اللغة العدد
ساهٍ في سوقٍ يفيض تناغمًا!
ساهٍ في سوقٍ يفيض تناغمًا!
العدد 51 - لوحة الغلاف

في صورة غلافنا الخلفي لهذا العدد، يجلسُ هذا الشيخ في وضعيةٍ أشبهُ ما تكون بالتأملية، ساهٍ في أزمنةٍ ثلاثة تتجلى أمام ناظريه، حيثُ الماضي، والحاضر، والمستقبل.. قد لا يبدو المستقبل ملموساً لهذا الشيخ الذي خبر الماضي، وحار في الحاضر، بيد أنهُ قادرٌ على استحضاره، مقلباً إياه بالشكل الذي يتمنى أن يكون، أو يخشى أن يكون عليه! فعيناهُ المتعبتان، وملامحُ وجهه الصامدة، تروي حكاية الزمن بتفاصيله.

يجلسُ هذا الشيخ معتمراً على رأسه الغُترة، وقد لفها بالطريقة البحرينية التقليدية المسماة بـ «الچرمبه» أو «التشريمبة»، حيثُ يذيلُ طرفي الغُترة، ليلف كل ذيل جزءاً من الأذن أو كلها، ويتدلى باقي الذيل خلف الرأس كما لو أنهُ جديلة، وقد اسند ظهرهُ إلى زاوية من زوايا «سوق المنامة» القديم، وهو السوق الذي يحوي ما يحوي من الذاكرة، منذُ الأزمنة القديمة، حيثُ تجار اللؤلؤ، وصاغة الذهب، وبزازي الأقمشة، والصفارين، والحدادين... وغيرهم من الحرفيين الذين مارسوا حرفهم على أرض هذا السوق الذي شكل طوال زمن، مقصداً للناس من كل أطراف البحرين.

يشكلُ «سوق المنامة» ذاكرة لمختلف فئات المجتمع البحريني، فهو ذاكرة الأزواج أثناء الإعداد لحفلات زواجهم، والأمهات لكل ما تقتضيه حاجاتهم، والأطفال وهم يجولون أزقته الضيقة بحثاً عن ثيابٍ يتهندمون بها في الأعياد... وهو إلى جانب ذلك ذاكرة الآباء والشيوخ، حيثُ المقاهي القديمة، والمحال التقليدية التي تبيع المأكولات الشعبية، والبهارات، والأقمشة، وأنواع الحلي المختلفة.

في هذا السوق، تعددية متناغمة تعكس غنى أناس هذه الجزيرة، رغم قلة تعداد سكانها، ففيه تجد البحريني، والخليجي، والآسيوي، والأوروبي، وبين أزقته، تجدُ المساجد، والمعابد، والكنائس، والمآتم؛ فعلى مسافةٍ قريبة من مسجدٍ كبير، يوجدُ المعبد الهندوسي الضارب في القدم، حيثُ يتعبدُ القاطنون من الجالية الآسيوية، وفي ساحاته يقيمون أعيادهم، بكل فرائحيتها، ونسكيتها، وليس بعيداً يوجدُ «كنيس البحرين» للمواطنين والقاطنين من اليهود، فإلى جانب هذه الموتيفات الاجتماعية، موتيفات الأطعمة، حيثُ الأطعمة الأسيوية: الهندية، والبنغالية، والفلبينية، والتايلدنية، والصينية، بالإضافة للأطعمة الشرق أوسطية: اللبنانية، والمصرية، والإيرانية، إلى جوار الأطعمة الأثيوبية، وحديثاً الغربية، بالإضافة للأطعمة والمؤكولات الشعبية البحرينية، كـ «الحلوة»، و«الباچة»، وأصنافُ متعددة مما نتج عن هذا المزيج الثقافي، خاصة المزيج الهندي البحريني.

إن هذا السوق فضاءٌ مشبعٌ بتناغم مختلفٌ ألوانه، مشكلاً ارتحالة في ذات الجغرافيا إلى فضاءات البلدان والثقافات المختلفة، ففي أزقته تسافرُ إلى أجواء الهند، وبين حواريه، ترتحل إلى ماضي البحرين، وعلى مقربةٍ من «باب البحرين» تطلُ على الحاضر والمستقبل عبر العمارة الحديثة والأبنية الشاهقة. ليكون بذلك اختزالاً لذاكرة البحرين، والمقصدُ الرئيس للسياح عندما تطأُ أقدامهم أرضها.

سيد أحمد رضا