اللغة العدد
عادل مقديش: قراءة تشكيلية معاصرة للقصص والأساطير الشعبية التونسية والعربية
عادل مقديش: قراءة تشكيلية معاصرة للقصص والأساطير الشعبية التونسية والعربية
العدد 47 - ثقافة مادية

 

د‭.‬منذر‭ ‬مطيبع‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

 

تُجمع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬السوسيولوجية‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬خصوصيات‭ ‬المجتمعات‭ ‬ومدى‭ ‬وعيها‭ ‬ومساهمتها‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها،‭ ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬الملاذ‭ ‬لفهم‭ ‬حاضر‭ ‬ومستقبل‭ ‬الشعوب‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬والمدخل‭ ‬لفهم‭ ‬مجموعة‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬نعتبرها‭ ‬وليدة‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭. ‬وقد‭ ‬بان‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬لدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬أولوها‭ ‬اهتماما‭ ‬كبيرا،‭ ‬حيث‭ ‬ظهرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬الالكترونية‭ ‬والمجلات‭ ‬والكتب‭ ‬المخصصة‭ ‬لهذا‭ ‬الموروث‭ ‬الهام‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الإصدارات‭ ‬مجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬ذراعيها‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي‭ ‬والعالمي،‭ ‬وذلك‭ ‬إيمانا‭ ‬منها‭ ‬بمدى‭ ‬ترابط‭ ‬الثقافات‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي‭ ‬خاصة،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الاختلافات‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الخصوصيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والجغرافية‭ ‬والحضارية‭. ‬فقد‭ ‬سكنت‭ ‬الذاكرة‭ ‬العربية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬والسير‭ ‬والملاحم‭ ‬والأساطير‭ ‬المشتركة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬أسطورة‭ ‬عنترة‭ ‬وعبلة،‭ ‬والجازية‭ ‬الهلالية‭ ‬والعنقاء‭ ‬وملكة‭ ‬سبأ‭ ‬وعلّيسة‭ ‬وغيرها‭.‬

وحظيت‭ ‬هذه‭ ‬السير‭ ‬والأساطير‭ ‬الشعبية‭ ‬باهتمام‭ ‬الشاعر‭ ‬والمصور‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬حولها‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬فنية‭ ‬قابلة‭ ‬للانتشار‭ ‬والديمومة،‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬رسامين‭ ‬لم‭ ‬يوقعوا‭ ‬على‭ ‬أعمالهم،‭ ‬بل‭ ‬أرفقوا‭ ‬أعمالهم‭ ‬بكتابات‭ ‬تحدد‭ ‬هوية‭ ‬الصورة‭ ‬وهوية‭ ‬مختلف‭ ‬الشخصيات‭ ‬المكونة‭ ‬لها‭. 

لفتت‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬والحكايات‭ ‬اهتمام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين،‭ ‬حيث‭ ‬عاود‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬السير‭ ‬والأساطير‭ ‬الشعبية‭ ‬بلغة‭ ‬تشكيلية‭ ‬جديدة،‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬طريقته‭ ‬وحسب‭ ‬خصوصياته‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬بهدف‭ ‬إيجاد‭ ‬حلقة‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬تراث‭ ‬غني‭ ‬وتعابير‭ ‬تشكيلية‭ ‬معاصرة،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬الآغا‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬تحت‭ ‬الزجاج‭ ‬التراثية‭ ‬محورا‭ ‬لأعماله‭ ‬وإبراهيم‭ ‬الضحاك‭ ‬الذي‭ ‬أهتم‭ ‬برسم‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية،‭ ‬َإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬الذي‭ ‬اخترنا‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬أعماله‭ ‬نظرا‭ ‬لارتباط‭ ‬تجربته‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬بالموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬التونسي‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬تنوع‭ ‬وخصوصية،‭ ‬بسبب‭ ‬تعاقب‭ ‬أهم‭ ‬الحضارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬الحضارة‭ ‬الفينيقية‭ ‬والرومانية‭ ‬والبيزنطية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬والعثمانية‭ ‬ثم‭ ‬الفرنسية‭ ‬عند‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬

هذا‭ ‬المزيج‭ ‬والتنوع‭ ‬الحضاري‭ ‬مثّل‭ ‬مادة‭ ‬خصبة‭ ‬للاستلهام‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬حيث‭ ‬نهل‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأحداث‭ ‬والوقائع‭ ‬والأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬ليقدم‭ ‬رؤيته‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬تمليه‭ ‬عليه‭ ‬الريشة‭ ‬والألوان‭. ‬فقد‭ ‬نهل‭ ‬من‭ ‬أسطورة‭ ‬الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬اعليسةب‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بتأسيس‭ ‬مدينة‭ ‬قرطاج‭ ‬سنة‭ ‬814‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬ومن‭ ‬أسطورة‭ ‬عنترة‭ ‬ابن‭ ‬شداد‭ ‬وحبيبته‭ ‬عبلة،‭ ‬وسيرة‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬ليقدم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التشكيلية‭ ‬التي‭ ‬نحاول‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬فك‭ ‬رموزها‭ ‬وأبعادها‭ ‬الجمالية‭ ‬والفكرية‭. 

إن‭ ‬اهتمام‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬بالموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬بحوثه‭ ‬التشكيلة‭ ‬التي‭ ‬تستقي‭ ‬مرجعياتها‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬وجده‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬تداخلات‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والخيالي‭. ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬لمحاوره‭ ‬فــي‭ ‬إحدى‭ ‬معارضه‭ ‬بالمركز‭ ‬الثــقافي‭ ‬الفرنسي‭ ‬بالرباط‭: ‬اأنطلــق‭ ‬في‭ ‬رسوماتي‭ ‬من‭ ‬مثيولوجيات‭ ‬ومن‭ ‬أساطير‭ ‬شعبيـة‭ ‬ومن‭ ‬خرافات‭ ‬الطفولة‭ ‬ومن‭ ‬الـلاوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬ومن‭ ‬فزع‭ ‬التمزق‭ ‬الذاتي‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والواقع‭ ‬وبين‭ ‬التقسيم‭ ‬الزمني‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتوحيدها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬واحد‭. ‬حيث‭ ‬تلتحـم‭ ‬كل‭ ‬مقومـات‭ ‬ومــدارك‭ ‬الــذات‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬الديناميكي‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬المتحركب1‭ ‬فكيف‭ ‬تمكّن‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬كشف‭ ‬اللاوعي‭ ‬الجماعي؟‭ ‬وكيف‭ ‬عالج‭ ‬تشكيليا‭ ‬فزع‭ ‬التمزق‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والواقع‭ ‬وكيف‭ ‬وحّد‭ ‬التقسيم‭ ‬الزمني‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سرده‭ ‬لحكايات‭ ‬الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬وعنترة‭ ‬ابن‭ ‬شداد‭ ‬والكاهنة‭ ‬البربرية‭ ‬والسيرة‭ ‬الهلالية؟

 

‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬البطل‭ ‬الأسطوري

مثّلت‭ ‬أسطورة‭ ‬البطل‭ ‬العربي‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬أحد‭ ‬أقدم‭ ‬المحاور‭ ‬التي‭ ‬اهتم‭ ‬فيها‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬بالموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬رصدنا‭ ‬له‭ ‬عمل‭ ‬أنجزه‭ ‬سنة‭ ‬1979،‭ ‬بتقنية‭ ‬الغواش،‭ ‬رسم‭ ‬فيه‭ ‬شخصية‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬بن‭ ‬قراد‭ ‬العبسي‭ (‬525م‭ - ‬608م‭) ‬الذي‭ ‬صُنّف‭ ‬كأحد‭ ‬أشهر‭ ‬شعراء‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬حيث‭ ‬عُرف‭ ‬بغزله‭ ‬العفيف‭ ‬بعبلة‭ ‬ابنة‭ ‬عمه،‭ ‬وببطولاته‭ ‬التي‭ ‬جعلته‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الفرسان‭ ‬العرب‭. ‬ولد‭ ‬من‭ ‬أم‭ ‬حبشية‭ ‬حظيت‭ ‬بإعجاب‭ ‬شداد‭ ‬فأنجب‭ ‬منها‭ ‬عنترة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حتّم‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عبداً،‭ ‬لأن‭ ‬العرب‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬ببني‭ ‬الإماء‭. ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬جعلته‭ ‬يذوق‭ ‬مرارة‭ ‬الحرمان‭ ‬ومهانة‭ ‬الأهل‭ ‬لأن‭ ‬أباه‭ ‬لم‭ ‬يلحقه‭ ‬بنسبه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أبوه‭ ‬هو‭ ‬سيده،‭ ‬يعاقبه‭ ‬أشد‭ ‬العقاب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقترفه‭ ‬من‭ ‬ذنوب،‭ ‬وقد‭ ‬حظي‭ ‬بالحرية‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬بعدما‭ ‬سجّل‭ ‬انتصارات‭ ‬وبطولات‭ ‬أثناء‭ ‬دفاعه‭ ‬عن‭ ‬قبيلته‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬القبائل‭ ‬الأخرى‭. ‬وعندما‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬عمه‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬ابنته‭ ‬رفض‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حرّك‭ ‬لديه‭ ‬قريحة‭ ‬الشعر‭ ‬بنظمه‭ ‬مجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأشعار‭ ‬التي‭ ‬عبّر‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬حبه‭ ‬الشديد‭ ‬واشتياقه‭ ‬لحبيبته‭. ‬وقد‭ ‬جسّد‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬هذا‭ ‬الفيض‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬والأحاسيس‭ ‬والبطولات‭ ‬التي‭ ‬لامست‭ ‬الحب‭ ‬والحرب‭ ‬وإرادة‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬العبودية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رسمه‭ ‬رجلا‭ ‬يمثل‭ ‬شخصية‭ ‬عنترة‭ ‬ويمسك‭ ‬بيده‭ ‬اليسرى‭ ‬سيفا‭ ‬كبيرا‭ ‬ثنائي‭ ‬الرأس،‭ ‬ورسم‭ ‬وراءه‭ ‬حصانا‭ ‬تمتطيه‭ ‬امرأة‭ ‬تمثل‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬شخصية‭ ‬حبيبته‭ ‬عبلة‭. ‬وأضفى‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬بعدا‭ ‬أسطوريا‭ ‬هلاميا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجاوزه‭ ‬لقواعد‭ ‬الرسم‭ ‬الواقعي‭ ‬الذي‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النقاط‭. ‬فقد‭ ‬جعل‭ ‬عبلة‭ ‬تمتطي‭ ‬الحصان‭ ‬بطريقة‭ ‬مغايرة‭ ‬للمألوف،‭ ‬وجعل‭ ‬مكونات‭ ‬جسدها‭ ‬تترابط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بطريقة‭ ‬مغايرة‭. ‬فقد‭ ‬اتخذت‭ ‬وضعية‭ ‬جبهية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الوجه‭ ‬والصدر‭ ‬تقابلها‭ ‬وضعية‭ ‬خلفية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الأرداف‭. ‬كما‭ ‬سجل‭ ‬حضور‭ ‬وجه‭ ‬عنترة‭ ‬حضورا‭ ‬مزدوجا،‭ ‬حيث‭ ‬بان‭ ‬وجهه‭ ‬الجانبي‭ ‬أبيض‭ ‬اللون،‭ ‬ويجاوره‭ ‬نصف‭ ‬وجه‭ ‬أسود‭ ‬اختار‭ ‬له‭ ‬وضعية‭ ‬جبهية،‭ ‬وجعله‭ ‬يترابط‭ ‬مع‭ ‬النصف‭ ‬الآخر‭ ‬بواسطة‭ ‬شوارب‭. ‬وربما‭ ‬أراد‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬الجينية‭ ‬لعنترة‭. ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬انتهجه‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬شخصياته‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأسلوب‭ ‬بيكاسو‭ ‬الذي‭ ‬يرسم‭ ‬شخوصه‭ ‬وفق‭ ‬زوايا‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة‭. ‬كما‭ ‬أكسب‭ ‬شخوصه‭ ‬مسحة‭ ‬تجريدية‭ ‬وهندسية،‭ ‬حيث‭ ‬بدت‭ ‬أكثر‭ ‬اقترابا‭ ‬من‭ ‬الرسم‭ ‬الكاريكاتوري‭ ‬أو‭ ‬الطفولي،‭ ‬الذي‭ ‬دعّمه‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬خلا‭ ‬ل‭ ‬مجموعة‭ ‬الأشكال‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬أبعادا‭ ‬رمزية‭ ‬وجمالية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬مكّنه‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬عالم‭ ‬أسطوري‭ ‬احتل‭ ‬فيه‭ ‬الخيال‭ ‬مكانة‭ ‬واسعة‭. ‬فقد‭ ‬وزّع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العيون‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬اللوحة،‭ ‬كما‭ ‬رسم‭ ‬عبلة‭ ‬بعين‭ ‬واحدة‭. ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحيل‭ ‬المشهد‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬تتجاوز‭ ‬القصص‭ ‬والأساطير‭ ‬المعروفة‭ ‬عن‭ ‬عنترة‭ ‬ابن‭ ‬شداد‭ ‬وحبيبته،‭ ‬لتحيل‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬السحر‭ ‬والخرافات‭ ‬وبعض‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬ذات‭ ‬المرجعيات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬عاودت‭ ‬الظهور‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الراهنة‭. ‬كما‭ ‬أشبع‭ ‬بقية‭ ‬مكونات‭ ‬عمله‭ ‬بأشكال‭ ‬زخرفية‭ ‬متنوعة‭ ‬والتي‭ ‬اقتبسها‭ ‬من‭ ‬جماليات‭ ‬النسيج‭ ‬التونسي‭ ‬الموروث‭ ‬المحلي‭ ‬والعربي‭ ‬عموما‭. ‬

بذلك‭ ‬اتخذ‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬من‭ ‬أسطورة‭ ‬عنترة‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬باهتمام‭ ‬المصور‭ ‬الشعبي‭ ‬القديم‭ ‬وكذلك‭ ‬عديد‭ ‬الفنانين‭ ‬والسينمائيين‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين،‭ ‬منطلقا‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الروايات‭ ‬والقصص‭ ‬الشعبية‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬عنترة‭ ‬أسمر‭ ‬البشرة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬وجه‭ ‬عبلة‭ ‬فائق‭ ‬الجمال،‭ ‬بل‭ ‬اختصر‭ ‬جمالها‭ ‬في‭ ‬أنوثتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جمال‭ ‬نهديها‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬حضورا‭ ‬مميزا‭ ‬ضمن‭ ‬مكونات‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬قدّم‭ ‬الفنان‭ ‬نهاية‭ ‬سعيدة‭ ‬لهذه‭ ‬القصة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬البطل‭ ‬وحبيبته،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬لم‭ ‬تؤكدها‭ ‬المراجع‭ ‬التاريخية‭. ‬

الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬عليسة

كما‭ ‬تخيلها‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬

اهتم‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬بأسطورة‭ ‬الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬اعليسةب،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬الأميرة‭ ‬التي‭ ‬نَسبت‭ ‬لها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المراجع‭ ‬التاريخية‭ ‬تأسيس‭ ‬مدينة‭ ‬قرطاج‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬صور‭ ‬بالمشرق‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬خلاف‭ ‬مع‭ ‬أخيها‭. ‬وتروي‭ ‬الأسطورة‭ ‬أنها‭ ‬تحايلت‭ ‬على‭ ‬حاكم‭ ‬البربر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مكنها‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬تساوي‭ ‬مساحة‭ ‬جلد‭ ‬ثور‭ ‬لتقيم‭ ‬عليها‭ ‬مملكتها2‭. ‬

رسم‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬ابورتريهب‭ ‬لهذه‭ ‬الأميرة‭ ‬سنة‭ ‬1993‭ ‬سماها‭ ‬اديدونب،‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬عرفت‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الأميرة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬افريقية‭. ‬فقد‭ ‬ألبسها‭ ‬قلادة‭ ‬تحدد‭ ‬هويتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شكل‭ ‬التانيت‭ ‬الذي‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬الآلهة‭ ‬الفينيقية،‭ ‬وزخرف‭ ‬هذه‭ ‬القلادة‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬التي‭ ‬أضْفت‭ ‬جمالا‭ ‬إضافيا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأميرة‭ ‬ديدون‭ ‬التي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬الفنان‭ ‬حسناء‭ ‬فاتنة‭ ‬الجمال‭. ‬كما‭ ‬وضع‭ ‬مقديش‭ ‬خلف‭ ‬الأميرة‭ ‬لوحة‭ ‬تجريدية‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬العلوي‭ ‬من‭ ‬اللوحة،‭ ‬والتي‭ ‬جعل‭ ‬مكوناتها‭ ‬البنيوية‭ ‬تترابط‭ ‬مع‭ ‬لباس‭ ‬الأميرة‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬السفلي‭ ‬من‭ ‬اللوحة،‭ ‬محققا‭ ‬بذلك‭ ‬ترابطا‭ ‬بصريا‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬والخلفية‭. ‬وهذا‭ ‬شيء‭ ‬مألوف‭ ‬بالنسبة‭ ‬لفنان‭ ‬يرسم‭ ‬فزع‭ ‬التمزق‭ ‬الذاتي‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والواقع‭ ‬مثلما‭ ‬يصرح‭ ‬بذلك‭ ‬مستخدما‭ ‬كلماته‭ ‬وريشته‭.‬

بعد‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬إنجازه‭ ‬لوحة‭ ‬اديدونب‭ ‬عاود‭ ‬الفنان‭ ‬رسم‭ ‬هذه‭ ‬الأميرة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬اعليسةب‭. ‬كما‭ ‬قدّم‭ ‬لها‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭ ‬عن‭ ‬سابقتها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل‭ ‬والتكوين‭ ‬والوضعية‭ ‬والمساحة‭ ‬واللون‭. ‬فقد‭ ‬اختار‭ ‬لها‭ ‬بشَرة‭ ‬سوداء‭ ‬تخفي‭ ‬جمالا‭ ‬أخاذا‭ ‬ونظرة‭ ‬ثاقبة‭ ‬تضفي‭ ‬على‭ ‬شخصيتها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الوقار‭. ‬وكساها‭ ‬بملابس‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬التقليدي‭ ‬التونسي‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬شديد‭ ‬التباين‭ ‬مع‭ ‬السواد‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬اللوحة‭. ‬كما‭ ‬وضع‭ ‬بجانبها‭ ‬قطا‭ ‬أسودا‭ ‬سجل‭ ‬حضورا‭ ‬باهتا‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬يحتل‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العمل‭. ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬رسم‭ ‬الفنان‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬خلف‭ ‬الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الأيسر‭ ‬من‭ ‬اللوحة‭ ‬بأحجام‭ ‬صغيرة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسية‭. ‬كما‭ ‬رسم‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬اللوحة‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬وأكسبها‭ ‬ألوانا‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬سابقتها‭ ‬رغم‭ ‬تساويها‭ ‬في‭ ‬الحجم‭ ‬معهم‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬خصوصيات‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬سيطرة‭ ‬الألوان‭ ‬الداكنة‭ ‬على‭ ‬جل‭ ‬مكوناته،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬يبدو‭ ‬كأنه‭ ‬لوحة‭ ‬ليلية،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬ربما‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الحيرة‭ ‬التي‭ ‬انتابت‭ ‬الأميرة‭ ‬بعدما‭ ‬رفض‭ ‬حاكم‭ ‬البربر‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬منحها‭ ‬الأرض‭ ‬لإقامة‭ ‬مدينتها،‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬هي‭ ‬قراءة‭ ‬استشرافية‭ ‬لمصير‭ ‬مدينة‭ ‬وحضارة‭ ‬قرطاج‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬سيدة‭ ‬المتوسط،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدمرها‭ ‬الرومان‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬حروب‭ ‬كبيرة‭ ‬انتهت‭ ‬بانتصار‭ ‬رومه‭ ‬على‭ ‬قرطاج‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مدى‭ ‬التقارب‭ ‬الشكلي‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬رسم‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬للأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬الفنان‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيار‭ ‬نرسيس‭ ‬سنة‭ ‬1815‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬اايناي‭ ‬تروي‭ ‬لديدون‭ ‬تعاسة‭ ‬مدينة‭ ‬ترواب3‭.‬

 

الكاهنة‭ ‬البربرية

عبر‭ ‬ريشة‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬

هي‭ ‬ملكة‭ ‬البربر‭ ‬واسمها‭ ‬الحقيقي‭ ‬اديهياب‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭. ‬ويعرفها‭ ‬محمد‭ ‬التونجي‭ ‬بأنها‭ ‬دهيا‭ ‬بنت‭ ‬تابت‭ ‬بن‭ ‬تيفان‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬جراوة‭ ‬من‭ ‬زناتة‭ ‬البربرية،‭ ‬وأنها‭ ‬حكمت‭ ‬قبيلتها‭ ‬بعد‭ ‬موت‭ ‬زوجها،‭ ‬وشنت‭ ‬حربا‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬سنة‭ ‬85هجري4‭. ‬وترجع‭ ‬مصادر‭ ‬تاريخية‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬مملكتها‭ ‬كانت‭ ‬تشمل‭ ‬الجزائر‭ ‬وتونس‭ ‬وليبيا‭ ‬وكانت‭ ‬عاصمة‭ ‬مملكتها‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬خنشلة‭ ‬في‭ ‬الأوراس‭ ‬شرق‭ ‬الجزائر‭. ‬قادت‭ ‬ديهيا‭ ‬عدّة‭ ‬معارك‭ ‬ضد‭ ‬الرومان‭ ‬والعرب‭ ‬والبيزنطيين‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬استعادة‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمازيغية‭ ‬التي‭ ‬استولوا‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬ميلادي‭ ‬ثم‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬توحيد‭ ‬أهم‭ ‬القبائل‭ ‬الأمازيغية‭ ‬حولها‭ ‬خلال‭ ‬زحف‭ ‬جيوش‭ ‬المسلمين،‭ ‬واستطاعت‭ ‬ديهيا‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬هزيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬بجيش‭ ‬القائد‭ ‬حسان‭ ‬بن‭ ‬النعمان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬اتهامها‭ ‬بالشعوذة‭ ‬والسحر،‭ ‬فنسبوا‭ ‬لها‭ ‬لقب‭ ‬الكاهنة‭ ‬مثلما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬العلامة‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭. ‬

وفي‭ ‬تفاعل‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية،‭ ‬رسم‭ ‬امرأة‭ ‬تمتطي‭ ‬حصانا‭ ‬وتحمل‭ ‬بيدها‭ ‬اليمنى‭ ‬خنجرا‭. ‬يرافقها‭ ‬في‭ ‬امتطاء‭ ‬الحصان‭ ‬شاب‭ ‬وسيم‭ ‬الوجه‭ ‬اتخذ‭ ‬وضعية‭ ‬جبهية‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬الكاهنة‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬وضعية‭ ‬جانبية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬طريقة‭ ‬رسم‭ ‬بعض‭ ‬الأشكال‭ ‬الآدمية‭ ‬والحيوانية‭ ‬التي‭ ‬بانت‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬طبيعتها‭. ‬فقد‭ ‬رسم‭ ‬عيون‭ ‬الشخصيتين‭ ‬والحصان‭ ‬بنفس‭ ‬الكيفية‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬بين‭ ‬الكاهنة‭ ‬والشاب،‭ ‬وأيضا‭ ‬اختلاف‭ ‬شكل‭ ‬عين‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الحصان‭. ‬وربما‭ ‬أراد‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬الإيهام‭ ‬بأن‭ ‬شخصية‭ ‬الفارس‭ ‬تمثل‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للكاهنة،‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬شخصية‭ ‬ابنها‭ ‬الذي‭ ‬تخلى‭ ‬عنها‭ ‬وانضم‭ ‬إلى‭ ‬جيوش‭ ‬المسلمين‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬الكاهنة‭ ‬تقاوم‭ ‬الوجود‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أخر‭ ‬لحظة‭ ‬في‭ ‬حياتها‭. ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يؤكدها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طريقة‭ ‬رسم‭ ‬الفنان‭ ‬لنهديها‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬مقطوعة‭ ‬بالخنجر‭ ‬الذي‭ ‬تحمله‭ ‬بيدها‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬رابطة‭ ‬الأمومة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬ابنها‭. ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تذكر‭ ‬المراجع‭ ‬التاريخية‭ ‬والأساطير‭ ‬عن‭ ‬مسالة‭ ‬حمل‭ ‬الكاهنة‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ ‬أثناء‭ ‬حروبها‭ ‬ضد‭ ‬الوجود‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬افريقية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تركيز‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬هذه‭ ‬المسالة‭ ‬يبعث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رسالة،‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أرض‭ ‬البربر‭ ‬لن‭ ‬تفرغ‭ ‬من‭ ‬إنجاب‭ ‬الفرسان‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬أراضيهم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬رسم‭ ‬فم‭ ‬الحصان‭ ‬ورأسه‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عينه،‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬الحصان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الطائر‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الحصان،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬مستغرب‭ ‬من‭ ‬فنان‭ ‬يعشق‭ ‬الخيال‭ ‬والحلم‭ ‬أو‭ ‬الفن‭ ‬السريالي‭ ‬الذي‭ ‬خصه‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬عند‭ ‬بداياته‭ ‬التشكيلة‭.‬

 

السيرة‭ ‬الهلالية

‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬مغاير‭ ‬للمألوف‭ ‬الشعبي

حظيت‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬خلال‭ ‬منتصف‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فقد‭ ‬رسم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬قدّم‭ ‬فيها‭ ‬تصوراته‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬اصطلح‭ ‬على‭ ‬تسميتها‭ ‬بــاالتغريبةب‭ ‬التي‭ ‬امتزج‭ ‬فيها‭ ‬الواقع‭ ‬بالخيال،‭ ‬حيث‭ ‬ركز‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬الجازية‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬قصتها‭ ‬قريبة‭ ‬نسبيا‭ ‬من‭ ‬أسطورة‭ ‬الأميرة‭ ‬الفينيقية‭ ‬عليسه‭. ‬تروي‭ ‬أغلب‭ ‬السير‭ ‬الهلالية‭ ‬أن‭ ‬الجازية‭ ‬الهلالية‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬الأساسيين‭ ‬في‭ ‬اتغريبةب‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬المشهورة،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تُقَدم‭ ‬لها‭ ‬المشورة‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬المجالس‭ ‬الحربية‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬ضد‭ ‬سكان‭ ‬تونس‭ ‬الأصليين،‭ ‬وذلك‭ ‬نظرا‭ ‬لحكمتها‭ ‬وحسن‭ ‬تدبيرها‭. ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬الجازية‭ ‬الهلالية‭ ‬زوجها‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬رغم‭ ‬حبها‭ ‬الشديد‭ ‬له‭ ‬وإنجابها‭ ‬طفلا‭ ‬منه،‭ ‬واختارت‭ ‬الرحيل‭ ‬إلى‭ ‬أراضي‭ ‬تونس‭ ‬الخضراء‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬الهلاليون‭ ‬حينها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قبيلتها‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬واختارت‭ ‬الحياة‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬والحرب‭ ‬بهدف‭ ‬مناصرة‭ ‬قبيلتها‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬سكان‭ ‬تونس‭ ‬الأصليين‭. ‬والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التغريبة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬عديد‭ ‬المتناقضات،‭ ‬حيث‭ ‬امتزج‭ ‬فيها‭ ‬التاريخ‭ ‬بالخيال‭ ‬والحقيقة‭ ‬بالأسطورة،‭ ‬والبطولة‭ ‬بالخيانة،‭ ‬والبناء‭ ‬بالدمار،‭ ‬والشرف‭ ‬بالعهر،‭ ‬والحب‭ ‬والرومنسية‭ ‬بالحرب‭ ‬والعنف‭. ‬وصارت‭ ‬شخصيات‭  ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬وأحداثها‭ ‬مضرب‭ ‬الأمثال5،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬مادة‭ ‬خصبة‭ ‬للشعراء‭ ‬والفنانين‭ ‬لتقديم‭ ‬رؤاهم‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬رغم‭ ‬الامتداد‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬التسعة‭ ‬قرون،‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬محور‭ ‬اهتمام‭ ‬فناني‭ ‬وشعراء‭ ‬وأدباء‭ ‬العصر‭ ‬الراهن6‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬رسم‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية،‭ ‬بل‭ ‬سبقه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المصور‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬تصوير‭ ‬بطولات‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬أو‭ ‬اللحظات‭ ‬الملحمية‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬تاريخ‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬لحظة‭ ‬انتصار‭ ‬أبو‭ ‬زيد‭ ‬على‭ ‬البربر،‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬لحظة‭ ‬انتصار‭ ‬ذياب‭ ‬بن‭ ‬غانم‭ ‬على‭ ‬الزناتي‭ ‬وكيف‭ ‬غرس‭ ‬سيفه‭ ‬في‭ ‬عينه‭. ‬حيث‭ ‬تفنن‭ ‬المصور‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬لحظة‭ ‬المعركة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬ألوان‭ ‬الدماء‭ ‬والعنف‭. ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬تناول‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬مغاير،‭ ‬حيث‭ ‬ركّز‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬التشكيلية‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الجمالية‭ ‬والزخرفية‭ ‬ليلامس‭ ‬الجوانب‭ ‬الأيروسية‭ ‬عبر‭ ‬إظهار‭ ‬مفاتن‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬مثّلت‭ ‬محور‭ ‬اهتمامه‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬أعماله،‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬منح‭ ‬لنفسه‭ ‬الشرعية‭ ‬لإبراز‭ ‬مفاتنها‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬السير‭ ‬التي‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬نهجه‭ ‬الفكري‭ ‬والجمالي‭. ‬أنجز‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬قراءته‭ ‬الخاصة‭ ‬لهذه‭ ‬السيرة‭ ‬التي‭ ‬تمتزج‭ ‬فيها‭ ‬الحقيقة‭ ‬مع‭ ‬الخيال،‭ ‬لتساهم‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬مخيلة‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬سافر‭ ‬بالمتلقي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬الأشعار‭ ‬والتغريبات‭ ‬التي‭ ‬تروي‭ ‬حكايات‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭. ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬التقنية،‭ ‬نوّع‭ ‬الفنان‭ ‬بين‭ ‬تقنية‭ ‬الحبر‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬والأكرليك‭ ‬على‭ ‬القماش‭. ‬ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية،‭ ‬لامس‭ ‬حدود‭ ‬الخيال‭ ‬الحالم‭ ‬بجمال‭ ‬الأشكال‭ ‬وتناسق‭ ‬التكوين‭. ‬

تعد‭ ‬لوحة‭ ‬القاءب‭ ‬التي‭ ‬أنجزها‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬سنة‭ ‬1984‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬اهتم‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬بالسيرة‭ ‬الهلالية‭. ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العنوان‭ ‬لا‭ ‬يحدد‭ ‬هوية‭ ‬الصورة‭ ‬أو‭ ‬موضوعها،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الكتابات‭ ‬الغامضة‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬الرسام‭ ‬فوق‭ ‬توقيعه‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬للصورة‭ ‬والشخصيات‭ ‬المكونة‭ ‬لها‭ ‬مثل‭ ‬االفارس،‭ ‬بني‭ ‬هلال،‭ ‬البربرب‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬تمثل‭ ‬لحظة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬خليفة‭ ‬الزناتي‭ ‬البربري‭ ‬ودياب‭ ‬بن‭ ‬غانم‭ ‬الهلالي،‭ ‬أو‭ ‬بالتحديد‭ ‬لحظة‭ ‬توجيه‭ ‬ذياب‭ ‬سيفه‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬خليفة‭ ‬الزناتي‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بما‭ ‬رسمه‭ ‬المصور‭ ‬الشعبي‭ ‬بخصوص‭ ‬هذه‭ ‬المعركة،‭ ‬حيث‭ ‬حاول‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬سرد‭ ‬تفاصيل‭ ‬لحظة‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬خليفة‭ ‬الزناتي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬بدا‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزا‭ ‬على‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية‭ ‬والتقنية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالناحية‭ ‬السردية‭. ‬إذ‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬تحفة‭ ‬تشكيلية‭ ‬زخرفية‭ ‬وتعبيرية،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الأشكال‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬مكونة‭ ‬علاقات‭ ‬توازن‭ ‬وتناسق‭ ‬أنتج‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬حركة‭ ‬دائرية‭ ‬أو‭ ‬بالتحديد‭ ‬اهليجية‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الحركة‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭. ‬فقد‭ ‬ربط‭ ‬الفنان‭ ‬بين‭ ‬حركة‭ ‬سيف‭ ‬المحارب‭ ‬الخلفي‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬سيف‭ ‬عدوّه‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬جسم‭ ‬الحصان‭ ‬الأمامي‭. ‬كما‭ ‬أشبع‭ ‬مساحاته‭ ‬بزخارف‭ ‬وزعها‭ ‬بكيفية‭ ‬متوازنة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬اللوحة‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬الأشكال‭ ‬الآدمية‭ ‬والحيوانية‭. ‬بل‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬رسمه‭ ‬لحوافر‭ ‬الخيول‭ ‬بدت‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الأناقة‭ ‬تجعلها‭ ‬تذكرنا‭ ‬برشاقة‭ ‬قوائم‭ ‬راقصات‭ ‬البالي‭. ‬كما‭ ‬أدخل‭ ‬الجوادين‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬جعل‭ ‬فيها‭ ‬الحصان‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬راكبه‭ ‬الذي‭ ‬تلقى‭ ‬طعنة‭ ‬بالسيف‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬وجهه‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬الفنان‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬المصور‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬جعلها‭ ‬ايقونة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الهلاليين‭ ‬والبربر،‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬تشكيلي‭ ‬يكتسي‭ ‬أبعادا‭ ‬جمالية‭ ‬حيث‭ ‬تتلاشى‭ ‬حدود‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬مقابل‭ ‬شحنة‭ ‬جمالية‭ ‬تحكمها‭ ‬علاقات‭ ‬توازن‭ ‬وتناغم‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬العمل‭. ‬

بعد‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬إنجازه‭ ‬لوحة‭ ‬القاءب،‭ ‬عاود‭ ‬الفنان‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬بأكثر‭ ‬عمقا‭ ‬وتدقيقا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬منها‭ ‬لوحة‭: ‬اقصيدة‭ ‬ملحمية‭ ‬هلاليةب‭ ‬ا,La Geste hilalienneب،‭ ‬حيث‭ ‬نَظَم‭ ‬ألوانها‭ ‬وأشكالها‭ ‬باستعمال‭ ‬تقنية‭ ‬الحبر‭ ‬الصيني،‭ ‬ليقدم‭ ‬مشهدا‭ ‬متكونا‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬شخصيات‭ ‬رئيسية‭ ‬وحصانين‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬زخرفي‭ ‬مميز‭. ‬تتوسط‭ ‬اللوحة‭ ‬امرأة‭ ‬حسناء‭ ‬تمتطي‭ ‬حصانا‭ ‬وبيدها‭ ‬سيفا،‭ ‬وتوجه‭ ‬نظرها‭ ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬فائقة‭ ‬الجمال‭ ‬والأنوثة‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬أريكة،‭ ‬وتمسك‭ ‬بيدها‭ ‬اليسرى‭ ‬لجام‭ ‬حصان‭. ‬ويتقدم‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تمتطي‭ ‬الحصان‭ ‬محارب‭ ‬يمسك‭ ‬بيده‭ ‬سيفا‭ ‬اختار‭ ‬له‭ ‬الفنان‭ ‬وضعية‭ ‬حركة‭ ‬رغم‭ ‬موضعه‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تمتطي‭ ‬الحصان‭ ‬والمرأة‭ ‬المستلقية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬وقد‭ ‬رسم‭ ‬لهذا‭ ‬المحارب‭ ‬وجها‭ ‬وسيما‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نظره‭ ‬كان‭ ‬موجها‭ ‬خارج‭ ‬الأحداث‭ ‬الرئيسية‭ ‬لهذا‭ ‬المشهد،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬غير‭ ‬مباليا‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬حوار‭ ‬بصري‭ ‬وحركي‭ ‬بين‭ ‬المرأتين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬خصوصيات‭ ‬الشخصيات‭ ‬الثلاثة‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬الاستنتاج‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تمسك‭ ‬بلجام‭ ‬الفرس‭ ‬هي‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬اللوحة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬الجازية‭ ‬نظرا‭ ‬لوجودها‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬اللوحة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وكِبر‭ ‬حجمها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالشخصيات‭ ‬الأخرى‭. ‬كما‭ ‬تعمّد‭ ‬الفنان‭ ‬إظهار‭ ‬مفاتنها‭ ‬عبر‭ ‬تعرية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نهديها‭ ‬وأردافها‭ ‬التي‭ ‬رُسمت‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬مألوفة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأسلوب‭ ‬بيكاسو‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬شخصياته‭ ‬التي‭ ‬يرسمها‭ ‬بطريقة‭ ‬جبهية‭ ‬وجانبية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬وقد‭ ‬كسا‭ ‬الفنان‭ ‬شخصيته‭ ‬الرئيسية‭ ‬بتشكيلات‭ ‬جميلة‭ ‬من‭ ‬الحلي‭ ‬التي‭ ‬تتدلى‭ ‬من‭ ‬أذنيها‭ ‬ويديها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جسدها،‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬البياض‭ ‬مقارنة‭ ‬بباقي‭ ‬مكونات‭ ‬اللوحة،‭ ‬والذي‭ ‬خلق‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬البصري‭ ‬حيث‭ ‬أوْجد‭ ‬توازنات‭ ‬ضوئية‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬مكونات‭ ‬اللوحة‭. ‬

إن‭ ‬المتتبع‭ ‬لأعمال‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬يلحظ‭ ‬مدى‭ ‬الإشباع‭ ‬الزخرفي‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬أعماله،‭ ‬حيث‭ ‬تضيع‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬الهندسي‭ ‬والزهري،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الزخارف‭ ‬الخطية‭ ‬التي‭ ‬يجعلها‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬مكونات‭ ‬العمل‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭. ‬فقد‭ ‬وظّف‭ ‬جماليات‭ ‬الخط‭ ‬المغربي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬الكوفي‭ ‬القديم‭ ‬لكتابة‭ ‬كلمات‭ ‬نظمت‭ ‬بطريقة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بالأشعار‭ ‬أو‭ ‬السير‭ ‬التي‭ ‬ميّزت‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭. ‬وقد‭ ‬وزّعت‭ ‬هذه‭ ‬الأشعار‭ ‬أو‭ ‬الكلمات‭ ‬داخل‭ ‬ثلاثة‭ ‬خانات‭ ‬عمودية‭ ‬غطت‭ ‬مساحات‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬اللوحة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭ ‬أو‭ ‬الجمل‭ ‬تكون‭ ‬مخفية،‭ ‬ولكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تظهر‭ ‬بعض‭ ‬النصوص‭ ‬أو‭ ‬الأبيات‭ ‬الشعرية‭ ‬القابلة‭ ‬للقراءة‭ ‬والتي‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬الخانة‭ ‬الأولى‭:‬

عمائم‭ ‬الرجال‭ ‬مخبلة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الحرب‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬الخيل

‭ ‬وسيوف‭ ‬العرب‭ ‬فضة‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬الغرب‭ ‬

عند‭ ‬بساتين‭ ‬الزيتون‭ ‬وواحات‭ ‬توزر‭ ‬وغدامس‭ ‬

والجازية‭ ‬غازية‭ ‬لرماح‭ ... ‬الرجال‭ ‬لها‭ ‬

جاء‭ ‬البربر‭ ‬خفاجي‭ ‬عامر‭ ‬إبن‭ ‬النيل‭ ‬

والعراق‭ ‬مارا‭ ‬إلى‭ ‬مراعي‭ ‬الجزائر‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬

اين‭ ‬تجوع‭ ‬الحلايل‭ ‬

مضارب‭ ‬قبائل‭ ‬العرب‭ ‬الأكابر‭ ‬وعرب‭ ‬الوز‭ ‬فوق‭ ‬الحب

‭ ‬سيوف‭ ‬الرجال‭ ‬تشق‭ ‬الريح‭ ‬ورماح‭ ‬مع‭ ‬النبال‭ .... ‬

وفي‭ ‬المستطيل‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬بدت‭ ‬الكتابة‭ ‬أكثر‭ ‬غموضا‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭: 

الخيول‭ ‬الهلالية‭ ‬عند‭ ‬جنح‭ ‬الجازية‭ ‬الهلالية‭ ‬

النيل‭ ‬فرسان‭ ‬خفاجي‭ ‬عامر‭ ‬ابن‭ ‬النيل‭ ‬الزناتي‭ ‬خليفة

الواحات‭ ‬البربرية‭ ‬تدق‭ ‬عند‭ ‬الشروق‭ ‬

وحتى‭ ‬أسد‭ ‬وصاحبه‭ ‬الجازية‭ ‬

طير‭ ‬العراق‭ ‬مرورا‭ ‬بتونس

‭ ‬إلى‭ ‬مراعي‭ ‬الجزائر‭ ‬ليبدو‭ ‬الحق‭ ‬

حتى‭ ‬عامر‭ ‬والجرح‭ ‬قديم‭ ‬قدم‭ ‬السوق‭ ‬ورماح‭ ‬الزناتي‭ ....‬

ولا‭ ‬نعلم‭ ‬هل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬مقتبسة‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬اجتهادات‭ ‬الفنان‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المؤكد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬الفنان‭ ‬ليس‭ ‬تقديم‭ ‬كلمات‭ ‬أو‭ ‬أشعار‭ ‬بهدف‭ ‬تفسير‭ ‬الصورة‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمصور‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬اهتم‭ ‬بتصوير‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية،‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬المنمنمات‭ ‬العربية‭ ‬القديمة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬هدفه‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬القراءة‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تضعف‭ ‬الجانب‭ ‬الجمالي‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬واسعة‭ ‬للتأويل‭. ‬بذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬غاية‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الكتابات‭ ‬هو‭ ‬تقديم‭ ‬فضاء‭ ‬زخرفي‭ ‬يتناسق‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬مكونات‭ ‬اللوحة،‭ ‬والإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬لموضوع‭ ‬اللوحة‭ ‬ولبعض‭ ‬شخصياتها‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الجازية‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬بالغازية‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسية‭. ‬

ضمن‭ ‬لوحته‭ ‬اهلالية‭ ‬6ب‭ ‬قدم‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬صورة‭ ‬تشكيلية‭ ‬لملحمة‭ ‬الجازية‭ ‬الهلالية،‭ ‬والتي‭ ‬بانت‭ ‬وكأنها‭ ‬امتداد‭ ‬للوحته‭ ‬السابقة،‭ ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬فارسا‭ ‬يمتطي‭ ‬حصانا‭ ‬أسود‭ ‬وبيده‭ ‬اليسرى‭ ‬سيفا‭ ‬ويمد‭ ‬يده‭ ‬اليمنى‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬الجازية‭ ‬باعتبارها‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭. ‬ويظهر‭ ‬تركيز‭ ‬نظر‭ ‬الفارس‭ ‬على‭ ‬عيني‭ ‬الجازية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبالي‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬توجه‭ ‬نظرها‭ ‬نحو‭ ‬عيني‭ ‬الحصان‭ ‬الذي‭ ‬يبادلها‭ ‬بدوره‭ ‬النظرات‭. ‬فرغم‭ ‬الوضعية‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬حوافر‭ ‬الحصان‭ ‬والتي‭ ‬تكتسي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخطورة‭ ‬على‭ ‬الجازية،‭ ‬فإن‭ ‬ملامح‭ ‬وجهها‭ ‬وحركات‭ ‬جسدها‭ ‬تعكس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الاسترخاء،‭ ‬بل‭ ‬وأيضا‭ ‬الإغراء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إظهار‭ ‬مفاتنها‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الأرداف‭ ‬والأفخاذ،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬نهديها‭ ‬حيث‭ ‬بدت‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الجاذبية‭. ‬وقد‭ ‬أكسب‭ ‬الفنان‭ ‬عند‭ ‬رسمه‭ ‬للحصان‭ ‬أبعادا‭ ‬تشكيلية‭ ‬وتعبيرية‭ ‬مميزة،‭ ‬حيث‭ ‬جعله‭ ‬فاعلا‭ ‬هاما‭ ‬في‭ ‬مَسْرحة‭ ‬هذه‭ ‬التركيبة،‭ ‬إذ‭ ‬بدا‭ ‬بدوره‭ ‬شديد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالجازية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انحناء‭ ‬رأسه‭ ‬تجاهها‭ ‬متبعا‭ ‬نفس‭ ‬حركة‭ ‬الفارس‭ ‬تجاه‭ ‬الجازية‭. ‬

كما‭ ‬وضع‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬خدي‭ ‬الجازية‭ ‬وشمتين،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬تجاوز‭ ‬للبعد‭ ‬الزخرفي‭ ‬لملامسة‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬تشترك‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬البربرية‭ ‬خاصة‭ ‬والعربية‭. ‬فقد‭ ‬عُرف‭ ‬الوشم‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬التونسي‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الوشم‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صبغته‭ ‬الجمالية‭ ‬بمثابة‭ ‬الطابع‭ ‬المميز‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬القبيلة،‭ ‬وأيضا‭ ‬الوسيلة‭ ‬للوقاية‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬الأوبئة‭ ‬وطلب‭ ‬الخصوبة‭ ‬للعاقر‭ ‬ودفع‭ ‬الحسد‭ ‬والعين‭. ‬

  ‬هذه‭ ‬الوشمة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬لوحته‭ ‬هلاليات‭ ‬عدد‭ ‬6‭ ‬والتي‭ ‬رسمها‭ ‬بتقنية‭ ‬الأكرليك‭ ‬على‭ ‬القماش‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬المحرك‭ ‬الذي‭ ‬أحاله‭ ‬لرسم‭ ‬لوحة‭ ‬هلاليات‭ ‬7‭ ‬والتي‭ ‬رسمها‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬السنة‭ ‬مع‭ ‬سابقتها‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬التقنية‭. ‬فقد‭ ‬زخرف‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬وجه‭ ‬الجازية‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأوشام‭ ‬التي‭ ‬وزعها‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الخدين‭ ‬والجبين‭ ‬والذقن‭. ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬هذه‭ ‬الأوشام‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬زخرفية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬ثقافة‭ ‬شعبية‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬مثلما‭ ‬يقر‭ ‬بذلك‭ ‬بدر‭ ‬العشري‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭: ‬اإن‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتجسد‭ ‬أيضا‭ ‬عبر‭ ‬الجسد،‭ ‬فقراءة‭ ‬الوشم‭ ‬ليست‭ ‬خبرة‭ ‬يمكن‭ ‬اكتسابها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسات‭ ‬وأبحاث‭ ‬جاهزة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬تفكيك‭ ‬الجهاز‭ ‬الميثولوجي‭ ‬للقبيلة‭ ‬و‭ ‬فهم‭ ‬الرموز‭ ‬و‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بمجال‭ ‬إنتاجهاب7‭. ‬وربما‭ ‬أراد‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الجازية‭ ‬تأثرت‭ ‬بالثقافة‭ ‬المحلية‭ ‬لأهل‭ ‬تونس‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تعطي‭ ‬للوشم‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬اللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬التداخل‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬جسم‭ ‬المرأة‭ ‬وجسم‭ ‬الحصان،‭ ‬حيث‭ ‬تندمج‭ ‬مكونات‭ ‬جسد‭ ‬الجازية‭ ‬مع‭ ‬شكل‭ ‬الحصان‭ ‬الذي‭ ‬تعانقه‭ ‬وتمتطيه‭ ‬حسب‭ ‬الطريقة‭ ‬المبتكرة‭ ‬للفنان،‭ ‬لتفرز‭ ‬وحدة‭ ‬زخرفية‭ ‬متجانسة‭ ‬حيث‭ ‬تضيع‭ ‬قواعد‭ ‬التركيب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬مقابل‭ ‬تركيب‭ ‬قابل‭ ‬لتأويلات‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمية‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والحصان‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬العلاقة‭ ‬الطبيعية‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان،‭ ‬خاصة‭ ‬أمام‭ ‬تعمّد‭ ‬الفنان‭ ‬تعرية‭ ‬نهدي‭ ‬الجازية‭ ‬بأسلوب‭ ‬يذكرنا‭ ‬بلوحة‭ ‬نساء‭ ‬الجزائر‭ ‬للفنان‭ ‬بابلو‭ ‬بيكاسو‭. ‬كما‭ ‬أشبع‭ ‬الفنان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مساحاته‭ ‬بأشكال‭ ‬زخرفية‭ ‬وخطية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬السّجل‭ ‬العمودي‭ ‬الأسود‭ ‬الذي‭ ‬اخترق‭ ‬بياض‭ ‬الورقة‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬مثابة‭ ‬عمود‭ ‬يحمل‭ ‬جميع‭ ‬مكونات‭ ‬العمل‭. ‬وقد‭ ‬ملء‭ ‬هذا‭ ‬العمود‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬الصغيرة‭ ‬الآدمية‭ ‬والحيوانية‭ ‬والتي‭ ‬اتخذت‭ ‬شكل‭ ‬سجلات‭ ‬تذكرنا‭ ‬بالمسلات‭ ‬المصرية،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬زخارف‭ ‬خطية‭ ‬بدت‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬لقراءة‭ ‬ذات‭ ‬معنى‭. ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬الكاتب‭ ‬حسان‭ ‬بن‭ ‬رحومة‭: ‬اكما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الشبكة‭ ‬الرمزية‭ ‬التي‭ ‬يُدخل‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬موضوعاتـــه‭ ‬الفنـــية‭ ‬هي‭ ‬شبكـة‭ ‬شائكة‭ ‬ومعقدة‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬التمـــائم‭ ‬والطـــلاسم‭ ‬والرموز‭ ‬تدور‭ ‬معظمها‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬إنسانية‭ ‬وجودية‭ ‬خالصة،‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نزعم‭ ‬بأن‭ ‬االصورة‭ ‬المعكوسةب‭ ‬للحياة‭ ‬اليومية‭ ‬أحد‭ ‬المحاور‭ ‬المركزية‭ ‬لهذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬ومنبع‭ ‬خصب‭ ‬من‭ ‬منابعهاب8‭.‬

بذلك‭ ‬رسم‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬الجازية‭ ‬بصورة‭ ‬مغايرة‭ ‬لمجمل‭ ‬الروايات‭ ‬وملايين‭ ‬الأشعار‭ ‬التي‭ ‬خصت‭ ‬بها،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمقديش‭ ‬البطلة‭ ‬المناصرة‭ ‬لقومها‭ ‬بحكمتها‭ ‬وشجاعتها‭ ‬وتضحيتها‭ ‬بحبيبها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عشيرتها،‭ ‬بل‭ ‬قدمها‭ ‬مقديش‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬امرأة‭ ‬متبرجة‭ ‬توظّف‭ ‬مفاتنها‭ ‬لقضاء‭ ‬حاجتها،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإيحاء‭ ‬بعلاقة‭ ‬حميمية‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الحصان‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬رمزا‭ ‬للذة‭ ‬أو‭ ‬للطاقة‭ ‬الجنسية‭ ‬الغير‭ ‬محدودة‭. ‬بذلك‭ ‬جعل‭ ‬الفنان‭ ‬بطلته‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬العلاقات‭ ‬الطبيعية‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬لتطال‭ ‬أبعادا‭ ‬أخرى‭ ‬تلامس‭ ‬فيها‭ ‬حدود‭ ‬الشذوذ‭. ‬وقد‭ ‬بان‭ ‬ذلك‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬اللامبالاة‭ ‬التي‭ ‬خصّت‭ ‬به‭ ‬الجازية‭ ‬الفارس‭ ‬الذي‭ ‬مد‭ ‬يده‭ ‬إليها‭. ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬الفنان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها‭. ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬امتدادا‭ ‬لموروث‭ ‬ثقافي‭ ‬بربري‭ ‬معادي‭ ‬للوجود‭ ‬الهلالي،‭ ‬والذي‭ ‬يجد‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬السير‭ ‬والكتابات‭ ‬التي‭ ‬تروي‭ ‬بأن‭ ‬الجازية‭ ‬كانت‭ ‬تفاوض‭ ‬العلاّم‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬أبو‭ ‬زيد‭ ‬الهلالي‭ ‬بذكاء‭ ‬وجرأة‭ ‬ولا‭ ‬تتردّد‭ ‬الجازية‭ ‬في‭ ‬إبداء‭ ‬مفاتن‭ ‬جسدها‭ ‬لتغري‭ ‬العلاّمب‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬السير‭ ‬التي‭ ‬تتغنى‭ ‬ببطولات‭ ‬الزناتي‭ ‬حاكم‭ ‬تونس‭ ‬الذي‭ ‬قاوم‭ ‬الزحف‭ ‬الهلالي‭ ‬على‭ ‬بلاده‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ذكرها‭ ‬الكاتب‭ ‬خالد‭ ‬أبو‭ ‬الليل‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬بأن‭ ‬منطقة‭ ‬دندرة‭ ‬وما‭ ‬يحيطها‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬قنا،‭ ‬ومنطقة‭ ‬القلعة‭ ‬وما‭ ‬يحيطها‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬قفط‭ ‬ينسبون‭ ‬إلى‭ ‬الأمارة،‭ ‬يفضلون‭ ‬الزناتي‭ ‬خليفة؛‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الشاعر‭ ‬عندما‭ ‬يقوم‭ ‬بإحياء‭ ‬إحدى‭ ‬الحفلات‭ ‬بهما‭ ‬فإنه‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الزناتي‭ ‬خليفة‭ ‬منتصرا؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يصطدم‭ ‬بانتماءات‭ ‬الجمهور‭ ‬المستمع‭ ‬إليه9‭ ‬‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أشاد‭ ‬الكاتب‭ ‬محمد‭ ‬الدسوقي‭ ‬رشدي‭ ‬بدوره‭ ‬بالبطل‭ ‬البربري‭ ‬ضمن‭ ‬مقال‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭: ‬بطل‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬وعدو‭ ‬أبوزيد‭ ‬الهلالي‭: ‬الزناتى‭ ‬خليفة‭.. ‬القوة‭ ‬والشجاعة‭ ‬حينما‭ ‬تقتلها‭ ‬الخيانة‭. ‬ذكر‭ ‬فيه‭ ‬مدى‭ ‬أهمية‭ ‬شخصية‭ ‬خليفة‭ ‬الزناتي‭ ‬وتميزها‭ ‬بالرجولة‭ ‬والشجاعة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬10‭. ‬

 

الخاتمة‭ ‬

ليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يقترن‭ ‬اسم‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬بالموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬بمختلف‭ ‬تجلياته‭. ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬المستند‭ ‬والأداة‭ ‬والوسيلة‭ ‬لتبليغ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أحاسيسه‭ ‬وأفكاره‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬تشكيلي‭ ‬مشبع‭ ‬بالزخارف‭ ‬والرموز،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬يصير‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬اللوحة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬لوحة‭ ‬مستقلة‭ ‬بذاتها‭. ‬فقد‭ ‬تفطن‭ ‬الفنان‭ ‬إلى‭ ‬مدى‭ ‬ترابط‭  ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬الموروث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بالإشباع‭ ‬الزخرفي‭ ‬الشكلي‭ ‬واللوني‭ ‬مثلما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬الغربيين‭ ‬المهتمين‭ ‬بالفنون‭ ‬الإسلامية‭ ‬أمثال‭ ‬الباحث‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكسندر‭ ‬بابادوبولو‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخاصية‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬ركائز‭ ‬الفنون‭ ‬الإسلامية‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬االخوف‭ ‬من‭ ‬الفراغب11‭. ‬والتي‭ ‬تمتد‭ ‬حسب‭ ‬رأينا‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬السلوكي‭ ‬والتواصلي‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭. ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬انتهجه‭ ‬الفنان‭ ‬عادل‭ ‬مقديش‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬أعماله‭ ‬والتي‭ ‬حوّل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الحيز‭ ‬التشكيلي‭ ‬إلى‭ ‬معزوفة‭ ‬زخرفية‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬أسرارها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختياراته‭ ‬اللونية‭ ‬والشكلية‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالسيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬أو‭ ‬الأساطير‭ ‬الفينيقية‭ ‬والتونسية‭ ‬أو‭ ‬العربية،‭ ‬يدخل‭ ‬ضمن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬الحلقات‭ ‬التي‭ ‬سجل‭ ‬فيها‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالمورث‭ ‬الشعبي‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭ ‬عموما،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬سير‭ ‬وأساطير‭ ‬تتماهى‭ ‬مع‭ ‬شغفه‭ ‬بالفن‭ ‬السريالي‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬حلقة‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬البحث‭ ‬لديه‭ ‬باعتبارها‭ ‬عُدّت‭ ‬مرحلة‭ ‬البدايات‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬والسير‭ ‬الشعبية،‭ ‬فقد‭ ‬تفطن‭ ‬إلى‭ ‬الخيط‭ ‬الرفيع‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭ ‬عموما‭ ‬بعالم‭ ‬الخيال‭ ‬والحلم‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هاجس‭ ‬الفنان‭ ‬تصوير‭ ‬وقائع‭ ‬الأحداث‭ ‬الأساطير‭ ‬القديمة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتخذها‭ ‬مصدر‭ ‬استلهام‭ ‬لتبليغ‭ ‬هواجسه‭ ‬الداخلية‭ ‬والتي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تجدها‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬أفكاره‭ ‬ومواقفه‭ ‬تجاه‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬القديم‭. ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬الفنان‭: ‬الي‭ ‬ذكرى‭ ‬أليمة‭ ‬مع‭ ‬الروم‭ ‬والأتراك‭ ‬والأسبان‭ ‬وقبائل‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬الزاحفة‭... ‬أرسم‭ ‬خصوبة‭ ‬عليســة‭ ‬على‭ ‬جلود‭ ‬البقر‭ ‬المقدس،‭ ‬أنحت‭ ‬وجه‭ ‬جـــوغرتا‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الأفراس‭ ‬البربرية‭. ‬حفرت‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬المعابد‭ ‬الإفريقية‭ ‬رسم‭ ‬السفن‭ ‬الساحلية‭ ‬وأشرعتها‭ ‬المنسوجة‭ ‬بشعر‭ ‬النساءب12‭ ‬وقد‭ ‬جسد‭ ‬الفنان‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبأساليب‭ ‬مميزة‭ ‬أكسبته‭ ‬طابعه‭ ‬الفني‭ ‬المميز‭ ‬الذي‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬أسلافه‭ ‬المصورين‭ ‬الشعبيين‭ ‬والفنانين‭ ‬العالميين‭ ‬الكلاسيكيين‭ ‬والمعاصرين،‭ ‬حيث‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬المشاهد‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬وأزمان‭ ‬بعيدة‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقده‭ ‬متعة‭ ‬التذوق‭ ‬الجمالي،‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬تشكيلي‭ ‬محكوم‭ ‬بعلاقات‭ ‬تنظيم‭ ‬دقيق،‭ ‬وحس‭ ‬مرهف‭ ‬وخيال‭ ‬فياض‭. ‬