اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

البوذا وأصول التأمل الواعي
غدت تمارين التأمل محط اهتمام الكثير من كتاب تطوير الذات ورواد الأندية الرياضية والأفراد المنهمكين في متطلبات الحياة العص...

نحو قراءة ثقافية للفنون الشعبية الرقص الجماعي المغربي أنموذجا
يسعى هذا المقال إلى إبراز دور التراث الشعبي في تحقيق التنمية الثقافية وإبراز الغنى الثقافي المجتمعي المعبر عن الأصالة في...

النباتات السامة في الطب الشعبي
عندما تناول سقراط نبات الشوكران المائي (Water hemoloc) كان يعرف وهو الطبيب المعروف حقيقة أن هذا النبات يبقيه في وعيه حتى...
48
Issue 48
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
ملامح المشهد الموسيقي بتونس في القرن التاسع عشر من خلال مؤلفات الرحّالة الأوروبيين
العدد 48 - موسيقى وأداء حركي

أ‭. ‬عبير‭ ‬الشريف‭ - ‬كاتبة‭ ‬من‭ ‬تونس

 

المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬والثقافة‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر

تميّزت‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بظهور‭ ‬عدّة‭ ‬أنماط‭ ‬موسيقية‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬البلاد‭ ‬أي‭ ‬الحاضرة،‭ ‬وهذه‭ ‬الأنماط‭ ‬هي‭ ‬الموسيقى‭ ‬العربية‭ ‬الكلاسيكية‭ (‬التقليدية‭) ‬والموسيقى‭ ‬التركية‭ ‬والموسيقى‭ ‬الأوروبية،‭ ‬اذ‭ ‬ذاعت‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬في‭ ‬نخب‭ ‬حضريّة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العدديّة‭ ‬حيث‭ ‬ارتبطت‭ ‬الموسيقى‭ ‬الأوروبية‭ ‬بالأقليات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالعاصمة،‭ ‬وتواتر‭ ‬استخدام‭ ‬الموسيقي‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬جنبات‭ ‬قصور‭ ‬البايات،‭ ‬بينما‭ ‬ظلّت‭ ‬الموسيقى‭ ‬العربية‭ ‬التقليدية‭ ‬رهينة‭ ‬نبلاء‭ ‬الحاضرة‭ ‬من‭ ‬البلديّة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬المركّز‭ ‬في‭ ‬نخبة‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬ضئيلة‭ ‬فإنّ‭ ‬الذائقة‭ ‬التونسية‭ ‬العامّة‭ ‬مالت‭ ‬الى‭ ‬الفنون‭ ‬المتواترة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البوادي‭ ‬والأرياف‭ ‬التونسية،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالعادات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬المناسباتيّة‭ ‬الخاصّة‭ ‬والعامّة‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الديني‭ ‬الطرقيّ،‭ ‬وقد‭ ‬أفضى‭ ‬هذا‭ ‬الميل‭ ‬الذوقي‭ ‬العامّ‭ ‬الى‭ ‬ترسيخ‭ ‬الفنّ‭ ‬الشعبي‭ ‬بأغلب‭ ‬جهات‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خاّصة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الملاحظة‭ ‬الهامّة‭ ‬التي‭ ‬استرعت‭ ‬انتباه‭ ‬أغلب‭ ‬زائري‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬إذّاك‭. ‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬المتوزّع‭ ‬على‭ ‬صنفين‭ ‬متباينين‭ ‬ارتأينا‭ ‬تصنيف‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬الى‭ ‬نمطين‭ ‬أساسيين‭ ‬هما‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدنيوية‭ ‬امالوف‭ ‬الهزلب‭ ‬والموسيقى‭ ‬الدينية‭ ‬امالوف‭ ‬الجدّب‭.‬

 

الموسيقى‭ ‬الدنيوية

مثّل‭ ‬ذيوع‭ ‬النشاط‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وجهين‭ ‬متباينين،‭ ‬فمنذ‭ ‬منتهى‭ ‬النصف‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬كان‭ ‬تأسيس‭ ‬الحسينيين‭ ‬للمدرسة‭ ‬الحربية‭ ‬بباردو‭ ‬تتويجا‭ ‬لوجهة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النشاط‭ ‬أسّسها‭ ‬بايات‭ ‬تونس‭ ‬تبعا‭ ‬لتصوّر‭ ‬فكري‭ ‬وثقافي‭ ‬معيّن،‭ ‬ممّا‭ ‬دعانا‭ ‬لإستعادة‭ ‬تاريخ‭ ‬العائلة‭ ‬الحسينية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وخاصّة‭ ‬أعمالها‭ ‬وآثارها‭ ‬الفكريّة‭ ‬والعمرانيّة‭ ‬والحضاريّة‭ ‬العامّة‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭. ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬لنا‭ ‬متابعة‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬الأطر‭ ‬الحضريّة‭ ‬التي‭ ‬مورس‭ ‬فيها‭ ‬النشاط‭ ‬الموسيقي،‭ ‬حيث‭ ‬استنتجنا‭ ‬وجود‭ ‬أصناف‭ ‬فرعيّة‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدنيوية‭. ‬

1‭) ‬الموسيقى‭ ‬الأوروبية‭:‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬الموسيقى‭ ‬والغناء‭ ‬من‭ ‬مقوّمات‭ ‬بلاط‭ ‬الأمراء‭ ‬والملوك‭ ‬واحدى‭ ‬الخيوط‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬النسيج‭ ‬الفنّي‭ ‬للبيت‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬وحظيت‭ ‬الى‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬باهتمام‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة‭ ‬التي‭ ‬دعّمت‭ ‬أنشطة‭ ‬الموسيقيين‭ ‬وقرّبتهم‭ ‬من‭ ‬محيطها،‭ ‬حيث‭ ‬فتح‭ ‬أغلب‭ ‬البايات‭ ‬قصورهم‭ ‬لإقامة‭ ‬الحفلات‭ ‬واستقطاب‭ ‬الفنّانين،‭ ‬ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬جليّا‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬مع‭ ‬المشير‭ ‬أحمد‭ ‬باي‭ ‬اذ‭ ‬شهدت‭ ‬فترة‭ ‬حكمه‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الازدهار‭ ‬والانفتاح‭ ‬نحو‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬معجبا‭ ‬بالموسيقى‭ ‬الأوروبية‭ ‬حيث‭ ‬حضر‭ ‬في‭ ‬قصره‭ ‬مجموعة‭ ‬ايطاليّة‭ ‬قدّمت‭ ‬مسرحيّات‭ ‬غنائيّة‭ ‬أمام‭ ‬الحاشية‭ ‬الملكيّة،‭ ‬اذ‭ ‬يذكر‭ ‬اهنري‭ ‬دينوب‭/ ‬Henry Dunant‭ ‬فيقول‭: 

القد‭ ‬حضر‭ ‬مؤخرا‭ ‬بقصر‭ ‬الباي‭ ‬مجموعة‭ ‬ايطالية‭ ‬قدمت‭ ‬كوميديا‭ ‬غنائية،‭ ‬حيث‭ ‬عزفت‭ ‬أوبرا‭ ‬االترافاتوريب‭ ‬وأوبرا‭ ‬االموت‭ ‬والحكيمب،‭ ‬وكانت‭ ‬جميع‭ ‬الحاشية‭ ‬حاضرة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬رائعاب1‭. ‬

وتواصل‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالموسيقى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البايات،‭ ‬فنجد‭ ‬محمد‭ ‬باي‭  ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مشجعا‭ ‬للفنون‭ ‬حيث‭ ‬يرجع‭ ‬له‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬أوّل‭ ‬معهد‭ ‬فنون‭ ‬وحرف‭ ‬بتونس‭ ‬وعُيّن‭ ‬له‭ ‬مديرٌ‭ ‬فرنسيٌّ‭ ‬يدعى‭ ‬اقاربيرانب‭ ‬Mr Garbeyron‭ /‬كما‭ ‬جلب‭ ‬إلى‭ ‬قصره‭ ‬بالمرسى‭ ‬عازف‭ ‬التشللو‭ ‬المشهور‭ ‬ا‭ ‬ماكس‭ ‬بوريب‭/ ‬Max Baurer‭ ‬لإحياء‭ ‬حفل‭ ‬أمام‭ ‬الحاشية‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬مكافأته‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباي2‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬المعطيات‭ ‬حول‭ ‬تواجد‭ ‬ثقافة‭ ‬فنية‭ ‬وموسيقية‭ ‬أوروبية‭ ‬بتونس‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬هي‭ ‬تواجد‭ ‬الفضاءات‭ ‬والمسارح‭ ‬التي‭ ‬شيّدت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬اذ‭ ‬يخبرنا‭ ‬ات‭. ‬تابل‭ ‬غرنفيلب‭ / ‬T. Temple Grenville‭:‬

اسنة‭ ‬1833‭ ‬تم‭ ‬انشاء‭ ‬مسرح‭ ‬وفيه‭ ‬تقام‭ ‬عروض‭ ‬مسرحية‭ ‬وعروض‭ ‬أوبرا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مجموعات‭ ‬ايطاليّة‭ ‬أربع‭ ‬مرّات‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬ومن‭ ‬حين‭ ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬عروض‭ ‬رقصب3‭.‬

فنلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬الإيطالية‭ ‬أخذت‭ ‬موقعا‭ ‬هامّا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬نشاطها‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬وله‭ ‬جمهوره‭ ‬والذي‭ ‬أغلبه‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الراقية‭ ‬ممّا‭ ‬يجعلها‭ ‬تعتبر‭ ‬موسيقى‭ ‬نخبويّة،‭ ‬حيث‭ ‬يحضر‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬صفوة‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬السياسة‭ ‬والأجانب‭ ‬الأوروبيين‭ ‬من‭ ‬الجالية‭ ‬الإيطالية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والمالطيّة‭ ‬التي‭ ‬يروق‭ ‬لها‭ ‬سماع‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭. 

اكان‭ ‬شتاء‭ ‬سنة‭ ‬1856‭ ‬وسنة‭ ‬1857‭ ‬حافلا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تونس‭... ‬فكنّا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬المنتدى‭ ‬الأوروبي‭ ‬المسمّى‭ ‬االدائرة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التونسيةب‭ ‬المجلاّت‭ ‬والجرائد،‭ ‬وقاعات‭ ‬الألعاب‭ ‬حيث‭ ‬نستقبل‭ ‬بكلّ‭ ‬ترحاب‭ ‬الأوروبيين‭ ‬المارّين‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬والمجموعات‭ ‬الفيلهارمونية‭ ‬المؤلّفة‭ ‬من‭ ‬الهوّاة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعرض‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬حفلات‭ ‬أو‭ ‬عروضا‭ ‬لفنّانين‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الشهرة،‭ ‬وكناّ‭ ‬نستقبل‭ ‬كذلك‭ ‬فرقة‭ ‬إيطالية‭ ‬تقدّم‭ ‬في‭ ‬الموسم‭ ‬الثقافي‭ ‬مسرحيات‭ ‬غنائية‭( ‬الأوبرا‭) ‬والروايات‭ ‬المسرحية‭ ‬والكوميديا‭... ‬ب4‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬حضور‭ ‬الموسيقى‭ ‬الأوروبية‭ ‬وبالتحديد‭ ‬الإيطالية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬موقعا‭ ‬هاما‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬أصبحت‭ ‬ملمحا‭ ‬معتادا‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة،‭ ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬البايات‭ ‬في‭ ‬تزايد‭ ‬العروض‭ ‬الموسيقية‭ ‬وتشجيع‭ ‬الممارسة‭ ‬الفنية‭ ‬خارج‭ ‬الفضاءات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬إقامة‭ ‬السهرات‭ ‬والحفلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬للتعرّف‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬أعمال‭ ‬الموسيقيين‭.‬

2‭) ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭:‬

رتّب‭ ‬البايات‭ ‬الحسينيون‭ ‬نظاما‭ ‬عسكريّا‭ ‬مشابها‭ ‬للنظام‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬ولايات‭ ‬الامبراطوريّة‭ ‬العثمانيّة،‭ ‬فكان‭ ‬دور‭ ‬الجيش‭ ‬الانكشاري‭ ‬حماية‭ ‬الولاية‭ ‬التي‭ ‬يتبعها،‭ ‬وباقي‭ ‬الولايات‭ ‬التابعة‭ ‬للإمبراطوريّة‭ ‬كلّما‭ ‬دعت‭ ‬الحاجة‭. ‬ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬أدخل‭ ‬بايات‭ ‬تونس‭ ‬تقليدا‭ ‬جديدا‭ ‬بإنشاء‭ ‬فرق‭ ‬موسيقية‭ ‬عسكريّة‭ ‬تابعة‭ ‬للجيش‭ ‬الانكشاري‭ ‬وظيفتها‭ ‬افتتاح‭ ‬المناسبات‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬يشرف‭ ‬عليها‭ ‬الباي‭ ‬بنفسه،‭ ‬وقد‭ ‬تطوّرت‭ ‬الفرق‭ ‬الموسيقية‭ ‬العسكريّة‭ ‬تدريجيّا‭ ‬الى‭ ‬فترة‭ ‬انشاء‭ ‬المشير‭ ‬أحمد‭ ‬باي‭ ‬للمدرسة‭ ‬الحربيّة‭ ‬بباردو‭ ‬سنة‭ ‬1840،‭ ‬وهي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬إنجازاته‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العسكري‭ ‬اذ‭ ‬تعتبر‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬جيش‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وعلى‭ ‬أسس‭ ‬علمية‭ .‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تدوين‭ ‬جانب‭ ‬هام‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الموسيقي‭ ‬والغنائي‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬تركيبة‭ ‬الفرقة‭ ‬دخول‭ ‬آلات‭ ‬جديدة‭ ‬تعرف‭ ‬بالآلات‭ ‬النحاسيّة‭ ‬وهي‭ ‬آلات‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬الأوروبية‭ ‬اذ‭ ‬يقول‭ ‬اسلفادور‭ ‬دانيالب‭/ ‬Salvador Daniel‭ ‬عند‭ ‬زيارته‭ ‬لقصر‭ ‬الباي‭ ‬بالمرسى‭ ‬ومشاهدته‭ ‬للفرقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬العسكرية‭:‬

القد‭ ‬سمعت‭ ‬الجوقة‭ ‬العسكرية‭ ‬للباي‭ ‬بقصره‭ ‬في‭ ‬المرسي،‭ ‬اذ‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬حوالي‭ ‬ثلاثين‭ ‬آلة‭ ‬نحاسية‭ ‬مصنوعة‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الآلات،‭ ‬آلة‭ ‬ابيستونب،‭ ‬اكورب،‭ ‬اطرمبيتب،‭ ‬اطرمبونب،‭ ‬بينما‭ ‬يضبط‭ ‬الإيقاع‭ ‬بواسطة‭ ‬اطبل‭ ‬كبيرب‭ ‬وبطبلين‭ ‬صغيرينب‭. ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬آلات‭ ‬الإيقاع‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أضفت‭ ‬روح‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬والحماس‭ ‬في‭ ‬الفرقةب5‭.‬

ويضيف‭ ‬اادوارد‭ ‬غازلانب‭ / ‬Edouard Gasselin‭ ‬فيقول‭:  ‬ايتكون‭ ‬الطاقم‭ ‬الموسيقي‭ ‬العسكري‭ ‬للباي‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬ثلاثين‭ ‬عازفا،‭ ‬يعزفون‭ ‬مارشات‭ ‬تركية،‭ ‬اذ‭ ‬تضم‭ ‬الجوقة‭ ‬العسكرية‭ ‬فقط‭ ‬آلات‭ ‬نحاسية،‭ ‬حيث‭ ‬يعزفون‭ ‬كلهم‭ ‬بطريقة‭ ‬موحّدةب6‭. ‬

وتتمثل‭ ‬وظيفة‭ ‬آلة‭ ‬البوق‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬اكود‭ ‬فوريد‭ ‬شولب‭/ ‬Gott Fried Sholl هي‭ ‬اعطاء‭ ‬إشارة‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬وبدء‭ ‬التمارين7‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬حضور‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الوطنية‭ ‬فهي‭ ‬تسجّل‭ ‬حضورها‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والأعياد‭ ‬حيث‭ ‬يعلمنا‭ ‬اأبل‭ ‬كلاران‭ ‬دو‭ ‬لا‭ ‬ريفب‭ / ‬Abel Clarin de la Rive‭:‬

ابأنه‭ ‬سنة‭ ‬1856‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬باردو‭ ‬قصرين‭ ‬للباي،‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬مخصص‭ ‬للاحتفالات‭ ‬الدينيةب8‭.‬

‭ ‬وتباعا‭ ‬لما‭ ‬ذكرنا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نستخلص‭ ‬بأن‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬شهدت‭ ‬عدّة‭ ‬تغييرات‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الهيئة‭ ‬والتنظيم،‭ ‬كما‭ ‬أخذت‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬المشير‭ ‬أحمد‭ ‬باي‭ ‬بعد‭ ‬تأسيسه‭ ‬للمدرسة‭ ‬الحربية‭ ‬ورغبته‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬طاقم‭ ‬موسيقي‭ ‬عسكري‭ ‬حديث‭ ‬على‭ ‬النمط‭ ‬الأوروبي‭ ‬وتواصلت‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬الصادق‭ ‬باي‭. ‬

فقد‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬دخول‭ ‬عديد‭ ‬الآلات‭ ‬النحاسية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬لكن‭ ‬ليست‭ ‬لدينا‭ ‬فكرة‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬سوى‭ ‬البعض‭ ‬منها‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أوردنا‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬بعض‭ ‬المستشرقين‭ ‬الذين‭ ‬عايشوا‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭.‬

لكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الآلات‭ ‬فإن‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬اختصّ‭ ‬بها‭ ‬الجوق‭ ‬الملكي‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬النفخ‭ ‬النحاسية‭ ‬وبعض‭ ‬الآلات‭ ‬الإيقاعية‭ ‬قد‭ ‬اتّصفت‭ ‬بالموسيقى‭ ‬المزعجة‭ ‬والمشوّشة9،‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬مترجم‭ ‬الكتاب‭ ‬قي‭ ‬هامش‭ ‬الصفحة‭. ‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬طبيعة‭ ‬الآلات‭ ‬النحاسية‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬أرباع‭ ‬النغمات،‭ ‬اذ‭ ‬أن‭ ‬الجوقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬تقوم‭ ‬بتأدية‭ ‬معزوفات‭ ‬لا‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الآلات،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬العكس‭ ‬اذ‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬الآلات‭ ‬النحاسية‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬آلات‭ ‬غربيّة‭ ‬هو‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬خلوّ‭ ‬ألحان‭ ‬الموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬أرباع‭ ‬النغمات‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬نفسها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬في‭ ‬تركيبها‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬هذه‭ ‬الدرجات،‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬غياب‭ ‬الهرمنة‭ ‬في‭ ‬الألحان‭ ‬الموسيقية‭ ‬قصد‭ ‬إثرائها‭ ‬وإعطائها‭ ‬نفسا‭ ‬جديدا‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬موسيقى‭ ‬بسيطة‭ ‬جدا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء،‭ ‬إذ‭ ‬تعزف‭ ‬جميع‭ ‬الآلات‭ ‬بطريقة‭ ‬موحّدة،‭ ‬وقد‭ ‬تطرّق‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬اسلفادور‭ ‬دانيالب‭/ ‬Salvador Daniel‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬كتابه‭ ‬مواصلا‭ ‬وصفه‭ ‬للجوقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬العسكرية‭ ‬بتونس‭ ‬فيقول‭: ‬ابالنسبة‭ ‬للموسيقى‭ ‬العسكرية‭ ‬المؤدّاة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الطاقم‭ ‬العسكري،‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نؤكّد‭ ‬حاليا‭ ‬أنّ‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬تناغم‭ ‬الأصوات‭ (‬الهرمنة‭)‬،‭ ‬الآلات‭ ‬الوترية‭ ‬أو‭ ‬الهوائية‭ ‬تعزف‭ ‬بطريقة‭ ‬متزامنة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تصاحب‭ ‬آلة‭ ‬الطّار‭ ‬أو‭ ‬البندير‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬آلة‭ ‬إيقاعية‭ ‬أخرى‭ ‬المقاطع‭ ‬الإيقاعية،‭ ‬وهو‭ ‬التناغم‭ ‬الصوتي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬سماعهب10‭.‬

ويدعّم‭ ‬اتيري‭ ‬مياغب‭/‬‭ ‬Thierry- Mieg‭ ‬ذلك‭ ‬اذ‭ ‬كان‭ ‬حاضرا‭ ‬اثناء‭ ‬تنصيب‭ ‬الصادق‭ ‬باي‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬محمّد‭ ‬باي‭ ‬بيوم‭ ‬بالقصبة‭ ‬فيقول‭:‬ااهتمّ‭ ‬الجنود‭ ‬بتنظيم‭ ‬الحشد‭ ‬الجماهيري‭ ‬عند‭ ‬مرور‭ ‬الموكب‭ ‬العسكري‭ ‬للباي‭... ‬يمرّ‭ ‬الموسيقيّون‭ ‬المصطفّون‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الغرابة‭ ‬حاملين‭ ‬طبولهم‭ ‬المغطّاة‭ ‬بقماش‭ ‬حريري،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬الآلة‭ ‬المستعملة،‭ ‬فإنّ‭ ‬الفرقة‭ ‬العسكرية‭ ‬تؤدّي‭ ‬جميع‭ ‬الدرجات‭ ‬الموسيقية‭ ‬بطريقة‭ ‬جماعية‭ ‬وموحّدة،‭ ‬بحيث‭ ‬يظلّ‭ ‬التناغم‭ ‬الصوتي‭( ‬الهرمنة‭) ‬مجهولا‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الشعوبب11‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستنتج‭ ‬بأن‭ ‬المكتب‭ ‬الحربي‭ ‬الذي‭ ‬رتّبه‭ ‬هذا‭ ‬المشير‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬النمط‭ ‬الاوروبي‭ ‬اتّسم‭ ‬بطابع‭ ‬نخبوي،‭ ‬اذ‭ ‬كان‭ ‬التعليم‭ ‬بهذه‭ ‬المدرسة‭ ‬موجّها‭ ‬الى‭ ‬فئة‭ ‬معيّنة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المماليك،‭ ‬ولم‭ ‬تفتح‭ ‬المدرسة‭ ‬أبوابها‭ ‬أمام‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬الذين‭ ‬تحمّلوا‭ ‬أثقال‭ ‬الجباية،‭ ‬وبقي‭ ‬ابناء‭ ‬الفقراء‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭ ‬يتلقّون‭ ‬تكوينهم‭ ‬التربوي‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬والمدارس‭ ‬القرآنية‭ ‬التقليدية‭ ‬والزوايا‭.‬

3‭) ‬الموسيقى‭ ‬الشعبية‭ ‬الحضرية‭:‬

قصور‭ ‬البايات‭ ‬وثكنات‭ ‬الجيش‭ ‬الحارسة‭ ‬لمراكز‭ ‬السلطة،‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬بتونس‭ ‬العاصمة‭ ‬أوساط‭ ‬العمّال‭ ‬والتجّار‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقى‭ ‬الشعبيتين،‭ ‬اذ‭ ‬تعتبر‭ ‬الموسيقى‭ ‬الأكثر‭ ‬حضورا‭ ‬آنذاك،‭ ‬فالغناء‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ‭ ‬من‭ ‬معاش‭ ‬عموم‭  ‬الناس،‭ ‬لذلك‭ ‬لاحظها‭ ‬زائرو‭ ‬البلاد‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬والمحلاّت‭ ‬والساحات‭ ‬العموميّة،‭ ‬وفي‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بصفة‭ ‬خاصّة،‭ ‬اذ‭ ‬يقول‭ ‬الطبيب‭ ‬السابق‭ ‬لحمودة‭ ‬باشا‭ ‬الويس‭ ‬فرانكب‭ ‬Luis Frank‭/ ‬والذي‭ ‬قدِم‭ ‬الى‭ ‬تونس‭ ‬سنة‭ ‬1801‭:‬انجد‭ ‬راقصات‭ ‬ومغنّيات‭ ‬يؤدّين‭ ‬الرقصات‭ ‬والمغنى‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭ ‬وخصوصا‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬حضور‭ ‬عديد‭ ‬الفرق‭ ‬من‭ ‬المغنّين‭...‬ب12‭.‬

والملاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬الذائعة‭ ‬بين‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬الحضري‭ ‬التونسي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مؤطّرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬هياكل‭ ‬أو‭ ‬مؤسّسات‭ ‬تعليميّة‭ ‬أو‭ ‬حرفيّة،‭ ‬بل‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬بمثابت‭ ‬الترنّمات‭ ‬والترديدات‭ ‬التلقائيّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬دائما‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬لظوابط‭ ‬في‭ ‬الآداء‭ ‬وأشكاله،‭ ‬ويفسّر‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬الموسيقي‭ ‬العصامي‭ ‬بغياب‭ ‬موسيقيين‭ ‬ذوي‭ ‬كفاءة‭ ‬ومقدرة‭ ‬ودراية‭ ‬بأصول‭ ‬الموسيقى‭ ‬وطرق‭ ‬تدوينها،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬اجون‭ ‬لويس‭ ‬لوغانب‭/ ‬Jean-Louis.Luguan عند‭ ‬زيارته‭ ‬الى‭ ‬تونس‭: ‬

القد‭ ‬اقتنعت‭ ‬لاحقا‭ ‬بأنّ‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬يحبّ‭ ‬الموسيقى،‭ ‬لكن‭ ‬موسيقاه‭ ‬التي‭ ‬اعتادها،‭ ‬موسيقى‭ ‬رتيبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا،‭ ‬لكنّها‭ ‬مليئة‭ ‬بالسحر‭ ‬بالنسبة‭ ‬له،‭ ‬إذ‭ ‬تعبّر‭ ‬ببساطة‭ ‬عن‭ ‬مشاعره،‭ ‬وتتماشى‭ ‬مع‭ ‬حالته‭ ‬الروحية‭ ‬الطبيعية‭ ‬وميولاتهب13‭.‬

استقطبت‭ ‬هذه‭ ‬النوعيّة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الغنائيّة‭ ‬اهتمام‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬في‭ ‬الحفلات‭ ‬العامّة‭ ‬والخاصّة‭ ‬وحتّى‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العموميّة،‭ ‬اذ‭ ‬كانت‭ ‬قريبة‭ ‬جدّا‭ ‬من‭ ‬مشاغلها‭ ‬واهتماماتها‭ ‬امتازت‭ ‬ببساطة‭ ‬عباراتها‭ ‬وسهولة‭ ‬تداولها،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬عروض‭ ‬االكاراكوزب‭ ‬الدمى‭ ‬المتحركة14،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬عروضا‭ ‬حيّة‭ ‬ترفيهيّة‭ ‬ارتبط‭ ‬حضورها‭ ‬خاصة‭ ‬بشهر‭ ‬رمضان‭. ‬

كانت‭ ‬الآلات‭ ‬المصاحبة‭ ‬لتلك‭ ‬الأغاني‭ ‬شائعة‭ ‬الاستعمال‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تونس‭ ‬مثل‭ ‬االمندالينةب‭ (‬mandoline‭) ‬واالطبلب‭ ‬واالدربوكةب‭ ‬كذلك‭ ‬االصنوجب‭ ‬بالنسبة‭ ‬لعروض‭ ‬االكاراكوزب15،‭ ‬وهي‭ ‬تستجيب‭ ‬لنوعيّة‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬غالبا‭ ‬من‭ ‬العامّة،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلاّ‭ ‬لغاية‭ ‬الترفيه‭ ‬المهمّش‭ ‬والمشوش‭ ‬والرقص‭ ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬ألحانهم‭ ‬مزعجة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬ضجيج‭ ‬وصخب16‭.‬

إلى‭ ‬ذلك‭ ‬يضيف‭ ‬الويس‭ ‬فرانكب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬الشعبية‭ ‬المتداولة‭ ‬لدى‭ ‬عموم‭ ‬الناس‭ ‬حظيت‭ ‬باهتمام‭ ‬الأسر‭ ‬التونسية‭ ‬خاصة‭ ‬منهم‭ ‬العنصر‭ ‬النسائي،‭ ‬فهي‭ ‬بمثابة‭ ‬متنفّس‭ ‬لهم‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬تلك‭ ‬الشرائح‭ ‬الشعبية‭ ‬التونسية‭ ‬مناسبة‭ ‬لكسر‭ ‬حواجز‭ ‬التعصّب‭ ‬والمحافظة،‭ ‬إذ‭ ‬نجد‭ ‬مغنّيات‭ ‬وراقصات‭ ‬كلهن‭ ‬يقمن‭ ‬بالرقص‭ ‬والغناء،‭ ‬حيث‭ ‬يتّصف‭ ‬أداؤهن‭ ‬بالنشاز‭ ‬وعدم‭ ‬الإتقان17‭.‬

فيمكن‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬الأغاني‭ ‬الحضرية‭ ‬هي‭ ‬أغاني‭ ‬متوارثة‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬الشعبية‭ ‬بمختلف‭ ‬توجّهاتها‭ ‬أو‭ ‬مشاغلها،‭ ‬وهي‭ ‬بمثابة‭ ‬التفاعل‭ ‬الوجداني‭ ‬التلقائي‭ ‬مع‭ ‬مجريات‭ ‬الحياة‭ ‬اليوميّة‭ ‬في‭ ‬أفراحها‭ ‬وأحزانها‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬المتاجر‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المنازل،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬موسيقاهم‭ ‬بسيطة‭ ‬ولا‭ ‬تتجاوز‭ ‬التغنّي‭ ‬ببعض‭ ‬الألحان‭ ‬المسموعة،كما‭ ‬ان‭ ‬أغلب‭ ‬كلماتها‭ ‬يعتمد‭ ‬اللهجة‭ ‬المتداولة‭ ‬العاميّة‭ ‬أو‭ ‬المهذّبة‭.‬

كما‭ ‬نجد‭ ‬ظاهرة‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وهي‭ ‬المقاهي‭ ‬الغنائيّة‭ ‬أو‭ ‬االكافيشانطاب‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬اشتقت‭ ‬من‭ ‬التسمية‭ ‬الفرنسية‭ (‬café chantant‭) ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬فضاء‭ ‬عاما،‭ ‬حانة‭ ‬أو‭ ‬مقهى‭ ‬بوسط‭ ‬العاصمة‭ ‬تنتج‭ ‬فيه‭ ‬عروض‭ ‬موسيقية‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتنوّعة‭ ‬حسب‭ ‬الإطار‭ ‬والظرف‭ ‬والمكان،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الرقص‭ ‬والعزف‭ ‬والغناء،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الموسيقى‭ ‬التونسية‭ ‬والأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬التقليدية‭ ‬بدويّة‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬حضريّة‭ ‬مسموعة‭ ‬ومصاحبة‭ ‬بالأساس‭ ‬بآلة‭ ‬الدربوكة‭ ‬والعود‭ ‬والناي‭ ‬والبندير18‭.‬

ويضيف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬اأوسكار‭ ‬كوميتونب‭ ‬Oscar ‭/ ‬Comettant‭ ‬في‭ ‬وصفه‭ ‬لجوقة‭ ‬موسيقية‭ ‬بمقهى‭ ‬تونسي‭: ‬اتتكون‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬آلات‭: ‬نجد‭ ‬آلة‭ ‬العود،‭ ‬الرباب،‭ ‬الطار،‭ ‬الدربوكة،‭ ‬تعزف‭ ‬آلة‭ ‬الرباب‭ ‬والعود‭ ‬بطريقة‭ ‬موحّدة‭ ‬بحيث‭ ‬تقوم‭ ‬بقية‭ ‬الآلات‭ ‬بالمصاحبة‭ ‬الإيقاعية‭. ‬يحمل‭ ‬العود‭ ‬أربعة‭ ‬أزواجا‭ ‬من‭ ‬الأوتار‭ ‬يعفق‭ ‬عليها‭ ‬بواسطة‭ ‬قطعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الخشب،‭ ‬اما‭ ‬الرباب‭ ‬فطريقة‭ ‬عزفها‭ ‬تكون‭ ‬فوق‭ ‬الركبتين‭ ‬وتحمل‭ ‬وترين‭ ‬يضبطان‭ ‬بحساب‭ ‬الخماسيةب19‭.‬

فقد‭ ‬شكلتبالكافيشانطاب‭ ‬ظاهرة‭ ‬فنيّة‭ ‬واجتماعية،‭ ‬اذ‭ ‬كانت‭ ‬احدى‭ ‬أهم‭ ‬الأشكال‭ ‬الاحتفالية،‭ ‬حيث‭ ‬يتنوع‭ ‬الرصيد‭ ‬الموسيقي‭ ‬المتناول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬بين‭ ‬البدوي‭ ‬والحضري‭ ‬وبين‭ ‬الغناء‭ ‬والرقص‭ ‬الموجّه‭ ‬بالخصوص‭ ‬للعامّة‭ ‬من‭ ‬الناس20‭. ‬

كما‭ ‬كان‭ ‬لوجود‭ ‬اليهود‭ ‬المكثّف‭ ‬أثر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬فمع‭ ‬حلول‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬عرفت‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬توافد‭ ‬فئات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬اليهود،‭ ‬حيث‭ ‬شكلت‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬سبقها‭ ‬طائفة‭ ‬موسّعة‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،كما‭ ‬تأقلمت‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬حياتنا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وأسلوب‭ ‬عيشنا‭ ‬خاصة‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والموسيقية،‭ ‬فكثير‭ ‬منهم‭ ‬اعتبر‭ ‬الموسيقى‭ ‬بمثابة‭ ‬منفذ‭ ‬لهم‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬كيانهم‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬وسيلة‭ ‬لخروج‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬تلك‭ ‬الجالية‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬والمساهمة‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الفنيّة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬

والملاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الجالية‭ ‬اليهوديّة‭ ‬أنشأت‭ ‬أجواقا‭ ‬موسيقية‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬كما‭ ‬حوت‭ ‬موسيقيين‭ ‬متميزين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬جلب‭ ‬إعجاب‭ ‬المستمعين‭ ‬في‭ ‬الحفلات‭ ‬العامّة‭ ‬والخاصّة،‭ ‬كما‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬ذات‭ ‬استعمال‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬كآلة‭ ‬الرباب‭ ‬والمندالينة‭ ‬والكمنجة‭ ‬والدربوكةتوالبندير‭.‬

إلى‭ ‬ذلك‭ ‬انتشرت‭ ‬المقاهي‭ ‬الغنائية‭ ‬في‭ ‬الحارات‭ ‬اليهودية‭ ‬والأوروبية،‭ ‬وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬المقاهي‭  ‬إلى‭ ‬برمجة‭ ‬عروض‭ ‬فنيّة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬استضافة‭ ‬فرق‭ ‬للمغنى‭ ‬والطرب‭ ‬يمثّلها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الموسيقيين‭ ‬اليهود‭ ‬حيث‭ ‬يتولون‭ ‬بأنفسهم‭ ‬مهام‭ ‬الغناء‭ ‬والعزف،‭ ‬تصاحبهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الراقصات‭ ‬من‭ ‬نساء‭ ‬اليهود‭ ‬وهنّ‭ ‬اللواتي‭ ‬تقمن‭ ‬عادة‭ ‬بالغناء‭ ‬والرقص21‭. ‬

وفي‭ ‬نفس‭ ‬السياق‭ ‬يضيف‭ ‬ا‭ ‬ليون‭ ‬ميشالب‭ / ‬Lion Michel‭: ‬اتكون‭ ‬وضعية‭ ‬المقاهي‭ ‬الموريسكية‭ (‬العربي‭) ‬عادة‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الآتي‭: ‬تحدّد‭ ‬مساحة‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬للموسيقيين‭... ‬أمّا‭ ‬الفرقة‭ ‬تتكوّن‭ ‬من‭ ‬ستّة‭ ‬أو‭ ‬سبعة‭ ‬عازفين‭ ‬يهود‭)...( ‬ويكون‭ ‬قائد‭ ‬الفرقة‭ ‬عازف‭ ‬الرّباب‭ ‬الأكثر‭ ‬امتيازا‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬يتوسّط‭ ‬الجوقة‭ (...) ‬أما‭ ‬مصاحبيه‭ ‬من‭ ‬العازفين‭ ‬الماهرين‭ ‬فاثنين‭ ‬منهما‭ ‬يعزفان‭ ‬على‭ ‬القيثارة‭ (‬العود‭ ‬أو‭ ‬المندالينة‭)‬،‭ ‬واثنين‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬الدربوكة‭ ‬ومن‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬يعزفون‭ ‬ويغنّونب22‭.‬

فيمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الجالية‭ ‬اليهودية‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وسيطرت‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬الفنيّة،‭ ‬كما‭ ‬حقّقت‭ ‬انتشارا‭ ‬واضحا‭ ‬وأثّرت‭ ‬على‭ ‬الذوق‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬العامّة‭ ‬والمقاهي،‭ ‬وبصفة‭ ‬خاصّة‭ ‬الاحتفالات‭ ‬العائليّة‭ ‬مثل‭ ‬الزواج‭ ‬والختان،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يوجد‭ ‬عدد‭ ‬وافر‭ ‬من‭ ‬المكفوفين‭ ‬لا‭ ‬ينشغلون‭ ‬إلا‭ ‬بهذه‭ ‬الصنعة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬لكن‭ ‬حضورهم‭ ‬كان‭ ‬فقط‭ ‬قي‭ ‬الحفلات‭ ‬النسائيّة‭ ‬وأعراس‭ ‬المسلمين23‭.‬

‭ ‬وتميّزت‭ ‬العروض‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يحييها‭ ‬اليهود‭ ‬بتوفّر‭ ‬أركان‭ ‬الفرجة‭ ‬بحضور‭ ‬الراقصات‭ ‬والصانعات‭ ‬التي‭ ‬تمثّل‭ ‬مظهرا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬حيث‭ ‬جلبت‭ ‬إعجاب‭ ‬الناس‭ ‬واستهوت‭ ‬الغرباء‭ ‬والأجانب‭ ‬العابرين‭ ‬بالحارات‭ ‬اليهوديّة،‭ ‬اذ‭ ‬نجد‭ ‬ارقصة‭ ‬المناديلب‭ ‬وارقصة‭ ‬الخصرب‭ ‬أو‭ ‬ارقصة‭ ‬البطنب،‭ ‬اذ‭ ‬يقول‭ ‬اأرموند‭ ‬تروميب‭/‬‭ ‬Armand Trumet‭: ‬اوفي‭ ‬زيارتي‭ ‬لمقهى‭ ‬غنائي‭ ‬راقص‭ ‬بعد‭ ‬العشاء،‭ ‬وجدت‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬عربيات‭ ‬أو‭ ‬يهوديات‭ ‬تغنّين‭ ‬بأصوات‭ ‬صاخبة،‭ ‬الرقصة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬خطوات‭ ‬منظّمة‭ ‬وموقّعة،‭ ‬وتزيد‭ ‬الراقصة‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬الفرجة‭ ‬بواسطة‭ ‬جلبها‭ ‬لمنديليْن‭ ‬اذ‭ ‬تمسك‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬بيد‭ ‬وتدور‭ ‬بطريقة‭ ‬متناوبة‭...‬ب24‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬للموسيقيين‭ ‬اليهود‭ ‬مقاهيهم‭ ‬وحاناتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬وكذلك‭ ‬مناسباتهم‭ ‬التي‭ ‬يجتمعون‭ ‬فيها‭ ‬ويؤدون‭ ‬الفن‭ ‬الشعبي‭ ‬التونسي‭ ‬اليهودي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬عازفين‭ ‬جلّهم‭ ‬يهود25،‭ ‬وأغلب‭ ‬الآلات‭ ‬هي‭ ‬الرباب‭ ‬والمندالينة‭ ‬أو‭ ‬العود‭ ‬والكمنجة‭ ‬والطار‭ ‬والدربوكة،‭ ‬ويدعّم‭ ‬اليون‭ ‬ميشالب‭ ‬ذلك‭ ‬فيقول‭ : ‬

اذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬حيّ‭ ‬يهودي،‭ ‬وللمرّة‭ ‬الثالثة‭ ‬دخلنا‭ ‬إلي‭ ‬بيت‭ ‬متواضع‭ ‬المظهر،‭)...( ‬وقد‭ ‬جلس‭ ‬أربعة‭ ‬موسيقيّين‭ ‬يهود،‭ ‬تقريبا‭ ‬هم‭  ‬نفس‭ ‬العازفين‭ ‬الذين‭ ‬رأيناهم‭ ‬بالمقهى‭ ‬اليهودي،‭ ‬ولعلّهم‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم‭(...)‬،‭ ‬كانت‭ ‬آلاتهم‭ ‬جميعا‭ ‬وتريّة،‭ ‬إلاّ‭ ‬آلة‭ ‬الدربوكة‭. ‬بعد‭ ‬حين‭ ‬تظهر‭ ‬االعالماتب‭(...) ‬وتغنّي‭ ‬النساء‭ ‬تواترا‭ ‬مع‭ ‬الرجال،‭ ‬ويبدأ‭ ‬الرقص‭ ‬بحركات‭ ‬رتيبة‭ ‬متابعة‭ ‬للموسيقى‭ ‬مع‭ ‬إيقاع‭ ‬متصاعد‭ ‬تدريجياب26‭.‬

الى‭ ‬ذلك‭ ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬ابول‭ ‬جاكينو‭ ‬دوازيب‭/ ‬D’oisy  Paul Jacquinot عشرة‭ ‬آلات‭ ‬ممّا‭ ‬شاهدها‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬االرّباب‭ ‬ذي‭ ‬الوترين،‭ ‬العود‭ ‬ذي‭ ‬أربعة‭ ‬أوتار‭ ‬وصوته‭ ‬حادّ،‭ ‬الجرانة‭ ‬ذات‭ ‬أربعة‭ ‬أوتار‭ ‬مجرورة‭ ‬بالقوس‭ ‬وذات‭ ‬صوت‭ ‬حادّ‭ ‬جدّا،‭ ‬الدربوكة،‭ ‬الرقّ،‭ ‬السّكرة،‭ ‬المزود،‭ ‬الشبابة،‭ ‬الناي،‭ ‬الكرنيطة،‭ ‬الطبل‭ ‬والطبل‭ ‬الكبيرب27‭.‬

4‭) ‬الموسيقى‭ ‬الشعبية‭ ‬البدويّـة‭:‬

الى‭ ‬جانب‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬الحضرية‭ ‬نجد‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬البدويّة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬وهي‭ ‬أغاني‭ ‬أصيلة‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬التونسية‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬تردد‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬معجم‭ ‬محدود‭ ‬هو‭ ‬معجم‭ ‬الريف‭ ‬بتعبيراته‭ ‬المتداولة‭ ‬يوميّا‭ ‬والمستخدمة‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬اليومي،‭ ‬حيث‭ ‬تتميّز‭ ‬الأغاني‭ ‬البدويّة‭ ‬بسيادة‭ ‬وغلبة‭ ‬الأساليب‭ ‬التقليديّة‭ ‬في‭ ‬جانبها‭ ‬المتوارث‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬العنعنة‭ ‬والتواتر‭. ‬

اإنّ‭ ‬موسيقى‭ ‬المور‭ (‬المورسكيين‭) ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬الغنائي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الآلي،‭ ‬فهي‭ ‬موسيقى‭ ‬بربرية‭... ‬معبّرة‭ ‬لكن‭ ‬ذات‭ ‬أصوات‭ ‬أنفيّة،‭ ‬تتصف‭ ‬بالرتابة‭ ‬لكثرة‭ ‬الإعادات‭ ‬بحيث‭ ‬يدوم‭ ‬مقياسين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬لساعات‭ ‬وذلك‭ ‬لغياب‭ ‬التدوين‭ ‬عندهم‭ ‬وجهلهم‭ ‬للنظريات‭ ‬الموسيقية‭ ‬والهرمنةب‭.‬28

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يضيف‭ ‬ابول‭ ‬جاكينو‭ ‬دوازيب‭ ‬ناقدا‭ ‬الموسيقى‭ ‬الشعبية‭ ‬البدوية،‭ ‬اذ‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الغرب‭ ‬نشازا‭ ‬وضوضاء‭ ‬يعتبره‭ ‬العرب‭ ‬موسيقى‭ ‬واستدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بالغناء‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬حيث‭ ‬يراها‭ ‬موسيقى‭ ‬مملّة‭ ‬وغير‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬ولا‭ ‬نفس‭ ‬نغمي‭ ‬واضح،‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬آلات‭ ‬بدائيه،‭ ‬بربريّة‭ ‬وبسيطة29‭. ‬

فالأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬البدوية‭ ‬هي‭ ‬أغاني‭ ‬متأصّلة‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬التونسية‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬أنها‭ ‬ملتزمة‭ ‬بأخلاقيات‭ ‬تلك‭ ‬الأرياف‭ ‬وسلوكياتها،‭ ‬فهي‭ ‬تتسم‭ ‬ببساطة‭ ‬تعابيرها‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توصف‭ ‬به‭ ‬أنّها‭ ‬تلقائيّة،‭ ‬وتتصل‭ ‬أغلب‭ ‬مضامين‭ ‬هذه‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬بالواقع‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الترحال،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تفتقر‭ ‬الى‭ ‬الخيال‭ ‬بل‭ ‬بالعكس‭ ‬هي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تعطي‭ ‬مساحات‭ ‬للشاعر‭ ‬والمغنّي‭ ‬للتعبير‭ ‬بتلقائية‭ ‬عن‭ ‬أعماق‭ ‬وجدانه،‭ ‬اذ‭ ‬نجد‭ ‬غناء‭ ‬االفانتازياب30،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬على‭ ‬جمل‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬تتغنّى‭ ‬بمختلف‭ ‬المواضيع‭  ‬والأغراض‭ ‬كالحرب‭ ‬أو‭ ‬الفخر‭ ‬او‭ ‬الغزل،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الانماط‭ ‬الموسيقية‭ ‬المحبّذة‭ ‬عند‭ ‬التونسيين‭ ‬اثناء‭ ‬السفر،‭ ‬ويغنَّي‭ ‬هذا‭ ‬الشعر‭ ‬وفق‭ ‬إيقاع‭ ‬معيّن‭ ‬يضبط‭ ‬من‭ ‬الاوّل‭ ‬وعند‭ ‬الانتهاء‭ ‬يرتجل‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬بعض‭ ‬الجمل‭ ‬لمدّة‭ ‬ساعات31‭.‬

وتكاد‭ ‬تشترك‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬البدويّة‭ ‬في‭ ‬نوعيّة‭ ‬الآلات‭ ‬المستعملة‭ ‬وهي‭ ‬آلات‭ ‬شعبية‭ ‬موروثة،‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬آلة‭ ‬القصبة‭ (‬وتنطق‭ ‬بالقاف‭ ‬المعقودة‭)‬،‭ ‬آلة‭ ‬الزكرة،‭ ‬آلة‭ ‬الفكرون،‭ ‬آلة‭ ‬القنبري،‭ ‬آلة‭ ‬الطْبلت‭ ‬والبندير32‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬يكثر‭ ‬استعمال‭ ‬آلات‭ ‬النفخ‭ ‬كالقصبة‭ ‬أو‭ ‬الشبابة‭ ‬البدوية‭ ‬في‭ ‬مصاحبة‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬يؤدّيها‭ ‬رعاة‭ ‬الأغنام‭ ‬والإبل‭ ‬نظرا‭ ‬للمسحة‭ ‬النغميّة‭ ‬الخاصّة‭ ‬التي‭ ‬تتميزان‭ ‬بها،‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬نجد‭ ‬الزكرة‭ ‬التي‭ ‬يسميها‭ ‬بعض‭ ‬المستشرقين‭ ‬في‭ ‬كتاباتهم‭ ‬اhautboisب‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬بقية‭ ‬الآلات‭ ‬التي‭ ‬ذكرناها‭ ‬والحاضرة‭ ‬بقوّة‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭.‬33

إلى‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬للغناء‭ ‬البدوي‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الغناء‭ ‬الحضري‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬انتقل‭ ‬عديد‭ ‬المغنّين‭ ‬البدويين‭ ‬الى‭ ‬الحاضرة‭ ‬وعملوا‭ ‬بها‭ ‬كمغنّين‭ ‬نظرا‭ ‬لتوسع‭ ‬المجال‭ ‬الحضري‭ ‬وانحصار‭ ‬الفضاء‭ ‬البدوي،‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬هؤلاء‭ ‬ابالغنّايةب،‭  ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬الفرق‭ ‬الموسيقية‭ ‬الحضرية‭ ‬تتغنّي‭ ‬ببعض‭ ‬أغانيهم‭ ‬البدويّة‭. ‬

 

الموسيقى‭ ‬الدينية‭ (‬الموسيقى‭ ‬الطرقية‭)‬

في‭ ‬نفس‭ ‬الفترة‭ ‬نجد‭ ‬تيّارا‭ ‬شعبيّا‭ ‬آخر‭ ‬بدأ‭ ‬تدريجيّا‭ ‬يعرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬بتونس‭ ‬وهو‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفيّة34،‭ ‬والتي‭ ‬تناولها‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬بالبحث‭ ‬والدراسة،‭ ‬فهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجتمعات‭ ‬تعبّدية‭ ‬ينظّمون‭ ‬ويغنّون‭ ‬المدائح‭ ‬والأذكار‭ ‬والأناشيد‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التعبّدية‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬والزوايا‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬والحواضر‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬قصد‭ ‬التقرّب‭ ‬الى‭ ‬الله‭ ‬ويسمّى‭ ‬هذا‭ ‬الغناء‭ ‬الديني‭ ‬ابمالوف‭ ‬الجدّب،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الرجال‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬النساء‭ ‬كذلك‭. ‬وفي‭ ‬مجتمع‭ ‬كالمجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬احتلت‭ ‬الموسيقى‭ ‬الطرقية‭ ‬خلافا‭ ‬لمختلف‭ ‬الألوان‭ ‬الموسيقية‭ ‬الأخرى‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭ ‬وذلك‭ ‬لارتباطها‭ ‬بعالم‭ ‬الروحانيات،‭ ‬فتعدّدت‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬واستقطبت‭ ‬أعدادا‭  ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يشاركون‭ ‬احتفالاتها‭ ‬وينتسبون‭ ‬إليها،‭ ‬لكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المستشرقين‭ ‬والرحّالة‭ ‬تطرّقوا‭ ‬فقط‭ ‬للطريقة‭ ‬العيساويّة،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬بكونها‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بدخول‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬احتفالاتها‭ ‬الدينية‭.‬

1‭) ‬الطريقة‭ ‬العيساويّة‭: ‬

تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬أهمّها‭ ‬آلة‭ ‬البندير،‭ ‬فهو‭ ‬يتواجد‭ ‬بأعداد‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬ويمثل‭ ‬عنصرا‭ ‬أساسيا‭ ‬ومميزا‭ ‬لها‭ ‬كذلك‭ ‬الدفّ،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬آلة‭ ‬الدربوكة‭ ‬أحيانا‭ ‬قصد‭ ‬أداء‭ ‬التنويعات‭ ‬الايقاعية،‭ ‬فتتدرّج‭ ‬الايقاعات‭ ‬في‭ ‬السرعة‭ ‬حيث‭ ‬يحدث‭ ‬العدد‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬الإيقاعيّة‭ ‬تأثيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬على‭ ‬المنشدين‭ ‬والراقصين‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬التصفيق‭ ‬وركز‭ ‬الأقدام‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬بلوغ‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬الإنتشاء‭ ‬الروحي‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬ابالتخميرةب35‭. ‬

فتحت‭ ‬تأثير‭ ‬إيقاعات‭ ‬الضرب‭ ‬العنيف‭ ‬والمتلاحق‭ ‬على‭ ‬الدفوف‭ ‬يتخمّر‭ ‬الجماعة‭ ‬ويعتري‭ ‬الراقصين‭ ‬أحوال‭ ‬عجيبة‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬أكل‭ ‬الثعابين‭ ‬والعقارب‭ ‬وطحن‭ ‬الزجاج‭ ‬والمسامير‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلحقهم‭ ‬أيّ‭ ‬أذى‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الرقص‭ ‬المستمر‭ ‬والعنيف‭ ‬والصراخ‭ ‬القوي‭ ‬وذلك‭ ‬قصد‭ ‬تقربهم‭ ‬إلى‭ ‬الله36‭.‬

وإضافة‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الطريقة‭ ‬العيساوية‭ ‬تتم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مراحل‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬اSouvenir d’Afriqueب‭ ‬للكاتب‭ ‬اأرموند‭ ‬تروميه‭ ‬دوفونتارس‭/‬Armand Trumet De Fontarce»،‭ ‬فالمرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬تكون‭ ‬الموسيقى‭ ‬هادئة‭ ‬جدا‭ ‬مع‭ ‬مصاحبة‭ ‬بطيئة‭ ‬للإيقاع‭ ‬دون‭ ‬رقص‭ ‬ممهّدة‭ ‬للمرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬فيبدأ‭ ‬الإيقاع‭ ‬بالتصاعد‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬ضرب‭ ‬الدفوف‭ ‬وتصفيق‭ ‬المنشدين‭ ‬ويتم‭ ‬خلالها‭ ‬الرقص‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬يشتدّ‭ ‬الإيقاع‭ ‬مع‭ ‬الضرب‭ ‬القوي‭ ‬والمتسارع‭ ‬للدفوف‭ ‬والصياح‭ ‬الحاد‭ ‬للمنشدين‭ ‬والضرب‭ ‬المتواصل‭ ‬للأكفّ‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاهتزاز‭ ‬عند‭ ‬الراقصين‭ ‬والمنشدين‭ ‬مصاحبة‭ ‬بموسيقى‭ ‬وصفها‭ ‬الكاتب‭ ‬بالجنونية37‭.‬

نستنتج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬توصّلنا‭ ‬اليه‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬بحثنا‭ ‬المتواضع‭ ‬بأن‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬و‭ ‬إن‭ ‬مثّل‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات،‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬منعدما‭ ‬لكنّه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭ ‬فاعلا‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭, ‬فبرغم‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الشعب‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬القوميات‭ ‬وتداخل‭ ‬الثقافات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تلاقح‭ ‬الحضارات‭ ‬المختلفة‭ ‬أثر‭ ‬الى‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬الثقافية‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬وعلى‭ ‬الموسيقى‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬كما‭ ‬لاحظنا‭ ‬ان‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المستشرقين‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬البشرية‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬فئات‭: ‬الأولى‭ ‬تتركب‭ ‬من‭ ‬أتراك‭ ‬ويمثّلون‭ ‬الطبقة‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬الحاكمة‭ ‬والثانية‭ ‬المور‭ ‬اles‭ ‬mauresب‭ ‬وهم‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬باقي‭ ‬الجنسيات‭ ‬الأخري‭ ‬الوافدة‭ ‬والفئة‭ ‬الثالثة‭ ‬هي‭ ‬فئة‭ ‬العرب‭ ‬البدو‭ ‬والرحل‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬البادية‭ ‬والأرياف‭.‬

ومما‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬الجاليات‭ ‬المقيمة‭ ‬بتونس‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬ايطالية‭ ‬ومالطية‭ ‬واسبانية‭ ‬وفرنسية‭ ‬وغيرها‭ ‬كوّن‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المزيج‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬دور‭  ‬في‭ ‬ايجاد‭ ‬حركية‭ ‬فنيّة‭ ‬تتسم‭ ‬بالتفاوت‭ ‬والتنوع‭ ‬وكذلك‭ ‬بعدم‭ ‬الاتّساق‭ ‬والانتظام‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬الموسيقي‭ ‬وممارسته‭ ‬لدى‭ ‬التونسيين‭ ‬إذّاك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬المقبولة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الحاضرة‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬عليها‭ ‬التوجهات‭ ‬الحرفية‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬للجالية‭ ‬اليهودية‭ ‬المتمركزة‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬المدن‭ ‬التونسية‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الموسيقية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقاهي‭ ‬الغنائية،‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬غياب‭ ‬موسيقيين‭ ‬ذوي‭ ‬معرفة‭ ‬ودراية‭ ‬كافية‭ ‬بأصول‭ ‬الموسيقى‭ ‬وطرق‭ ‬تدوينها‭  ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬موسيقى‭ ‬بالنسبة‭ ‬للرحالة‭ ‬مليئة‭ ‬بالرتابة‭ ‬والتواتر‭ ‬وعدم‭ ‬الاتقان‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬كونها‭ ‬وسيلة‭ ‬ترفيه‭ ‬ذات‭ ‬صبغة‭ ‬احتفالية‭.‬