، إذ إن الصيغ المذكورة تمنح البيت تناسقا فنيا فريدا 21.

وهكذا فإن الدراسة الأنتروبولوجية للمنزل تجمع الجوانب المادية والشكلية والرمزية والجمالية، وكل ذلك في ضوء الثقافة.

الفضاء السكني /المسكن/ المنزل/ الدار:
الدلالات والتمثلات:
المسكن كواقعة إنسانية لم يسترع انتباه الملاحظين الاجتماعيين والأنتروبولوجيين فقط، بل إنه شكل أيضا أحد الاهتمامات الخاصة للسيكولوجيين والفلاسفة، ولذلك فإنه يشكل نقطة تقاطع للعديد من الفروع المعرفية وهذا إن دلّ على شيء، فعلى تعدد الدلالات والوظائف والأبعاد التي تكوِّن حقيقة هذا الفضاء الإنساني الذي بدأ كهفا حتى صار اليوم ممثلا في الفيلا الفاخرة المجهزة بأحدث التكنولوجيا والمتمتعة بفضاءات تابعة (الحديقة، المسبح، الملعب...) من أجل تلبية حاجات الإنسان المتنامية مع تطور الحضارة وتعقد الثقافة.

وكون المسكن محل اهتمام كل تلك الفروع المعرفية يمكننا من الإحاطة بحقيقته، هذا يعني أننا سوف لن نغلق باب التحليل على أي مقاربة من المقاربات العديدة، بل بالعكس إننا نرى فيها نوعا من التكامل الذي تحتاج إليه الأنتروبولوجيا ربما أكثر من غيرها، ولهذا فإننا نؤكد دائما على التعاون بين الأنتروبولوجيا والفروع المعرفية الأخرى.

فماذا يمثل المسكن أو المنزل في المتخيل الإنساني سؤال نراه شاملا بما يكفي للإحاطة بكل التصورات والتمثلات والرموز التي يتضمنها في وعي ومتخيل كل فرد. إن هناك عدة دلالات للمنزل تتمثل في:
- -المنزل تحقيق للوجود؛
- المنزل هو فضاء الحرية والاستقلالية؛
- المنزل هو فضاء الخصوصية والحميمية؛
- المنزل فضاء الراحة والاستقرار؛
- المنزل والحضور الاجتماعي.

اولاً. الدار تحقيق للوجود:
امتلاك منزل هو رغبة كل إنسان ولكن كل واحد يعبر عن هذه الرغبة استنادا إلى الثقافة التي ينتمي إليها ولذلك فإن كل الممارسات التي تتعلق بالفضاء السكني مسألة ترجع إلى الثقافة والجزائري يعبر بصيغ متعددة عن تلك الرغبة، صيغ تؤول كلها إلى اقتران الوجود بالدار أو المسكن الخاص، بل إن الوجود كله ربما اختزل في تملك هذا الفضاء، والمثل الشعبي الجزائري يقول: «لا دار لا دوار» وهو تعبير دقيق عن الاغتراب النفسي والاجتماعي بامتياز، فمن لم تكن له دار تأويه ولا دوار أي أهل وجماعة تحتضنه فهو في الواقع فاقد لمقومات الوجود، فالسكن «هو نقطة ارتكاز وعلامة مرجعية تثبت وجوده، وترسم له حدوده داخل فضاء كوني ملغّز، لهذا عُدَّ السكن بمثابة امتداد لصاحبه»22.

إن المنزل أو الدار بالنسبة للإنسان من خلال الكثير من الصيغ التعبيرية كتلك التي ذكرناها، يمثل أساس الوجود، فالذات لا تتمتع بكامل وجودها كإنسان إلا في ظل امتلاك مسكن خاص، إنه «ذلك الفضاء الذي من خلاله، وأكثر من أي شيء آخر، يمكن أن تصبح ذاتا» 23 لها وجودها وحضورها، ولذلك يكون من المشروع التصرف في الكوجيتو الديكارتي فنستبدل التفكير بالسكن ونقول: «أنا أسكن منزلا خاصا إذن أنا موجود» وليست هذه ميتافيزيقا، وإنما هو الواقع الذي يؤكد الارتباط بين الوجود وبين المسكن، فبدون دار لا هناء ولا اعتبار جماعي ولا هوية.

ثانياً. المنزل فضاء الحرية والاستقلالية:
المنزل أو الدار هو فضاء الحرية والاستقلالية بامتياز، فهذا الفضاء المحمي قانونا والحامي لصاحبه وأهله من كل أشكال الاختراق والتطفل يسمح بممارسات خاصة يمنعها الخارج أو لا يتقبلها، ولذلك تأتي عبارة «تصرف كأنك في بيتك أو دارك» تعبيراً عن هذه الحرية التي يوفرها الفضاء السكني، طبعا لا يمكن الحديث عن حرية مطلقة؛ ذلك أنه بقدر ما يسمح هذا الفضاء بأفعال وسلوكيات، يفرض قواعد ومعايير وتقاليد لا يجوز خرقها.

والحرية والاستقلالية في المسكن الخاص تتجلى في الممارسات السكنية اليومية المتعلقة بتلبية الحاجات الضرورية االبيولوجية وغيرها، وفيما يتعلق بالاحتفالية، بل وحتى التغييرات أو التعديلات التي يمكن إدخالها على المنزل أو بأحد أقسامه، ولعل هذا ما يعبر عنه المثل الشعبي «البنّاي يبني ومول الدار يعرف وِين يحل باب داره» (البنّاء يبني وصاحب الدار يعرف أين يضع باب داره).

ثالثاً. المنزل فضاء الهناء والاستقرار:
الراحة والاستقرار النفسي من الغايات الأساسية للمسكن، إنها إحدى التمثلات الجوهرية في المتخيل الشعبي العربي إلى درجة أن المرأة أو الفتاة المقدمة على الزواج ربما لم تشترط على شريك حياتها أكثر من توفير «الهنا» ولا يهم بعد ذلك النواحي الاقتصادية.

ولو رجعنا إلى الدلالة اللغوية لكلمة مسكن فإننا نجد هذه الخاصية أساس المفهوم. فالسكن في اللغة العربية هو من السكون الذي هو ضد الحركة. «سكن الشيء يسكن سكونا إذا ذهبت حركته، وأسكنه وسكنه غيره تسكينا. وكل ما هدأ فقد سكن كالريح والحر والبرد ونحو ذلك»24.

والسكن أيضا الإقامة. سكن بالمكان يسكن سكنى وسكونا: أقام، والسكن أيضا سكن الرجل في الدار، يقال لك فيها سكن أي سكنى، والسكن والمسكن والمسكِن: المنزل والبيت25.

والسكن كل ما سكنت إليه واطمأننت به من أهل وغيره، والسكن أيضا: المرأة لأنها يسكن إليها26.

هكذا نحن إزاء معانٍ متعددة لكلمة مسكن فهي تعني الهدوء والسكون والإقامة والمنزل والبيت هذا الفضاء المادي وهي تعني أيضا السكينة والطمأنينة، ولو حاولنا البحث عن الخيط الرابط بين كل المعاني المذكورة فإننا نجده في معنى القرار والثبات نقيض الحركة والاضطراب والذي يؤدي إلى الهدوء والسكينة. وحتى السكين سميت سكينا لأنها تسكِّن الذبيحة أي تسكنها بالموت وكل شيء مات فقد سكن27.

وعلاوة على هذه الدلالة أو الوظيفة التي يحققها المسكن فإن اللغة العربية حسب المعاني التي أوردها ابن منظور لكلمة سكن يبدو أنها تنطوي على كل الوظائف الأخرى، هكذا فإن المنزل والبيت هو المكان الحامي ماديا من الأخطار الطبيعية والبشرية.

وإذا كان السَّكْنُ أهل الدار28 فإنه لا معنى للسكن بغير أهله فالبيت غير المسكون يمثل الخلاء أما المسكن فهو الفضاء العامر الممتلئ، فضاء الأسرة. والمرأة بما هي سكن يعني أن هناك صلة وثيقة بين المرأة والمسكن الذي هو فضاؤها بامتياز في مقابل الخارج كفضاء للرجل. والعيال أهل البيت يعني أن المسكن يحقق وظيفة الإنجاب والسُّكْن القوت29 وفي المسكن يجري تلبية دافع الأكل. والسَّكَنُ أيضا النار30 والنار تشير إلى الموقد كجزء أساسي من الفضاء الداخلي للمنزل يقوم بوظيفة التدفئة وطهي الطعام وحوله تجتمع العائلة.

وهكذا تجتمع في معاني كلمة سكن الأوجه المتعددة لحقيقة المسكن: المادية (المكان الحاوي) والبشرية (الأهل، المرأة) والمعنوية (الطمأنينة، السكون) والوظيفية (القوت، المال، العيال).

وخاصية الطمأنينة والهناءة التي يمنحها المسكن كانت موضوعا للتأمل الفلسفي، لقد قدم باشلار مقاربة فينومينولوجية تجاوز بها أطروحة الوجوديين القائمة على أن الإنسان قذف به في العالم. فالبيت بالنسبة له «هو ركننا في العالم. إنه كما قيل مراراً، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى»31.

والفضاء السكني لأنه فضاء الألفة والخصوصية فإنه يرمز له بالعش، يقول المثل الشعبي الجزائري: «فْعشْناَ ويْنشْناَ» (في عشنا ويطردنا). وبدلا من أن يقول أحدهم أبني منزلا أو مسكنا أو دارا يقول «أبني العش». والعش هو أحد التسميات المرادفة للمسكن في اللغة الفرنسية رغم أن لكل اسم أو لفظ شحنته الدلالية والعاطفية. هكذا فإن العش بما هو ناعم وحميمي ودافئ ومريح رغم ضيقه، فإنه يستدعي مشاعر الحب والحياة العائلية المقصورة على الأعضاء الأكثر قربا32. وسيرا على خطى باشلار عبر التحليل الفينومينولوجي للمنزل الذي يمثل عشا وقوقعة أيضا، فإن «العش يعبر عن خاصية الراحة والهدوء الأساسيين للإقامة. ليس الراحة من التعب، ولكن التناغم مع الوجود، مع الذات نفسها، وليس الهدوء من الضجيج ورعب العالم، ولكنه هدوء يتأتى من الوعي بهذا الوجود، ذلك أن العش رغم أنه هش كما هو معروف فإنه يثير فينا الحلم بالأمان»33.

يقول بوزو-ماسابيو: «المنزل يبدو أولا، ويظل، كعش... في بداية الحياة، منزل المولد يفرض نفسه عبر وحدته، مثل العش فوق الشجرة، معلق بين السماء والأرض... إنه مكان الحميمية العائلية وربما لا شيء آخر»34.

ولكن مع ذلك يبقى العش دون سقف، عكس المنزل، فهو مفتوح من جهة السماء، ولذلك فهو لا يمنع المعتدي.

والمسكن مأوى ذو طبيعة روحية واجتماعية كما بين بوزو- مسابوو J. Pezeu-Massabuau - فهو فضاء مغلق يمكن العائلة من الانزواء على ذاتها، ويتمتع بالمنعة من أجل حمايتها من العالم الخارجي، ولذلك فإن المنزل في كل البلدان يمثل الرمز المزدوج للعش والقلعة، فبالنظر إليه من الداخل يمثل المنزل عشا يبينه الإنسان الذي يلتصق به كما تلتصق السلحفاة بقوقعتها. إنه عش وقوقعة في آن واحد، دافئ وحميمي، ولكنه غير هش مثل العش، مغلق وصلب أكثر من شاغله ولكنه ليس باردا مثل القوقعة و«إذا كان -كما قال باشلار- الكائن يبدأ مع الهناءة، فإن المنزل هو المأوى المطلق، ضروري لراحتنا التي تمكننا من نسيان وإبعاد عدوانية الخارج، وأن نكون ذواتنا»35.

فالمسكن سواء كان «صلبا من الحجارة، أو من الطوب، أو الخشب، أو كان كوخا، أو خيمة أو نقالة، فقد حمانا منذ فجر وجودنا من الحرارة والبرد، ومن المطر والرياح، المنزل كان هو الداخل المقابل للعالم الفسيح والمعادي»36.

رابعاً. المنزل والحضور الاجتماعي:
تكلمنا عن الدلالات الوجودية والنفسية للمنزل ولكن هناك دلالة أخرى لا تقل أهمية عنها، بل ربما كانت الدلالة الأهم كما سنرى، ويتعلق الأمر بالدلالة الاجتماعية، فالمنزل أو الدار يتضمن قيمة اجتماعية ومضمونا اجتماعيا تتحدد بواسطته قيمة الفرد ومكانته ضمن الجماعة التي ينتمي إليها، بل وبه تتشكل هويته. هذه الدلالة يراها دو رادكوفسكي – Georges- Hubert de Radkowski أساس وظيفة السكن أو المسكن وبالتالي كل حقيقته.

ففي محاولة منه لتحديد معنى كلمة سكن ينطلق من الإشارة إلى أن هذا المفهوم يعد مفهوما أساسيا للعديد من العلوم الإنسانية كالإتنولوجيا وعلم الاجتماع والجغرافيا والتاريخ... ولكنه أيضا أحد المفاهيم الأكثر عصيا على التحديد والتعريف.

وإذا كان بعضهم قد عرّفه بأنه ملجأ والذي يعني الحماية، فإن هذا التعريف لا يكفي لأن هناك مساكن لا تؤدي وظيفة الحماية إلا بشكل نسبي جدا هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد توجد ملاجئ لا تكوِّن مساكن، فالحماية من الشمس قد توفرها شجرة وافرة الأوراق.

وإذا كان المنزل أو المسكن ليس من أجل الاحتماء فهو أيضا ليس من أجل النوم، ولا الأكل، ولا الراحة، ولا الإنجاب، ولا حتى من أجل الاجتماع بأفراد الأسرة والأصدقاء، فإذا «كنا قد اعتدنا أن نجمع تحت الفعل سكن مجموع كل تلك الأفعال والانفعالات، فإن ذلك لا يعني أن هذا التأليف يعبر عن طبيعة الأشياء»37 فالوقائع الإتنولوجية تثبت في رأي دو رادوفسكي أن تلك الأفعال لا تجري بالضرورة داخل المسكن، إنها قد تتم مستقلة عنه (مطبخ مستقل، دار الاجتماعات، بيت الطعام، كوخ الإنجاب لدى البولينيزيين). وحتى في المجتمع الحديث فإنه يمكن تناول الطعام في المطعم، والنوم بالنزل، والإنجاب يتم في العيادة، والاجتماع يكون في المقهى، ويمكن للراحة أن تكون في أي مكان.

لكن ما هي حقيقة المسكن، إذا لم تكن أي من تلك الوظائف وظيفته الحقيقية؟

المسكن في رأيه يشتق من الفعل سكن، وهذا الفعل يمكن أن ينطبق على الجماعة (شعب، إثنية)، أو على فرد أو مجموعة أفراد وهذا من خلال عبارات مثل: الفرنسيون يسكنون فرنسا، فلان يسكن المنزل الواقع بالشارع الفلاني. وفي كلتا الحالتين يعني الفعل (سكن) الإشارة إلى أين يسكن الموضوع أي تحديد موضعه وتحديد الموضع أو الموضعة تعني إقامة علاقة بين موضوع وموضع ما، قد تكون مؤقتة أو دائمة شرعية أو غير شرعية، ممكنة أو ضرورية. وبذلك يشكل الموضع مضمون تلك العلاقة، والمكان لا يكون لذاته، ذلك أن المكان الذي لن يكون مكانا لشيء، يعد مفهوما متناقضا، وبما أن المكان ينتج عن تلك العلاقة، فإن حقيقته وظيفية خالصة «إنه يمثل حقل الحضور بالنسبة للموضوع وهذا الحضور في موضع معين هو ما يجعل الموضعة ممكنة»38.

وظيفة الموضع إذن هي أن يعطي الحضور للموضوع ويضمنه وبما أن السكن هو الموضعة فإنه يكون موضع الحضور، حضور الموضوع باعتباره عضوا أو ممثلا لإثنية معينة، أو باعتباره فرداً.

ولكن ما الفرق بين الحضور بالنسبة للسكن – البلاد والحضور الخاص بالسكن- الإقامة؟ بالنسبة للبلاد فإنها تمثل الحضور الحيوي للجماعة الإثنية أو الشعب إنها مكان للعيش بفضل استغلال مواردها الطبيعية، ولذلك فإن وجود الشعب مرهون بالبلاد ومواردها، وهذا ما يجعل الحضور وجوديا. أما السكن فإنه يحيل دائما إلى الفضاء الاجتماعي الذي ينتمي إليه وليس إلى الفضاء الفيزيائي الذي يقوم عليه ذلك أن الإقامة أو المسكن له دائما ارتباط بالمجتمع، فمهما كان منعزلا لابد مثلا أن يكون هناك طريق يربط بينه وبين المجتمع. ولهذا فإن المسكن يعطي الحضور الاجتماعي.

إن السكن أو الإقامة تعني العلاقة بين الإنسان وأقرانه بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه وعلى هذه العلاقة تتوقف الهوية الاجتماعية للإنسان، فالإقامة تمثل وتترجم الدور الذي يلعبه الفرد بصفته شخصا أو شخصية ضمن الكل الاجتماعي الذي ينتمي إليه، بمعنى ضمن هذه الجماعة الداخلية التي هي الأسرة. من ذلك موضع رب العائلة، موضع الزوجة والأطفال والضيوف… هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضمن الجماعة الخارجية التي تحيط بالأولى كالقرية مثلا.

وكذلك فإنه في المقابل يغدو أولئك الذين لا يسكنون في أي مكان أي المشردون بدون هوية اجتماعية39.

هكذا ينتهي دو رادوفسكي إلى تحديد معنى للسكن متجاوزا بذلك مختلف التحديدات التي أعطيت له، وذلك من خلال الوقوف عند وظيفته الحقيقية المتمثلة في منح الحضور للموضوع والحضور الاجتماعي هو الوظيفة الجوهرية للسكن، الذي على أساسه تتحدد هوية الفرد.

خامساً. الفضاء السكني والخصوصية:
الخصوصية من الأبعاد الأساسية المكونة لمفهوم المسكن، وقد كانت محل اهتمام فروع معرفية كثيرة، وموضوعا لمقاربات عدة، وهي أحد المفاهيم الإنسانية أو العالمية.

ومفهوم الخصوصية عرف تطورا رافق التطورات التي عرفتها المجتمعات الغربية.

ولكن هناك تطورا في فكرة الخصوصية في المجتمعات الغربية الحديثة من ذلك الانفتاح الذي حدث في المسكن في مجتمعات الضواحي المدينة الأمريكية، حيث يكون الباب دائما منفتحا في وجه كل قادم من الجيران.

ومن جهتها تتبعت «بيرلا سيرفاتي غارزون» Perla serfaty- garazon التشكل الاجتماعي للخصوصية في المجتمعات الأوربية. فمنذ منتصف العصر الوسيط حتى نهاية القرن 17 كانت الحياة الخاصة والحميمية مختلطة بالحياة الجماعية وعدم الفصل هذا كان يقوم على تصور معين للعالم ولكن أحداثا ستؤدي إلى العزل بين الخاص والعام وصولا إلى الأفكار المتعلقة بالمنزل في الفترة المعاصرة.

ولكن فهم فكرة الخصوصية التي يقوم عليها المسكن اليوم يقتضي إلقاء نظرة تاريخية عن هذه الفكرة التي تبدو اليوم عالمية وإنسانية وبمقتضاها نكون أسيادا ومالكين لمساكننا، بل أكثر من ذلك إن الفرد في المجتمع المعاصر يعتبر أن هذا التملك ضروري لتشكيل هويته وتحقيق ذاته. هذه النظرة التاريخية بإمكانها أن تكشف عن العقليات التي كانت وراء الأحداث التي قادت إلى الفصل بين الخاص والعام كما يحددان اليوم.

فالخاص اليوم يعني الانفصال عن الجماعة والابتعاد عن العالم العام، والعزلة وإعادة التمركز على الذات أو تحديد دائرة من الحميمية وإلى التقسيم المشترك للأحداث الجمعية ولكن الخصوصية تحيل إلى الذات التي تتوارى عن الأنظار العامة من أجل إنجاز أنشطة أو عيش تجارب لها معنى بالنسبة لها بشكل خاص أو بالنسبة لمجموعة صغيرة مألوفة وغالبا عائلية40.

وعموما فإن القرن 19 شكَّل العصر الذهبي للخصوصية. وميراثه المتمثل في التمييز الجذري بين الوسط العائلي، والمحيط العام وكذلك تنظيم الوجود الذي يتضمنه، سيعمم على مجموع السكان خلال القرن العشرين، وسيكون مفهوم المنزل وطرق تسكنه الشيء الذي تتقاسمه أكثر مجتمعات الغرب الصناعي. وفي بداية القرن 21 سوف لن يكون التمييز بين العام والخاص محل نقاش، ولكن كل ميدان منهما طرأت عليه تغيرات عديدة ستمنحهما تعقيداً كبيراً.

فالقيم المعاصرة تمنح الفردية امتيازاً أبعد مما كان يمكن أن يتوقعه أو يأمله قرن الأنوار أو القرن 19. فالفردية تحرك اليوم المجال العمومي، بحيث أدخلته من جديد في فضاء النقاش الاجتماعي كرهان للتملك والتعبير الجمعي. وإعادة غزو الشارع هو الترجمة الواضحة عن مد الفردية هذا في المجال العام. لقد صار الفضاء العام من أجل التعبير عن حقوق الفرد والأقليات والمهمشين.

والخاص اليوم لا يقل عن العام من حيث بعض الانحرافات التي طرأت عليه ومن حيث المطالبة بالفردية. فالغرفة الفردية، المشغولة غالبا منذ الأيام الأولى للحياة، هي منذ الآن عنصرا أساسيا للمسكن المتوسط أما بالنسبة لسن المراهقة فإن هذه الغرفة اكتسبت نوعا من الحصانة مقارنة بباقي المسكن، فهي محترمة من لدن الوالدين41. ويبقى المنزل اليوم فضاء النحن، فضاء الأسرة ولكنه فضاء كل الخلافات والمواجهات المكانية التي يمكن أن تثيرها الأولوية المعطاة للفرد على حساب الجماعة، من ذلك مثلا الخلافات بين الإخوة على مكان مشترك داخل المسكن، ومحاولة الحصول على مكان خاص داخل المنزل بالنسبة لأعضائه (طاولة، مكتب، غرفة...) وهذا يعبر عن تخصيص الأنا ولكن مع تخصيص الأنا تدخل الذات فجأة، وتتقدم على الفرد من أجل استحضار الخصوصية واستدعاء مفهوم الشخص42.

إن مفهوم الخصوصية قد تبلور من خلال تطورات وتغيرات شهدتها المجتمعات الأوربية أو الغربية، مست الأسرة والفرد والمنزل شكلا ووظيفة وانتهت اليوم إلى التأكيد على الشخص حتى داخل الفضاء الخاص الذي هو المنزل.
وإذا كانت الخصوصية اليوم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية من المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها مفهوم المنزل، فإنني لا أملك معطيات تاريخية بشأنها في هذه المجتمعات قديما. وهذا موضوع يبقى متروكا لأنتروبولوجيا تاريخية مأمولة، غير أنني أزعم أن مفهوم الخصوصية- بغض النظر عن الاختلافات الثقافية بين المجتمعات الإسلامية (مثلا النافذة حسب ملاحظتي لمنازل بالمملكة السعودية (مكة والمدينة) أقل انفتاحا على الشارع مقارنة بنوافذ مساكننا في الجزائر)- تشكل مع مجيء الإسلام. وبالاعتماد على القرآن الكريم والحديث النبوي يمكن أن نكشف عن عناصر أساسية لمفهوم الخصوصية من خلال ذلك التحديد الدقيق للعلاقات بين الأهل، المنزل والغرباء، وللحقوق والواجبات التي تنظم الفضاء الداخلي لمسكن المسلم. لقد ورد في سورة النور: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلّكم تذكّرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم، ليْسَ عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لّكم، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون»43.

ويذهب المفسرون إلى أن الاستئناس هنا مقصود به الاستئذان والاستئناس في اللغة هو طلب الأنس بالشيء، فهو إذن مؤنس.

وبعد الاستئذان يكون السلام « والسلام مسنون بعد الاستئذان على ظاهر الآية، ولأنه تحية للقاء واللقاء بعد الإذن أو السلام قبل الإذن على ما تضمنته السنة، وإن كان قريبا فإن لم يكن مَحْرَما لزم الاستئذان عليه كالأجانب، وإن كانوا محارم فإن كان ساكنا معهم في المنزل لزمه إنذارهم بدخوله بوطئ أو نحنحة، أو هم كالأجانب»44.

والاستئذان لا يكون في البيوت غير المسكونة كالفنادق أو حوانيت التجار أو منازل الأسفار ومناخات الرحال، أو الخرابات العاطلة، أو الخلاء والبول لأنه متاع لهم، أو المنافع كلها.

وهكذا فالإسلام يحمي الفضاء المنزلي أو بالأحرى أهله من الدخول عليهم دون إذنهم من قبل الغرباء، وعدم الالتزام بواجب الاستئناس والسلام يعد خرقا للخصوصية أو حرمة المنزل. ومن المهم أن نلاحظ أن الإسلام يمنح كامل الحرية لأهل البيت في قبول الغريب، فالمنزل إذن هو فضاء لحق التمتع بالحرية، بل وقد أجاز الإسلام القيام بما يدفع كل أشكال الاختراق لهذا الفضاء والتعدي عليه. ليس بولوجه دون إذن من صاحبه بل لمجرد الاطلاع على ما بداخله.

ولكن الإسلام، علاوة على حماية المنزل من «غزو الخارج» كما قالت بيرلا سيرفاتي غارزون، ينفذ إلى داخله ويفرض واجبات من شأنها أن تحصر الخصوصية أكثر ضمن هذا الداخل، وهي واجبات زمنية ومكانية في وقت واحد، يقول القرآن :«يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن، طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم، وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم»45.

فالاستئذان هنا ليس واجبا على الغرباء وإنما هو لبعض أهل المنزل وهم الخدم أو العبيد والإماء والأطفال الصغار غير البالغين. ويذهب عز الدين بن عبد السلام في تفسيره إلى القول إن النساء يستأذن في الأوقات الثلاث خاصة ويستأذن الرجال في جميع الأوقات، أما العبيد والإماء فيستأذن العبد دون الأمة على سيده في هذه الأوقات، أو الأمة وحدها، لأن العبد يلزمه الاستئذان في كل وقت، أو العبد والأمة جميعا. والصغار الأحرار الذين لا يصفون ما يرون يلزمهم أيضا الاستئذان في تلك الأوقات لخلوة الرجل فيها بأهله وربما ظهر منه فيها ما يكره أن يُرى من جسده. وأول تلك الأوقات قبل صلاة الفجر أي في الليل وقت النوم والخلود إلى الراحة، الثاني وقت الظهر حين خلع الثياب للقيلولة، والثالث وقت إرادة النوم والاستعداد له، فهذه الأوقات يختل فيها تستُّر المسلم وتكون العورات فيها بادية والتكشف فيها غالبا، لهذا ينبغي أن يستأذن العبيد والخدم والصبيان في الدخول على الأهل. ويورد صاحب التفسير المذكور سبب نزول هذه الآية وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى عمر وقت القائلة غلاما من الأنصار، فدخل بغير إذن فاستيقظ عمر بسرعة فانكشف منه شيء فرآه الغلام فحزن عمر لذلك وقال: «وددت لو أن الله تعالى –بفضله نهى أن يدخل علينا في هذه الساعات إلا بإذننا فانطلق إلى الرسولﷺ فوجد هذه الآيات قد نزلت فخرّ ساجدا»46.

وهكذا فإن خصوصية الفضاء السكني في الإسلام مرتبطة بمفهوم العورة ولذلك فإن البيوت الخالية التي لا تكون فيها العورة قابلة للانكشاف لا تتمتع بالحماية من الاختراق والتي تترجم في الاستئذان بالدخول. ولذلك فإنه لا يمكن أن نستبعد دور الإسلام في الممارسات المتعلقة بالخصوصية في البيت العربي بشكل عام والبيت الجزائري بشكل خاص.

سادساً. الفضاء المنزلي وشبكة العلاقات الاجتماعية:
الفضاء المنزلي له ارتباط وثيق بالآخرين أي بالمجتمع، وحتى في الحالة التي يظهر فيها بعيدا عنه، عندما يكون معزولا، فإنه يكون متصلا به بطريقة ما، مثلا عبر الطريق الذي يصل بينه وبين القرية أو المدينة، ولكن الصورة التي تعبر أكثر عن هذا الارتباط هي«الجورة» إنها علاقة الجوار، يقول بزو مسايوو:« كل منزل يندرج ضمن جورة معينة»47. وعلاقة الجوار هذه هي الوجه الآخر للفضاء السكني بما تمثله من تفاعل وتواصل مع الآخر. ففي الوقت الذي ينزوي المنزل على ذاته محافظا على حميميته وهذا وجهه الأول، فإنه بحكم القرب المكاني، ينفتح على المجتمع، فيحدث عندئذ انفتاح وتواصل بين فضاءات خاصة.

ولا شك أن مفهوم الجورة في الثقافة العربية مفهوم له أهميته في شبكة العلاقات الاجتماعية، إذا علمنا أن الإسلام قد أكد على حسن الجوار، وخصه بأهمية فريدة، وقد أكدنا سابقا أنه من الصعب أن نضع حدودا فاصلة بين الثقافي والديني في مجتمعنا، لكن من المهم أن نحاول تبيين واقع هذه العلاقة بين السلوك والممارسات الجوارية والتوجيه الديني. من أجل ذلك ينبغي أن نشير إلى البعد الإنساني لمفهوم الجورة في الإسلام.

إن الجوار في الإسلام يقوم على أساس المسافة، فالجار الأقرب اجتماعيا هو الأقرب مكانا. فالمسافة المادية وحدها دون النظر إلى المسافات الأخرى، إذا جاز لنا هذا التعبير، هي مبدأ الجورة، فالغريب الذي لا يمت إلى القرابة الدموية بصلة أي البعيد من حيث النسب، والمختلف دينيا أيضا، كلاهما يندرجان ضمن فضاء الجورة الإسلامية. وإذ نؤكد هنا على البعد الإنساني التواصلي لعلاقة الجوار في الإسلام فلكي نبرهن على أن هذا الدين معطى أساسي لا يمكن إبعاده أو التقليل من شأنه حينما يتعلق الأمر بتحليل ظواهر اجتماعية في مجتمع أو مجتمعات إسلامية. إننا بهذا نخالف ما ذهب إليه بوغالي بصدد تفسيره لعاطفة الجورة في المجتمع المغربي. فقد أعطاها تفسيرا سيكولوجيا، نافيا أن تكون مجرد طاعة بسيطة للأوامر الدينية. ففتح الفضاء المنزلي للجار تقف وراءه رغبة أو إرادة لاشعورية في الثناء على الجورة الحسنة التي يحاول الناس تقديمها تحت غطاء إسلامي. هذه الرغبة مزدوجة فمن جهة، يراد التخفيف من حصانة الفضاء الخاص بفتحه للآخر، وهذا يمكن من دخول فضاء هذا الآخر من أجل التعرف عليه، إذ الجار الذي لا نعرفه أو الذي يتجنب كل التقاء أو احتكاك شيء مقلق. ومن جهة أخرى وتبعا لذلك فإن الجار الذي كان مقلقا يتلاشى من أجل فسخ المكان لمن هو محل ثقة. ومحاولة إلقاء الضوء السيكولوجي- فيما يرى بوغالي- على تصور الجورة لدى المغربي الأمي هو رغبة في إعطاء محتوى إضافي لهذا المفهوم. فالإسلام كما هو معروف أمر دائما معتنقيه باحترام الجيران ومساعدتهم. بل وجعل الإيمان مقرونا بالإحسان إلى الجار وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة48. ولكن التعاليم الدينية وحدها يبدو أنها عاجزة عن فتح المجال لسلوكيات أو تصورات دائمة. إنها تتطلب باستمرار الرجوع إلى وقائع سيكولوجية تكون سندا لها. وإدخال العامل السيكولوجي هو محاولة لتفسير ظاهرة معقدة تتعلق بسلوك المغربي الأمي تجاه الجيران، الذي لا يفسره عامل واحد(الدين)، وإنما هناك عوامل تاريخية وسيكولوجية ودينية. فالإنسان في نظر بوغالي متعدد الأبعاد ولا يمكن أن نكوّن معرفة بحقيقته إلا انطلاقا من مقاربات عدة في وقت واحد. ولهذا فإن ما يفرض على المغربي فتح فضاء منزله إلى الجار شيء سيكولوجي أساسا. ولتوضيح هذا التداخل في العوامل يذهب بوغالي إلى أن التطور التاريخي الذي كان أساسا متعلقا بالزواج الداخلي خلق في المغرب مفهوما لفضاء منزلي شبه مغلق، يرفض كل انفتاح على الخارج. وفي وقت لاحق خفّ ذلك الانغلاق بتبني الجار غير المرغوب فيه كقريب أو صديق. وهكذا انتهى الفضاء المنزلي المنزوي على ذاته من داخله إلى طلب الحوار والانفتاح على الجيران. وهذه العملية تفسر بآلية سيكولوجية بسيطة ليست شيئا آخر في حقيقة الأمر سوى إرادة إنسانية خالصة في التحاور والانفتاح على الآخر. وتلك الاستجابة المزدوجة تؤول في نهاية التحليل إلى استجابة واحدة، إنها استجابة خفية ضد فضاء من دون أفق. استجابة لاشعورية تقريبا لرهاب الانغلاق، تدعو الجار إلى الخلاص وإلى توسع في المكان.

وبما أن التقارب بين الجيران يرجع في أساسه إلى العامل السيكولوجي، فإن الدين الإسلامي لم يأت إلا لتدعيم تلك العملية باعتبار أن الإسلام لم يتدخل في التنظيم المكاني للمنزل المغربي التقليدي. فالتنظيم للفضاء المنزلي، الذي ترجع أصوله إلى ما قبل أسلمة المغرب، كان عليه وحده أن يستدعي السلوكيات نفسها والاستجابات ذاتها بين الجيران التي دعا إليها الإسلام49.

ولكن هذا التأكيد على الدور الثانوي للإسلام في علاقة الجوار في المجتمع المغربي وإعطاء الأولية لعوامل سيكولوجية لا يستطيع أن يفسر لنا تلك البرودة التي تعيشها علاقة الجوار بين الناس في الوسط الحضري وغير الحضري. فإذا كانت العوامل السيكولوجية ترجع إلى الطبيعة الإنسانية الثابتة، فلماذا تعجز عن توثيق علاقات الجوار اليوم في المجتمع الجزائري المسلم ؟ إن التقليل من دور الإسلام في المجتمعات المغاربية ما هو في الواقع سوى ترديد لنظريات إتنولوجية لمستشرقين غربيين، تحاول أن تقتلع هذه المجتمعات من جذورها الحقيقية وتغرسها في تربة ثقافة المتوسط. وبوغالي هنا في الواقع يتحدث على لسان جيرمان تيلون.

إننا نعتقد أن الإسلام لعب ويلعب دورا كبيرا في تفسير مفهوم الجورة، لأنه يضع أمام المسلم مسؤولية كبيرة تجاه الجار، ولذلك كلما ضعفت هذه المسؤولية بوازع من الدين، تضعف علاقة الجوار. وعلاقة الجوار في المجتمع التقليدي لم تكن دائما مثالية، فالمثل الشعبي الذي هو مرآة صادقة لهذا النمط المجتمعي بإمكانه أن يصور لنا الواقع: «اللي اتكل على جارو بات بلا عشا»، « اللي عول على جارو بات عشاه على لمناصب». فهذا تصوير صادق لحال الجورة قديما واليوم أيضا. ولأجل أن ترقى العلاقة بين الجيران إلى ما ينبغي أن تكون عليه وفق المعيار الإسلامي فقد جاء التوجيه من المبدع الشعبي بصيغ مختلفة ولكن معناها واحد:
- « الجار قبل الدار» أي أن شراء الدار أو كراءها ينبغي معرفة الجار.
- «الشاري يشري الجار قبل ما يشري الدار»
- «جارك الغريب خير من خوك البعيد»
- «جارك القريب خير من واليك البعيد»
- «لا تبني حتى تشوف الجار، ولا تسيح المْاَ (الماء) حتى تلقى الما»
- «لو كان ما جاري ما يبان عاري»
وهذه الأمثال الجزائرية لا تختلف في معناها عن أمثال تونسية في الجورة:
- «انشدْ عَ الجار وما نتشدش عَ الدار»
- «الجار وصى عليه النبي»
- «الجار قبل الدار»
- «الدار بَمْيَه والجار بألف»
- «الدار بميه والشارع بألف»
- «يعطينا جار بلا عيون، وفار بلا سنون (أي جار لا يتجسس ولا يخون»
- «النبي وصى على سابع جار»
- «صباح الخير ياجاري انت في دارك وانا في داري»
فهذه الأمثال كلها تشترك في التأكيد على قيمة الجار فالجار الحسن هو الذي لا يتجسس ولا يخون، وهو من يحفظ شرف جاره لا من يفضحه ويفشي أسراره، ويحترم خصوصيته. فالجورة إذن هي واجب اجتماعي وأخلاقي وديني لأن النبي أوصى بالجار حتى كاد يورثه.
ولكن هل هذه الأمثال لا زالت تقوم بدورها التوجيهي والتربوي في الأوساط الشعبية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي البحث عن الإجابة عليه

الهوامش

1. ينظر: كلود ليفي ستروس، الإناسة البنيانية، ترجمة حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، بيروت- لبنان، ط1، 1996، الفصل الثامن، ص ص 149 - 180.
2. Claude Lévi-Strauss، Anthropologie Structurale, Plon, 1974, p. 157.
3. Elans Hamberger, La maison en perspective, L’homme, 194, 2010, pp 7-39.
4. Claude Lévi-Strauss, Anthropologie Structurale, Plon، 1974, p. 157.
5. شارل سيمور- سميت، موسوعة علم الإنسان: المفاهيم والمصطلحات الأنتروبولوجية، ترجمة مجموعة من الأساتذة، مراجعة وإشراف محمد الجوهري، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ، 1992، ص351 - 352.
6. Rbia Bekkar, Usages differencies et pratiques de cohabitation, in Joseph Muntanolathornbery, Antroplogie et espace, edition UPC, Burcelona, 2004.
7. Louis Marean de Bellaing, Espace et anthropologie, in l’homme et la societé, N° 104, 1992, pp 3-5.
8. Philippe Bomin, Pour une topologie sociale, in communication, 87, 2010, pp 43-64.-
9. Alice Hatzopoulou, Approche anthropologique du droit de l’espace, in Josep Muntamola thornnberg et Danielle Provansal, Anthropologie et espace, editions UPC , Barcelona, 2004, p 78.
10. خليل أحمد خليل، مفتاح العلوم الإنسانية، دار الطليعة، بيروت- لبنان،1989، ص 412.
11. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج2، دار الكتاب اللبناني، ومكتبة المدرسة، بيروت – لبنان، ص 412.
12. ابن منظور: لسان العرب، المجلد13، دار صادر، بيروت – لبنان، ص 211 - 212 و 218.
13. Amos Rapoport, Pour une anthropologie de la maison, traduit par Anne M. Meistershiem et Maurin Schlumberger, Bordas، Paris, 1972, pp. 26 -63.
14. Idem, p. 49.
15. Ibid, p. 59.
16. Melchisedek Chétima, la culture matérielle de la maison dans la pensée anthropologique : parcours théorique d’un concept transdisciplinaire, Internation Journal of trumanities and cultural studies, Vol. 2, Issue 4, 2016.
17. Melchisedek Chétima, Ibid.
18. Marcel Mauss, Manuel d'ethnographie, Editions, Payot, 1967, pp. 73- 78.
19. Ibid.، p. 78.
20. بيار بونت وميشال إيزار ( تحت إشراف)، معجم الأتنولوجيا والأنتروبولوجيا، ترجمة وإشراف مصباح الصمد، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، ط1، 2006، ص 848.
21. المرجع نفسه، ص ص 848-850.
22. عماد صولة، "سيرورة الزمن من العتبة إلى وسط الدار: قراءة أنثروبولوجية في السكن التقليدي التونسي"، إنسانيات، العدد 28، سنة 2005، ص 5 .
23. Perla Serfaty-Garzon, chez soi. Les territoires de l'intimité, Paris، 2003, P. 72.
24. ابن منظور، لسان العرب، المجلد13، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط6، 1997 ، ص211.
25. نفسه، ص 212.
26. نفسه، ص 212.
27. نفسه، ص 212 .
28. نفسه، ص 212.
29. نفسه، ص 213.
30. نفسه، ص 213.
31. غاستون باشلار، جماليات المكان، تر. غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط5، 2000، ص36 .
32. Perla Serfaty- Garzon, op.cit, P. 67.
33. Idem. , P. 74.
34. Jacques Pezen- Massabuau, Demeure Mémoire, Editions Parentheses, Marseille, 1999, p. 38.
35. Jacques Pezen- Massabuau, La maison espace sociale, PUF، Paris، 1983،P.40.
36. Jacques Pezen- Massabuau, , Demeure Mémoire, op.cit., p. 14.
37. Georges- Hubert de Radkowski، Anthropologie de l'habitation. Vers le nomadisme, Préface d'Augustin Berque / postface de Michel Deguy, PUF, Paris, 2002, P. 25.
38. Idem., P. 31.
39. Ibid., P. 50-51.
40. Perla Serfaty-Garzon، chez soi. Les territoires de l'intimité, op. cit., P.15-16.
41. Ibid, P.54 -55.
42. Ibid, P. .57
43. النور: 27 - 29.
44. عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي، تفسير القرآن، قدم له وحققه وعلق عليه، هبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الوهيبي، ج2 ، دار بن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط1، 1416هـ،1996م، ص 396 - 397 .
45. النور: 58، 59.
46. عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي، مرجع سابق، ص 410.
47. Jaques Pezeu- Massabuau، op-cit, p. 139.
48. جاء في صحيح البخاري:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».
49. Mohamed Boughali, op. cit, p. 65-73.

• الصور

1. https://i.pinimg.com/564x/00/8f/14/008f149c3f6c11b1c1383692f522b8c3.jpg
2. https://i.pinimg.com/originals/81/32/36/81323641831e0f5c52d804f5a7adb272.jpg
3. www.freepik.com
4. https://wildturnip.files.wordpress.com/2012/06/nml_warg_wag_1029_large.jpg
5. www.freepik.com
6. www.freepik.com