اللغة العدد
الغلاف الخلفي .. «كونشيروس» من الديني إلى الشعبي
الغلاف الخلفي .. «كونشيروس» من الديني إلى الشعبي
العدد 52 - لوحة الغلاف

 

على غلافنا الخلفي لهذا العدد، صورة لسيدتين من أقاصي الغرب، حيثُ (المكسيك)؛ تلك البلاد التي امتازت، وما تزال، بغنىً ثقافي تولَّد منذُ وطئ الإنسان جغرافيتها قبل ما يقارب الـ 15 ألف سنة، مُشكلاً الثقافات الأولى التي سبقت قيام «حضارة المايا» العريقة، وصولاً إلى آخر الحضارات الشامخة فيها، «حضارة الآزتك» الآفلة على يد الإسبان، بيد أن هذا الأفول لم يوقف أُناس هذا البلد الخصب عن إنتاج ثقافات انصهرت مع ثقافة الغزاة، وثقافة الوافدين الجدد الذي جلبهم الإسبان معهم كعبيد، ما جعل (المكسيك) ومختلف بلاد الأمريكيتين، تختص بغنىً ثقافي، انعكس على أُناسها في مختلف جوانب حياتهم؛ من عاداتهم، إلى طقوسهم، وأزيائهم، وطعامهم... وغيرها من التجليات التي تمظهر انصهار الثقافات وتداخلها على مر التاريخ.

في صورة الغلاف، الملتقطة بمهرجان تقليدي أقيم في (ولاية خاليسكو)، تقف السيدتان مستعرضتان ملابسهما الآزتكية التقليدية، المميزة ببريقها وزخرفتها، إلى جانب الريش الذي يكسو الجانب الخلفي لطوق الرأس، وتحملُ يمناهما أداةً لإصدار أصوات الخشخشة أثناء أداء الرقصة التقليدية المسمّاة «كونشيروس» (Concheros)؛ وهي من الرقصات التقليدية المتأصلة، التي تعود بجذورها إلى «الآزتك»، التي ازدهرت في وادي المكسيك، وأفْلت مطلع القرن الـ 16، بعد الغزو الإسباني، إلا أن عناصر طرأت على هذه الرقصة التي طعمت ببعض الفنون الوافدة مع الغزاة.

فقبل آلاف السنين، ابتكرت قبائل الـ «تشيتشيميكا» (Chichimeca) رقصة الـ «كونشيروس» لتكون رقصةً طقسيةً تمارس من قبل الشعوب الأصلية، ضمن طقوس شعائرية لاستدعاء أرواح الأسلاف، وقد استمر أداء هذه الرقصة ضمن طقسٍ ديني، حتى منتصف القرن الـ 20، حيثُ أخذت هذه الرقصة أهمية ثقافية بوصفها شكلاً من أشكال الرقص الشعبي.

في هذه الرقصات، تتداخلُ الحركات الإيقاعية التي يزامنها الجسد مع الموسيقى والأصوات المختلفة، للوصول لتجربةٍ روحية يخوضها الراقصون. ولهذه الحركات وظائف متعددة، تعطي صاحب الأداء تجربةٍ تمتدُ للجانب البيولوجي، وهو بُعدٌ يَفترضُ بأن أداء هذه الحركات الجسدية المتناغمة، لهُ تأثيرٌ مباشرٌ على وظائف الدماغ، مفسراً الاندماج الكامل للراقص والحالة التي يعلو إليها.

فأياً كانت أشكال الرقص، دينية أو شعبية أو تسلوية، فإنها تشتركُ في بعض الخطوط العريضة، كالأداء المتناسق، وتحريك أعضاء الجسد بشكلٍ متناغم، وأداءهُ في جماعات، وكل ذلك يؤدي لانعكاسات على الحالة الفسلجية للجسد البشري، إذ أن للإيقاع المتكرر بين الموسيقى وحركة الجسد ارتباطات تأثيرية على الدماغ، وهذا ما يشير إليه عالم الأعصاب (أندرو بي نيوبيرج)، وعالم النفس (يوجين داكويلي) في بحثهما عن المنشأ العصبي للدين، إذ يعتقدان بأن «جذور الطقوس الشعائرية لكل المجتمعات البشرية، من أشدها بدائية إلى أكثرها رفعةً، هي نتاج الحاجة العصبية البيولوجية المتأصلة في جميع الكائنات الحية، لكسر حدود الذات وتجاوزها»، وهذا ما يقوم به الرقص، الذي يكسرُ حدود الذات ويتجاوزها نحو الاتصال بالمطلق، أو بالكيانات الميتافيزيقية، كأرواح الأسلاف، أو الآلهة.. أو غيرها!

أ. سيد أحمد رضا