اللغة العدد
نحو قراءة ثقافية للفنون الشعبية الرقص الجماعي المغربي أنموذجا
نحو قراءة ثقافية للفنون الشعبية الرقص الجماعي المغربي أنموذجا
العدد 48 - موسيقى وأداء حركي

د‭. ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬شهيد‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

يسعى‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬دور‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الثقافية‭ ‬وإبراز‭ ‬الغنى‭ ‬الثقافي‭ ‬المجتمعي‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬والعمق‭ ‬القيمي‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬االفلكلرة‭ ‬واالفرجة‭ ‬الظرفية،‭ ‬مستفيدا‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬والخطابات‭ ‬الثقافية‭ ‬الهامشية‭. ‬لسعيه‭ ‬الدائم‭ ‬إلى‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الصلات‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬القيم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبينها‭ ‬وبين‭ ‬المؤسسات‭ ‬والممارسات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وعمله‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬االكشفب‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬الرفض‭ ‬والتسلط،‭ ‬ومقاومة‭ ‬الرداءة‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬الجماعية‭ ‬القومية‭ ‬والثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬للعشيرة‭ ‬أو‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬الوطن،‭ ‬بالتصدي‭ ‬لمختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الهيمنة‭ ‬الثقافية‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إعادة‭ ‬القيمة‭ ‬للثقافات‭ ‬المحلية‭ ‬والطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬وفنونها‭ ‬الأصيلة‭ ‬المعبرة‭ ‬عنها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الممثل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للشعب‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬الزماني‭ ‬والمكاني‭ ‬وفي‭ ‬تضاريسه‭ ‬الفنية‭ ‬والمعرفية‭. ‬وتختار‭ ‬الدراسة‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬المغربي‭ ‬لاختبار‭ ‬فرضياتها‭ ‬وآليات‭ ‬تحليلها،‭ ‬باعتباره‭ ‬خطابا‭ ‬متكاملا‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬أجناس‭ ‬مختلفة‭ ‬وآفاق‭ ‬إبداعية‭ ‬وثقافية‭ ‬متباينة‭.‬

الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والقراءة‭ ‬الثقافية

ترجع‭ ‬بدايات‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬إلى‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وبالضبط‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬برمنجهام‭ ‬للدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬برمنجهام،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬اليساريين،‭ ‬الذين‭ ‬راهنوا‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬للتصدي‭ ‬لمختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الهيمنة‭ ‬والإيديولوجيا،‭ ‬وإعادة‭ ‬القيمة‭ ‬للثقافات‭ ‬المحلية‭ ‬وثقافة‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الطبقات‭ ‬الدنيا‭ ‬بوصفها‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعبير‭ ‬الخصبة‭ ‬والمشروعة‭.‬

وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬هؤلاء‭ ‬المفكرين‭ ‬الأستاذان‭ ‬ريتشارد‭ ‬هوغارت‭ ‬Richard‭ ‬Hoggart‭ ‬‭ ‬وستيوارت‭ ‬هول‭ ‬Stuart‭ ‬Hull  ،‭ ‬وهما‭ ‬اللذان‭ ‬يعتبران‭ ‬المؤسسين‭ ‬الفعليين‭ ‬لحقل‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬بعد‭ ‬إفادتهما‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬والاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬السابقة‭. ‬كالماركسية،‭ ‬وخصوصا‭ ‬المفكر‭ ‬الإيطالي‭ ‬أنطونيو‭  ‬غرامشي‭ ‬Antonio‭ ‬Gramsci   ومفهوم‭ ‬االهيمنةب،‭ ‬بوصفه‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬كتاباته،‭ ‬حيث‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الفلسفة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والسياسة،‭ ‬جامعا‭ ‬بين‭ ‬النظرية‭ ‬والممارسة،‭ ‬ومفتاحا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬وتحليله‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬ابعاده‭ ‬المتناقضة1‭. ‬والمفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬لويس‭ ‬ألتوسير‭ ‬Louis‭ ‬Althusser   ‬مفهوم‭ ‬االإيديولوجياب‭. ‬والتي‭ ‬أضحت‭ ‬عنده‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬وظروف‭ ‬وجودهم،‭ ‬ولكنها‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يعيشون‭ ‬بها،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬ظروف‭ ‬وجودهم‭. ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬فلا‭ ‬يشترط‭ ‬عنده‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التعبير‭ ‬صحيحا‭ ‬أو‭ ‬زائفا‭ ‬أو‭ ‬مشوها؛‭ ‬ولكنه‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭. ‬اوالمهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬ألتوسير‭ ‬حول‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬ووظائف‭ ‬الدولة‭ ‬يفاد‭ ‬منها‭ ‬مع‭ ‬تحليل‭ ‬جرامشي‭ ‬لـ‭ ‬اكتل‭ ‬السلطةب‭ ‬واالملابساتب‭ ‬والهيمنة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحالب2‭.‬

كما‭ ‬يبدو‭ ‬تأثر‭ ‬منظري‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬برمنجهام‭ ‬واضحا‭ ‬بالحركات‭ ‬النسوية‭ ‬بأنواعها‭ ‬وتياراتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬اأكثر‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والممارسات،‭ ‬إنها‭ ‬أيضا‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭ ‬معنية‭ ‬بظلم‭ ‬النساءب3؛‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬وإزالة‭ ‬التمييز‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬إدانة‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬مبدأ‭ ‬فاسد‭ ‬من‭ ‬جذوره،‭ ‬لأنه‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬تبعية‭ ‬أحد‭ ‬الجنسين‭ (‬النساء‭) ‬للجنس‭ ‬الآخر‭ (‬الرجال‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مبدأ‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محله‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬الكاملة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بوجود‭ ‬ميزة‭ ‬لجانب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬جانب‭ ‬آخرب4‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإفادات‭ ‬الجوهرية‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البنيوية‭ ‬Post‭ ‬structuralisme  ‬وخصوصا‭ ‬التفكيك‭ ‬déconstruction‭ ‬مع‭ ‬جاك‭ ‬دريدا‭ ‬Jacque‭ ‬Derrida‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مفردة‭ ‬االتفكيكب‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬ابقيمة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬معين‭ ‬تحل‭ ‬فيه‭ ‬محل‭ ‬كلمات‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬تسمح‭ ‬لكلمات‭ ‬أخرى‭ ‬بأن‭ ‬تحددها‭: ‬االكتابة‭ ‬écriture‭ ‬مثلا،‭ ‬أو‭ ‬االأثر‭ ‬Trace‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬Différance‭ ‬أو‭ ‬الزيادة‭ ‬Supplément‭ ‬أو‭ ‬الهامش‭ ‬Marge‭ ‬أو‭ ‬الباكورة‭ ‬Extame‭ ‬أو‭ ‬الإطار‭ ‬Parergon‭ ‬الخب5‭. ‬وميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬Michel‭ ‬Foucault‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تفهم‭ ‬باعتبارها‭ ‬نظاما‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬المرتبة‭ ‬لإنتاج‭ ‬المقولات‭ ‬وتنظيمها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬وتدويرها‭ ‬وتفعيلها؛‭ ‬وهي‭ ‬بهذه‭ ‬الصفة‭ ‬اترتبط‭ ‬بعلاقة‭ ‬دائرية‭ ‬بنظم‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬وتحافظ‭ ‬عليها،‭ ‬وبآثار‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إليها‭ ‬وتكسبها‭ ‬امتدادا‭ ‬وتوسعاب6،‭ ‬وبذلك‭ ‬يشترك‭ ‬فوكو‭ ‬مع‭ ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬في‭ ‬االاهتمام‭ ‬بالآليات‭ ‬التي‭ ‬تتوسل‭ ‬بها‭ ‬السيطرة‭ ‬والسلطة‭ ‬في‭ ‬تدعيم‭ ‬هيمنتها‭ ‬علينا‭ ‬تدعيما‭ ‬شديداب7‭.‬

ونظرا‭ ‬لجملة‭ ‬هذه‭ ‬التأثيرات‭ ‬؛‭ ‬غرامشي‭ ‬والهيمنة،‭ ‬و‭ ‬ألتوسير‭ ‬والإيديولوجيا،‭ ‬والحركات‭ ‬النسوية،‭ ‬وحركة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البنيوية،‭ ‬وخصوصا‭ ‬دريدا‭ ‬والتفكيك،‭ ‬وفوكو‭ ‬والسلطة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬رفعتها‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬هي‭ ‬الدراسة‭ ‬الملتزمة‭ ‬للثقافة،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬تنحو‭ ‬نحو‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والثورة‭ ‬على‭ ‬االأدب‭ ‬الكلاسيكيب‭ ‬ونمطية‭ ‬الثقافة‭.‬

وقد‭ ‬سعى‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬جذوره‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬بعض‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دفاعه‭ ‬عن‭ ‬المهمشين،‭ ‬مستجيبا‭ ‬للتقاليد‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬افطغيان‭ ‬الاتجاه‭ ‬الثقافي‭ ‬على‭ ‬التقاليد‭ ‬الطبقية‭ ‬والصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬شأن‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيهب8‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬مركز‭ ‬برمنجهام‭. ‬وباعتبار‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬نواة‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬فإنه‭ ‬مشروع‭ ‬أكثر‭ ‬عمقا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتماهى‭ ‬مع‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬الماركسية؛‭ ‬اإذ‭ ‬أفاد‭ ‬المشروع‭ ‬بأفكار‭ ‬من‭ ‬النسوية،‭ ‬والبنيوية،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬البنيوية،‭ ‬والسيميائية،‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬الماركسية،‭ ‬وكان‭ ‬موقف‭ ‬هول‭ ‬من‭ ‬الماركسية‭ ‬مضادا‭ ‬للتزمت‭ ‬الفكريب9‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬تتجلى‭ ‬حيوية‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬وديناميته‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الانتقادات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬برمنجهام‭ ‬بين‭ ‬منتصف‭ ‬الستينيات‭ ‬ونهاية‭ ‬السبعينيات،‭ ‬وخصوصا‭ ‬بريادة‭ ‬هول،‭ ‬فإن‭ ‬عمل‭ ‬المركز‭ ‬الدؤوب‭ ‬ضد‭ ‬الثقافة‭ ‬النخبوية‭ ‬واإنجازات‭ ‬كتابات‭ ‬المركز‭ ‬وهول‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬لها‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافيةب10،‭ ‬مما‭ ‬ضمن‭ ‬انتشار‭ ‬أفكار‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬واستراليا‭ ‬وكندا،‭ ‬ثم‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭.‬

فبعد‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬مختلف‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬في‭ ‬سعيها‭ ‬لتقديم‭ ‬انسب‭ ‬أمريكيب‭ ‬خاص‭ ‬لها‭ ‬فارتبطت‭ ‬انمطيا‭ ‬مع‭ ‬باحثي‭ ‬الأقلية‭ ‬أي‭ ‬مع‭ ‬التعددية‭ ‬الثقافية‭ ‬وتحليل‭ ‬الحق‭ ‬والقوةب11،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عنايتها‭ ‬بدراسة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬ومواضيع‭ ‬تميزها‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬النقد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعماري،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالضعفاء‭ ‬والمغلوبين،‭ ‬وتحليل‭ ‬خطاب‭ ‬الأقلية‭ ‬والهجنة12‭.‬

أما‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأسترالية‭ ‬فتعد‭ ‬امتدادا‭ ‬للدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬البريطانية،‭ ‬انتقلت‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأكاديميين‭ ‬البريطانيين‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬جون‭ ‬هارتلي‭ ‬John Hartly،‭ ‬وتعرف‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬بنشاطها‭ ‬الكبير‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬قريناتها‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬ايجري‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد‭ ‬تطبيع‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأسترالية‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬دراسات‭ ‬السياسة‭ ‬الثقافية،‭ ‬وغالبا‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬نقدي‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭... ‬وربما‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الاسترالية‭ ‬لمحة‭ ‬عما‭ ‬سيكون‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الاختصاص‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬أصبح‭ ‬مهيمنا‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانيةب13‭.‬

إن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬استرعى‭ ‬انتباهنا‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬ونحن‭ ‬بصدد‭ ‬دراسة‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬واشتغال‭ ‬القيم‭ ‬فيها،‭ ‬هو‭ ‬رفضها‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬فنون‭ ‬اراقيةب‭ ‬وأخرى‭ ‬ادونيةب،‭ ‬وعدم‭ ‬قبولها‭ ‬ذلك‭ ‬الفصل‭ ‬المقيت‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬انخبويةب‭ ‬تستحق‭ ‬الاعتبار‭ ‬وأخرى‭ ‬اعاميةب‭ ‬يكون‭ ‬مصيرها‭ ‬التهميش‭. ‬فينبش‭ ‬التحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬التعابير‭ ‬الفنية،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬هامشية،‭ ‬ليبحث‭ ‬عن‭ ‬أشكال‭ ‬المقاومة‭ ‬والنقض‭ ‬وعدم‭ ‬التستر‭. ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬يخترق‭ ‬أفقيا‭ ‬التخصصات‭ ‬المختلفة،‭ ‬ويدرس‭ ‬النصوص‭ ‬والخطابات‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬المتعدد‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بحقول‭ ‬معرفية‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬إحالات‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬وفي‭ ‬علاقته‭ ‬بما‭ ‬حوله،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬الأنساق‭ ‬المتباينة‭ ‬التي‭ ‬يضمرها‭. ‬

فأهمية‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬وجاذبيتها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬االتوتر‭ ‬بين‭ ‬رغبة‭ ‬المحلل‭ ‬لتحليل‭ ‬الثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬مجموع‭ ‬الشفرات‭ ‬والممارسات‭ ‬التي‭ ‬تصرف‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬وتخلق‭ ‬الرغبة‭ ‬التي‭ ‬تمنوها،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬أمنية‭ ‬المحلل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬تعبيرا‭ ‬موثوقا‭ ‬به‭ ‬للقيمةب14‭. ‬فتجد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬اثقافة‭ ‬النضال،‭ ‬ثقافة‭ ‬تنطوي‭ ‬ابتكاريتها‭ ‬وابتداعها‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬منتجات‭ ‬الثقافة‭ ‬العامةب15‭ ‬ويستحضر‭ ‬التحليل‭ ‬الآتي‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬حجم‭ ‬الفروق‭ ‬والاختلافات‭ ‬بين‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية،‭ ‬ونظيرتها‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬المحلية،‭ ‬كما‭ ‬يستحضر‭ ‬طبيعة‭ ‬المواقف‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬وأحداثها‭ ‬مما‭ ‬تختلف‭ ‬فيه‭ ‬المجتمعات‭ ‬باختلاف‭ ‬تقاليدها‭ ‬وأعرافها‭ ‬ورؤاها‭ ‬للحياة‭ ‬والكون‭.‬

 

من‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬التاريخانية‭ ‬الجديدة

وقد‭ ‬ارتبط‭ ‬ظهور‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬ومفاهيمه‭ ‬الأساس‭ ‬بحقل‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬واستمد‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مفاهيمه‭ ‬وإجراءاته‭ ‬النقدية،‭ ‬فكان‭ ‬انتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬لظهور‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬وتطورها‭ ‬بفرعيها‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭ ‬بالأدب‭. ‬فالنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬وليد‭ ‬تلك‭ ‬المؤثرات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬الغربب16‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬نستغرب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬آرثر‭ ‬أزا‭ ‬برغر‭ ‬Arthur Asa Berger في‭ ‬كتابه‭ ‬التأسيسي‭ ‬للمفاهيم‭ ‬الرئيسة‭ ‬للنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬أهم‭ ‬النظريات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬الأدب،‭ ‬كما‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬الفصول‭ ‬الموالية‭ ‬عن‭ ‬الماركسية‭ ‬والسيميوطيقا‭ ‬والتحليل‭ ‬النفسي‭ ‬والنظرية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهو‭ ‬يبسط‭ ‬مفاهيم‭ ‬وإجراءات‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭. ‬فهو‭ ‬عنده‭ ‬انشاط،‭ ‬وليس‭ ‬مجالا‭ ‬معرفيا‭ ‬خاصا‭ ‬بذاتهب17،‭ ‬يتميز‭ ‬بالترابط‭ ‬والتجاوز،‭ ‬وتطبق‭ ‬مفاهيمه‭ ‬ونظرياته‭ ‬وإجراءاته‭ ‬اعلى‭ ‬الفنون‭ ‬الراقية‭ ‬والثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬والحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وعلى‭ ‬حشد‭ ‬الموضوعات‭ ‬المرتبطة‭....‬ب18‭. ‬كما‭ ‬يتميز‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬المواكبة‭ ‬والاشتمال؛‭ ‬الاشتمال‭ ‬على‭ ‬انظرية‭ ‬الأدب‭ ‬والجمال‭ ‬والنقد،‭ ‬وأيضا‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬وتحليل‭ ‬الوسائط‭ ‬والنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬الشعبيب19‭. ‬وهذه‭ ‬أبرز‭ ‬دوافعنا‭ ‬للاهتمام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭.‬

وقد‭ ‬اتخذت‭ ‬هذه‭ ‬الحركية‭ ‬النقدية‭ ‬ذات‭ ‬العمق‭ ‬الثقافي‭ ‬بعدا‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وإجرائية‭ ‬عند‭ ‬مثقفي‭ ‬نيويورك،‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬اظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬مفتوحةب،‭ ‬ودعوا‭ ‬اإلى‭ ‬اتباع‭ ‬مداخل‭ ‬كثيرة‭ ‬للنصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬لأن‭ ‬الثقافة‭ ‬دينامية‭ ‬نشطة‭ ‬وحية‭ ‬ومتعددة‭ ‬الأوجه،‭ ‬يدخل‭ ‬فيها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتنظيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والمعنوية‭ ‬والمعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬والممارسات‭ ‬النقدية‭ ‬والأبنية‭ ‬السياسية‭ ‬وأنظم‭ ‬التقييم‭ ‬والاهتمامات‭ ‬الفكرية‭...‬ب20‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬رواد‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬ستيفن‭ ‬غرينبلات‭ ‬Stephen‭ ‬Greenblatt‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسته‭ ‬لأدب‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اتشكيل‭ ‬المرء‭ ‬نفسه‭ ‬وتشكله‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬ذ‭ ‬الأسرة،‭ ‬الدين،‭ ‬الدولة‭- ‬أمران‭ ‬مرتبطان‭ ‬بلا‭ ‬انفصامب21‭. ‬حيث‭ ‬التأثر‭ ‬بأفكار‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭. ‬وظل‭ ‬غرينبلات‭ ‬وفيا‭ ‬لهذا‭ ‬التوجه‭ ‬حتى‭ ‬أضحى‭ ‬ما‭ ‬اصطلح‭ ‬عليه‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بــبالتاريخانية‭ ‬الجديدةب،‭ ‬ثم‭ ‬اشعرية‭ ‬الثقافةب‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الاجتهادات‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭... ‬حيث‭ ‬إمكانية‭ ‬جديدة‭ ‬ومهمة‭ ‬للجمع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جمالي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬ثقافي؛‭ ‬افالخطاب‭ ‬الثقافي‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬وجوده‭ ‬بانفصامه‭ ‬عن‭ ‬جماليات‭ ‬اللغة‭ ‬والمعنى‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية،‭ ‬وإنما‭ ‬يكتسب‭ ‬صفته‭ ‬الثقافية‭ ‬بفعل‭ ‬السياقات‭ ‬الجمالية‭ ‬والقيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المنصهرة‭ ‬فيهب22‭. ‬وبذلك‭ ‬يصير‭ ‬النص‭ ‬خصوصا‭ ‬والخطاب‭ ‬عموما‭ ‬في‭ ‬حركية‭ ‬دؤوبة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الشكل‭ ‬الجمالي‭ ‬جاذبيته،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الكشف‭ ‬والتجلية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬افإن‭ ‬تموقع‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الشعرية‭ ‬يكون‭ ‬وظيفة‭ ‬قيمية‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الجمالي‭ ‬واللاجمالي‭ ‬في‭ ‬فراغات‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤولب23‭. ‬فأعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والأشكال‭ ‬الفنية،‭ ‬وأعاد‭ ‬غرينبلات‭ ‬تنظيم‭ ‬الشعرية‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬االتأكيد‭ ‬على‭ ‬التناص‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والمجتمع‭. ‬وقد‭ ‬نشأت‭ ‬الشعرية‭ ‬الثقافية‭ ‬وفقا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬ثقافي‭ ‬موحد‭ ‬عضويا،‭ ‬وحاول‭ ‬دراسة‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الهيكلية‭ ‬الكبرى‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬التسلسل‭ ‬المستقل‭ ‬لمختلف‭ ‬الخطاباتب24‭. ‬مما‭ ‬نفيد‭ ‬من‭ ‬آفاقه‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية‭ ‬للرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬والبنيات‭ ‬القيمية‭ ‬التي‭ ‬تنصهر‭ ‬فيه‭. ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تفصل‭ ‬الجماعة‭ ‬بين‭ ‬قيم‭ ‬االعملب‭ ‬واالتعاونب‭ ‬واالتكافلب،‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيما‭ ‬أخلاقية‭ ‬منغرسة‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الجماعة،‭ ‬وبين‭ ‬احركات‭ ‬الجسدب‭ ‬واكلمات‭ ‬الأغنيةب‭ ‬واإيقاعات‭ ‬الآلاتب‭ ‬بوصفها‭ ‬تعابير‭ ‬متأصلة‭ ‬في‭ ‬ممارساتها‭ ‬الفنية‭. ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬االرقص‭ ‬الجماعيب‭ ‬في‭ ‬الساحات،‭ ‬امتدادا‭ ‬للعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬االحقولب‭ ‬واالمنازلب‭ ‬واالضيعاتب‭.‬

 

القراءة‭ ‬الثقافيةوالفنون‭ ‬الشعبية

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬وطيدة‭ ‬بين‭ ‬االفنون‭ ‬الشعبيةب‭ ‬والدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬الجنينية،‭ ‬فإن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يغري‭ ‬بالتحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬خطاب‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬هو‭ ‬سعيه‭ ‬الحثيث‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬بنيات‭ ‬النصوص‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬التعالقات‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬والممارسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والقيم‭ ‬المنبثقة‭ ‬عنها‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬يلمس‭ ‬الباحث‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬القيمي‭ ‬الذي‭ ‬تنضح‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الفنون،‭ ‬والبنيات‭ ‬الثقافية‭ ‬الثرة‭ ‬التي‭ ‬تستضمرها‭ ‬وتعبر‭ ‬عنها‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬وعفوية؛‭ ‬فإنه‭ ‬بدون‭ ‬شك‭ ‬لن‭ ‬تغيب‭ ‬عنه‭ ‬تلك‭ ‬النظرات‭ ‬الشزراء‭ ‬التحقيرية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬اليوم،‭ ‬عربيا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬ولدى‭ ‬محترفي‭ ‬الثقافة‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬الصالونات‭ ‬الأدبية‭ ‬والقاعات‭ ‬الفخمة،‭ ‬وتصنيفها‭ ‬الفلكلوري‭ ‬ضمن‭ ‬خانة‭ ‬تأثيث‭ ‬الفضاءات‭ ‬وتزيين‭ ‬المزارات‭ ‬السياحية،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬االثقافة‭ ‬الهامشيةب‭ ‬التي‭ ‬يعتنقها‭ ‬الأميون‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والمداشر‭ ‬البعيدة،‭ ‬ويمارسها‭ ‬الشيوخ‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والضيعات‭ ‬لزج‭ ‬الأوقات‭ ‬وملء‭ ‬الفراغات‭.‬

فقد‭ ‬ظلت‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬ولازالت‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬بعضها،‭ ‬ممارسات‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬التعبيرات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والدراسة‭ ‬الرصينة‭. ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬درست‭ ‬فإنها‭ ‬تدرس‭ ‬بمناهج‭ ‬تقليدية‭ ‬وبطرق‭ ‬وأدوات‭ ‬بدائية،‭ ‬وفي‭ ‬مراحل‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والترقي‭ ‬الجامعي‭. ‬ولما‭ ‬يختار‭ ‬الباحث‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬مجالا‭ ‬لأبحاثه‭ ‬فإنه‭ ‬يواجه‭ ‬بآفاق‭ ‬مغلقة‭ ‬في‭ ‬التدريس‭ ‬الجامعي‭ ‬وفي‭ ‬التأليف‭ ‬ومنافذ‭ ‬الشغل‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بالاحترام‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الأوساط‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تنزع‭ ‬إلى‭ ‬إقصاء‭ ‬الثقافة‭ ‬المحلية‭ ‬والفنون‭ ‬التراثية‭ ‬الشعبية‭.‬

ونظرا‭ ‬لحجم‭ ‬الإبعاد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والإقصاء‭ ‬الثقافي‭ ‬والدونية‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬منها‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬ومحترفوها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدوائر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والهيئات‭ ‬الفنية‭ ‬والمجتمعات‭ ‬الأكاديمية؛‭ ‬فقد‭ ‬انصب‭ ‬الاختيار‭ ‬على‭ ‬المدخل‭ ‬الثقافي‭ ‬لعنايته‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مهمش‭ ‬وجماهيري‭ ‬وملتصق‭ ‬بالإنسان‭ ‬المستبعد‭ ‬والفكر‭ ‬المغلوب‭. ‬فمن‭ ‬منظور‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬اسنجد‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الثقافات‭ ‬تستحق‭ ‬التحليل‭ ‬والتفسير،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الفروق‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬للتفريق‭ ‬بين‭ ‬الفنون‭ ‬الراقية‭ ‬والفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬مفيدة‭ ‬أو‭ ‬صالحة‭ ‬للاستخدامب25‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهي‭ ‬تسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعابير‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬النظرة‭ ‬الدونية‭ ‬والاستبعاد‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله،‭ ‬وترفض‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬نصوص‭ ‬سامية‭ ‬صنعتها‭ ‬النخب‭ ‬المثقفة‭ ‬تحت‭ ‬توجيهات‭ ‬الطبقات‭ ‬النافذة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحت‭ ‬عيون‭ ‬السلطة‭ ‬المتمكنة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭... ‬ونصوص‭ ‬هامشية‭ ‬صُنعت‭ ‬أو‭ ‬صاغت‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬هوامش‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬وأثناء‭ ‬التضاريس‭ ‬الوعرة‭ ‬للفكر‭ ‬والثقافة،‭ ‬ومن‭ ‬رحم‭ ‬الألم‭ ‬والمعاناة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجماعية؛‭ ‬فـــامع‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬ينفتح‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬المهمشة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وزمانيا‭ ‬ومكانيا‭ ‬وثقافياب26‭.‬

فاستطاعت‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬عموما‭ ‬أن‭ ‬تنتزع‭ ‬الاعتراف،‭ ‬حتى‭ ‬أضحت‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬بحث‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأثيرة‭ ‬والمؤثرة،‭ ‬وصارت‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬التحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬أكبر‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬مناقشة‭ ‬طبيعة‭ ‬أساليب‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬ومظاهر‭ ‬الأصالة‭ ‬والعراقة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬والطرق‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬أنها‭ ‬اتعبر‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬وقيم‭ ‬محددةب27،‭ ‬وترسخ‭ ‬بوسائلها‭ ‬الخاصة‭ ‬وبقوتها‭ ‬التعبيرية‭ ‬والتأثيرية‭ ‬أشكالا‭ ‬من‭ ‬السمو‭ ‬والجمال‭. ‬فبالغت‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬فنون‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬الا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مشهدا‭ ‬منحطا‭ ‬من‭ ‬التحكم‭ ‬أو‭ ‬التلاعب‭ ‬التجاري‭ ‬والإيديولوجي‭ ‬المفروض‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬لجني‭ ‬الأرباح‭ ‬وتأمين‭ ‬السيطرة‭ ‬الاجتماعيةب28‭. ‬وهو‭ ‬واقع‭ ‬اجتهد‭ ‬الدارسون‭ ‬الثقافيون‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬تناقضاته‭ ‬وخفاياه‭ ‬المرعبة،‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تعبيراته‭ ‬الفنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬وفي‭ ‬نبضاته‭ ‬الثقافية‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬تجارية‭ ‬أو‭ ‬ورقة‭ ‬إيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬تحفا‭ ‬تعرض‭ ‬في‭ ‬الواجهات‭ ‬والساحات‭ ‬العامة،‭ ‬في‭ ‬متاجرة‭ ‬فجة‭ ‬بالتراث‭ ‬وفنونه،‭ ‬وبالقيم‭ ‬وأدواتها،‭ ‬وبالماضي‭ ‬وجذوره‭ ‬الممتدة‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المستفز،‭ ‬تقدم‭ ‬الدراسة‭ ‬الثقافية‭ ‬ذاتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬القادرة‭ ‬بكفاءة‭ ‬وفعالية‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬وبحث‭ ‬أوسع‭ ‬وأشمل‭ ‬لبنيات‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتعبيرات‭ ‬الفنية‭ ‬الثرة،‭ ‬وتواشجاتها‭ ‬الغنية‭ ‬بالرموز‭ ‬والإشارات،‭ ‬وأشكالها‭ ‬التعبيرية‭ ‬العفوية‭ ‬المنبتة‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬طقوس‭ ‬المجتمعات‭ ‬وممارساتها‭. ‬لأن‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬تقصد‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬والثقافات‭ ‬في‭ ‬أماكنها‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬المصطنعة،‭ ‬وتبحث‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬الإنسان‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬وجوده‭ ‬الطبيعي‭ ‬الأصيل‭ ‬والمتمكن،‭ ‬وفي‭ ‬بعده‭ ‬المجتمعي‭ ‬المنبت‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬الجماعة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الفلكلرة‭ ‬والنمذجة‭ ‬والمعيرة‭. ‬

فتصير‭ ‬االكلمةب‭ ‬تعبيرا‭ ‬صادقا‭ ‬متغلغلا‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬المنتهكة،‭ ‬وتغدو‭ ‬االعبارةب‭ ‬نسجا‭ ‬من‭ ‬خيال‭ ‬مهزوم‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬ملفوظات‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬افتقده‭ ‬في‭ ‬تجسيدات‭ ‬العيان،‭ ‬وتضحي‭ ‬احركات‭ ‬الجسدب‭ ‬انعكاسا‭ ‬لآلام‭ ‬الذات‭ ‬وتعبيرا‭ ‬عن‭ ‬أناها‭ ‬المتردية‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬الاستبعاد‭ ‬والاغتراب،‭ ‬وتصبح‭ ‬االإشارات‭ ‬والإيماءاتب‭ ‬مؤولات‭ ‬دينامية‭ ‬تختزل‭ ‬الانتصارات‭ ‬الموؤودة‭ ‬والهزائم‭ ‬المعادة،‭ ‬وتجد‭ ‬في‭ ‬االألوانب‭ ‬علامات‭ ‬تعكس‭ ‬قسوة‭ ‬المكان‭ ‬وتدمير‭ ‬الزمان،‭ ‬وفي‭ ‬االخطوطب‭ ‬شقوقا‭ ‬تخترق‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الفردي‭ ‬والجماعي،‭ ‬وفي‭ ‬االإيقاعاتب‭ ‬تأوهات‭ ‬تبعث‭ ‬أنينا‭ ‬متمكنا‭ ‬وجرحا‭ ‬غائرا‭. ‬في‭ ‬بحث‭ ‬مضن‭ ‬عن‭ ‬تجاوز‭ ‬براثن‭ ‬الآلام‭ ‬والمعاناة‭ ‬وبناء‭ ‬عوالم‭ ‬من‭ ‬الآمال‭ ‬والمداواة،‭ ‬ودفن‭ ‬الماضي‭ ‬المعذب‭ ‬لاستنباط‭ ‬حاضر‭ ‬دافق‭ ‬بالحياة‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم،‭ ‬وتبديد‭ ‬معالم‭ ‬الاغتراب‭ ‬وتجاربه‭ ‬المفجعة‭ ‬بنسج‭ ‬خيوط‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬والانعتاق‭ ‬والحرية،‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬تتبدى‭ ‬معالمه‭ ‬ولا‭ ‬تترسخ‭ ‬مفاهيمه‭ ‬وأدواته‭ ‬إلا‭ ‬بالدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الواعية‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الخفية‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬وبين‭ ‬الإبداع‭ ‬والفكر،‭ ‬وبين‭ ‬المؤسسة‭ / ‬السلطة‭ ‬وممارسات‭ ‬المجتمع‭ ‬والثقافة،‭ ‬بوصف‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬اأنظمة‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬عدة‭ ‬عناصر،‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬اللغة‭ ‬والتقاليد‭ ‬والأساطير‭ ‬والقيم‭ ‬والفنون‭ ‬والرموزب29‭. ‬فتتجاوز‭ ‬القراءة‭ ‬المباشرة‭ ‬والتناول‭ ‬السطحي‭ ‬والمقاربة‭ ‬المبتسرة،‭ ‬لتتعمق‭ ‬ظواهر‭ ‬الممارسات‭ ‬وتنتهك‭ ‬ستائر‭ ‬المعنى‭ ‬وترفع‭ ‬الحجب‭ ‬عن‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه؛‭ ‬فتعيد‭ ‬بناء‭ ‬المعنى‭ ‬وتجدد‭ ‬النظر‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬ممارسة‭ ‬فلكلورية‭ ‬وطقوسا‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬معنى‭.‬

‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬والقيم‭: ‬

يمكن‭ ‬تصنيف‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬ضمن‭ ‬ثقافات‭ ‬الهامش‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وتاريخيا‭ ‬وجغرافيا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬ااستبعادب‭ ‬يرديها‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬التناسي،‭ ‬ويحتفظ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬معارض‭ ‬الفلكلرة،‭ ‬ويرمي‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬التوظيفات‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬الفجة؛‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬يكسبها‭ ‬بعدا‭ ‬آخر‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬االنخبويينب‭ ‬المتخفين‭ ‬وراء‭ ‬تعاليهم‭ ‬وتمايزهم،‭ ‬مما‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬التصاق‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬بالشعب،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬اموقف‭ ‬روحي‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬تكتل‭ ‬بشريب،‭ ‬وفي‭ ‬إبرازها‭ ‬لعاداته‭ ‬وثقافاته‭ ‬ومواقفه‭ ‬في‭ ‬أعز‭ ‬جوانبها‭ ‬بدوا‭ ‬وأكثر‭ ‬مناطقها‭ ‬خفاء‭. ‬فالفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬الهامشية‭ ‬البعيدة‭/ ‬المبعدة‭ ‬اتكون‭ ‬أكثر‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الجماعة‭ ‬وعن‭ ‬الذوق‭ ‬الشعبي‭ ‬والقيم‭ ‬الجمالية‭ ‬الشعبية،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬الفنان‭ ‬الفرد‭ ‬أكثر‭ ‬تمثلا‭ ‬لقيم‭ ‬الجماعة‭ ‬وأكثر‭ ‬انصهارا‭ ‬في‭ ‬التراثب30‭. ‬وهي‭ ‬معان‭ ‬لا‭ ‬تكتسب‭ ‬بمال‭ ‬ولا‭ ‬سلطة،‭ ‬بل‭ ‬بمزيد‭ ‬انغراس‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الجماعة‭ ‬وكيانها‭ ‬الممتد‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الصعب‭ ‬والجغرافيا‭ ‬الوعرة،‭ ‬ومزيد‭ ‬انتماء‭ ‬لأتراحها‭ ‬قبل‭ ‬أفراحها‭ ‬وتبن‭ ‬لآلامها‭ ‬قبل‭ ‬آمالها‭. ‬حتى‭ ‬تتشكل‭ ‬شرعية‭ ‬ثقافية‭ ‬وفنية‭ ‬يفتقدها‭ ‬افن‭ ‬النخبةب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬اقعقعاتب‭ ‬خاوية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬إحساس‭ ‬وافذلكاتب‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تأثير‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬الموصوفة‭ ‬بالشعبية‭ ‬يدمج‭ ‬خلالها‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬الشعبي‭ ‬المكتسب‭ ‬لشرعيته‭ ‬وحقيقته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تناقله‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجماعة‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬الحدث‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬وتستضمر‭ ‬تلك‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المتأصلة‭ ‬في‭ ‬واقعها‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬أفئدة‭ ‬أفرادها‭ ‬وحامليها،‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬له‭ ‬التدوين،‭ ‬لكن‭ ‬كتب‭ ‬له‭ ‬القناعة‭ ‬المتمكنة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬حامليه‭ ‬بفائدته‭ ‬المعنوية‭ ‬ومردوديته‭ ‬الرمزية‭ ‬وتأثيره‭ ‬النفسي‭ ‬عبر‭ ‬الفن‭ ‬والإبداع‭ ‬والممارسات‭ ‬الفنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬والحماية‭ ‬المضمونة‭ ‬لطقوسه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬الجماعة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬وتمثله‭. ‬إذ‭ ‬يتحدث‭ ‬المنظرون‭ ‬للفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬عن‭ ‬شرطين‭ ‬أساسيين‭ ‬لتجاوز‭ ‬أي‭ ‬تسلل‭ ‬إلى‭ ‬بنياتها،‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬امصنوعا‭ ‬داخل‭ ‬البيتب31،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬من‭ ‬حرص‭ ‬وإخفاء‭ ‬وخصوصية،‭ ‬وهدوء‭ ‬وسكينة‭ ‬وحميمية،‭ ‬فهو‭ ‬ينمو‭ ‬برفق‭ ‬وتؤدة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الـأعين‭ ‬المتربصة‭ ‬والسلطات‭ ‬المترصدة‭ ‬وآليات‭ ‬الهدم‭ ‬المترقبة،‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬فعلها‭ ‬في‭ ‬التوجيه‭ ‬والإلزام‭ ‬والأدلجة‭. ‬والشرط‭ ‬الثاني‭ ‬اأن‭ ‬تكون‭ ‬دلالته‭ ‬مفهومة‭ ‬لكافة‭ ‬المشتركين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التراثب‭(‬32‭)‬،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬االفهم‭ ‬والاشتراكب‭ ‬من‭ ‬شعبية‭ ‬وتقاسم‭ ‬ومشاركة‭ ‬وإبداء‭ ‬وظهور،‭ ‬مما‭ ‬يتجاوز‭ ‬الفهم‭ ‬إلى‭ ‬الإدراك،‭ ‬ويرقى‭ ‬بالمشاركة‭ ‬إلى‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬والإبداع‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يغدو‭ ‬معه‭ ‬الفن‭ ‬الشعبي‭ ‬ملكا‭ ‬للجماعة‭ ‬ورأسمالا‭ ‬رمزيا‭ ‬لا‭ ‬تفرط‭ ‬فيه‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف،‭ ‬تصير‭ ‬معه‭ ‬المقاومة‭ ‬طقسا‭ ‬يوميا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬للاختراق‭ ‬والتمييع،‭ ‬وممارسة‭ ‬متجددة‭ ‬للمواجهة‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬والامتداد‭ ‬في‭ ‬النفوس،‭ ‬والصفاء‭ ‬من‭ ‬التأثيرات‭ ‬الخارجية‭ ‬والوقائع‭ ‬البرانية،‭ ‬وقوة‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الكيانات‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬يتوجه‭ ‬منها‭ ‬وإليها‭.‬

وبين‭ ‬طرفي‭ ‬هذا‭ ‬التقابل،‭ ‬وفي‭ ‬توترات‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية؛‭ ‬الخفاء‭ ‬والتجلية،‭ ‬الخصوصية‭ ‬والمشاركة،‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية،‭ ‬تبرز‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وتتقد‭ ‬جذوتها،‭ ‬وتُغنى‭ ‬بنياتها،‭ ‬ويمتد‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وتُحفظ‭ ‬مكوناتها،‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬محاولات‭ ‬الإخفاء،‭ ‬ومهما‭ ‬سادت‭ ‬عقليات‭ ‬الإقصاء،‭ ‬واشتدت‭ ‬سلطات‭ ‬الهيمنة‭.‬

فتأتي‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬لتهتم‭ ‬بهذه‭ ‬االممارسات‭ ‬الضمنيةب‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬فيها‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬مقاومتها‭ ‬للنزوعات‭ ‬الهيمنية‭ ‬وسعيها‭ ‬المتواصل‭ ‬إلى‭ ‬الكشف‭ ‬وعدم‭ ‬التستر،‭ ‬حيث‭ ‬تنبجس‭ ‬قيم‭ ‬الرفض‭ ‬والمقاومة‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تستضمرها‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬وتكرسها‭ ‬ثقافتها‭ ‬الفنية‭ ‬منذ‭ ‬الأزل،‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬وجماعة‭ ‬عن‭ ‬جماعة‭. ‬

فيذهب‭ ‬التحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬تمظهراته‭ ‬البلاغية‭ ‬وانعكاساته‭ ‬الجمالية‭ ‬اليحدد‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والقيم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والممارسات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرىب33‭. ‬فيخرج‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬تبنينه‭ ‬وتشكلاته‭ ‬اللغوية‭ ‬ليثبت‭ ‬أهليته‭ ‬باعتباره‭ ‬خطابا‭ ‬حافلا‭ ‬بالتجارب،‭ ‬حابلا‭ ‬بالتواشجات،‭ ‬حاملا‭ ‬للعلامات،‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬االقيمب‭ ‬وطرق‭ ‬تشكلها‭ ‬ثقافيا،‭ ‬ووسائل‭ ‬انبتاتها‭ ‬فنيا‭ ‬واجتماعيا؛‭ ‬فمن‭ ‬اخصائص‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬تمريره‭ ‬بواسطة‭ ‬المسار‭ ‬الثقافي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تمريره‭ ‬عبر‭ ‬الجينات،‭ ‬أي‭ ‬عبر‭ ‬الطبيعةب34‭. ‬وبذلك‭ ‬تتحقق‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الخطاب‭ ‬الشعبي‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬القيم‭ ‬المغرقة‭ ‬في‭ ‬التجريد،‭ ‬واستضمار‭ ‬البنيات‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المتناثرة‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬والطقوس‭ ‬المختلفة،‭ ‬فيعبر‭ ‬عنها‭ ‬فنيا‭ ‬بسلاسة‭ ‬وبساطة‭ ‬وأريحية،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تقييدات‭ ‬المدارس‭ ‬الفنية‭ ‬النخبوية‭ ‬ومتاهات‭ ‬البرامج‭ ‬الأخلاقية‭ ‬المؤسسية‭ ‬وتوجيهات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬السلطوية‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬تنبهت‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬منه‭ ‬أدبيات‭ ‬اليونسكو‭ ‬مؤخرا،‭ ‬حين‭ ‬فضل‭ ‬خبراؤها‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬لتجنب‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬يكتنف‭ ‬مفهوم‭ ‬االفلكلورب‭ ‬الذي‭ ‬اعتبره‭ ‬غير‭ ‬ملائم،‭ ‬لأنه‭ ‬يستضمر‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬المتخصصة،‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬فصل‭ ‬للثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬وفنونها‭ ‬عن‭ ‬سياقها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬لتصبح‭ ‬عينات‭ ‬علمية‭ ‬وكائنات‭ ‬سياحية‭ ‬وبضاعة‭ ‬استهلاكية‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الهادف‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭. ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬عمقها‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطابا‭ ‬أولا،‭ ‬ثم‭ ‬قيما‭ ‬وممارسات‭ ‬ثقافية‭ ‬ثانيا،‭ ‬فعوالم‭ ‬تختصر‭ ‬روح‭ ‬التاريخ‭ ‬وغنى‭ ‬الجغرافيا‭.‬

وقد‭ ‬توج‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬باتفاقية‭ ‬لحماية‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي،‭ ‬صودق‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الثانية‭ ‬والثلاثين‭ ‬لعام‭ ‬2003‭. ‬حيث‭ ‬حددت‭ ‬الاتفاقية‭ ‬في‭ ‬النقطة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬تعريفا‭ ‬واضحا‭ ‬للتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي؛‭ ‬والذي‭ ‬هو‭: ‬االممارسات‭ ‬والتصورات‭ ‬وأشكال‭ ‬التعبير‭ ‬والمعارف‭ ‬والمهارات،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬آلات‭ ‬وقطع‭ ‬ومصوغات‭ ‬وأماكن‭ ‬ثقافية‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬الجماعات‭ ‬والمجموعات‭ ‬وأحيانا‭ ‬الأفراد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تراثها‭ ‬الثقافي‭. ‬وهذا‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬المتوارث‭ ‬جيلا‭ ‬عن‭ ‬جيل،‭ ‬تبدعه‭ ‬الجماعات‭ ‬والمجموعات‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬بما‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬بيئتها‭ ‬وتفاعلاتها‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬وتاريخها‭. ‬وهو‭ ‬ينمي‭ ‬لديها‭ ‬الإحساس‭ ‬بهويتها‭ ‬والشعور‭ ‬باستمراريتها،‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬احترام‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬والقدرة‭ ‬الإبداعية‭ ‬البشريةب35‭.‬

كما‭ ‬حددت‭ ‬الاتفاقية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬نقطتها‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬ذاتها،‭ ‬مجالات‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي،‭ ‬في‭: ‬التقاليد‭ ‬وأشكال‭ ‬التعبير‭ ‬الشفهي،‭ ‬فنون‭ ‬وتقاليد‭ ‬أداء‭ ‬العروض،‭ ‬الممارسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاحتفالات،‭ ‬المعارف‭ ‬والممارسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالطبيعة‭ ‬والعالم‭. ‬وبذلك‭ ‬انتبه‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬التراث‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭ ‬للأجداد‭ ‬في‭ ‬أماكنه‭ ‬الحقيقية‭ ‬ولدى‭ ‬حملته‭ ‬الفعليين،‭ ‬وتنبه‭ ‬إلى‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الذاكرة‭ ‬وترميم‭ ‬العلاقة‭ ‬بالتراث‭ ‬وفنونه‭ ‬العميقة‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬نراقبه‭ ‬ونحن‭ ‬نتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬المغربية،‭ ‬التي‭ ‬نهتم‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المضمار،‭ ‬فهذه‭ ‬الفنون‭ ‬سارية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬ومظاهر‭ ‬التراث‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬سارية‭ ‬فيه‭ ‬بالدرجة‭ ‬نفسها‭ ‬وبالشكل‭ ‬ذاته،‭ ‬تتغيا‭ ‬ترسيخ‭ ‬القيم‭ ‬وتثبيتها‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬ونقله‭ ‬بأمانة‭ ‬وحكمة‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬المقبلة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬تتجلى‭ ‬أهميتها‭ ‬الفنية‭ ‬وقيمتها‭ ‬الثقافية‭ ‬ودورها‭ ‬التربوي‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الغنى‭ ‬والتنوع‭ ‬اللذين‭ ‬يعتبران‭ ‬أسّين‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬أسس‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬انتبه‭ ‬إليها‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬الفن،‭ ‬كما‭ ‬اعتنى‭ ‬بها‭ ‬الدارسون‭ ‬للثقافة،‭ ‬فإن‭ ‬الاشتغال‭ ‬الفني‭ ‬لهذه‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية،‭ ‬ودراسة‭ ‬علاقتها‭ ‬بالمجتمع‭ ‬وبالمؤسسات،‭ ‬وتعبيرها‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬المغربية‭ ‬وخصوصياتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والجمالية‭ ‬يبقى‭ ‬مجالا‭ ‬واعدا‭ ‬للبحث‭ ‬والدراسة‭.‬

 

الرقص‭ ‬الجماعي

‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ممارسة‭ ‬ثقافية

ليست‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬التراثية‭ ‬مجرد‭ ‬حركات‭ ‬سطحية‭ ‬منعزلة‭ ‬عن‭ ‬عمقها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وليست‭ ‬كلماتها‭ ‬عبارات‭ ‬مطلقة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الجماعة‭ ‬واهتماماتها،‭ ‬وليست‭ ‬إيقاعاتها‭ ‬نقرات‭ ‬للاستمتاع‭ ‬وإزجاء‭ ‬الزمان؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ممارسات‭ ‬ثقافية‭ ‬منغرسة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬حامليها‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور،‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬الأماكن‭ ‬حيوية‭ ‬ونشاطا،‭ ‬تؤدي‭ ‬باستمرار‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬المقاومة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬وصيانة‭ ‬التراث‭. ‬تستدمج‭ ‬بألق‭ ‬قيم‭ ‬البطولة‭ ‬والعمل‭ ‬والتعاون‭ ‬والإنصاف‭... ‬لبناء‭ ‬عوالم‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬والفن‭ ‬والثقافة،‭ ‬وسبر‭ ‬أغوار‭ ‬الجماعة‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬منظوراتها‭ ‬للحياة‭ ‬والوجود،‭ ‬فالرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬ايستخدم‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬لوصف‭ ‬أشكال‭ ‬الرقص‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬المختلفة‭. ‬والتي‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬أصول‭ ‬متشابهة‭ ‬تتوارثه‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬ولذلك‭ ‬يعد‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬وسيلة‭ ‬مهمة‭ ‬لترجمة‭ ‬أحاسيس‭ ‬ومعتقدات‭ ‬الشعوبب36،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬اختياراتها‭ ‬الجمالية‭ ‬وحمولاتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭.‬

فما‭ ‬كان‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬يوما‭ ‬ابنية‭ ‬عضلية،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬تشكيلات‭ ‬يؤديها‭ ‬الممارسون‭ ‬في‭ ‬بيئتهم‭ ‬بلا‭ ‬هدف‭ ‬أو‭ ‬معنى،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬مهم‭ ‬للدرس‭ ‬العلمي،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬دراسة‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬علما‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬مواصفات‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كما‭ ‬تعددت‭ ‬مناهج‭ ‬دراسته‭ ‬وتباينت‭ ‬الأبعاد‭ ‬التي‭ ‬تختص‭ ‬بتحليلهب37؛‭ ‬والرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أنواع‭ ‬الرقص‭ ‬غنى‭ ‬واحتمالا‭ ‬للثقافة‭ ‬والفن،‭ ‬لأنه‭ ‬تمثيل‭ ‬شفاف‭ ‬لتراث‭ ‬المجتمع‭ ‬المتنوع،‭ ‬وتعبير‭ ‬فني‭ ‬بسيط‭ ‬عن‭ ‬أكثر‭ ‬قضايا‭ ‬الجماعة‭ ‬تعقيدا،‭ ‬وانبعاث‭ ‬ضمني‭ ‬للحظات‭ ‬الانتصار‭ ‬والهزيمة،‭ ‬ومواقع‭ ‬الفرح‭ ‬والحزن‭ ‬المنغرسة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الجماعة‭. ‬فـــــــبلا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬مهمته‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬إلينا‭ ‬بعض‭ ‬مشاعر‭ ‬معينة‭ ‬عاناها‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الوجدانية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وإنما‭ ‬تنحصر‭ ‬المهة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المعاني‭ ‬العميقة‭ ‬بطريقة‭ ‬رمزية‭ ‬لا‭ ‬تتأتى‭ ‬لأي‭ ‬وسيلة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التعبيرب38‭. ‬وهنا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أهميته،‭ ‬ودافع‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬دراسته‭.‬

وتتميز‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬بخطابها‭ ‬المتكامل،‭ ‬فهي‭ ‬مزيج‭ ‬متجانس‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬والغناء‭ ‬والموسيقى‭ ‬والحركات‭ ‬والعادات‭ ‬وطريقة‭ ‬اللباس‭ ‬وإعداد‭ ‬الطعام‭ ‬والقيام‭ ‬بمختلف‭ ‬الأشغال‭ ‬والصنائع،‭ ‬ويغدو‭ ‬الرقص‭ ‬والغناء‭ ‬مجرد‭ ‬رموز‭ ‬لعناصر‭ ‬ثقافية‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬والتعقيد،‭ ‬تبرز‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬واللغوية‭ ‬والفلسفية‭ ‬للإنسان‭ ‬ممارسا‭ ‬للفرجة‭ ‬أو‭ ‬متفاعلا‭ ‬معها‭ ‬أو‭ ‬جزءا‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬أنتجها‭. ‬فالرقصة‭ ‬اكجنس‭ ‬فني،‭ ‬وكنوع‭ ‬متميز‭ ‬بخصائصه‭ ‬الجوهرية‭ ‬والشكلية‭ ‬من‭ ‬المعالم‭ ‬والمؤشرات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬تصنيف‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية،‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬انتمائها‭ ‬الجغرافي‭ ‬واللغوي‭ ‬والثقافيب39،‭ ‬بل‭ ‬وخصوصياتها‭ ‬الثقافية‭ ‬وطبيعة‭ ‬نظرها‭ ‬لمختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭. ‬فليس‭ ‬الرقص‭ ‬سوى‭ ‬تجسيد‭ ‬لحياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وانعكاس‭ ‬لتجاربه،‭ ‬وترجمة‭ ‬لمواقفه،‭ ‬وتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعره‭. ‬وما‭ ‬حركات‭ ‬الأجساد‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬المكان‭ ‬سوى‭ ‬تقليد‭ ‬لحركية‭ ‬الذوات،‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬الفردي‭ ‬وامتدادها‭ ‬الجماعي،‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬الحياة‭ ‬الضيقة‭ ‬ومسالك‭ ‬الوجود‭ ‬الوعرة‭.‬

وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬التعميم،‭ ‬فإن‭ ‬تحليل‭ ‬حركات‭ ‬الرقصة‭ ‬وإيماءاتها‭ ‬يفضي‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬سلم‭ ‬أو‭ ‬حرب،‭ ‬ثقة‭ ‬أو‭ ‬ضياع،‭ ‬فرح‭ ‬أو‭ ‬حزن،‭ ‬مما‭ ‬يغمر‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬ماضيها‭ ‬أو‭ ‬حاضرها‭. ‬وتفكيك‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬المرافقة‭ ‬لها‭ ‬يجول‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬الحب‭ ‬والحياة‭ ‬الدابة‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬والجبال‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬الشعور‭ ‬الجمعي‭ ‬الشفاف‭ ‬والمعبر‭. ‬وتتبع‭ ‬وتيرة‭ ‬الإيقاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬فيها‭ ‬ينبئ‭ ‬عن‭ ‬ملاحم‭ ‬المقاومة‭ ‬وملامح‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬والتعاون‭ ‬والتكافل‭ ‬والتقدير‭ ‬لمختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الجماعة‭.‬

ونظرا‭ ‬للموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لبلاد‭ ‬المغرب‭ ‬ولتاريخه‭ ‬العريق‭ ‬وجغرافيته‭ ‬المتنوعة‭ ‬فقد‭ ‬أفرز‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تنوعا‭ ‬في‭ ‬فنونه‭ ‬الشعبية‭ ‬وتراثه‭ ‬الثقافي‭ ‬المعبر،‭ ‬وثراء‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬بنياتها‭ ‬ووظائفها‭. ‬ويشكل‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬وأكثرها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الهامش‭ ‬الثقافي‭ ‬والجغرافي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬وعن‭ ‬هموم‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والمداشر‭ ‬والأماكن‭ ‬النائية‭. ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الرقص‭ ‬فرصة‭ ‬للتعرف‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬وإظهار‭ ‬التنوع،‭ ‬لتصب‭ ‬هذه‭ ‬الروافد‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬الثقافة‭ ‬المغربية،‭ ‬فنجد‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬رقصة‭ ‬االطقطوقة‭ ‬الجبليةب،‭ ‬ونجد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬االركادةب،‭ ‬وفي‭ ‬الوسط‭ ‬ارقصة‭ ‬عيساوةب،‭ ‬وفي‭ ‬تادلا‭ ‬وخريبكة‭ ‬ااعبيدات‭ ‬الرماب،‭ ‬وفي‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬رقصة‭ ‬االكدرةب،‭ ‬بينما‭ ‬تخترق‭ ‬رقصات‭ ‬أحيدوس‭ ‬وأحواش‭ ‬وإمديازن‭ ‬بأنواعها‭ ‬المختلفة‭ ‬كل‭ ‬المناطق‭ ‬الناطقة‭ ‬بالأمازيغية‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬البلاد‭. ‬إذ‭ ‬أكدت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأبحاث‭ ‬أن‭ ‬االمغرب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬المرهفة‭ ‬الإحساس‭ ‬بالموسيقى‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ظاهريا‭ ‬نتيجة‭ ‬تحولات‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬ارتبطت‭ ‬بتاريخه‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬جدليا‭ ‬بالفقه‭ ‬والزوايا،‭ ‬ولذلك‭ ‬يزخر‭ ‬البلد‭ ‬باعتباره‭ ‬ملتقى‭ ‬تلاقح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬والحضارات‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬الموسيقية‭ ‬الأصيلة‭ ‬منها‭ ‬والشعبية‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تحولات‭ ‬المغرب‭ ‬الثقافية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬انفتاحه‭ ‬على‭ ‬جل‭ ‬ثقافات‭ ‬العالمب40،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ألقى‭ ‬بظلاله‭ ‬الوارفة‭ ‬على‭ ‬مجالات‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬رقصة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرقصات‭ ‬هو‭ ‬اكتشاف‭ ‬للمغرب‭ ‬العميق،‭ ‬واستحضار‭ ‬لغنى‭ ‬ثقافي‭ ‬يمتد‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وبناء‭ ‬لتاريخ‭ ‬فكري‭ ‬راسخ‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬الإنسان‭ ‬المغربي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬الفيزيقييين‭.‬

فقد‭ ‬ظل‭ ‬االرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬المغربيب‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬التعلق‭ ‬بالماضي،‭ ‬وتأكيدا‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬وانعكاسا‭ ‬للجمال‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والطبيعة‭ ‬والوجود،‭ ‬وللتنوع‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬والفكر‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يظل‭ ‬مناطا‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومرقى‭ ‬للمكوث‭ ‬والبقاء‭ ‬والاستمرارية،‭ ‬ووسيلة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬الضوء،‭ ‬ومن‭ ‬الوجود‭ ‬بالقوة‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬بالفعل‭. ‬ويبقى‭ ‬دليلا‭ ‬حين‭ ‬تفتقد‭ ‬الأدلة،‭ ‬وسبيلا‭ ‬حين‭ ‬تضيع‭ ‬السبل،‭ ‬وعلامة‭ ‬لما‭ ‬نفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العلامات‭. ‬فليست‭ ‬طقوس‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬بالتأكيد‭ ‬امجرد‭ ‬حركات‭ ‬متناسقة‭ ‬تنساب‭ ‬على‭ ‬إيقاعات‭ ‬متباينة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شكل‭ ‬تعبيري‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬الإيماءة‭ ‬والزي‭ ‬ولونه‭ ‬وطبيعة‭ ‬ارتدائه‭ ‬دلالة‭ ‬موغلة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬ويكون‭ ‬للإيقاع‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬حمولة‭ ‬بين‭ ‬طبقات‭ ‬تاريخ‭ ‬أجيال‭ ‬وشعوب‭ ‬تصل‭ ‬الماضي‭ ‬بالراهن،‭ ‬وتمنح‭ ‬للذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬حرية‭ ‬الإبداع‭ ‬والإضافة‭ ‬على‭ ‬الأشكال‭ ‬التعبيرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بحق‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭ ‬لكونها‭ ‬تعكس‭ ‬رغبة‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكانب41‭. ‬وفي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬تتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬وجدوى‭ ‬قراءته‭ ‬الثقافية‭.‬

ونجد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬الفني‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ثابتا‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬التحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها،‭ ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬المغربية‭ ‬اومن‭ ‬تقاليد‭ ‬الأمازيغيين‭ ‬العريقة‭ ‬الرقص‭ ‬المصحوب‭ ‬بالغناء،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬فيه‭ ‬أحد‭ ‬الخبراء‭ ‬الغربيين‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬إيحاء‭ ‬تموجات‭ ‬السنابل،‭ ‬أو‭ ‬الكثبان‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬أو‭ ‬أعراف‭ ‬الجبال‭ ‬في‭ ‬الآفاق‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬الرقص‭ ‬الأمازيغي‭ ‬التقليدي‭ ‬هو‭ ‬الرقص‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬المغربي،‭ ‬وليس‭ ‬للمغرب‭ ‬رقص‭ ‬غيره‭ ‬له‭ ‬ميزة‭ ‬تستحق‭ ‬الاعتبار‭ ‬يُرشح‭ ‬بها‭ ‬لأن‭ ‬يمثل‭ ‬الشخصية‭ ‬المغربية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الرقص‭ ‬صنفه‭ ‬الفرنسيون‭ ‬فتبعهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المسؤولون‭ ‬الوطنيون‭ ‬فلكلورا‭ ‬Folklore‭ ‬عن‭ ‬الفن،‭ ‬فلم‭ ‬يقيض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬ينهض‭ ‬به،‭ ‬ولذا‭ ‬صار‭ ‬يفقد‭ ‬رونقه‭ ‬الأصلي،‭ ‬ويفقد‭ ‬تلقائيته‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الابتكار‭ ‬الجماعية‭ ‬العاملة‭ ‬بدوافعها‭ ‬الذاتيةب42‭. ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬التمثيلية‭ ‬للشخصية‭ ‬المغربية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لأحد‭ ‬احتكارها‭ ‬دون‭ ‬غيره،‭ ‬لأن‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬غناها‭ ‬وتعدد‭ ‬روافدها،‭ ‬فإن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إخراج‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬التناول‭ ‬الفلكلوري‭ ‬وإدراجه‭ ‬ضن‭ ‬دائرة‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الابتكار‭ ‬دعوة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬تناولوا‭ ‬هذه‭ ‬الفنون،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬لهذه‭ ‬الدعوة‭ ‬حينيتها‭ ‬وجاذبيتها‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬الأسس‭ ‬الثقافية‭ ‬والغنى‭ ‬اللغوي‭ ‬والرمزي‭ ‬لفنون‭ ‬الرقصي‭ ‬الشعبي‭ ‬المغربي‭ ‬بأنواعه‭ ‬المختلفة‭.‬

وخصوصا‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الفرجة‭ ‬الشعبية‭ ‬المتميزة‭ ‬لدى‭ ‬المغاربة،‭ ‬والمتأصلة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناسباتهم‭ ‬اتجمع‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬الشفهي‭ ‬وقدسية‭ ‬إيقاع‭ ‬الجسد،‭ ‬وذلك‭ ‬بإظهار‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬شعرية‭ ‬الخطاب‭ ‬وجماليات‭ ‬الحركة،‭ ‬لكونها‭ ‬ذاكرة‭ ‬ومكونا‭ ‬رئيسيا‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬لمجتمع‭ ‬متنوع‭ ‬ومتغيرب43‭. ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للباحث‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬ما‭ ‬يحفل‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬ورموز‭ ‬وإشارات،‭ ‬وما‭ ‬يفيض‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الفن‭ ‬والجمال‭ ‬وغواية‭ ‬الإيقاع‭ ‬والحركة،‭ ‬وما‭ ‬يجيش‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الأحاسيس‭ ‬والمشاعر‭ ‬ومظاهر‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار‭. ‬مما‭ ‬تُشارك‭ ‬في‭ ‬إنتاجه‭ ‬أطراف‭ ‬كثيرة‭ ‬ومختلفة،‭ ‬بالإبداع‭ ‬والإنتاج‭ ‬والخلق،‭ ‬أو‭ ‬بالفهم‭ ‬والإدراك‭ ‬والتلقي،‭ ‬أو‭ ‬بإعداد‭ ‬الفضاءات‭ ‬وتيسير‭ ‬أجواء‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الخطاب،‭ ‬أو‭ ‬بالنقل‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬جماهير‭ ‬متباينة‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬الوسائط‭ ‬المختلفة‭.‬

فتتجدد‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬باستمرار،‭ ‬وتبرز‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والجمالية‭ ‬بوضوح،‭ ‬وترسم‭ ‬أبعاد‭ ‬جديدة‭ ‬للشخوص‭ ‬والعلاقات‭ ‬والأشياء‭. ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يحتفي‭ ‬بالفن،‭ ‬ويعتبر‭ ‬طقوسه‭ ‬شبه‭ ‬مقدسة،‭ ‬يلجها‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬حلله،‭ ‬ورجاله‭ ‬يرتدون‭ ‬لباسا‭ ‬ناصع‭ ‬البياض‭ ‬ونساؤه‭ ‬يتحلون‭ ‬بأجمل‭ ‬الحلل‭ ‬وأنفسها‭. ‬ويعد‭ ‬لها‭ ‬أصدق‭ ‬كلماته‭ ‬وأحاسيسه،‭ ‬فيجعل‭ ‬الكلام‭ ‬عملة‭ ‬تُسوَّق‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الشخصيات،‭ ‬فتُرفع‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬يحسن‭ ‬التعبير‭ ‬ويُحط‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬يعجز‭ ‬ويعي‭. ‬ويعتبر‭ ‬الفن‭ ‬امتدادا‭ ‬له‭ ‬ولفكره،‭ ‬يبرز‭ ‬فيها‭ ‬فلسفته‭ ‬ونظرته‭ ‬للوجود‭ ‬والحياة‭. ‬يفتح‭ ‬أحضان‭ ‬فرجته‭ ‬للقريب‭ ‬والغريب‭ ‬وللنساء‭ ‬والرجال،‭ ‬وللمحترف‭ ‬والمبتدئ،‭ ‬في‭ ‬ديموقراطية‭ ‬غريبة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الرقص،‭ ‬التي‭ ‬أضحت‭ ‬بمثابة‭ ‬اأغوراب‭ ‬متجددة،‭ ‬لا‭ ‬ينضب‭ ‬معين‭ ‬الكلام‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬يهدأ‭ ‬ضجيج‭ ‬الحركة‭ ‬خلالها،‭ ‬ولا‭ ‬تغيض‭ ‬دلالات‭ ‬الإيماءات‭ ‬أثناءها‭. ‬مما‭ ‬سنكشف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬مظاهره‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العناصر‭ ‬الموالية،‭ ‬ونرجو‭ ‬أن‭ ‬تسنح‭ ‬فرص‭ ‬أخرى‭ ‬بملاحقة‭ ‬عناصر‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬يتجدد‭ ‬بقدر‭ ‬ثباته،‭ ‬وينفتح‭ ‬بقدر‭ ‬أصالته،‭ ‬ويتوق‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬بقدر‭ ‬اختراقه‭ ‬للحاضر‭ ‬والماضي،‭ ‬إنه‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬بعده‭ ‬الرمزي‭ ‬والثقافي‭.‬

 

قيم‭ ‬المقاومة

والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الجماعة

ظلت‭ ‬قيم‭ ‬البطولة‭ ‬والشجاعة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬الجمعية‭ ‬والوطن‭ ‬المشترك‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المضامين‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الإنساني‭ ‬عموما،‭ ‬واكتست‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬باعتباره‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬هموم‭ ‬الجماعة‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬قيمها‭ ‬المجمع‭ ‬عليها‭. ‬حيث‭ ‬تغيب‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬نزعة‭ ‬فردية،‭ ‬لأن‭ ‬الفرد‭ ‬يرى‭ ‬امتداده‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الجماعة،‭ ‬فيتطلع‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬قضاياها،‭ ‬ويفاخر‭ ‬بالنطق‭ ‬بلسانها،‭ ‬ويعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دواعي‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون،‭ ‬ومن‭ ‬رسائل‭ ‬الإنسان‭ ‬النبيلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

وقد‭ ‬حضرت‭ ‬حيثيات‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬وحماية‭ ‬القبيلة‭ ‬والبلد‭ ‬والوطن‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الفرجات‭ ‬الشعبية‭ ‬المغربية‭ ‬عربية‭ ‬وأمازيغية‭. ‬واتخذت‭ ‬مظاهر‭ ‬مختلفة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العروض،‭ ‬ونوعية‭ ‬الحركات،‭ ‬وهندسة‭ ‬الرقصات،‭ ‬وطرق‭ ‬الاصطفاف،‭ ‬ودلالات‭ ‬الكلمات،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الأدوات‭ ‬الملازمة‭ ‬للراقصين،‭ ‬ومجال‭ ‬الساحات‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬فيها‭ ‬الرقصات،‭ ‬ومختلف‭ ‬الطقوس‭ ‬التي‭ ‬ترافقها‭ ‬من‭ ‬إطعام،‭ ‬ولباس،‭ ‬وزينة،‭ ‬وحلي،‭ ‬ومؤثثات‭ ‬للفضاء‭ ‬من‭ ‬زرابي‭ ‬وأواني‭ ‬الشاي‭.... ‬فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أدوار‭ ‬سائر‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬الوظيفية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ووظائفها‭ ‬الجمالية‭ ‬لدى‭ ‬الجماعة؛‭ ‬فإن‭ ‬لها‭ ‬أدوارا‭ ‬ثقافية‭ ‬كبيرة‭ ‬وأبعادا‭ ‬رمزية‭ ‬متمكنة‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬الجماعة‭ ‬وفكرها‭ ‬الواقعي‭ ‬والغيبي،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الشخص‭ ‬الشعبي‭ ‬المنغرس‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬المنبت‭ ‬بفكره‭ ‬وروحه‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬الوطن‭ ‬وامتداداته‭ ‬التاريخية‭ ‬والجغرافية‭.‬

1‭) ‬الأشكال‭ ‬والحركات‭: ‬

كل‭ ‬الحركات‭ ‬والأشكال‭ ‬التي‭ ‬تؤدى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬جل‭ ‬الرقصات‭ ‬الشعبية‭ ‬المغربية‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬القبيلة‭ ‬والإجهاز‭ ‬على‭ ‬العدو،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الكر‭ ‬والفر‭ ‬أو‭ ‬طرق‭ ‬الاصطفاف،‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬الإحاطة،‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬الانسيابي‭ ‬من‭ ‬المستقيم‭ ‬إلى‭ ‬الهلال‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الدائرة‭ ‬والأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬الأخرى‭.  ‬فتأخذ‭ ‬رقصة‭ ‬أحواش‭ ‬شكل‭ ‬خط‭ ‬مستقيم‭ ‬أو‭ ‬قوسين‭ ‬متقابلين‭ ‬أو‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة،‭ ‬ومن‭ ‬أنواع‭ ‬رقصات‭ ‬أحواش‭ ‬الكثيرة‭ ‬رقصة‭ ‬احتفالية‭ ‬أمازيغية‭ ‬تسمى‭ ‬بتاسكيوين44‭ ‬التي‭ ‬يعني‭ ‬بالأمازيغية‭ ‬القرون،‭ ‬والتي‭ ‬ينفخ‭ ‬فيها‭ ‬للحشد‭ ‬أو‭ ‬يوضع‭ ‬فيها‭ ‬البارود،‭ ‬ولا‭ ‬تفارق‭ ‬الراقصين‭ ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬الرقصة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭. ‬وهي‭ ‬رقصة‭ ‬حربية‭ ‬في‭ ‬إيقاعها‭ ‬القوي‭ ‬وحركاتها‭ ‬الرياضية‭ ‬المعبرة،‭ ‬تذكر‭ ‬بمعاني‭ ‬القوة‭ ‬والبطولة‭ ‬والشجاعة‭ ‬والانتصار،‭ ‬وتحكي‭ ‬في‭ ‬تتابعها‭ ‬وتناسقها‭ ‬معركة‭ ‬حربية،‭ ‬وتصور‭ ‬عمليات‭ ‬الحذر‭ ‬والتوقع‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمعركة،‭ ‬والمباغثة‭ ‬والانقضاض‭ ‬على‭ ‬العدو،‭ ‬وقفز‭ ‬الحواجز‭ ‬وركوب‭ ‬الخيل‭ ‬واقتفاء‭ ‬أثر‭ ‬العدو‭ ‬وتعقبه،‭ ‬والمراوغة‭ ‬والمصارعة،‭ ‬ثم‭ ‬نشوة‭ ‬الانتصار‭ ‬وانهزام‭ ‬العدو45‭. ‬فتغدو‭ ‬الرقصة‭ ‬ملحمة‭ ‬للانتصار‭ ‬وقصة‭ ‬محكية‭ ‬للحرب‭ ‬وفرصة‭ ‬لاستعادة‭ ‬أمجاد‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬الصراعات‭ ‬الدائرة‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬وصيانة‭ ‬حقوقها‭ ‬المهدورة‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭.‬

كما‭ ‬تأخذ‭ ‬رقصة‭ ‬أحيدوس‭ ‬شكل‭ ‬حلقة‭ ‬دائرية‭ ‬أو‭ ‬صفين‭ ‬متقابلين‭ ‬أو‭ ‬صفا‭ ‬واحدا،‭ ‬ويبرز‭ ‬رئيس‭ ‬الفرقة‭ ‬بلباسه‭ ‬الخاص‭ ‬والمتميز‭ ‬للتنسيق‭ ‬والتنظيم‭ ‬وإصدار‭ ‬الأوامر‭ ‬التي‭ ‬يتطلع‭ ‬إليها‭ ‬الراقصون‭ ‬بترحيب‭ ‬وسعة‭. ‬مادام‭ ‬الرئيس‭ ‬لا‭ ‬ينقل‭ ‬تجربة‭ ‬ذاتية‭ ‬ولا‭ ‬يضمر‭ ‬نزوعا‭ ‬فرديا‭ ‬بل‭ ‬يعد‭ ‬خبيرا‭ ‬بفنون‭ ‬الرقص‭ ‬وأشكال‭ ‬الإيقاع‭ ‬التي‭ ‬تتوارثها‭ ‬الجماعة‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬وممثلا‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬طقوس‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬أصغر‭ ‬تفاصيلها‭ ‬وأكبرها،‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬الصدق‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬والأمانة‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬التجديد‭.‬

بينما‭ ‬اقترنت‭ ‬رقصة‭ ‬الركادة‭ ‬بالتغلب‭ ‬على‭ ‬العدو‭ ‬وإظهار‭ ‬الشراسة‭ ‬في‭ ‬القتال‭ ‬والأنفة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬افهي‭ ‬تجسد‭ ‬النصر،‭ ‬ويكون‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الراقصين‭ ‬في‭ ‬الركادة‭ ‬بندقيات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعوض‭ ‬بالعصي‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬البنادق،‭ ‬كما‭ ‬يضربون‭ ‬بأرجلهم‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬للأرض‭ ‬ويحركون‭ ‬أكتافهم‭ ‬وفق‭ ‬عمليات‭ ‬حسابية‭ ‬وحركية‭ ‬مضبوطة‭ ‬إيقاعيا‭ ‬بمساعدة‭ ‬المزمار‭ ‬المزين‭ ‬بقرون‭ ‬الثورب46‭ ‬واالركادةب‭ ‬من‭ ‬الرقصات‭ ‬الرجالية‭ ‬الخالصة‭ ‬لما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬عنيفة،‭ ‬وتمايلات‭ ‬للجسد،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬النساء‭ ‬مسايرتها‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬محافظ‭. ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬شهامة‭ ‬وبطولة‭ ‬واستئناس‭ ‬بالسلاح،‭ ‬وتعبير‭ ‬عن‭ ‬فرح‭ ‬تختلط‭ ‬خلاله‭ ‬الزغاريد‭ ‬الصادحة‭ ‬بطلقات‭ ‬النار‭ ‬القوية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬اإمديازنب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الريف‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬فيتم‭ ‬اتشكيل‭ ‬عدة‭ ‬أشكال‭ ‬هندسية‭ ‬مدا‭ ‬وجزرا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التقابل‭ ‬والتماثل‭ ‬والاستواء‭ ‬والدوران،‭ ‬مع‭ ‬ضرب‭ ‬الأرض‭ ‬ضربات‭ ‬معدودة‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬نغمات‭ ‬الأشعار‭ ‬وطلقات‭ ‬البارود‭. ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬الراقصين‭ ‬والراقصات‭ ‬شيخ‭ ‬امايستروب‭ ‬له‭ ‬تجربة‭ ‬ودربة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الرقص‭ ‬والغناء‭...‬ب47‭.‬

ففي‭ ‬مختلف‭ ‬هذه‭ ‬الرقصات‭ ‬تحضر‭ ‬أشكال‭ ‬هندسية‭ ‬مختلفة،‭ ‬منها‭ ‬الدائرة‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬التي‭ ‬تلقى‭ ‬تقديرا‭ ‬كبيرا‭ ‬لدى‭ ‬الحضارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المختلفة،‭ ‬لأنها‭ ‬تستلهم‭ ‬شكلها‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬والقمر،‭ ‬ومن‭ ‬حركية‭ ‬الليل‭ ‬والنار،‭ ‬والحياة‭ ‬والموت،‭ ‬والمعاش‭ ‬والمعاد‭. ‬ثم‭ ‬هي‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬والتعاون‭ ‬والتضام،‭ ‬فضلا‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬حركية‭ ‬الإحاطة‭ ‬بالعدو‭ ‬والإطباق‭ ‬عليه،‭ ‬وعدم‭ ‬منحه‭ ‬فرصة‭ ‬للإفلات‭. ‬ففي‭ ‬الشكل‭ ‬الدائري‭ ‬يتحمل‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬المشتركة‭ ‬بالدرجة‭ ‬ذاتها،‭ ‬فيؤدي‭ ‬دوره‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬الثغرات‭ ‬وتقييد‭ ‬حركة‭ ‬العدو،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬قيمة‭ ‬االثقةب‭ ‬المتبادلة‭ ‬التي‭ ‬يكرسها‭ ‬الشكل‭ ‬الدائري،‭ ‬فكل‭ ‬تهاون‭ ‬لفرد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬المجموعة‭ ‬يعني‭ ‬انفراط‭ ‬الدائرة‭ ‬وفشل‭ ‬عملية‭ ‬الإحاطة‭ ‬وافتقاد‭ ‬الأمان‭ ‬الفردي‭ ‬والجماعي‭.‬

فإن‭ ‬الفلسفة‭ ‬المتمكنة‭ ‬من‭ ‬االرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬الجماعيب‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬باستثناء‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬أدوار‭ ‬ريادية‭ ‬محددة،‭ ‬فيها‭ ‬تكليف‭ ‬ومسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التشريف‭ ‬والمكانة‭ ‬الاعتبارية؛‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬الأفراد‭ ‬متساوون‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬طقوس‭ ‬التعبير‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬وغناء‭ ‬وإيماءات‭. ‬تذوب‭ ‬الذوات‭ ‬وتتماهى‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬لتؤدي‭ ‬الطقس‭ ‬بصفة‭ ‬جماعية،‭ ‬فلا‭ ‬يكتسب‭ ‬الفرد‭ ‬قوته‭ ‬ومكانته‭ ‬إلا‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة‭. ‬ففي‭ ‬الرقص‭ ‬وفي‭ ‬الأشغال‭ ‬الفلاحية‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬االمعاركب‭ ‬الأزلية‭ ‬ضد‭ ‬العداء‭ ‬وظواهر‭ ‬الطبيعة‭ ‬وتقلبات‭ ‬الحياة،‭ ‬تكتسب‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬وتتحقق‭ ‬الرسالة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجماعة‭. ‬وحين‭ ‬تدور‭ ‬الحياة‭ ‬دورتها‭ ‬تدور‭ ‬معها‭ ‬المجموعة‭ ‬فلا‭ ‬تجد‭ ‬إلا‭ ‬قوة‭ ‬متضافرة‭ ‬وأيد‭ ‬متشابكة‭ ‬وهمما‭ ‬عالية‭ ‬غير‭ ‬فاترة‭. ‬

وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يشفع‭ ‬الشكل‭ ‬الدائري‭ ‬في‭ ‬الرقصة‭ ‬بحركات‭ ‬تظهر‭ ‬القوة‭ ‬والرشاقة‭ ‬البدنية،‭ ‬إما‭ ‬بحمل‭ ‬الأرجل‭ ‬والأيادي‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬في‭ ‬تناسق‭ ‬وانسجام‭ ‬كبيرين‭ ‬إظهارا‭ ‬للقوة‭ ‬واستبشارا‭ ‬بالنصر‭ ‬والتفوق،‭ ‬أو‭ ‬بالضرب‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بقوة‭ ‬ضربات‭ ‬متتالية‭ ‬موحدة،‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬الارتباط‭ ‬بالأرض‭ ‬والتمسك‭ ‬المتواصل‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬ترمز‭ ‬لإبداء‭ ‬الشدة‭ ‬على‭ ‬العدو‭ ‬وزلزلة‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أقدامه‭. ‬في‭ ‬حركات‭ ‬دؤوبة‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬عبر‭ ‬الأجساد،‭ ‬لتمثل‭ ‬رقصا‭ ‬للإمتاع‭ ‬وبعث‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الجماعة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬حركات‭ ‬منظمة‭ ‬وموحدة‭ ‬للإيقاع‭ ‬بالعدو‭ ‬وبعث‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬صفوفه‭.‬

كما‭ ‬تتخذ‭ ‬الرقصات‭ ‬شكل‭ ‬خط‭ ‬أفقي‭ ‬مستقيم‭ ‬أو‭ ‬خطين‭ ‬متقابلين‭ ‬في‭ ‬طقس‭ ‬عسكري‭ ‬متوارث،‭ ‬يُنشد‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬المحاربين‭ ‬والاطمئنان‭ ‬على‭ ‬قدراتهم‭ ‬البدنية،‭ ‬وجاهزية‭ ‬أسلحتهم‭ ‬وعتادهم‭ ‬الحربي‭. ‬ثم‭ ‬عوضت‭ ‬ملابس‭ ‬الحرب‭ ‬بملابس‭ ‬الرقص‭ ‬البيضاء‭ ‬أو‭ ‬المزركشة‭ ‬الموحدة،‭ ‬والأسلحة‭ ‬بالدفوف‭ ‬والطبول‭ ‬والقصبات‭. ‬وتأكد‭ ‬القائد‭ ‬أو‭ ‬الرئيس‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬أعضاء‭ ‬فريقه‭ ‬لإحياء‭ ‬االحفل‭ ‬الراقصب‭ ‬هو‭ ‬بعث‭ ‬لسلوك‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬وهو‭ ‬يحتفي‭ ‬بالاستعداد‭ ‬للنصر‭.‬

فتعتبر‭ ‬حركة‭ ‬المستقيم‭ ‬أو‭ ‬المستقيمين‭ ‬المتوازيين‭ ‬أو‭ ‬المتقاطعين،‭ ‬حركة‭ ‬استعراضية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬والامتداد‭ ‬والاستعداد‭ ‬للتشكل،‭ ‬فبسرعة‭ ‬وتحت‭ ‬التوجيهات‭ ‬الصارمة‭ ‬للرئيس‭ ‬يصير‭ ‬المستقيم‭ ‬مستقيمين‭ ‬أو‭ ‬هلالا‭ ‬أو‭ ‬دائرة‭ ‬أو‭ ‬نصف‭ ‬دائرة‭ ‬في‭ ‬حركات‭ ‬منظمة‭ ‬تبعث‭ ‬طقوسا‭ ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والكيان‭.‬

فتصير‭ ‬طقوس‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬احتفالي‭ ‬لطقوس‭ ‬البطولة‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬الجماعة‭ ‬بالأمس،‭ ‬فتتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬بالأرض‭ ‬والتماهي‭ ‬مع‭ ‬الجماعة،‭ ‬والتفاخر‭ ‬بشجاعة‭ ‬الآباء‭ ‬والأـجداد‭ ‬وبطولاتهم،‭ ‬وتعيد‭ ‬ترميم‭ ‬لحظات‭ ‬هاربة‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬القبيلة‭ ‬بؤرة‭ ‬وموئلا‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يكتسب‭ ‬الجسد‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬دلالته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المحيل‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬وتصير‭ ‬كل‭ ‬حركاته‭ ‬ذات‭ ‬معنى،‭ ‬كل‭ ‬أعضائه‭ ‬تشارك‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدلالة‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تروم‭ ‬الرقصة‭ ‬تبليغها‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬دونه‭. ‬فالجسد‭ ‬اواقعة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهو‭ ‬واقعة‭ ‬دالة،‭ ‬إنه‭ ‬يدل‭ ‬باعتباره‭ ‬موضوعا،‭ ‬ويدل‭ ‬باعتباره‭ ‬حجما‭ ‬إنسانيا،‭ ‬ويدل‭ ‬باعتباره‭ ‬شكلا‭. ‬إنه‭ ‬علامة‭ ‬وككل‭ ‬العلامات‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعمالاته،‭ ‬وكل‭ ‬استعمال‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬نسق،‭ ‬وكل‭ ‬نسق‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬دلالة‭ ‬مثبتة‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الذات‭ ‬وسجل‭ ‬الجسد‭ ‬وسجل‭ ‬الأشياء‭. ‬إن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات‭ ‬والإمساك‭ ‬بها‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬مسبق‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬ضمنها‭ ‬ومعها‭ ‬وضدهاب48‭.‬

فليس‭ ‬الرقص‭ ‬لحظة‭ ‬متعة‭ ‬محدودة‭ ‬بمحددات‭ ‬فيزيقية‭ ‬معلومة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬لتجميد‭ ‬الانتصار‭ ‬وتمديده،‭ ‬ولتنشيط‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتمحيصها،‭ ‬وابتعاث‭ ‬مختلف‭ ‬لحظات‭ ‬النصر‭ ‬المفتقد،‭ ‬وطقوس‭ ‬الانخراط‭ ‬والتماهي‭ ‬الموؤود‭. ‬فيمثل‭ ‬الخط‭ ‬المستقيم‭ ‬الممتد‭ ‬لحظات‭ ‬البداية‭ ‬والاستعداد‭ ‬المنبثق‭ ‬عن‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬وفي‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬نحو‭ ‬التحرر‭ ‬والانعتاق،‭ ‬وتشكل‭ ‬الدائرة‭ ‬ونصف‭ ‬الدائرة‭ ‬لحظة‭ ‬الإطباق‭ ‬والإحاطة‭ ‬بالعدو،‭ ‬وفعالية‭ ‬الاستمرار‭ ‬ودينامية‭ ‬التأسي‭ ‬بنواميس‭ ‬الكون‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقهر،‭ ‬والحركات‭ ‬والأشكال‭ ‬الموالية‭ ‬لحظات‭ ‬النصر‭ ‬والاحتفال،‭ ‬في‭ ‬انطلاقاتها‭ ‬وتجاوزها،‭ ‬ومكان‭ ‬الرقصة‭ ‬بمثابة‭ ‬أرض‭ ‬النزال،‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬النصر‭ ‬كما‭ ‬تحتضن‭ ‬الهزائم‭. ‬ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬هذه‭ ‬الفرجات‭ ‬الحربية‭ ‬الحماسية‭ ‬في‭ ‬القبائل‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬التماس‭ ‬مع‭ ‬الأعداء‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬التجارية،‭ ‬وعلى‭ ‬السواحل‭ ‬البحرية،‭ ‬وفي‭ ‬السهول‭ ‬المعرضة‭ ‬للهجوم‭. ‬فتكون‭ ‬للجغرافيا‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬وصياغة‭ ‬خطابات‭ ‬الفن‭. ‬وبذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬الرقص‭ ‬مهمته‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬والتعريف‭ ‬والفهم‭ ‬والإدراك‭ ‬ونقل‭ ‬رسالة‭ ‬التاريخ‭ ‬والفن‭ ‬والثقافة،‭ ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬الرقص‭ ‬جماعيا‭ ‬شعبيا‭ ‬تتعمق‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬وتتدفق‭ ‬دلالاتها‭ ‬وأبعادها‭ ‬الرمزية،‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬الوجودية‭ ‬ومعناها‭ ‬القيمي‭ ‬واشتغالها‭ ‬الجمالي‭.‬

2‭) ‬الألبسة‭ ‬ووسائل‭ ‬الزينة‭: ‬

‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الألبسة‭ ‬التي‭ ‬يرتديها‭ ‬المؤدون‭ ‬والحلي‭ ‬التي‭ ‬يتحلون‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭ ‬المختلفة‭ ‬أدوات‭ ‬زينة‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬للتباهي‭ ‬والتفاخر،‭ ‬بل‭ ‬رموزا‭ ‬حافلة‭ ‬بالإشارات‭ ‬والعلامات‭ ‬دافقة‭ ‬بالمعاني‭ ‬والدلالات،‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬الفردي‭ ‬وامتداداتها‭ ‬الجماعية،‭ ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬المكان‭ ‬السرمدي‭ ‬والزمان‭ ‬المعاد‭. ‬وإلا‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬توحيد‭ ‬اللباس‭ ‬سنة‭ ‬الراقصات‭ ‬والراقصين‭ ‬أثناء‭ ‬الأداء،‭ ‬ولا‭ ‬كان‭ ‬الاعتناء‭ ‬بدقائقه‭ ‬ديدن‭ ‬المتفوقات‭ ‬والمتفوقين‭ ‬منهم‭ ‬المؤمنين‭ ‬بالرسائل‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬يحملونها‭ ‬ويدافعون‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رقصاتهم،‭ ‬اإذ‭ ‬يشكل‭ ‬اللباس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬رمزا‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬التلخيصية‭ ‬للثقافة‭ ‬التي‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬الهوية،‭ ‬أسلوب‭ ‬الحياة،‭ ‬وعلى‭ ‬الذوق‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسهب49،‭ ‬كما‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬والفن،‭ ‬ونظرة‭ ‬مرتديه‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬والجمال‭. ‬حيث‭ ‬اقتفاء‭ ‬آثار‭ ‬الاشكال‭ ‬والألوان‭ ‬والعلامات‭ ‬والمواد‭ ‬فعل‭ ‬ضروري‭ ‬للكشف‭ ‬والإظهار،‭ ‬وترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬أنساق‭ ‬ثقافية‭ ‬معبرة‭ ‬ضرورة‭ ‬بحثية‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬منها‭ ‬للقبض‭ ‬على‭ ‬لحظات‭ ‬فرح‭ ‬أو‭ ‬حزن‭ ‬غابرة‭ ‬ومظاهر‭ ‬انتصار‭ ‬أو‭ ‬هزيمة‭ ‬عابرة‭.‬

ففي‭ ‬رقصة‭ ‬أحواش‭ ‬المغربية‭ ‬ذات‭ ‬الانتشار‭ ‬الكبير‭ ‬والواسع‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬فيها‭ ‬الثقافة‭ ‬الأمازيغية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فرجتها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬طقسا‭ ‬شبه‭ ‬مقدس‭ ‬تهفو‭ ‬إليه‭ ‬أفئدة‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية،

وينسلخ‭ ‬الراقصون‭ ‬من‭ ‬فردانيتهم‭ ‬ووظائفهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومستواهم‭ ‬التعليمي‭ ‬وميولاتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬الذاتية‭ ‬ليرتدوا‭ ‬ازي‭ ‬الحفلات‭ ‬والأعياد،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬التقليدي‭ ‬المميز‭ ‬لكل‭ ‬منطقة‭. ‬فالرجال‭ ‬يلبسون‭ ‬الجلباب‭ ‬الوطني‭ ‬الأبيض‭ ‬والقميص‭ (‬تشامير‭) ‬والبرنس‭ ‬والعمامة‭ ‬البيضاء‭ ‬أو‭ ‬المزركشة‭ ‬بالحرير‭ ‬الأصفر،‭ ‬ويتقلدون‭ ‬بالخنجر‭ ‬الفضي‭ ‬تكوميت،‭ ‬وأقراب‭ (‬المحفظة‭ ‬الجلدية‭ ‬المزركشة‭ ‬بالحرير‭) ‬والبلغة‭ ‬البيضاء‭ ‬أو‭ ‬الصفراء‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬الوطنية‭. ‬أما‭ ‬النساء‭  ‬فتختلف‭ ‬أزياؤهن‭ ‬باحتلاف‭ ‬المناطق‭ ‬الأمازيغية‭ ‬وكذلك‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحلي‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬الفضةب50‭. ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬اللباس‭ ‬في‭ ‬أحيدوس‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭. ‬بينما‭ ‬في‭ ‬رقصة‭ ‬الركادة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬فيتميز‭ ‬المؤدون‭ ‬باستعمالهم‭ ‬للبنادق‭ ‬أثناء‭ ‬الرقص،‭ ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬البنادق‭ ‬تحضر‭ ‬رمزيتها‭ ‬باستعمال‭ ‬العصي،‭ ‬في‭ ‬طقس‭ ‬حربي‭ ‬متوارث،‭ ‬يمجد‭ ‬الشجاعة‭ ‬والشهامة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القبيلة‭ ‬والوطن‭. ‬

وفي‭ ‬سائر‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭ ‬الشعبية‭ ‬نلفي‭ ‬حرصا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬الراقصين‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬الألبسة،‭ ‬فوحدة‭ ‬اللباس‭ ‬طقس‭ ‬عسكري‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الشعبية‭ ‬لفعل‭ ‬الرقص،‭ ‬مع‭ ‬تمييز‭ ‬رئيس‭ ‬الفرقة‭ ‬بلباس‭ ‬خاص‭ ‬يؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬التمييز‭ ‬للموجه‭ ‬والمسير‭ ‬لمختلف‭ ‬الطقوس‭ ‬والعمليات‭. ‬وفي‭ ‬توحيد‭ ‬اللباس‭ ‬إشارات‭ ‬لرمزية‭ ‬التضامن‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدل‭ ‬بين‭ ‬المؤدين‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬مستوياتهم،‭ ‬مع‭ ‬التزام‭ ‬البياض‭ ‬لدى‭ ‬الرجال‭ ‬وألوان‭ ‬الطبيعة‭ ‬الصافية‭ ‬لدى‭ ‬النساء،‭ ‬وتمييز‭ ‬رئيس‭ ‬الفرقة‭ ‬بجعله‭ ‬يتوشح‭ ‬بالسواد‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬تحفل‭ ‬بدلالات‭ ‬الألوان‭ ‬وتنضح‭ ‬بالإشارات‭ ‬العميقة‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الجماعي‭ ‬للمجموعة‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬الرقصة‭. ‬فالألوان‭ ‬المختلفة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬الدائم‭ ‬بالأرض‭ ‬والطبيعة،‭ ‬والاستعداد‭ ‬المتواصل‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها‭ ‬والتمسك‭ ‬المستمر‭ ‬بها‭ ‬بدون‭ ‬حدود‭ ‬أو‭ ‬شروط،‭ ‬ويأتي‭ ‬البياض‭ ‬والسواد‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬للإظهار‭ ‬والتبريز‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الجماعة،‭ ‬نظرا‭ ‬لكم‭ ‬التمييز‭ ‬والتهميش‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات،‭ ‬فتتعلق‭ ‬بوحدة‭ ‬الألوان‭ ‬القوية‭ ‬المعبرة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬وإظهار‭ ‬تميزها‭. ‬والعناية‭ ‬بوحدة‭ ‬اللباس‭ ‬في‭ ‬دقائقه‭ ‬المختلفة،‭ ‬عناية‭ ‬بما‭ ‬يوحد‭ ‬الجماعة،‭ ‬ويضفي‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬التماسك‭ ‬والتشابه‭.‬

وفي‭ ‬رقصات‭ ‬شعبية‭ ‬مغربية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬ذات‭ ‬الأصول‭ ‬الأمازيغية،‭ ‬نجد‭ ‬حضورا‭ ‬لافتا‭ ‬للخنجر‭ ‬الأمازيغي‭ (‬تكميت‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬تظهر‭ ‬فيه‭ ‬براعة‭ ‬الصانع‭ ‬وذوق‭ ‬المستعمل‭. ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الفرجات‭ ‬الشعبية‭ ‬ترفض‭ ‬ولوجها‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬البليغة‭ ‬بدلالاتها‭ ‬ورمزيتها‭. ‬فالخنجر‭ ‬ارمز‭ ‬الشجاعة‭ ‬والشهامة‭ ‬والرجولة،‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬يتقلده‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬مناسباتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وحفلاتهم،‭ ‬فالعرف‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يقتضي‭ ‬في‭ ‬رقصة‭ ‬أحواش‭ ‬أن‭ ‬يتقلد‭ ‬الرجال‭ ‬خناجرهم،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬الخنجر‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬ولوج‭ ‬أحواش‭. ‬وتحرص‭ ‬رقصة‭ ‬الخنجر‭ ‬التي‭ ‬يؤديها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬حاحا‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات‭ ‬عبر‭ ‬لوحات‭ ‬تعبيرية‭ ‬حركية‭ ‬رائعة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬رقصة‭ ‬الكدرة،‭ ‬في‭ ‬مرحلتها‭ ‬الفاصلة‭ ‬تخترق‭ ‬حلقة‭ ‬الراقصين‭ ‬فتاة‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬زينتها،‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬العينين،‭ ‬تؤدي‭ ‬رقصتها‭ ‬فتزيد‭ ‬من‭ ‬حماس‭ ‬الراقصين،‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬البطل‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬الحلقة‭ ‬ليكشف‭ ‬القناع‭ ‬عن‭ ‬الفتاة،‭ ‬ويعلق‭ ‬على‭ ‬صدرها‭ ‬خنجرا‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬حمايتها‭ ‬واختيارها‭ ‬له‭ ‬زوجةب51‭.‬

فتمتد‭ ‬رمزية‭ ‬الخنجر‭ ‬ليتعلق‭ ‬بالفحولة‭ ‬والحماية‭ ‬والرجولة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والبراعة‭. ‬فهو‭ ‬آلة‭ ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬الزمان،‭ ‬لدى‭ ‬شعوب‭ ‬ومجموعات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تحمل‭ ‬آثار‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬وحماية‭ ‬العرض‭ ‬والشرف‭. ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تدل‭ ‬عليه‭ ‬عبر‭ ‬أساطير‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الكيان‭ ‬الجماعي‭ ‬للجماعات‭ ‬الثقافية‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬حسم‭ ‬وشهامة‭ ‬وبطولة‭. ‬وإذ‭ ‬يفتقد‭ ‬الخنجر‭ ‬اليوم‭ ‬دوره‭ ‬الوظيفي‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬رمزيته‭ ‬ودلالاته‭ ‬الثقافية‭ ‬الغامرة،‭ ‬وتاريخه‭ ‬الحافل‭ ‬بالانتصارات،‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬محطات‭ ‬النصر‭ ‬والقوة،‭ ‬كما‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬لحظات‭ ‬الغدر‭ ‬والهزيمة‭ ‬والهوان‭. ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬بالنسبة‭ ‬للبندقية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الراقص‭ ‬باعتباره‭ ‬محاربا‭ ‬جسورا‭ ‬يستأنس‭ ‬بالسلاح‭ ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬التلاعب‭ ‬واللهو‭ ‬به،‭ ‬كما‭ ‬تعيد‭ ‬ملاحم‭ ‬النصر‭ ‬التي‭ ‬سطرها‭ ‬الأجداد‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬والشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬بروحهم‭ ‬المتوقدة‭ ‬وشجاعتهم‭ ‬المتوجة‭ ‬بقيم‭ ‬الشهامة‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالانتماء‭ ‬للوطن‭. ‬حيث‭ ‬ابتعاث‭ ‬طقوس‭ ‬الكر‭ ‬والفر،‭ ‬واستعراض‭ ‬قوة‭ ‬الأبطال‭ ‬مترجلين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الخيول‭. ‬ليعيدوا‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخ‭ ‬مهمل‭ ‬حافل‭ ‬بالانتصارات‭ ‬والتضحيات‭ ‬بحركات‭ ‬الأجساد‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬وطلقات‭ ‬البنادق‭ ‬في‭ ‬الهواء‭.‬

أما‭ (‬أقراب‭) ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬بالأمازيغية‭ ‬تلك‭ ‬المحفظة‭ ‬الجلدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفارق‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭ ‬الشعبية‭ ‬المغربية،‭ ‬فهي‭ ‬تختصر‭ ‬لحظات‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬وتنعش‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للإنسان‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بمختلف‭ ‬المكونات‭ ‬البشرية‭ ‬والطبيعية‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭. ‬فيستشف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬مظاهر‭ ‬النخوة‭ ‬البدوية،‭ ‬التي‭ ‬يصير‭ ‬معها‭ ‬الجود‭ ‬والكرم‭ ‬سلوكا‭ ‬لا‭ ‬يفارق‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬حربه‭ ‬وسلمه‭ ‬وفي‭ ‬عمله‭ ‬وراحته‭ ‬وفي‭ ‬حله‭ ‬وترحاله‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تفارقه‭ ‬محفظته‭ ‬الجلدية‭ ‬الأنيقة‭. ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬االمحفظةب‭ ‬الجلدية‭ ‬العتيقة‭ ‬يختصر‭ ‬الزمان‭ ‬البائد‭ ‬ويحمل‭ ‬الرجل‭ ‬البدوي‭ ‬تاريخه‭ ‬الوفير‭ ‬ووفاءه‭ ‬لثقافته‭ ‬المتمكنة‭. ‬وحين‭ ‬يتزيا‭ ‬الراقص‭ ‬بها‭ ‬فإنما‭ ‬يروم‭ ‬ابتعاث‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬والأحاسيس‭ ‬والمواقف،‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬التضحية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الجماعة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬وهو‭ ‬ينسلخ‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬ومن‭ ‬لباسه‭ ‬وعمله‭ ‬ليعيد‭ ‬بعث‭ ‬طقوس‭ ‬أمته‭ ‬وانتصاراتها‭ ‬الغابرة‭ ‬وأساطيرها‭ ‬المحكية،‭ ‬عساها‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬دوائر‭ ‬الضوء،‭ ‬ولعلها‭ ‬تغادر‭ ‬جحيم‭ ‬التنائي‭ ‬والإبعاد‭ ‬والاغتراب‭ ‬وتلج‭ ‬عوالم‭ ‬الاقتراب‭ ‬والاعتراف‭.‬

بينما‭ ‬تظل‭ ‬الحلي‭ ‬لدى‭ ‬النساء‭ ‬رمزا‭ ‬للخصوبة‭ ‬وحماية‭ ‬من‭ ‬السوء‭ ‬والحسد‭ ‬والعين،‭ ‬ودلالة‭ ‬على‭ ‬صور‭ ‬البقاء‭ ‬والمكوث‭ ‬والانشداد‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭. ‬وصورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬اجتهاد‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تراث‭ ‬الأجداد‭ ‬وتمريره‭ ‬بثقة‭ ‬وأمانة‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يمثله‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إشعال‭ ‬لجذوة‭ ‬الاحتفال،‭ ‬وترسيخ‭ ‬لقيم‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬المتعطشة‭ ‬لتاريخها‭ ‬الجماعي‭ ‬الغني‭ ‬بمعالم‭ ‬الجمال‭ ‬والجلال‭.‬

3‭) ‬المرأة‭ ‬أيقونة‭ ‬الرقصات‭ ‬الجماعية‭:‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬موضوع‭ ‬الدراسة‭ ‬موضوعا‭ ‬للإغراء‭ ‬والاشتغال‭ ‬بفتنة‭ ‬الجسد،‭ ‬بل‭ ‬ظلت‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬الرقص‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة‭ ‬وفي‭ ‬الأشغال‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬والحقل‭ ‬وغيرهما،‭ ‬الا‭ ‬تمارس‭ ‬الفن‭ ‬إلا‭ ‬كوسيلة‭ ‬لرفع‭ ‬الأكبال‭ ‬والقيود‭ ‬عن‭ ‬مجتمعهاب52،‭ ‬ويتجلى‭ ‬دورها‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الفني‭ ‬والأدبي؛‭ ‬باعتبارها‭ ‬أكبر‭ ‬ناقل‭ ‬للقيم‭ ‬الجمالية‭ ‬والفنية‭ ‬وما‭ ‬تستبطنه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬أخرى‭ ‬أخلاقية‭ ‬وثقافية‭ ‬وحضارية‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال53‭.‬

فباستثناء‭ ‬الرقصات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالرجال‭ ‬لسياقها‭ ‬الوجودي‭ ‬الخاص‭ ‬كالركادة‭ ‬واعبيدات‭ ‬الرما،‭ ‬فإن‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬الجماعي‭ ‬ظل‭ ‬حقا‭ ‬مكتسب‭ ‬للجميع‭ ‬رجالا‭ ‬ونساء‭. ‬ولا‭ ‬يشترط‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬والتفوق‭ ‬في‭ ‬نسج‭ ‬الكلام‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬عموما‭ ‬غائبة‭ ‬في‭ ‬الأشكال‭ ‬الفرجوية‭ ‬قبل‭ ‬المسرحية‭ ‬كالحلقة‭ ‬وسلطان‭ ‬الطلبة‭ ‬والبساط‭ ‬وبوجلود،‭ ‬حتى‭ ‬اتأسست‭ ‬مسافة‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والتمثيل‭ ‬عبر‭ ‬التاريخب54؛‭ ‬فإن‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬قد‭ ‬أعاد‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬الضوء‭ ‬لتفجر‭ ‬طاقاتها‭ ‬الإبداعية‭ ‬والتعبيرية،‭ ‬وتعبر‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬بالحركة‭ ‬والقول‭ ‬والألبسة‭ ‬وأدوات‭ ‬الزينة‭ ‬والحلي،‭ ‬فيصير‭ ‬الأداء‭ ‬التعبيري‭ ‬ااستراتيجية‭ ‬لمقاومة‭ ‬قساوة‭ ‬اليومي‭ ‬باختراق‭ ‬زمن‭ ‬الحظر‭ ‬والاحتجاب‭ ‬البصريب55‭. ‬

فساحات‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬أحواش‭ ‬وأحيدوس‭ ‬والكدرة‭ ‬وغيرها‭. ‬هي‭ ‬مجال‭ ‬رحب‭ ‬للتواصل‭ ‬الجسدي‭ ‬والغنائي‭ ‬الذي‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬الرقابة‭ ‬المجتمعية‭. ‬حيث‭ ‬تستحدث‭ ‬الجماعة‭ ‬آليات‭ ‬لتفجير‭ ‬الشحنات‭ ‬العاطفية‭ ‬المكبوتة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬الوصال‭ ‬الممنوع‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬والأحاسيس‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬وتعبير‭ ‬الذات‭ ‬عن‭ ‬أناها‭ ‬وآمالها‭ ‬وآلامها‭ ‬مع‭ ‬الحب‭ ‬والحياة،‭ ‬ومواقفها‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬والأشياء‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الرقصات‭ ‬المعبرة‭ ‬والحركات‭ ‬الدافقة‭ ‬بالمعاني،‭ ‬والأغاني‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬رسائل‭ ‬مشفرة‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬الجنس‭ ‬المُبعَد‭ ‬والجماعة‭ ‬الثقافية‭ ‬المهمشة‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬سلطة‭ ‬الجسد‭ ‬والحركة‭ ‬تمتد‭ ‬سلطة‭ ‬القول‭ ‬والكلام،‭ ‬فيفتح‭ ‬المجال‭ ‬للمرأة‭ ‬للتعبير‭ ‬في‭ ‬أحواش‭ ‬وأحيدوس،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬جماعتها‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬جنسها‭ ‬خصوصا،‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الجنس‭ ‬بالقول‭ ‬البليغ‭ ‬والحركة‭ ‬المعبرة‭ ‬واجبا‭ ‬مقدسا‭ ‬لمواجهة‭ ‬التمييز‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تتعرض‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬أشكال‭ ‬التهميش‭ ‬الذي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬ضحية‭ ‬له‭. ‬وتعتمد‭ ‬رقصة‭ ‬الكدرة‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬الجسد‭ ‬وحركة‭ ‬الأصابع‭ ‬والأيدي،‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬الراقصة‭ ‬بؤرة‭ ‬الرقصة‭ ‬ولوحة‭ ‬تعبيرية‭ ‬ينطلق‭ ‬خلالها‭ ‬الجسد‭ ‬المهمش‭ ‬للتعبير‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬للانفتاح‭ ‬على‭ ‬الإيقاع‭ ‬والتفاعل‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حركات‭ ‬تعبيرية‭ ‬لا‭ ‬شعورية‭ ‬يرقى‭ ‬فيها‭ ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬سلالم‭ ‬الجمال‭ ‬رقيه‭ ‬في‭ ‬براعة‭ ‬الرقص‭ ‬في‭ ‬الكارة‭. ‬حيث‭ ‬اتمثل‭ ‬الراقصة‭ ‬أو‭ ‬الركاصة‭ ‬بالتعبير‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الاحتفالي‭ ‬عنصرا‭ ‬أساسا،‭ ‬إذ‭ ‬تتكفل‭ ‬سيدة‭ (‬خادم‭ ‬أو‭ ‬معلمة‭) ‬بإحضارها‭ ‬بعد‭ ‬إعدادها،‭ ‬وحثها‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬فتح‭ ‬أعينها‭ ‬سوى‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬بحولها،‭ ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الرقص‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬مستمرة‭ ‬داخل‭ ‬الدائرة‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ركبتيها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يظل‭ ‬باقي‭ ‬أفراد‭ ‬المجموعة‭ ‬في‭ ‬أماكنهم‭ ‬ويتدافعون‭ ‬بأكتافهم‭ ‬يمينا‭ ‬ويسارا‭ ‬فيما‭ ‬يعرف‭ ‬بالتداويح،‭ ‬ذلك‭ ‬حسب‭ ‬تحرك‭ ‬الراقصة‭ ‬نحوهم،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بتحريك‭ ‬الأصابع‭ ‬وتقليب‭ ‬الكفين،‭ ‬أما‭ ‬النكار‭ ‬فتفرض‭ ‬عليه‭ ‬الراقصة‭ ‬التحرك‭ ‬وسط‭ ‬الدائرة‭ ‬لكن‭ ‬بهدوء‭ ‬لكي‭ ‬يظل‭ ‬مقابلا‭ ‬للراقصة‭ ‬ولآلته‭ ‬الموسيقيةب56‭.‬

فما‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬سوى‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الرقصات‭ ‬الشعبية‭ ‬المغربية،‭ ‬حيث‭ ‬شكلت‭ ‬بؤرة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬ترمز‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬الخصب‭ ‬والعطاء،‭ ‬وما‭ ‬تدل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬بالأرض‭ ‬والحياة،‭ ‬وتمثيلها‭ ‬للمجتمع‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬العاطفي‭ ‬وفي‭ ‬بعده‭ ‬التعبيري‭. ‬فكان‭ ‬الرقص‭ ‬فرصة‭ ‬لإثبات‭ ‬الذات‭ ‬جسدا‭ ‬وروحا‭ ‬ومشاعر‭ ‬وأحاسيس‭. ‬وكان‭ ‬التماهي‭ ‬مع‭ ‬الإيقاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬طقسا‭ ‬روحيا‭ ‬شفافا‭ ‬يعكس‭ ‬الصفاء‭ ‬والتوهج،‭ ‬ويسمح‭ ‬للجسد‭ ‬بالانطلاق‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬المطلق‭ ‬واللامحدود‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬اأسايسب‭ ‬أو‭ ‬االكارةب‭ ‬أو‭ ‬االساحةب‭. ‬فتغدو‭ ‬الرقصة‭ ‬لحظة‭ ‬للانفلات‭ ‬من‭ ‬اليومي‭ ‬والعادي‭ ‬والروتيني،‭ ‬وفرصة‭ ‬للجسد‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬تحت‭ ‬أعين‭ ‬الرقابة‭ ‬وفي‭ ‬تحرر‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭. ‬لما‭ ‬كان‭ ‬ولوج‭ ‬ساحة‭ ‬الرقص‭ ‬ممارسة‭ ‬ديموقراطية‭ ‬يتساوى‭ ‬أمامها‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬الرقصات‭. ‬وتهتبلها‭ ‬الذات‭ ‬المؤنثة‭ ‬فرصة‭ ‬للتعبير‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬الذي‭ ‬تتردى‭ ‬فيه‭ ‬لأزمنة‭ ‬طويلة‭. ‬فتتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الأضواء،‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬الدائرة،‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬التعبير‭ ‬الفني؛‭ ‬لتخلق‭ ‬الحدث،‭ ‬وتسحب‭ ‬البساط‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أرجل‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬الكلام‭ ‬والإيقاع‭ ‬غالبا؛‭ ‬ففي‭ ‬أحيدوس‭ ‬مثلا‭ ‬اوحدهم‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬استعمال‭ ‬آلة‭ ‬النقر‭ ‬ألّون‭ ‬أو‭ ‬طّارت،‭ ‬دون‭ ‬النساء‭ ‬اللائي‭ ‬يكتفين‭ ‬بالرقص‭ ‬والترديد‭ ‬الصوتيب57،‭ ‬ليصبحوا‭ ‬تابعين‭ ‬للراقصة‭ ‬يقتفون‭ ‬بكلماتهم‭ ‬وإيقاعهم‭ ‬آثار‭ ‬أقدامها‭ ‬وحركات‭ ‬يديها‭ ‬وإشارات‭ ‬أصابعها‭ ‬وتموجات‭ ‬جسدها‭. ‬وبذلك‭ ‬يلج‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬فضاء‭ ‬التعبير‭ ‬العميق‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية،‭ ‬والطقس‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الحافل‭ ‬بالإشارات‭ ‬والعلامات‭ ‬الأنثروبولجية‭ ‬والإثنية‭.‬

وهنا‭ ‬فقط‭ ‬وفي‭ ‬أوج‭ ‬الرقصة‭ ‬وفي‭ ‬عزة‭ ‬حماسها،‭ ‬تصير‭ ‬المرأة‭ ‬الأيقونة‭ ‬التي‭ ‬تتوجه‭ ‬إليها‭ ‬أبصار‭ ‬المتفرجين‭ ‬وإيقاعات‭ ‬الراقصين‭ ‬وكلمات‭ ‬المغنين،‭ ‬فتخطب‭ ‬ودها‭ ‬كل‭ ‬الآلات‭ ‬من‭ ‬الدف‭ ‬والكنبري‭ ‬إلى‭ ‬الكدرة‭ ‬والقراقب‭. ‬الكل‭ ‬يستهدف‭ ‬إرضاء‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬والحوار‭ ‬مع‭ ‬حركاتها‭ ‬والاستجابة‭ ‬لتطلعاتها‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬الفضاء‭ ‬والتسامي‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬المادي‭ ‬الضيق‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬المرأة‭ ‬تصير‭ ‬حركاتها‭ ‬وألبستها‭ ‬وزينتها‭ ‬وحليها‭ ‬ناضحة‭ ‬بالدلالات‭ ‬حافلة‭ ‬بالمعاني‭ ‬والإشارات‭. ‬فتهتبلها‭ ‬الراقصة‭ ‬فرصة‭ ‬لتبليغ‭ ‬رسائل‭ ‬بنات‭ ‬جنسها،‭ ‬وهموم‭ ‬ومعاناة‭ ‬قريناتها،‭ ‬وتبئير‭ ‬شخصيتها‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬الذي‭ ‬ترزح‭ ‬فيه‭ ‬سائر‭ ‬وقتها‭. ‬

فيصير‭ ‬الملحف‭ ‬في‭ ‬رقصة‭ ‬الكدرة‭ ‬اتميمة‭ ‬لتحصين‭ ‬الجسم‭. ‬تساهم‭ ‬رمزيا‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬المتفقة‭ ‬والحب‭ ‬المصادر‭ ‬اجتماعيا‭ ‬ودينيا‭ ‬وثقافياب58،‭ ‬وتصير‭ ‬الألوان‭ ‬الزاهية‭ ‬التي‭ ‬تتوشح‭ ‬بها‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬أحواش‭ ‬وأحيدوس‭ ‬عنوانا‭ ‬للانطلاقة‭ ‬والخصب‭ ‬والاستبشار‭ ‬بمستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬يعوض‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحاضر‭ ‬المثقل‭ ‬بالهموم‭ ‬والمعاناة‭. ‬وتغدو‭ ‬الحلي‭ ‬الفضية‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تتزين‭ ‬بها‭ ‬المرأة‭ ‬الراقصة‭ ‬عنوانا‭ ‬للنفاسة‭ ‬تحكي‭ ‬أساطير‭ ‬الماضي‭ ‬وحقائق‭ ‬الحاضر‭ ‬والآمال‭ ‬الموؤودة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فلا‭ ‬زالت‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرقصات‭ ‬احارسة‭ ‬للفن‭ ‬والتراث‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬بين‭ ‬قدمي‭ ‬متغيرات‭ ‬العصر،‭ ‬فلا‭ ‬زالت‭ ‬تنسج‭ ‬الزرابي‭ ‬وتنسج‭ ‬المشغولات‭ ‬الخزفية‭ ‬وتزين‭ ‬العمارة‭ ‬كما‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬اندماج‭ ‬وتوحد‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جسدها‭ ‬الذي‭ ‬حولته‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬تزينه‭ ‬بالأوشام‭ ‬وبنقوش‭ ‬الحناء،‭ ‬وتكسوه‭ ‬الأزياء‭ ‬التقليدية‭ ‬وتتجلى‭ ‬بالحلي‭ ‬الفضية‭ ‬فتصبح‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬أيقونة‭ ‬فنيةب59‭. ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬وفي‭ ‬الزرابي‭ ‬التي‭ ‬ترقص‭ ‬عليها‭ ‬والتي‭ ‬حاكتها‭ ‬بأيديها،‭ ‬وفي‭ ‬الأطعمة‭ ‬وأكؤس‭ ‬الشاي‭ ‬التي‭ ‬أعدتها‭ ‬بنفسها‭.‬

ويبرز‭ ‬االوشمب‭ ‬على‭ ‬أجساد‭ ‬الراقصات‭ ‬الأمازيغيات‭ ‬ووجوههن،‭ ‬علامات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬التضحية‭ ‬والمعاناة‭ ‬وتحمل‭ ‬الألم‭ ‬لحماية‭ ‬الثقافة‭ ‬وتجسيد‭ ‬التراث‭ ‬وإظهار‭ ‬الزينة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نكاد‭ ‬نفرق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬الثقافية‭ ‬بين‭ ‬الوشم‭ ‬والمرأة،‭ ‬باعتبار‭ ‬الوشم‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬بطقوسها‭ ‬المختلفة،‭ ‬افإن‭ ‬شأن‭ ‬الوشم‭ ‬كشأن‭ ‬بنية‭ ‬القبيلة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬مجيء‭ ‬المستعمر‭ ‬الغربي‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬القروي‭ ‬بالمغرب،‭ ‬بحيث‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الوشم‭ ‬بمثابة‭ ‬بنية‭ ‬تتقاطعه‭ ‬قيم‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬وسيكولوجية‭ ‬وجماليةب60‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالألم‭ ‬لتمييز‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬وتزيينه،‭ ‬اإن‭ ‬الوشم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للجسم،‭ ‬هو‭ ‬العلامة‭ ‬الموسيقية،‭ ‬القاطعة‭ ‬المطعمة‭ ‬للجسم،‭ ‬والتي‭ ‬تتطلب‭ ‬الإنصات‭ ‬للشهوة‭ ‬في‭ ‬فرادتها‭ ‬وصمتها،‭ ‬وعدم‭ ‬قابليتها‭ ‬للنطقب61،‭ ‬حسب‭ ‬التحليل‭ ‬الأنثروبولوجي‭. ‬

كما‭ ‬يتطلع‭ ‬الجسد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يدون‭ ‬بواسطة‭ ‬الحناء‭ ‬أجمل‭ ‬الحكايات‭ ‬وأغزر‭ ‬الرموز‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬منهك‭ ‬بتعب‭ ‬اليومي‭ ‬ومشقة‭ ‬الهامشي،‭ ‬تردي‭ ‬الجسد‭ ‬خطابا‭ ‬دافقا‭ ‬بالمعاني‭ ‬والدلالات،‭ ‬مثقلا‭ ‬بتضاريس‭ ‬الهموم‭ ‬ومتاعب‭ ‬الحياة،‭ ‬تتقاطع‭ ‬خلاله‭ ‬أحداث‭ ‬التاريخ‭ ‬الجريح‭ ‬ونتوءات‭ ‬الجغرافيا‭ ‬المكلومة‭. ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬إلا‭ ‬الرقص‭ ‬للانطلاق‭ ‬والتخطي‭ ‬والتجاوز،‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬إلا‭ ‬ذاته‭ ‬ليدون‭ ‬عليها‭ ‬رموزه‭ ‬وانتصاراته‭ ‬وانكساراته‭. ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬الجسد‭ ‬للمرأة‭ ‬تختلط‭ ‬الشهوة‭ ‬بالقسوة،‭ ‬والألم‭ ‬بالأمل،‭ ‬فيتمايل‭ ‬على‭ ‬إيقاعات‭ ‬الموسيقى‭ ‬والغناء،‭ ‬كما‭ ‬يتمايل‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬التهميش‭ ‬والاستبعاد‭ ‬والإيلام‭.‬

4‭) ‬قيمة‭ ‬التعاون‭ ‬المنتج‭:‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬الجماعي‭ ‬والتعاوني‭ ‬الذي‭ ‬يكرسه‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي،‭ ‬حيث‭ ‬يتحد‭ ‬الإيقاع‭ ‬والغناء‭ ‬والرقص‭ ‬لإنتاج‭ ‬فرجة‭ ‬تمتح‭ ‬من‭ ‬اليومي‭ ‬والهامشي‭ ‬وتصدح‭ ‬بآلام‭ ‬الجماعة‭ ‬المهمشة‭ ‬وآمالها‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الفرجة‭ ‬الذي‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬اللم‭ ‬والضم‭ ‬والتجميع‭ ‬ويتوحد‭ ‬فيه‭ ‬بطريقة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬الراقصون‭ ‬والمغنون‭ ‬والجمهور؛‭ ‬وتوحيد‭ ‬اللباس‭ ‬وبساطته‭ ‬ليتسع‭ ‬للجميع‭ ‬التزيي‭ ‬به؛‭ ‬فإن‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬المغربي‭ ‬تنبني‭ ‬الفرجة‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬تفاعل‭ ‬حركات‭ ‬الراقصين‭ ‬وأصواتهم‭ ‬وإيقاعات‭ ‬الآليات‭ ‬المختلفة‭ ‬وأهازيجها‭ ‬المدوية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بصيغة‭ ‬جماعية‭ ‬منتظمة‭ ‬ومتناسقة‭. ‬

وحتى‭ ‬إذا‭ ‬سُمعت‭ ‬االزغاريدب‭ ‬واالآهاتب‭ ‬الفردية‭ ‬وعبارات‭ ‬الثناء‭ ‬والإعجاب‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الرفض‭ ‬والاستهجان‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬فهي‭ ‬تنطق‭ ‬بلسان‭ ‬الجماعة‭ ‬ولا‭ ‬يرغب‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬نسبتها‭ ‬لنفسه،‭ ‬فأي‭ ‬احتفال‭ ‬اهو‭ ‬بالأساس‭ ‬لقاء،‭ ‬ولأن‭ ‬اللقاء‭ ‬هو‭ ‬خروج‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬عزلتها،‭ ‬لتشكل‭ ‬الجماعة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وإن‭ ‬وجود‭ ‬الجماعة‭ ‬يفرض‭ ‬وجود‭ ‬حوار‭ ‬للتواصل‭ ‬والتفاهم،‭ ‬وإن‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬الاحتفالي‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬اللفظ‭ ‬إنها‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬ككلب62‭. ‬حيث‭ ‬تنمحي‭ ‬صيغة‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الجماعة،‭ ‬وتذوب‭ ‬فردانيته‭ ‬وسط‭ ‬العشيرة‭ ‬أو‭ ‬القبيلة‭ ‬أو‭ ‬الوطن،‭ ‬للتعبير‭ ‬عنها‭ ‬والنطق‭ ‬بلسانها‭ ‬ونقل‭ ‬ثقافتها‭ ‬وتبديد‭ ‬مخاوفها‭.‬

ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬والتمثيل‭ ‬اللذين‭ ‬نتحدث‭ ‬عنهما‭ ‬أن‭ ‬الرقصات‭ ‬تحيل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حركاتها‭ ‬وإيقاعاتها‭ ‬وامتداداتها‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬المجموعة‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬والجماعة‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها،‭ ‬وتغدو‭ ‬امن‭ ‬المعالم‭ ‬والمؤشرات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬تصنيف‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬انتمائها‭ ‬الجغرافي‭ ‬واللغوي‭ ‬والثقافيب63،‭ ‬وذلك‭ ‬لطابعها‭ ‬الوحدوي،‭ ‬وخروج‭ ‬أفرادها‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬ذواتهم‭ ‬ليمثلوا‭ ‬الجماعة‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭. ‬وفي‭ ‬المغرب؛‭ ‬مجال‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬ابمجرد‭ ‬مشاهدة‭ ‬أحيدوس،‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬فضاء‭ ‬إمازيغن‭ ‬أو‭ ‬اشلوح‭ ‬الأطلسب،‭ ‬حسب‭ ‬الشائع‭ ‬من‭ ‬التسميات،‭ ‬ويربط‭ ‬أحواش‭ ‬تلقائيا‭ ‬بأهل‭ ‬سوس‭ (‬إشلحين‭ ‬أو‭ ‬سواسة‭)‬،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬انتماءه‭ ‬الجغرافي‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬وتحيل‭ ‬رقصة‭ ‬الركادة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مغاربة‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ (‬لوجادا،‭ ‬ساكنة‭ ‬وجدة‭). ‬كما‭ ‬تُربط‭ ‬الهيت‭ ‬بأهالي‭ ‬بني‭ ‬حسن،‭ ‬ورقصة‭ ‬الحصادة‭ ‬بمنطقة‭ ‬تادلا‭ ‬وخريبكة،‭ ‬ورقصة‭ ‬الكدرة‭ ‬بالمجال‭ ‬الصحراوي‭. ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬التسميات‭ ‬الشائعة‭ ‬غالبا‭ ‬تعميمية،‭ ‬وليست‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬تطابق‭ ‬تام‭ ‬مع‭ ‬التفريعات‭ ‬السوسيولغوية‭ ‬والسوسيوثقافية‭ ‬بالمغرب‭. ‬والحاصل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬الرقصة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬واجهة‭ ‬ظاهرية‭ ‬للثقافة‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬والتي‭ ‬أنتجتها‭ ‬وتمارسهاب64‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬فرجات‭ ‬الرقص‭ ‬الشعبي‭ ‬المغربي‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنعقد‭ ‬بدون‭ ‬مناسبة‭ ‬افليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حفلة‭ ‬أو‭ ‬عيد‭ ‬دون‭ ‬رقصة‭ ‬أحواش،‭ ‬وكما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬لأحواش‭ ‬ولا‭ ‬قيمة‭ ‬له‭ ‬بدون‭ ‬مناسبة‭ ‬تهم‭ ‬الجماعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المدشر‭ ‬أو‭ ‬القبيلةب65،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أحيدوس‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يحضر‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج‭ ‬والختان‭ ‬والعقيقة‭ ‬والمواسم‭ ‬والمناسبات‭ ‬الدينية،‭ ‬فقد‭ ‬ثبت‭ ‬عندنا‭ ‬أنه‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬كان‭ ‬أحيدوس‭ ‬يرافق‭ ‬الجنائز،‭ ‬وخصوصا‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬المتوفى‭ ‬شابا‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬لكن‭ ‬يكتفون‭ ‬بإنشاد‭ ‬القصائد‭ ‬بدون‭ ‬إيقاع‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬المناسبات‭ ‬التي‭ ‬تتطلع‭ ‬إليها‭ ‬أفئدة‭ ‬سائر‭ ‬ممارسي‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬الشعبي‭ ‬وجمهوره‭ ‬االأعياد‭ ‬الدينية‭ ‬والوطنية‭ ‬والمواسم‭ ‬الفصلية‭ ‬والحفلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كالأعراس‭ ‬والختان‭ ‬والولادة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬فيها‭ ‬ظاهرة‭ ‬التكافل‭ ‬والتآزر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المميز‭ ‬للمجتمع‭ ‬القروي‭ ‬عامةب66‭ ‬فلا‭ ‬معنى‭ ‬للاحتفال‭ ‬بدون‭ ‬مناسبة،‭ ‬وتتعزز‭ ‬قيم‭ ‬الاحتفال‭ ‬في‭ ‬وظيفيته،‭ ‬وتنعكس‭ ‬مردودية‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬على‭ ‬الجماعة‭.‬

ففضلا‭ ‬على‭ ‬المناسبات‭ ‬المختلفة،‭ ‬فقد‭ ‬شكلت‭ ‬الرقصات‭ ‬الشعبية‭ ‬امتدادا‭ ‬للأعمال‭ ‬الفلاحية‭ ‬والأشغال‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬الجماعة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أمنها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والغذائي‭. ‬وذلك‭ ‬لانغراس‭ ‬الرقصات‭ ‬في‭ ‬واقعها‭ ‬بكل‭ ‬إكراهاته‭ ‬ورهاناته‭. ‬فلا‭ ‬تنفصل‭ ‬الرقصات‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬االتويزةب‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البدوي‭ ‬المغربي،‭ ‬بما‭ ‬اهو‭ ‬شكل‭ ‬تعاوني‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تكتل‭ ‬القوى‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لتقديم‭ ‬مساعدة‭ ‬تطوعية‭ ‬تستمد‭ ‬أساسها‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬ومن‭ ‬مشاعر‭ ‬التضامن‭ ‬الجماعي،‭ ‬إذ‭ ‬تتضافر‭ ‬جهود‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬عشيرة‭ ‬واحدة‭ ‬اإيحسب‭ ‬للقيام‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تستطيعه‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬الشخص‭ ‬مفردا،‭ ‬ولإنجاز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الجماعية‭ ‬لفائدة‭ ‬الأرامل‭ ‬واليتامىب67‭. ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تعمد‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬الثقة‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬التضامني‭... ‬والتي‭ ‬تتناقلها‭ ‬الأجيال‭ ‬منذ‭ ‬قرون،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الجماعة‭ ‬وتلبية‭ ‬حاجاتها‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬صعب‭ ‬وطبيعة‭ ‬معادية‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان68‭. ‬وعند‭ ‬اعبيدات‭ ‬الرما‭ ‬كان‭ ‬الاحتفال‭ ‬ينعقد‭ ‬تتويجا‭ ‬لموسم‭ ‬فلاحي‭ ‬منتج‭.‬

فتبدأ‭ ‬طقوس‭ ‬الفرجة‭ ‬بالإنشاد‭ ‬المرافق‭ ‬للأشغال‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬لدى‭ ‬الرجال،‭ ‬وبالإنشاد‭ ‬المرافق‭ ‬لأشغال‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬لدى‭ ‬النساء،‭ ‬ليتوج‭ ‬اليوم‭ ‬بحفل‭ ‬غنائي‭ ‬راقص‭ ‬تحتضنه‭ ‬االساحةب‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬الحفل‭ ‬ليلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شهدة‭ ‬ادرسب‭ ‬المحصول‭ ‬نهارا‭.‬

إنها‭ ‬قيم‭ ‬التعاون‭ ‬والوحدة‭ ‬والتكافل‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬مظاهرها،‭ ‬نرى‭ ‬فيها‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬ليست‭ ‬رقصا‭ ‬ولهوا‭ ‬وإزجاء‭ ‬للزمان‭ ‬وغناء‭ ‬معزولا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬المتمكنة‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬الجماعة‭ ‬وكيانها؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تتويج‭ ‬ليوم‭ ‬عمل‭ ‬شاق‭ ‬ولمسار‭ ‬حافل‭ ‬بالعطاء‭ ‬والتضحية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الجماعة‭ ‬وتأمين‭ ‬حاجاتها‭. ‬فالرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ممارسة‭ ‬منتجة‭ ‬ونمط‭ ‬حياة‭ ‬معطاء،‭ ‬تسير‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬سيرورة‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬والمزارع‭. ‬مما‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬حضاري‭ ‬وثقافي‭ ‬استطاعت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الجماعة‭ ‬أن‭ ‬تكرس‭ ‬أنماطا‭ ‬فنية‭ ‬شعبية‭ ‬تنتج‭ ‬باستمرار‭ ‬قيما‭ ‬لتأمين‭ ‬الجماعة‭ ‬وحمايتها،‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬خلاله‭ ‬المتعة‭ ‬عن‭ ‬الفائدة‭ ‬ولا‭ ‬الجمال‭ ‬عن‭ ‬الجلال‭ ‬ولا‭ ‬الأخذ‭ ‬عن‭ ‬العطاء‭. ‬هي‭ ‬قيم‭ ‬تحيا‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬بدوي‭ ‬استطاع‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬للفن‭ ‬والقيم‭ ‬للتعبير‭ ‬والتأثير‭ ‬والتوجيه‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬المعتم‭ ‬إلى‭ ‬دوائر‭ ‬الضوء‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬الفيزيقي‭ ‬والاستمرار‭ ‬الثقافي‭ ‬وصناعة‭ ‬القيم‭.‬

 

خلاصة‭ ‬وانفتاح

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬ندرك‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجال‭ ‬للشك‭ ‬أن‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬عموما‭ ‬والرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬خصوصا‭ ‬بنيات‭ ‬فنية‭ ‬دافقة‭ ‬بالجمال‭ ‬ناضحة‭ ‬بالقيم،‭ ‬مكنتنا‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬كشف‭ ‬تواشجاتها‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬والجماعة‭ ‬والتراث،‭ ‬ورفع‭ ‬الحجب‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬الرفض‭ ‬والمقاومة‭ ‬التي‭ ‬تستضمرها‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬حملنا‭ ‬فرضياته‭ ‬إلى‭ ‬فنون‭ ‬االرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬المغربيب،‭ ‬الذي‭ ‬ألفيناه‭ ‬منتوجا‭ ‬ثقافيا‭ ‬أصيلا‭ ‬ومتجددا،‭ ‬وخطابا‭ ‬جماليا‭ ‬متكاملا،‭ ‬يغري‭ ‬بالتحليل،‭ ‬بما‭ ‬يضمره‭ ‬من‭ ‬بنيات‭ ‬ثقافية‭ ‬ثرة،‭ ‬كشفنا‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مكونات‭ ‬قيمية‭ ‬محددة‭. ‬ركزنا‭ ‬منها‭ ‬على‭: ‬قيم‭ ‬المقاومة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الجماعة،‭ ‬وقيم‭ ‬إنصاف‭ ‬المرأة‭ ‬وتقديرها،‭ ‬وقيم‭ ‬التعاون‭ ‬والتكافل‭. ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بؤرة‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلكها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الأخرى،‭ ‬التي‭ ‬تتناقلها‭ ‬الجماعة‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬مرفأ‭ ‬الجمال‭ ‬والجلال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الربوع‭. ‬وهي‭ ‬اليوم،‭ ‬على‭ ‬بوابة‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين،‭ ‬تكتسي‭ ‬أبعادا‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬الحديثة‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬نروم‭ ‬مقاربته‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬أخرى‭ ‬مستقبلا‭.‬