اللغة العدد
مُتحف النَسيج بالقَاهرة وَدَوره فِي الحِفاظ عَلى التُراث وَالمَوروث
مُتحف النَسيج بالقَاهرة وَدَوره فِي الحِفاظ عَلى التُراث وَالمَوروث
العدد 47 - ثقافة مادية

 

د‭.‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬عنب‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬مصر

 

الموقع‭: ‬يَقع‭ ‬مُتحف‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬شَارع‭ ‬المُعز‭ ‬لدين‭ ‬الله‭ ‬بمنطقة‭ ‬النَحّاسين‭ ‬بِحي‭ ‬بَين‭ ‬القَصرين،‭ ‬أمام‭ ‬مَدرسة‭ ‬النَاصر‭ ‬مُحمد‭ ‬بن‭ ‬قَلاوون‭ ‬بِالقَاهرة‭ ‬الفَاطمية1‭.‬

أصل‭ ‬المَكان‭:‬‭ ‬كَان‭ ‬هَذا‭ ‬المَكان‭ ‬سَبيل‭ ‬مُحمد‭ ‬عَلي‭ ‬بالنحاسين،‭ ‬وَقَد‭ ‬أنشأه‭ ‬مُحمد‭ ‬عَلي‭ ‬بَاشا‭ ‬الكَبير‭ (‬1244هـ‭/‬1828م‭)‬،‭ ‬عَلى‭ ‬رَوح‭ ‬وَلده‭ ‬إسماعيل‭ ‬بَاشا‭ ‬المُتوفى‭ ‬بالسودان‭ ‬سنة‭ (‬1238هـ‭/‬1822م‭)‬2،‭ ‬كَما‭ ‬أنشأه‭ ‬ليَكون‭ ‬مَدرسة‭ ‬للأيتام‭ (‬مَدرسة‭ ‬بَين‭ ‬القَصرين‭ ‬الإبتدائية‭) ‬وَالتي‭ ‬عُرفت‭ ‬فِيما‭ ‬بَعد‭ ‬بـ‭ (‬مَدرسة‭ ‬النَحاسين‭)‬3،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أُهمل‭ ‬بِشَكل‭ ‬كَبير،‭ ‬وَفي‭ ‬عَام2005م‭ ‬تَمّ‭ ‬البدء‭ ‬فِي‭ ‬تَرميمه‭ ‬ضِمن‭ ‬مَشروع‭ ‬تَجديد‭ ‬شَارع‭ ‬المُعز‭ ‬وانتهت‭ ‬أعمال‭ ‬التَرميم‭ ‬عَام2010م؛‭ ‬وَقَد‭ ‬جَرى‭ ‬تَحويله‭ ‬لِمُتحف‭ ‬النَسيج‭ ‬المِصري؛‭ ‬والذي‭ ‬يُعتبر‭ ‬المُتحف‭ ‬الأول‭ ‬مِن‭ ‬نَوعه‭ ‬فِي‭ ‬الشَرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وَأفريقيا‭ ‬وَوَاحد‭ ‬مِن‭ ‬أهم‭ ‬ثَلاثة‭ ‬مَتاحف‭ ‬نَوعية‭ ‬بِالعَالم‭ ‬مُختصة‭ ‬بِتَاريخ‭ ‬النَسيج‭.‬

الوَصف‭ ‬المِعماري‭ ‬للسَبيل‭:‬‭ ‬يُعد‭ ‬هَذا‭ ‬السَبيل‭ ‬مِن‭ ‬الأسبلة‭ ‬الفَخمة‭ ‬المَكسوة‭ ‬بِالرُخام‭ ‬المَحلى‭ ‬بِالنقوش‭ ‬والكتابات‭ ‬الجَميلة،‭ ‬وَيتكون‭ ‬مِن‭ ‬طَابقين؛‭ ‬الأول‭ ‬وهو‭ ‬حُجرة‭ ‬السَبيل،‭ ‬أَمّا‭ ‬الطَابق‭ ‬الثَاني‭ ‬فَيَشتمل‭ ‬عَلى‭ ‬مَجموعة‭ ‬حَجرات‭ ‬وَكَتاب‭ ‬بِمُلحقاته4‭.‬

وأهم‭ ‬مَا‭ ‬يُميز‭ ‬السَبيل‭ ‬هُو‭ ‬الوَاجهة‭ ‬الرَئيسية؛‭ ‬وَالتي‭ ‬تَطل‭ ‬عَلى‭ ‬شَارع‭ ‬المُعز،‭ ‬وَتَأخذ‭ ‬شكل‭ ‬نصف‭ ‬دَائري‭ ‬عَلى‭ ‬نَسق‭ ‬طِراز‭ ‬الأسبلة‭ ‬العُثمانية‭ ‬ذَات‭ ‬الطِراز‭ ‬الوَافد،‭ ‬وَيَكسوها‭ ‬الرُخام‭ ‬وَيفتح‭ ‬بِها‭ ‬أربع‭ ‬شَبابيك‭ ‬للسَبيل‭ ‬مُغشاة‭ ‬بِأحجبة‭ ‬مِن‭ ‬النَحاس‭ ‬المَصبوب‭ ‬به‭ ‬رُسوم‭ ‬بَيضاوية‭ ‬يَتَخللها‭ ‬وُرَيقات‭ ‬نَباتية،‭ ‬وَيَعلو‭ ‬كُل‭ ‬شِباك‭ ‬مَنطقة‭ ‬مُستطيلة‭ ‬نُقش‭ ‬بِها‭ ‬شِعار‭ ‬أُسرة‭ ‬مُحمد‭ ‬عَلى‭ ‬الذي‭ ‬يَضم‭ ‬الهِلال‭ ‬وَالنِجمة،‭ ‬كِتابات‭ ‬بِاللغة‭ ‬التُركية‭ ‬مُنفذة‭ ‬بِالتَذهيب‭ ‬فِي‭ ‬بُحور‭ ‬عَلى‭ ‬أَرضية‭ ‬زَرقاء‭ ‬تعلوها‭ ‬زَخارف‭ ‬البَاروك‭ ‬والروكوكو5‭ ‬المُنفذة‭ ‬عَلى‭ ‬الرُخام‭ ‬تَتوسطها‭ ‬كِتابات‭ ‬مُذهّبة‭ ‬عَلى‭ ‬خَلفية‭ ‬زَرقاء،‭ ‬وَيُوجد‭ ‬عَلى‭ ‬جَانبها‭ ‬الطَغراء‭ ‬العُثمانية،‭ ‬وَيعلو‭ ‬الوَاجهة‭ ‬رَفرف‭ ‬خَشبي‭ ‬عَليه‭ ‬زَخارف‭ ‬البَاروك‭ ‬المُلونة‭ ‬وَالمُذهبة‭ ‬وَيُحيط‭ ‬بِالرَفرف‭ ‬دَرابزين‭ ‬خَشبي6‭.‬

تَحويل‭ ‬السَبيل‭ ‬لمُتحف‭:‬‭ ‬جَاءت‭ ‬فِكرة‭ ‬تَحويل‭ ‬مَبنى‭ ‬السَبيل‭ ‬إلى‭ ‬مُتحف‭ ‬للنَسيج‭ ‬مُنذ‭ ‬عَام2011م‭ ‬عَقب‭ ‬تَجديد‭ ‬شَارع‭ ‬المُعز‭ ‬وَتَطويره‭ ‬وإعلانه‭ ‬مُتحفاً‭ ‬مَفتوحاً‭ ‬للآثار‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وَقَد‭ ‬كَان‭ ‬مَبنى‭ ‬مُلائماً‭ ‬لِهَذا‭ ‬الغَرض؛‭ ‬فَهو‭ ‬يَقع‭ ‬فِى‭ ‬قَلب‭ ‬القَاهرة‭ ‬التَاريخية،‭ ‬وَقَد‭ ‬استغل‭ ‬القَائمون‭ ‬عَلى‭ ‬المُتحف‭ ‬الفَضاءات‭ ‬وَالفَراغات‭ ‬الكَثيرة‭ ‬بِدَاخلة‭ ‬لِوَضع‭ ‬الفَاترين‭ ‬بِها،‭ ‬وَكَانت‭ ‬الحَاجة‭ ‬مُلحة‭ ‬لتَخصيص‭ ‬مُتحف‭ ‬كَامل‭ ‬للنَسيج‭ ‬يَضم‭ ‬نَماذج‭ ‬مُتنوعة‭ ‬مِن‭ ‬النَسيج‭ ‬عَبر‭ ‬مُختلف‭ ‬العُصور،‭ ‬وَيَتميز‭ ‬المُتحف‭ ‬بِوجود‭ ‬أَندر‭ ‬قِطع‭ ‬النَسيج،‭ ‬وَالتي‭ ‬تَم‭ ‬اختيارها‭ ‬بعناية‭ ‬مِن‭ ‬المَتاحف‭ ‬وَالمَواقع‭ ‬المِصرية‭ ‬المُختلفة‭ ‬مِنها‭ ‬مَا‭ ‬كَان‭ ‬مَحفوظا‭ ‬بِالمَتحف‭ ‬المِصري،‭ ‬وَمُتحف‭ ‬الفَن‭ ‬الإسلامي‭ ‬وَمَنطقة‭ ‬القَرنة‭ ‬في‭ ‬مَدينة‭ ‬الأقصر‭ ‬وَغَيرها،‭ ‬وصُمم‭ ‬هَذا‭ ‬المُتحف‭ ‬ليَكون‭ ‬مُؤسسة‭ ‬عِلمية‭ ‬تَوثيقية‭ ‬للنَسيج‭ ‬يَتَعرف‭ ‬الزائر‭ ‬من‭ ‬خِلالها‭ ‬عَلى‭ ‬عَالم‭ ‬النَسيج‭ ‬وَطُرق‭ ‬صِناعته‭ ‬وَأنواعه‭ ‬فِي‭ ‬رِحلة‭ ‬عَبر‭ ‬التَاريخ‭.‬

فِكرة‭ ‬مَتاحف‭ ‬النَسيج‭:‬‭ ‬بَدأت‭ ‬هَذه‭ ‬الفِكرة‭ ‬فِي‭ ‬العَالم‭ ‬مُنذ‭ ‬الرُبع‭ ‬الأول‭ ‬مِن‭ ‬القَرن‭ ‬العَشرين؛‭ ‬نَظراً‭ ‬للأهمية‭ ‬الكَبيرة‭ ‬للمَنسوجات‭ ‬بِمُختلف‭ ‬أَنواعها‭ ‬وَلِما‭ ‬تُشكله‭ ‬مِن‭ ‬كَيان‭ ‬وَوَجدان‭ ‬الأُمم،‭ ‬وَمن‭ ‬أَقدم‭ ‬مَتَاحف‭ ‬النَسيج‭ ‬العَالمية‭ ‬مُتحف‭ ‬النَسيج‭ ‬المُلحق‭ ‬بِجَامعة‭ ‬جُورج‭ ‬وَاشنطن‭ ‬بِالولايات‭ ‬المُتحدة‭ ‬الأَمريكية،‭ ‬وَالذي‭ ‬تَأسّس‭ ‬فِي‭ ‬عَام‭ ‬1925م‭ ‬مِن‭ ‬قِبل‭ ‬الفَنان‭ ‬جُورج‭ ‬هُيويت‭ ‬مَايرز؛‭ ‬لتَوسيع‭ ‬المَعَرفة‭ ‬العَامة‭ ‬وَالتَقدير‭ ‬للمزَايا‭ ‬الفَنية‭ ‬وَالأهمية‭ ‬الثقافية‭ ‬لمَنسوجات‭ ‬العَالم؛‭ ‬فَهو‭ ‬يَضم‭ ‬أَكثر‭ ‬مِن‭ ‬20000‭ ‬قِطعة‭ ‬مِن‭ ‬النَسيج‭ ‬التي‭ ‬تَعكس‭ ‬الثَقافات‭ ‬المُختلفة‭ ‬لِدُول‭ ‬الشَرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وَآسيا‭ ‬وَأفريقيا‭ ‬وَأمريكا7‭.‬

مُحتويات‭ ‬مُتحف‭ ‬النَسيج‭ ‬المِصري‭: ‬يَتكون‭ ‬المَبنى‭ ‬مِن‭ ‬طَابقين،‭ ‬وتمّ‭ ‬تَخطيط‭ ‬المُتحف‭ ‬بِطَريقة‭ ‬بَسيطة‭ ‬حَيث‭ ‬تَضم‭ ‬كُل‭ ‬غُرفة‭ ‬مُعلومات‭ ‬عَلى‭ ‬الحَوائط‭ ‬عَن‭ ‬فَترة‭ ‬المُنسوجات‭ ‬التي‭ ‬بِداخلها‭ ‬مِن‭ ‬حَيث‭ ‬استخدامها‭ ‬الأصلي،‭ ‬وَتَاريخ‭ ‬صُنعها،‭ ‬وَمَكَانها‭ ‬الأَصلي‭ ‬لَها،‭ ‬وََتَتوزع‭ ‬مُقتنيات‭ ‬المُتحف‭ ‬فِى‭ (‬11‭) ‬قَاعة‭ ‬بِتَرتيب‭ ‬تَاريخي؛‭ ‬حَيث‭ ‬يَتضمن‭ ‬الطَابق‭ ‬الأول‭: ‬أربعة‭ ‬قَاعات‭ ‬تَشمل‭ ‬أشكال‭ ‬المَنسوجات‭ ‬المُختلفة‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬الفُرعوني،‭ ‬وَهِي‭ ‬تَتَضمن‭ ‬مَلابس‭ ‬الآلهة‭ ‬وَمَلابس‭ ‬الحَياة‭ ‬اليَومية‭ ‬وَمَلابس‭ ‬الحَياة‭ ‬الأبدية‭ ‬فى‭ ‬القَاعات‭ (‬1،‭ ‬2،‭ ‬3‭)‬،‭ ‬أَمّا‭ ‬قَاعة‭ (‬4‭) ‬فَتتضمن‭ ‬نَماذج‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬القِبطى‭.‬

وَيَشمل‭ ‬الطَابق‭ ‬الثَاني‭:‬‭ ‬سَبع‭ ‬قَاعات‭ ‬حَيث‭ ‬تَشمل‭ ‬قَاعة‭ (‬5‭)‬‭ ‬قِطع‭ ‬مِن‭ ‬النَسيج‭ ‬القِبطى‭ ‬مَنسوجة‭ ‬بِطَريقة‭ ‬القَباطى‭ ‬المَشهورة‭ ‬بِالتَابستري‭(‬Tabstery‭)‬،‭ ‬وَتَتضمن‭ ‬القَاعات‭ ‬مِن‭ ‬رَقم‭ (‬6‭) ‬حَتى‭ ‬رَقم‭ (‬11‭) ‬رَِحلة‭ ‬تَطور‭ ‬النَسيج‭ ‬عَبر‭ ‬العُصور‭ ‬الإسلامية‭ ‬المُختلفة؛‭ ‬فَتَعرض‭ ‬قَاعة‭ (‬6‭) ‬نَماذج‭ ‬النَسيج‭ ‬الأَموى‭ ‬وَالعَباسى،‭ ‬وَقَاعة‭ (‬7‭)‬‭ ‬النَسيج‭ ‬الطُولونى‭ ‬وَالذى‭ ‬يََتميز‭ ‬بِرُسومات‭ ‬الحَيوانات‭ ‬المُختلفة،‭ ‬وَقَاعة‭ (‬8‭) ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬العَصرين‭ ‬الفَاطمى‭ ‬وَالأَيوبى،‭ ‬وَتَعرض‭ ‬قَاعة‭ (‬9‭) ‬قِطع‭ ‬مِن‭ ‬كُسوة‭ ‬الكَعبة‭ ‬الشََريفة؛‭ ‬وَالتى‭ ‬كَانت‭ ‬تَحظى‭ ‬مِصر‭ ‬بِشََرف‭ ‬صِناعتها‭ ‬وإرسالها‭ ‬كُل‭ ‬عَام‭ ‬إلى‭ ‬الحَرم‭ ‬المَكي،‭ ‬وقاعة‭ (‬10‭) ‬تَعرض‭ ‬لأَنواع‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬المُملوكى،‭ ‬وَقَاعة‭ (‬11‭)‬‭ ‬فِيها‭ ‬نَسيج‭ ‬العَصر‭ ‬العُثمانى‭ ‬الذى‭ ‬يَتميز‭ ‬بِزَخارف‭ ‬الزُهور‭ ‬المُختلفة؛‭ ‬وَأشهرها‭ ‬زَهرة‭ ‬اللالا‭ ‬وَالقُرنفل‭ ‬عِلاوة‭ ‬عَلى‭ ‬سَجَاجيد‭ ‬الصَلاة‭ ‬بِالإضافة‭ ‬لِقطع‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬مِن‭ ‬إيران8‭.‬

رِحلة‭ ‬النَسيج‭ ‬بَين‭ ‬قَاعات‭ ‬المُتحف‭:‬‭ ‬بَادئ‭ ‬ذِي‭ ‬بِدء‭ ‬النَسيج‭ ‬هُو‭ ‬عَبارة‭ ‬عَن‭ ‬جِسم‭ ‬مُسطح‭ ‬رَقيق‭ ‬يَتكون‭ ‬إما‭ ‬مِن‭ ‬خَيط‭ ‬وَاحد‭ ‬مُتشابك‭ ‬بَعضه‭ ‬بِبعض‭ ‬عَلى‭ ‬هَيئة‭ ‬أَنصاف‭ ‬دَوُائر‭ ‬مُتداخلة‭ ‬وَمُتماسكة،‭ ‬أو‭ ‬يَتكون‭ ‬مِن‭ ‬مَجموعة‭ ‬مِن‭ ‬خُيوط‭ ‬طَولية‭ ‬يُطلق‭ ‬عَليها‭ ‬اسم‭ (‬السُداة‭) ‬تَتقاطع‭ ‬مَع‭ ‬خُيوط‭ ‬عَرضية‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭ (‬اللُحمة‭) ‬تَقاطعاً‭ ‬مُنتظماً،‭ ‬وَيَختلف‭ ‬المَنسوج‭ ‬فِي‭ ‬مَظهره‭ ‬وَنَوعه‭ ‬تَبعاً‭ ‬لإختلاف‭ ‬تَقاطع‭ ‬الخُيوط‭ ‬وَتَركيبها‭ ‬فِيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بإسم‭ ‬التَركيب‭ ‬النَسجي9،‭ ‬وَاستُخدم‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬صِناعة‭ ‬أنواع‭ ‬مُختلفة‭ ‬مِثل‭ ‬الثِياب‭ ‬بِأنواعها‭ ‬المُختلفة‭ ‬وَالطَواقي‭ ‬وَالعَمائم‭ ‬وَالمُعلّقات‭ ‬وَالسُروج‭ ‬وَالكُسوات‭ ‬وَالرَايات‭ ‬وَالأَعلام‭ ‬وَالبُسط‭ ‬وَالسَتائر‭ ‬وَالأغطية‭ ‬وَالمَفروشات10،‭ ‬كَما‭ ‬كَان‭ ‬للنَسيج‭ ‬دُور‭ ‬مُؤثر‭ ‬فِي‭ ‬المُعاملات‭ ‬الإقتصادية،‭ ‬تَعمّقت‭ ‬حَيويته‭ ‬عَلى‭ ‬مَر‭ ‬العُصور‭ ‬بِتَنوع‭ ‬أشكال‭ ‬المَنسوجات‭ ‬والمَلابس‭ ‬التي‭ ‬أَصبحت‭ ‬تَعكس‭ ‬رُوح‭ ‬كُل‭ ‬عَصر‭.‬

المَنسوجات‭ ‬الفُرعونية‭ ‬بِدَاية‭ ‬الرِحلة‭:‬

كَانت‭ ‬صِناعة‭ ‬النَسيج‭ ‬مُزدهرة‭ ‬بِمصر‭ ‬مُنذ‭ ‬عَهد‭ ‬الفَراعنة،‭ ‬وَكَان‭ ‬المِصريون‭ ‬القُدماء‭ ‬أَول‭ ‬مَنْ‭ ‬اهتدى‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الكِتان‭ ‬في‭ ‬عَمل‭ ‬المَنسوجات‭ ‬وَظَلت‭ ‬مِصر‭ ‬الفُرعونية‭ ‬حَوالي‭ ‬مَا‭ ‬يَقرب‭ ‬مِن‭ ‬3000‭ ‬عَام‭ ‬مُتفردة‭ ‬بِصناعة‭ ‬نَسيج‭ ‬الكِتان‭ ‬فِي‭ ‬العَالم،‭ ‬وَالذي‭ ‬كَان‭ ‬يَعتبره‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬قُماش‭ ‬الآلهة،‭ ‬وَتَرجع‭ ‬أقدم‭ ‬قِطعة‭ ‬نَسيج‭ ‬مَوجودة‭ ‬فِي‭ ‬مِصر‭ ‬إلى‭ ‬عَصر‭ ‬بِداية‭ ‬الأسرات‭ ‬للقَرن‭ ‬الحَادي‭ ‬وَالثَلاثين‭ ‬قَبل‭ ‬المِيلاد،‭ ‬وَقَد‭ ‬انتشرت‭ ‬وُرش‭ ‬صِناعة‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬أنحاء‭ ‬البِلاد‭ ‬وَعمل‭ ‬فِيها‭ ‬الرِجال‭ ‬وَالنساء؛‭ ‬كَما‭ ‬كَان‭ ‬للكَهنة‭ ‬مَنَاسج‭ ‬أُخرى‭ ‬فِي‭ ‬المَعابد‭ ‬لتَنتج‭ ‬لهم‭ ‬مِن‭ ‬الأَقمشة‭ ‬مَايَلزم‭ ‬لِمَلابسهم‭ ‬وَلأزياء‭ ‬طُقوسهم،‭ ‬حَيث‭ ‬كَانت‭ ‬للمَنسوجات‭ ‬أَهمية‭ ‬كَبيرة‭ ‬فِي‭ ‬الحَياة‭ ‬اليَومية‭ ‬وَفِي‭ ‬الطُقوس‭ ‬التي‭ ‬تُؤدى‭ ‬فِي‭ ‬المَعابد،‭ ‬حَيث‭ ‬كَان‭ ‬الكَهنة‭ ‬يَتميزون‭ ‬بِزي‭ ‬مُعين‭ ‬وَهُم‭ ‬يُؤدونها،‭ ‬وَكَان‭ ‬المَلك‭ ‬يَرتدي‭ ‬أَغلى‭ ‬وَأفخم‭ ‬أنواع‭ ‬المَنسوجات،‭ ‬واشتهر‭ ‬نِظام‭ ‬النَسيج‭ ‬الفِرعوني‭ ‬بِنَسيج‭ ‬نِيسوت‭ ‬اNissut المَلكيب11‭.‬

ويُعتبر‭ ‬القِسم‭ ‬الفِرعوني‭ ‬أكبر‭ ‬قِسم‭ ‬فِي‭ ‬المُتحف؛‭ ‬وَيَشتمل‭ ‬هَذا‭ ‬القِسم‭ ‬عَلى‭ ‬عَدد‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬الكِتانية‭ ‬وَالقُطنية‭ ‬مِن‭ ‬العَصر‭ ‬الفِرعوني،‭ ‬كَما‭ ‬يَضم‭ ‬عَدد‭ ‬مِن‭ ‬اللُوحات‭ ‬التي‭ ‬تُوضح‭ ‬مَلامح‭ ‬صِناعة‭ ‬النَسيج‭ ‬عِند‭ ‬المِصريين‭ ‬القُدماء‭ ‬مَلابسه‭.‬

كَما‭ ‬تُوجد‭ ‬عَدد‭ ‬مِن‭ ‬تَماثيل‭ ‬خَشبية‭ ‬وَالتي‭ ‬استُخدمت‭ ‬لِعَرض‭ ‬نَماذج‭ ‬مِن‭ ‬المَلابس‭ ‬التي‭ ‬كَان‭ ‬يَرتديها‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم،‭ ‬مِنها‭ ‬تِمثال‭ ‬أوشَابتى‭ ‬يَرتدى‭ ‬رِداءاً‭ ‬بِنصف‭ ‬كُم‭ ‬وَيُحيط‭ ‬بِالوَسط‭ ‬حِزَام‭ ‬ذُو‭ ‬طَيات‭ ‬يَتدلى‭ ‬لأَسفل‭ ‬وَتمثال‭ ‬للإله‭ ‬أُوزير‭ ‬وَتِمثال‭ ‬لإمرأة‭ ‬مَلفوفة‭ ‬بِقطع‭ ‬النَسيج‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان‭ ‬الخَشن‭ ‬السَادة‭ ‬تَرتدى‭ ‬رِداءاً‭ ‬بِه‭ ‬خُطوط‭ ‬سَوداء‭ ‬وَمَفرش‭ ‬مِن‭ ‬الحَرير‭ ‬لَه‭ ‬كِنار‭ ‬عَريض‭ ‬عَلى‭ ‬هَيئة‭ ‬فُستونات‭ ‬مَشغولة‭ ‬بِكتابات‭ ‬عَربية‭ ‬غَير‭ ‬مَقروءة،‭ ‬كَما‭ ‬يُوجد‭ ‬سِرير‭ ‬فُرعوني‭ ‬قَديم،‭ ‬وَعَدد‭ ‬مِن‭ ‬المَفروشات‭ ‬المَنزلية‭ ‬المُختلفة‭ ‬المَصنوعة‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان،‭ ‬بِالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬لَفائف‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان‭ ‬عَلى‭ ‬تِمثال‭ ‬لِكَاهن‭ ‬وَأجزاء‭ ‬مِن‭ ‬أَكفان‭ ‬فِرعونية‭ ‬عَليها‭ ‬كِتابات‭ ‬بِاللُغة‭ ‬الهِيروغليفية،‭ ‬فَقَد‭ ‬كَانت‭ ‬للمَنسوجات‭ ‬أَهمية‭ ‬كَبيرة‭ ‬فِي‭ ‬حَياتهم‭ ‬ابتداءاً‭ ‬مِن‭ ‬المِيلاد‭ ‬إلى‭ ‬المَمات‭.‬

وَيُوضح‭ ‬هَذا‭ ‬القِسم‭ ‬كَيف‭ ‬بَرع‭ ‬المِصريون‭ ‬القُدماء‭ ‬فِي‭ ‬غَزل‭ ‬وَنَسج‭ ‬وَصِباغَة‭ ‬ألياف‭ ‬الكِتان‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬بَراعتهم‭ ‬فِي‭ ‬تَطريز‭ ‬مَنسوجاتهم،‭ ‬خُصوصاً‭ ‬المَلكية‭ ‬مِنها‭.‬

 

المَنسوجات‭ ‬اليُونانية‭ ‬وَالقِبطية‭:‬

اشتهر‭ ‬العَصر‭ ‬الرُوماني‭ ‬بِإنتاج‭ ‬أَنواع‭ ‬مُختلفة‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬الرَائعة،‭ ‬وَقَد‭ ‬أَنشأ‭ ‬أَبَاطرة‭ ‬الرُومان‭ (‬مَصانع‭ ‬الجِنسيوم‭) ‬والتي‭ ‬كَانت‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭(‬مَصانع‭ ‬النَسيج‭ ‬المَلكية‭) ‬بِمَدينة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬عَاصمة‭ ‬مِصر‭ ‬آَنذاك،‭ ‬وَكَانت‭ ‬النِساء‭ ‬يَقُمن‭ ‬بِالنَسج‭ ‬وَالتَطريز‭ ‬بِها‭ ‬لإنتاج‭ ‬مَا‭ ‬يَحتاج‭ ‬إليه‭ ‬البَلاط‭ ‬المَلكي‭ ‬مِن‭ ‬أَقمشة‭ ‬وَمُعلّقات‭ ‬وّأغطية‭ ‬وَوَسائد‭ ‬مُتنوعة‭. ‬

أَمّا‭ ‬المَنسوجات‭ ‬القِبطية؛‭ ‬فَقد‭ ‬تَميزت‭ ‬بِغَناء‭ ‬وَغَزارة‭ ‬عَنَاصرها‭ ‬الزُخرفية‭ ‬ذَات‭ ‬الألوان‭ ‬البرّاقة،‭ ‬والتي‭ ‬نُفذت‭ ‬مُعظمها‭ ‬بأسلوب‭ ‬القَباطي‭ ‬أو‭ ‬اللُحمات‭ ‬غَير‭ ‬المُمتدة‭ ‬وَهُو‭ ‬أسلوب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التَطريز‭ ‬مِنه‭ ‬إلى‭ ‬النَسيج،‭ ‬حَيث‭ ‬أَتاح‭ ‬هَذا‭ ‬الأُسلوب‭ ‬للتَصوير‭ ‬شِبه‭ ‬المُجسّم‭ ‬للبُورتريهات‭ ‬المَنسوجة‭ ‬مُشابهاً‭ ‬لِتلك‭ ‬الرُسوم‭ ‬الكِلاسيكية‭ ‬القَديمة،‭ ‬وَذَلك‭ ‬بِمُراعاة‭ ‬الظِل‭ ‬وَالمَنظور،‭ ‬وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬مَصانع‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬هَذه‭ ‬الفَترة‭ ‬فِي‭ ‬الفَيوم‭ ‬وَإخميم‭ ‬وَالإسكندرية12‭.‬

 

النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬الإِسلامي

‭ ‬شَهدت‭ ‬صِناعة‭ ‬المَنسوجات‭ ‬فِي‭ ‬مِصر‭ ‬ازدهارًا‭ ‬كَبيرًا‭ ‬بَعد‭ ‬فَتح‭ ‬العَرب‭ ‬لَها‭ (‬21هـ‭/‬641م‭)‬،‭ ‬حَيث‭ ‬عَمل‭ ‬المُسلمون‭ ‬عَلى‭ ‬تَشجيع‭ ‬وَتَطوير‭ ‬وَتَنمية‭ ‬صِناعة‭ ‬المَنسوجات،‭ ‬حَتى‭ ‬بَلغت‭ ‬أَوج‭ ‬الكَمال‭ ‬وَالإتقان،‭ ‬وَأَصبح‭ ‬إنتاج‭ ‬الأَقمشة‭ ‬الرَقيقة‭ ‬مِن‭ ‬أَهم‭ ‬مُميزات‭ ‬الفُنون‭ ‬التَطبيقية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عَامة،‭ ‬وَقَد‭ ‬أَولت‭ ‬الحُكومات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المُختلفة‭ ‬عِناية‭ ‬خَاصة‭ ‬بِصِنَاعة‭ ‬المَنسوجات،‭ ‬وَأَمرت‭ ‬بِإنشاء‭ ‬مَصانع‭ ‬النَسيج‭ ‬وَالتي‭ ‬عُرفت‭ ‬آنذاك‭ ‬بِدُور‭ ‬الطِراز13،‭ ‬وَالتي‭ ‬كَانت‭ ‬تَخضع‭ ‬إداريًا‭ ‬لِلرَقابة‭ ‬الحُكومية‭ ‬الصَارمة،‭ ‬وَلَفظ‭ (‬الطِراز‭) ‬يَعني‭ ‬الكِتابة‭ ‬عَلى‭ ‬النَسيج‭ ‬وَالوَرق14،‭ ‬وَهَذه‭ ‬الكِتابات‭ ‬كَانت‭ ‬تَقتضيها‭ ‬عَادة‭ (‬الخُلع‭) ‬التَي‭ ‬كَان‭ ‬يَتبعُها‭ ‬الحُكام‭ ‬وَالأُمراء‭ ‬المُسلمون‭ ‬فِي‭ ‬الخِلافة‭ ‬الإِسلامية‭ ‬فِي‭ ‬مُكافأة‭ ‬رِجال‭ ‬الدَولة‭ ‬بِالخُلع‭ ‬مِن‭ ‬المَلابس‭ ‬الفَاخرة،‭ ‬فَكَان‭ ‬يُطلق‭ ‬عَلى‭ ‬مَصانع‭ ‬النَسيج‭ ‬الأَهلية‭ (‬طِراز‭ ‬العَامة‭) ‬وَتَهتم‭ ‬بِإنتاج‭ ‬مَنسوجات‭ ‬عَامة‭ ‬الشَعب،‭ ‬وَعَلى‭ ‬مَصَانع‭ ‬النَسيج‭ ‬التي‭ ‬تَتبع‭ ‬الحُكام‭ ‬وَالأُمراء‭ ‬الطِراز‭ ‬الحُكومي،‭ ‬أمّا‭ (‬طِراز‭ ‬الخَاصة‭) ‬وَدَورها‭ ‬إنتاج‭ ‬مَنسوجات‭ ‬الخَليفة‭ ‬وَحَاشيته،‭ ‬وَكِلا‭ ‬الطِرازين‭ ‬كَانا‭ ‬يَتبعان‭ ‬الرِقابة‭ ‬الحُكومية‭ ‬المُشدّدة،‭ ‬وَمِن‭ ‬مَراكز‭ ‬النَسيج‭ ‬المُهمة‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬الإسلامي‭ ‬هِي‭ ‬الفَيوم‭ ‬وإهناسيا‭ ‬والبَهنسا‭ ‬والأشمونيين‭ ‬وأسيوط‭ ‬وتنيس‭ ‬وشطا‭ ‬والإسكندرية15،‭ ‬وَتَشتمل‭ ‬قَاعة‭ ‬العَصر‭ ‬الإسلامي‭ ‬عَلى‭ ‬قِطع‭ ‬مِن‭ ‬النَسيج‭ ‬المُختلفة‭ ‬ويُزخرفها‭ ‬بعض‭ ‬الكِتابات‭ ‬والآيات‭ ‬القرآنية‭ ‬مُنفذة‭ ‬بِالخُطوط‭ ‬المُتنوعة؛‭ ‬حيث‭ ‬كَانت‭ ‬قطع‭ ‬النَسيج‭ ‬خِلال‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامي‭ ‬يُنسج‭ ‬عَليها‭ ‬اسم‭ ‬الخَليفة‭ ‬بِإعتباره‭ ‬شَارة‭ ‬مِن‭ ‬شَارات‭ ‬الحُكم‭ ‬الثَلاثة،‭ ‬وَقَد‭ ‬تَميزت‭ ‬هَذه‭ ‬القَاعة‭ ‬بِوُجود‭ ‬تَماثيل‭ ‬مِن‭ ‬الشَمع‭ ‬تُوضح‭ ‬صُوراً‭ ‬مِن‭ ‬مَراحل‭ ‬إعداد‭ ‬النَسيج16‭.‬

وَفي‭ ‬عَصر‭ ‬الدَولة‭ ‬الفَاطمية‭ ‬اهتم‭ ‬الخُلفاء‭ ‬بِصنَاعة‭ ‬النَسيج‭ ‬اهتماماً‭ ‬كَبيراً،‭ ‬وَيَروي‭ ‬المَقريزي‭ ‬أَنّ‭ ‬دَار‭ ‬يَعقوب‭ ‬بِن‭ ‬كَلس‭ ‬وَزير‭ ‬الخَليفة‭ ‬العَزيز‭ ‬بِالله‭ ‬حُوّلت‭ ‬بَعده‭ ‬إلى‭ ‬مَصنع‭ ‬للنَسيج،‭ ‬وَصَارت‭ ‬تُعرف‭ ‬بِإسم‭ ‬دَار‭ ‬الدِيبَاج،‭ ‬وكَان‭ ‬لا‭ ‬يتولى‭ ‬وَظيفة‭ ‬صَاحب‭ ‬الطِراز‭ ‬إلا‭ ‬الأعيَان‭ ‬مِن‭ ‬أَربَاب‭ ‬العَمَائم‭ ‬وَالسيُوف17،‭ ‬وَقد‭ ‬عَمل‭ ‬الخَليفة‭ ‬المُعز‭ ‬لِدين‭ ‬الله‭ ‬دَاراً‭ ‬وَسمَاها‭ ‬دَار‭ ‬الكُسوة‭ ‬وَعُرفت‭ ‬بِخَزانة‭ ‬الكُسوة،‭ ‬وَكَان‭ ‬يُفصّل‭ ‬فِيها‭ ‬مِن‭ ‬جَميع‭ ‬أَنواع‭ ‬الثِياب‭ ‬وَالبزّ،‭ ‬وَيَكسو‭ ‬بِها‭ ‬النَاس‭ ‬عَلى‭ ‬اختلاف‭ ‬أصنافهم‭ ‬كُسوة‭ ‬الشِتاء‭ ‬وَالصَيف18‭.‬

وَكَان‭ ‬الدَافع‭ ‬وَرَاء‭ ‬التَنوع‭ ‬وَالثَراء‭ ‬فِي‭ ‬النَسيج؛‭ ‬هُو‭ ‬تَعدد‭ ‬المُناسبات‭ ‬الإجتماعية‭ ‬حَتّمت‭ ‬عَلى‭ ‬الخُلفاء‭ ‬الظُهور‭ ‬بِمَظهر‭ ‬لاَئق‭ ‬وَمُنَاسب‭ ‬وَمُتميز‭ ‬عَن‭ ‬غَيرهم‭ ‬فَكان‭ ‬هَذا‭ ‬دَافعاً‭ ‬لإنشاء‭ ‬دُور‭ ‬طِراز‭ ‬خَاصة‭ ‬بالخُلفاء‭ ‬لسَببين‭ ‬رَئيسين؛‭ ‬أَولاً‭ ‬لِسد‭ ‬احتياجات‭ ‬الخَليفة‭ ‬المُستمرة‭ ‬وَالكَثيرة،‭ ‬وَالثَاني‭ ‬مَنعًا‭ ‬للتَقليد‭ ‬الذي‭ ‬رُبما‭ ‬يَحدث‭ ‬فِيها‭ ‬فِيما‭ ‬لَو‭ ‬نُسجت‭ ‬مَلابس‭ ‬الخَليفة‭ ‬فِي‭ ‬مَصنع‭ ‬عَام‭ ‬يَنتج‭ ‬لِعَامة‭ ‬الناس‭ ‬أيضاً،‭ ‬كَما‭ ‬أن‭ ‬الفَاطميين‭ ‬اتخذوا‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬وَسيلة‭ ‬لتَحقيق‭ ‬أَغَراض‭ ‬سِيَاسية؛‭ ‬كَالإشادة‭ ‬بِمَركزهم‭ ‬الدِيني‭ ‬وَتَرسيخ‭ ‬هَذه‭ ‬الفِكرة‭ ‬فِي‭ ‬الأَذهان،‭ ‬وَلِذلك‭ ‬كَتبوا‭ ‬عِبارات‭ ‬خَاصة‭ ‬عَلى‭ ‬النَسيج‭ ‬لتَدعيم‭ ‬ذَلك،‭ ‬وَكَذلك‭ ‬للتَقرب‭ ‬مِن‭ ‬الشَعب‭ ‬المِصري،‭ ‬واستمالة‭ ‬قُلوب‭ ‬النَاس‭ ‬نَحو‭ ‬حُكمهم19‭.‬

وَهَكذا‭ ‬ظَلّت‭ ‬مَنسوجات‭ ‬مِصر‭ ‬مَوضع‭ ‬التَقدير‭ ‬وَمَضرب‭ ‬الأَمثال‭ ‬فِي‭ ‬الدِقة‭ ‬وَالرَوعة‭ ‬وَالجَمال،‭ ‬وَقَد‭ ‬اهتم‭ ‬بِها‭ ‬العَرب‭ ‬وَعَملوا‭ ‬عَلى‭ ‬الإستفادة‭ ‬مِن‭ ‬هَذا‭ ‬التُراث‭ ‬الفَني‭ ‬وَتَشجيعه‭ ‬حَتى‭ ‬ازدهرت‭ ‬صِنَاعة‭ ‬النَسيج‭ ‬فِي‭ ‬العَالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬عَامة‭ ‬وَمصر‭ ‬خَاصة،‭ ‬وَبَلغت‭ ‬مِن‭ ‬الكَمال‭ ‬وَالإتقان،‭ ‬وَمِن‭ ‬التَقاليد‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬كَان‭ ‬لَها‭ ‬أَكبر‭ ‬الأثر‭ ‬فِي‭ ‬ازدهار‭ ‬فَن‭ ‬النَسيج‭ ‬كُسوة‭ ‬الكَعبة‭ ‬التي‭ ‬يُقدسها‭ ‬العَرب‭ ‬قَبل‭ ‬الإسلام‭ ‬وَبعده،‭ ‬كَذلك‭ ‬كَان‭ ‬لِنظام‭ ‬مِنح‭ ‬الخَلع؛‭ ‬وَهَو‭ ‬تَقليد‭ ‬عَرفه‭ ‬مُعظم‭ ‬شُعوب‭ ‬العَالم‭ ‬القَديم،‭ ‬فَعَرفه‭ ‬المِصريون‭ ‬القُدماء‭ ‬كَما‭ ‬عَرفه‭ ‬الإيرانيون،‭ ‬وَهُناك‭ ‬نَاحية‭ ‬لَها‭ ‬أهميتها‭ ‬وَهي‭ ‬حُب‭ ‬العَرب‭ ‬لِلباس‭ ‬واقتنائهم‭ ‬الفَاخر‭ ‬مِنه،‭ ‬فَكَان‭ ‬ذَلك‭ ‬عَاملاً‭ ‬مِن‭ ‬عَوامل‭ ‬المُنافسة‭ ‬فِي‭ ‬الإبتكار‭ ‬والإتقان20‭.‬

كَما‭ ‬يَحتوي‭ ‬المُتحف‭ ‬عَلى‭ ‬جُزء‭ ‬خَاص‭ ‬بِالنَسيج‭ ‬المُستورد‭ ‬مِن‭ ‬عَديد‭ ‬مِن‭ ‬دُول‭ ‬العَالم‭ ‬مِثل‭ ‬إيران‭ (‬خَاصة‭ ‬الطِراز‭ ‬الإيراني‭ ‬الصَفوي‭)‬،‭ ‬وَالعِراق‭ ‬وَاليمن‭.‬

مَعروضات‭ ‬نَادرة‭ ‬تُؤرخ‭ ‬لِتُراث‭ ‬النَسيج‭ ‬وَالمَنسوُجات‭ ‬فِي‭ ‬مِصر‭: ‬يَشتمل‭ ‬المُتحف‭ ‬عَلى‭ ‬مَجموعة‭ ‬مِن‭ ‬القِطع‭ ‬النَادرة‭ ‬الرَائعة‭ ‬وَمنها؛

‭- ‬كُسوة‭ ‬الكَعبة‭ ‬المُشرفة‭:‬‭ ‬حَظيت‭ ‬مِصر‭ ‬بِشَرف‭ ‬صِناعة‭ ‬الكُسوة‭ ‬الشَريفة‭ ‬عَلى‭ ‬مَر‭ ‬العُصور،‭ ‬مُنذ‭ ‬العَصر‭ ‬الجَاهلي‭ ‬وعَلى‭ ‬مَر‭ ‬المَراحل‭ ‬التاريخية‭ ‬المُختلفة،‭ ‬نَتيجة‭ ‬لشُهرتها‭ ‬بِهَذه‭ ‬الصِناعة،‭ ‬وشكّلت‭ ‬هَذه‭ ‬الكُسوة‭ ‬رَمزاً‭ ‬سِياسياً‭ ‬وَعَسكرياً‭ ‬وَحَضارياً؛‭ ‬فَهي‭ ‬رَمز‭ ‬مِن‭ ‬رُموز‭ ‬السِيادة‭ ‬عَلى‭ ‬العَالمين‭ ‬العَربي‭ ‬وَالإسلامي،‭ ‬ولذلك‭ ‬سَعى‭ ‬السلاطين‭ ‬خَاصة‭ ‬المَماليك‭ ‬مُنذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬لإعتلائهم‭ ‬سُدة‭ ‬الحُكم‭ ‬فِي‭ ‬مِصرللحفاظ‭ ‬عَلى‭ ‬هَذا‭ ‬الشَرف‭ ‬العَظيم،‭ ‬كَما‭ ‬نَازعوا‭ ‬القُوى‭ ‬المُختلفة‭ ‬فِي‭ ‬سَبيل‭ ‬هَذا‭ ‬الشَرف‭ ‬الدِيني‭ ‬المُغلف‭ ‬بِالسيِادة‭ ‬السِياسية‭ ‬وَالعَسكرية‭ ‬وَالحَضارية21،‭ ‬وَكَان‭ ‬لها‭ ‬مَقر‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭ (‬دار‭ ‬كسوة‭ ‬الكعبة‭)‬،‭ ‬وَظَل‭ ‬مَكانها‭ ‬فِي‭ ‬مِصر‭ ‬مُنذ‭ ‬عَصر‭ ‬الخليفة‭ ‬عُمر‭ ‬بن‭ ‬الخَطاب‭ ‬حتى‭ ‬عَام‭ ‬1963م‭ ‬بِحَي‭ ‬الخُرنفش22؛‭ ‬وَهِي‭ ‬إحدى‭ ‬بُيوت‭ ‬الأٌمراء‭ ‬المِصريين،‭ ‬وَالتي‭ ‬جَعلها‭ ‬مُحمد‭ ‬عَلي‭ ‬وَرشة‭ ‬وَشرَع‭ ‬فِي‭ ‬عِمارتها‭ ‬كَما‭ ‬يَقول‭ ‬الجَبرتي‭ ‬فِي‭ ‬شَهر‭ ‬ذي‭ ‬الحِجة‭ ‬سنة‭ ‬1233هـ،‭ ‬وَقد‭ ‬بَقيت‭ ‬هَذه‭ ‬الوَرشة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬تِذكاراً‭ ‬لِنَسج‭ ‬القَاهرة‭ ‬لِكسوة‭ ‬الكَعبة‭ ‬وَزَخرفتها23‭.‬

وَكَانت‭ ‬الكُسوة‭ ‬تَخرج‭ ‬فِي‭ ‬احتفال‭ ‬رسمي‭ ‬كَان‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭(‬المَحمل‭ ‬المِصري‭)‬؛‭ ‬وَهُو‭ ‬عِبارة‭ ‬عَن‭ ‬مَوكب‭ ‬سَنوي‭ ‬يَخرج‭ ‬مِن‭ ‬مصر‭ ‬ويَحضره‭ ‬الخديوي‭ ‬ورموز‭ ‬الحُكم‭ ‬بصحبة‭ ‬شَيخ‭ ‬الأزهر‭ ‬ووفد‭ ‬مِن‭ ‬الأوقاف‭ ‬وَالطُرق‭ ‬الصُوفية‭ ‬مِع‭ ‬إطلاق‭ ‬21‭ ‬طَلقة‭ ‬مَدفع‭ ‬فِي‭ ‬الإستقبال‭ ‬والتَوديع24‭.‬

وَيُخصص‭ ‬المُتحف‭ ‬قَاعة‭ ‬خَاصة‭ ‬بـ‭ ‬الدور‭ ‬الأول‭ ‬رقم‭ (‬9‭) ‬لِكُسوة‭ ‬الكَعبة،‭ ‬وَبِها‭ ‬آخر‭ ‬كُسوة‭ ‬أُرسلت‭ ‬مِن‭ ‬مِصر‭ ‬عَام1356هـ؛‭ ‬وَهِي‭ ‬عِبارة‭ ‬عَن‭ ‬حِزام‭ ‬مِن‭ ‬كُسوة‭ ‬الكَعبة‭ ‬المَشرّفة‭ ‬مُستطيل‭ ‬الشَكل‭ ‬مِن‭ ‬الحَرير‭ ‬عَليه‭ ‬كِتابَات‭ ‬مُطرزة‭ ‬بِخُيوط‭ ‬الفِضة‭ ‬نَصها‭ (‬صُنعت‭ ‬هَذه‭ ‬الكُسوة‭ ‬بِأمر‭ ‬المُتوكل‭ ‬عَلى‭ ‬الله‭ ‬فَاروق‭ ‬الأول‭ ‬مَلك‭ ‬مِصر‭ ‬أُهديت‭ ‬إلى‭ ‬الكَعبة‭ ‬المَشّرفة‭ ‬فِى‭ ‬عَهد‭ ‬خَادم‭ ‬الحَرمين‭ ‬الشَريفين‭ ‬عَبد‭ ‬العَزيز‭ ‬آل‭ ‬سعُود‭ ‬مَلك‭ ‬المَملكة‭ ‬العَربية‭ ‬السُعودية‭)‬،‭ ‬كََما‭ ‬تُوجد‭ ‬قِطعة‭ ‬رَائعة‭ ‬مِن‭ (‬سِتارة‭ ‬بَاب‭ ‬التوبة‭)‬؛‭ ‬وهو‭ ‬الباب‭ ‬الداخلى‭ ‬للكعبة‭ ‬مُستطيلة‭ ‬الشَكل،‭ ‬وَعَليها‭ ‬زَخارف‭ ‬نَباتية،‭ ‬وَكِتابات‭ ‬قُرآنية‭ ‬مُطرزة‭ ‬بِخُيوط‭ ‬فِضية‭ ‬بأسلوب‭ (‬السِيرما‭)‬25‭.‬

‭- ‬مِصر‭ ‬الفِرعونية‭ ‬هِي‭ ‬المَنبع‭ ‬لتَصاميم‭ ‬المُوضة‭ ‬بِالغَرب؛‭ ‬فَالعَصر‭ ‬الفِرعوني‭ ‬مَليء‭ ‬بِالإكتشافات‭ ‬المُبهرة‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬جَمال‭ ‬مِصر‭ ‬القَديمة‭ ‬وسَبقها،‭ ‬وَمَهارة‭ ‬وإبداع‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬فِي‭ ‬صُنع‭ ‬المَنسوجات‭ ‬المُختلفة‭ ‬وَدِقة‭ ‬تَفاصيلها‭ ‬وَألوانها‭ ‬وَطِباعتها‭ ‬وَالتي‭ ‬اقتبس‭ ‬مِنها‭ ‬الغَرب،‭ ‬وَمِن‭ ‬أمثلة‭ ‬ذَلك‭ ‬مَايَلي‭:‬

‭- ‬قُفاز‭ ‬لِسيدة‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان‭ ‬حَتى‭ ‬المِرفق‭ ‬مَفتوح‭ ‬الإصبع‭ ‬مَحفوظ‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ (‬1‭)‬؛‭ ‬يَكشف‭ ‬هَذا‭ ‬القُفاز‭ ‬أن‭ ‬تِلك‭ ‬المُوضة‭ ‬مَوجودة‭ ‬لَدى‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬مُنذ‭ ‬القِدم‭ ‬وَالتي‭ ‬عَادت‭ ‬مِن‭ ‬جَديد‭ ‬فِي‭ ‬فَترة‭ ‬الخَمسينيات‭ ‬وَالسِتينيات،‭ ‬وَكَانت‭ ‬تَرتَديها‭ ‬مَلكات‭ ‬بِريطانيا‭ ‬وَسَيدات‭ ‬المُجتمع‭ ‬بِإعتبارها‭ ‬شَيء‭ ‬رَاقى‭ ‬مُخصص‭ ‬لَهم،‭ ‬فَتُثبت‭ ‬هَذه‭ ‬القِطعة‭ ‬أَنّ‭ ‬النِساء‭ ‬في‭ ‬مِصر‭ ‬القَديمة‭ ‬كَان‭ ‬هَذا‭ ‬رِدائُها‭ ‬وَمِن‭ ‬صُنع‭ ‬الحضارة‭ ‬المِصرية‭ ‬وَلَيس‭ ‬ابتكار‭ ‬غَربي‭.‬

‭-‬‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬وَالمَغاسل‭ ‬العُمومية‭ ‬laundry‭: ‬عَرف‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬فِكرة‭ ‬المَغاسل‭ ‬العُمومية‭ ‬لغَسل‭ ‬المَلابس‭ ‬وَالمَنسوجات‭ ‬المُختلفة‭ ‬قَبل‭ ‬الغَرب،‭ ‬وَكَان‭ ‬هُناك‭ ‬مَغاسل‭ ‬خَاصة‭ ‬بِالمُلوك‭ ‬وَأُخرى‭ ‬لِلعَامة؛‭ ‬تِلك‭ ‬الأَماكن‭ ‬التي‭ ‬تَدل‭ ‬عَلى‭ ‬أسبقية‭ ‬الحَضارة‭ ‬المِصرية‭ ‬القَديمة‭ ‬وَفَضلِها‭ ‬عَلى‭ ‬الحَضارة‭ ‬الغَربية،‭ ‬كَما‭ ‬أَنّ‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬هُو‭ ‬أول‭ ‬مَنْ‭ ‬استخدم‭ ‬مَساحيق‭ ‬الغَسيل‭ ‬والتي‭ ‬كَان‭ ‬يُصنعها‭ ‬مِن‭ ‬النَباتات‭ ‬وَخَلطات‭ ‬مِن‭ ‬الزُيوت‭ ‬الطَبيعية‭.‬

‭- ‬فَيُوجد‭ ‬بِقَاعة‭ (‬1‭) ‬شَقفة‭ ‬مِن‭ ‬الفُخار‭ ‬كَانت‭ ‬بِمَثابة‭ ‬إيصال‭ ‬استلام‭ ‬المَلابس‭ ‬قَديماً؛‭ ‬فَكَان‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬يَكتب‭ ‬بِلُغته‭ ‬مَا‭ ‬تَمّ‭ ‬استلامه،‭ ‬أمّا‭ ‬العَامل‭ ‬بالمَغسلة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يَستطيع‭ ‬القِراءة‭ ‬يَقوم‭ ‬برسم‭ ‬المَلابس‭ ‬وَوَضع‭ ‬نِقاط‭ ‬لتَحديد‭ ‬عَدد‭ ‬مَا‭ ‬تَمّ‭ ‬استلامه‭.‬

‭- ‬الفَراعنة‭ ‬أَول‭ ‬مَنْ‭ ‬كَتبوا‭ ‬اسم‭ ‬الصَانع‭ ‬أو‭ ‬الوَرشة‭ ‬عَلى‭ ‬مَلابسهم؛‭ ‬وَيُعتبر‭ ‬المِصريون‭ ‬القٌدماء‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬سجّلوا‭ ‬اسم‭ ‬الصَانع‭ ‬عَلى‭ ‬مَلابسهم‭ ‬كَنوع‭ ‬مِن‭ ‬أنواع‭ ‬العِزة‭ ‬وَالفَخر‭ ‬للشَخص‭ ‬الذي‭ ‬يُريد‭ ‬أن‭ ‬يُوضح‭ ‬أنه‭ ‬يَرتدي‭ ‬مِن‭ ‬الصَانع‭ ‬هَذا‭ ‬أو‭ ‬الوَرشة؛‭ ‬تِلك‭ ‬المُوضة‭ ‬التي‭ ‬تَقوم‭ ‬بِها‭ ‬بُيوت‭ ‬الأزياء‭ ‬العَالمية‭ ‬وَالمَتاجر‭ ‬الشَهيرة‭ ‬الآن‭.‬

‭- ‬غِيارات‭ ‬الأطفال‭ ‬ابتكار‭ ‬فُرعوني؛‭ ‬كَما‭ ‬تَميز‭ ‬المِصري‭ ‬القَديم‭ ‬بِاستخدام‭ ‬غِيارات‭ ‬الأطفال‭(‬الحفّاظات‭) ‬المَصنوعة‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان‭ ‬مُثلثة‭ ‬الشَكل‭ ‬وَبِجوارها‭ ‬الحَقيبة‭ ‬التي‭ ‬كَانت‭ ‬تَحتفظ‭ ‬فِيها‭ ‬الأُمهات‭ ‬بِالغِيارات‭.‬

‭- ‬وَمِن‭ ‬أهم‭ ‬قِطع‭ ‬المُتحف‭ ‬مِئزر‭ ‬يَرجع‭ ‬لعَصر‭ ‬المَلك‭ ‬تُوت‭ ‬عَنخ‭ ‬آمون؛‭ ‬وَهِى‭ ‬قِطعة‭ ‬مِن‭ ‬الكِتان‭ ‬طُولها‭ ‬90سم،‭ ‬وَعَرضها‭ ‬100سم‭ ‬وُجدت‭ ‬بِمَقبرة‭ ‬تُوت‭ ‬عَنخ‭ ‬آَمون‭ ‬فِى‭ ‬وَادى‭ ‬المُلوك‭ ‬بِالأقصر‭.‬

‭- ‬الآلآت‭ ‬وَالأدوات‭ ‬التي‭ ‬كَانت‭ ‬تُستخدم‭ ‬فِي‭ ‬عَمليتي‭ ‬الغَزل‭ ‬وَالنَسيج؛‭ ‬يَعرض‭ ‬المُتحف‭ ‬عَددا‭ ‬مِن‭ ‬الأَدوات‭ ‬الصِناعية‭ ‬الأَثرية‭ ‬التِي‭ ‬كَانت‭ ‬مُستخدمة‭ ‬فِي‭ ‬عَمليتي‭ ‬الغَزل‭ ‬وَالنَسج‭ ‬مِنها؛‭ ‬الإبر،‭ ‬المَكوكات،‭ ‬المَغازل،‭ ‬الكُستبانات،‭ ‬البَكر،‭ ‬أمشاط‭ ‬النَسج،‭ ‬وَهَذه‭ ‬الأدوات‭ ‬مَصنوعة‭ ‬مِن‭ ‬مَواد‭ ‬مُختلفة‭ ‬مِثل‭ ‬الخَشب،‭ ‬المَعدن،‭ ‬الفُخار،‭ ‬كَما‭ ‬تُوجد‭ ‬قَوالب‭ ‬خَشبية‭ ‬للطِباعة‭ ‬عَلى‭ ‬النَسيج‭. ‬

المُتحف‭ ‬وَوَسائل‭ ‬العَرض‭ ‬الحَديثة‭: ‬يَتميز‭ ‬المُتحف‭ ‬بِاستخدامه‭ ‬العَديد‭ ‬مِن‭ ‬وَسائل‭ ‬العَرض‭ ‬الحَديثة‭ ‬وَقَد‭ ‬استعان‭ ‬بأسلوب‭ ‬الجَرافيك؛‭ ‬وَهُو‭ ‬عِبارة‭ ‬عَن‭ ‬صُور‭ ‬مُوضحة‭ ‬لكل‭ ‬عَصر‭ ‬مَع‭ ‬شَرح‭ ‬لِها،‭ ‬وَمِن‭ ‬أشهر‭ ‬طُرق‭ ‬العَرض‭ ‬بِالمُتحف‭ ‬أسلوب‭ ‬الدِيوراما26؛‭ ‬وَهِى‭ ‬عِبارة‭ ‬عَن‭ ‬تَماثيل‭ ‬مِن‭ ‬الشَمع‭ ‬تُوضح‭ ‬كَيفية‭ ‬صُنع‭ ‬النَسيج‭ ‬وَشَكل‭ ‬النُول‭ ‬وَالمَغزل،‭ ‬كَما‭ ‬يُوجد‭ ‬نَماذج‭ ‬كَاملة‭ ‬لِوُرش‭ ‬صِناعة‭ ‬النَسيج‭ ‬وَطُرق‭ ‬الصِناعة‭ ‬وَالأَدوات‭ ‬المُستخدمة‭ ‬والتي‭ ‬تَرجع‭ ‬للعُصور‭ ‬التَاريخية‭ ‬المُختلفة‭.‬

المُتحف‭ ‬أنموذجاً‭ ‬في‭ ‬الحِفاظ‭ ‬عِلى‭ ‬الهِوية‭ ‬وِالمِوروث‭ ‬وَدَليلاً‭ ‬عَلى‭ ‬تَرابط‭ ‬المِصريين‭ ‬فِي‭ ‬نَسيج‭ ‬وَاحد‭ ‬وَلُحمة‭ ‬وَاحدة‭: ‬يُقدم‭ ‬لَنا‭ ‬المُتحف‭ ‬نَموذجاً‭ ‬للحِفاظ‭ ‬عَلى‭ ‬النُراث‭ ‬الحَضاري‭ ‬وَالمَوروث‭ ‬الثَقافي‭ ‬لِلحَضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬مِن‭ ‬خِلال‭ ‬قِطع‭ ‬النَسيج‭ ‬التي‭ ‬تَحكي‭ ‬لَنا‭ ‬التَاريخ‭ ‬مِن‭ ‬خِلال‭ ‬الكِتابات‭ ‬وَالزَخارف‭ ‬المَوجودة‭ ‬عَليها‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬جُزء‭ ‬لا‭ ‬يَتجزأ‭ ‬منه،‭ ‬كَما‭ ‬يَعكس‭ ‬المُتحف‭ ‬نَظرية‭ ‬مُهمة‭ ‬وَهِي‭ ‬التَأثير‭ ‬وَالتَأثر‭ ‬وَأَنّ‭ ‬الفُنون‭ ‬قَائمة‭ ‬عَلى‭ ‬بَعضها‭ ‬البَعض؛‭ ‬فنجد‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الوحدات‭ ‬الزُخرفية‭ ‬المَوجودة‭ ‬فِى‭ ‬النَسيج‭ ‬المِصرى‭ ‬كَزَهرة‭ ‬اللُوتس‭ ‬مَثلاً‭ ‬ظَهرت‭ ‬مُنذ‭ ‬الدَولة‭ ‬الفِرعونية‭ ‬حَتى‭ ‬أَسرة‭ ‬مُحمد‭ ‬عَلي‭ ‬بَاشا،‭ ‬وَمُروراً‭ ‬بِالعَصر‭ ‬اليُونانى‭ ‬وَالرُومانى‭ ‬وَالقِبطى‭ ‬وَالإسلامى،‭ ‬وَهُو‭ ‬مَا‭ ‬يُؤكد‭ ‬استمرارية‭ ‬الحضِارة‭ ‬المِصرية،‭ ‬وَيُثبت‭ ‬أَنّ‭ ‬الحّضارة‭ ‬المِصرية‭ ‬مُنذ‭ ‬نَشأتها‭ ‬وَحَتى‭ ‬الآن‭ ‬نَسيج‭ ‬وَاحد‭.‬

الرّحَالة‭ ‬وَالمُستشرقون‭ ‬وَإعجابهم‭ ‬بَالمَنسوجات‭ ‬الشَرقية‭: ‬كَانت‭ ‬المُنسوجات‭ ‬الشَرقية‭ ‬بِأنواعها‭ ‬المُختلفة‭ ‬مَحط‭ ‬إعجاب‭ ‬المُستشرقين‭ ‬مِن‭ ‬مُؤرخي‭ ‬الحَضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وَالرّحالة،‭ ‬فَألفوا‭ ‬كُتباً‭ ‬مُتخصصة‭ ‬عَن‭ ‬المَلابس‭ ‬وَالمَنسوجات‭ ‬العَربية‭ ‬وَمن‭ ‬أمثلتها؛‭ ‬كِتاب‭ (‬المُعجم‭ ‬المُفصّل‭ ‬بأسماء‭ ‬المَلابس‭ ‬العَربية‭) ‬للمُستشرق‭ ‬الهُولندي‭ ‬رِينهات‭ ‬دُوزي،‭ ‬وَقَد‭ ‬نَشره‭ ‬سَنة‭ ‬1843م،‭ ‬كَما‭ ‬نَشر‭ ‬الأستاذ‭ ‬النِمساوي‭ ‬ماير‭ ‬كِتاباً‭ ‬بِعنوان‭ (‬المَلابس‭ ‬المَملوكية‭) ‬سنة‭ ‬1952م،‭ ‬وَنَشر‭ ‬الأستاذ‭ ‬‭(‬سِيرجينت‭) ‬مَقالات‭ ‬مُتعددة‭ ‬عِنونها‭ (‬مَواد‭ ‬لدراسة‭ ‬المَنسوجات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العُصور‭ ‬الوُسطى‭).‬

كَما‭ ‬أُعجب‭ ‬الرَحالة‭ ‬بِالمَنسوجات‭ ‬الإِسلامية‭ ‬وَكَتبوا‭ ‬في‭ ‬مُذكراتهم‭ ‬عَن‭ ‬أنواعها‭ ‬وَطُرق‭ ‬صِناعتها؛‭ ‬فَمَثلاً‭ ‬الرّحَالة‭ ‬الفَارسي‭ ‬نَاصر‭ ‬خِسرو‭ ‬وَالذي‭ ‬زَار‭ ‬القَاهرة‭ ‬فِي‭ ‬العَصر‭ ‬الفَاطمي‭ ‬تَحدّث‭ ‬عَن‭ ‬أنواع‭ ‬الأَقمشة‭ ‬التي‭ ‬شَاهدها‭ ‬وَأشَار‭ ‬إلى‭ ‬نَسيج‭ ‬القَصب‭ ‬المُلون‭ ‬الذي‭ ‬تُصنع‭ ‬مِنه‭ ‬العَمائم‭ ‬وَالطَواقي‭ ‬وَمَلابس‭ ‬النِساء،‭ ‬وَذَكر‭ ‬أنه‭ ‬لايُنسج‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مَكان‭ ‬آخر‭ ‬قَصب‭ ‬يُوازيه‭ ‬فِي‭ ‬الجَودة‭ ‬وَالجَمال،‭ ‬كَما‭ ‬أُعجب‭ ‬نَاصر‭ ‬خِسرو‭ ‬كُل‭ ‬الإعجاب‭ ‬بِمَهارة‭ ‬النَساجين‭ ‬الذين‭ ‬كَانوا‭ ‬يَشتغلون‭ ‬فِي‭ ‬المَصانع‭ ‬السُلطانية،‭ ‬وَكَتب‭ ‬أن‭ ‬تَنيس‭ ‬كَان‭ ‬يُنسج‭ ‬فِيها‭ ‬دُون‭ ‬غَيرها‭ ‬مِن‭ ‬بِلاد‭ ‬العَالم‭ ‬قُماش‭ ‬البُوقلمون‭ ‬الذي‭ ‬يَتغير‭ ‬لَونه‭ ‬بِإختلاف‭ ‬سَاعات‭ ‬النَهار،‭ ‬وَيُصدره‭ ‬المِصريون‭ ‬إلى‭ ‬بِلاد‭ ‬الشَرق‭ ‬وَالغَرب27‭.‬

وانتشرت‭ ‬أسواق‭ ‬بَيع‭ ‬المَنسوجات‭ ‬بِأنواعها‭ ‬المُختلفة‭ ‬والسجاد‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬مَدينة‭ ‬القَاهرة‭ ‬كَسُوق‭ ‬الغُورية؛‭ ‬والتي‭ ‬كَانت‭ ‬مَحط‭ ‬إعجاب‭ ‬العَديد‭ ‬مِن‭ ‬المُستشرقين‭ ‬وَالرّحالة‭ ‬وَقَد‭ ‬رَسموا‭ ‬كُل‭ ‬مَايَدور‭ ‬فِي‭ ‬هَذه‭ ‬الأسواق‭ ‬وَبَقيت‭ ‬لَوُحاتهم‭ ‬وَتَصاويرهم‭ ‬الرَائعة‭ ‬شَاهداً‭ ‬عَلى‭ ‬عَظمة‭ ‬الحَضارة‭ ‬العَربية‭ ‬فِي‭ ‬بِلاد‭ ‬الشَرق‭ ‬بِصفة‭ ‬عَامة،‭ ‬وَمِصر‭ ‬بِصفة‭ ‬خَاصة‭ ‬وَمَدى‭ ‬شُهرتها‭ ‬العَالمية‭ ‬فِي‭ ‬صِناعة‭ ‬المَنسوجات‭ ‬بِأشكالها‭ ‬المُختلفة،‭ ‬وَكَان‭ ‬بَائع‭ ‬السِجاد‭ ‬مِن‭ ‬الشَخصيات‭ ‬التى‭ ‬حَظيت‭ ‬بِإهتمام‭ ‬الرَسامين‭ ‬المُستشرقين،‭ ‬وَمِن‭ ‬أشهر‭ ‬المُستشرقين‭ ‬الذين‭ ‬رَسموا‭ ‬تِلك‭ ‬اللُوحات‭ ‬الرَسام‭ ‬الإيطالي‭ ‬فَابيو‭ ‬فَابى،‭ ‬وَالفَنان‭ ‬البِريطانى‭ ‬شَارلز‭ ‬رُوبرتسن‭ ‬وَالفَنان‭ ‬جان‭ ‬ليون‭ ‬جِيروم‭ ‬وَغَيرهم28‭.‬

وَخُلاصة‭ ‬القَول،‭ ‬فإن‭ ‬للنسيج‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬التاريخية‭ ‬وبفضله‭ ‬وصلت‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الاسلامية‭ ‬الي‭ ‬أوج‭ ‬عظمتها29‭ ‬وتَمتلئ‭ ‬مَتاحف‭ ‬أوربا‭ ‬وأمريكا‭ ‬بِقطع‭ ‬كَثيرة‭ ‬مِن‭ ‬المَنسوجات‭ ‬العَربية‭ ‬عَبر‭ ‬العُصور‭ ‬التَاريخية‭ ‬وَتَقف‭ ‬شَاهداً‭ ‬عَلى‭ ‬عَالمية‭ ‬الحَضارة‭ ‬العَربية،‭ ‬وَيُمثل‭ ‬مُتحف‭ ‬النَسيج‭ ‬بالقَاهرة‭ ‬مُؤسسة‭ ‬ثَقافية‭ ‬عِلمية‭ ‬وَتَعليمية‭ ‬وَتَرفيهية،‭ ‬وَتُعقد‭ ‬بالمُتحف‭ ‬نَدوات‭ ‬ومحاضرات،‭ ‬وَشَرح‭ ‬وَتعريف‭ ‬بِشَكل‭ ‬دَائم‭ ‬لزُوار‭ ‬المتحف،‭ ‬كَما‭ ‬يُقدم‭ ‬أنشطة‭ ‬في‭ ‬مُختلف‭ ‬المُناسبات‭ ‬سَواء‭ ‬الدِينية‭ ‬أو‭ ‬الإجتماعية،‭ ‬كَما‭ ‬تُعقد‭ ‬بِه‭ ‬النَدوات‭ ‬التُراثية‭ ‬وَمُساعدة‭ ‬أَصحاب‭ ‬المِهن‭ ‬التُراثية‭.‬