اللغة العدد
المقاربة الأنثروبولوجية للوشم الأفريقي في الروايات السعودية
المقاربة الأنثروبولوجية للوشم الأفريقي في الروايات السعودية
العدد 47 - عادات وتقاليد

 

أ‭. ‬رضوان‭ ‬أديوالي‭ ‬تيجاني‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬نيجيريا

 

المقاربة‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬للأدب‭:‬

إن‭ ‬الأدب‭ ‬بما‭ ‬يتضمن‭ ‬من‭ ‬الأجناس‭ ‬الشعرية‭ ‬والنثرية،‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الأدب‭ ‬المكتوبة،‭ ‬وأنواعه‭ ‬الشفاهية،‭ ‬وما‭ ‬تحتوي‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬كالسّيرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬والأسطورة،‭ ‬والحكاية‭ ‬الشعبية،‭ ‬والأغاني‭ ‬الشعبية،‭ ‬والأمثال،‭ ‬كلها‭ ‬لا‭ ‬تتبلور‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬العام‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نافذة‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬فيهما،‭ ‬فتلقى‭ ‬في‭ ‬الأدب،‭ ‬اعناصر‭ ‬تاريخية،‭ ‬وعناصر‭ ‬نفسية،‭ ‬وعناصر‭ ‬جغرافية،‭ ‬وعناصر‭ ‬اجتماعية‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الصفحة،‭ ‬فإذا‭ ‬بك‭ ‬تتحول‭ ‬وأنت‭ ‬تقرأ‭ ‬هذه‭ ‬الصفحة،‭ ‬إلى‭ ‬مؤرخ‭ ‬وجغرافي‭ ‬ومحلّل‭ ‬نفسيّ‭ ‬أو‭ ‬نفسانيّ‭ ‬وعالم‭ ‬اجتماعب1،‭ ‬والسمة‭ ‬البارزة‭ ‬ذ‭ ‬غالبا‭- ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬كلها‭ ‬أنها‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬أنتجت‭ ‬فيه،‭ ‬فالأدب‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬وثيقة‭ ‬انعكاسية‭ ‬للثقافة‭ ‬ومستودع‭ ‬حضارة‭ ‬وعلوم‭ ‬ومجتمع‭ ‬عصره‭.‬

والأنثروبولوجيا‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أساسٍ‭ ‬على‭ ‬العناية‭ ‬بالثقافة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬مستهدفًا‭ ‬قراءة‭ ‬ورصد‭ ‬الظواهر‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬معتمدا‭ ‬على‭ ‬آلية‭ ‬الوصف‭ (‬الأثنوغرافيا‭) ‬وتفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر،‭ ‬ثم‭ ‬تحليلها،‭ ‬وقد‭ ‬استعانت‭ ‬مؤخرا‭ ‬بآليات‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬التأويلية‭ ‬الرمزية،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬الآليات‭ ‬المنهجية‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬تُستقرأ‭ ‬ظواهر‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬منطلقة‭ ‬من‭ ‬الازدواج‭ ‬الدّلالي‭ ‬للرمز؛‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬أحدهما‭ ‬معلنًا‭ ‬والآخر‭ ‬مضمرًا؛‭ ‬أي‭ ‬أنّ‭ ‬الدلالة‭ ‬المضمرة‭ ‬تكون‭ ‬عادةً‭ ‬لا‭ ‬شعورية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمؤلف‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للقارئ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يستلزم‭ ‬وجود‭ ‬تفكير‭ ‬معمّق‭ ‬بغية‭ ‬استخراج‭ ‬الدلالات‭ ‬المضمرة‭ ‬لهذه‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخطاب‭ ‬الأدبي2‭.‬

 

انفتاح‭ ‬الروايات‭ ‬السعودية

لعل‭ ‬انفتاح‭ ‬الروايات‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تصويرها‭ ‬مجتمع‭ ‬الآخر؛‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬فيه،‭ ‬واهتماماتهم‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬علاقة‭ ‬هذا‭ ‬الآخر‭ ‬بالمجتمع‭ ‬السعودي‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬ضمني،‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المرجعيات‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬انفتاح‭ ‬الروايات‭ ‬السعودية‭ ‬التحولات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتاجاتها‭ ‬الإبداعية‭ ‬وغيرها‭. ‬

إن‭ ‬أية‭ ‬ثقافة‭ ‬في‭ ‬تعبيرها‭ ‬عن‭ ‬الرؤى‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تنطبق‭ ‬من‭ ‬تمثيل‭ ‬ذاتها،‭ ‬ثم‭ ‬تنطلق‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬الآخر؛‭ ‬فـالا‭ ‬تخلو‭ ‬ثقافة‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬من‭ ‬تمثيل‭ ‬للذات‭ ‬أو‭ ‬للآخر،‭ ‬فالتمثيل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يعطي‭ ‬للجماعة‭ ‬صورة‭ ‬ما‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وعن‭ ‬الآخر،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬لهذه‭ ‬الجماعة‭ ‬معادلا‭ ‬لما‭ ‬يسميه‭ ‬بول‭ ‬ريكور‭ ‬بـاالهوية‭ ‬السرديةب‭ ‬للجماعة،‭ ‬أن‭ ‬تمثّل‭ ‬بالمعنى‭ ‬المسرحي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تتقمص‭ ‬الدور‭ ‬وتتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬وتفرض‭ ‬حضورك‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬وأن‭ ‬تمثّل‭ ‬بالمعنى‭ ‬النّيابي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تتحمّل‭ ‬مسؤولية‭ ‬النطق‭ ‬بالنّيابة‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭ ‬الممثَّلين،‭ ‬وهو‭ ‬وضعية‭ ‬لم‭ ‬تبلغها‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬ثقافة‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬وأتاح‭ ‬لها‭ ‬إمكانية‭ ‬التوسّع‭ ‬والامتداد‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬الوسيط،‭ ‬كما‭ ‬وفّر‭ ‬لها‭ ‬إمكانية‭ ‬كبيرة‭ ‬لاحتضان‭ ‬الآخرين‭ ‬المختلفين‭ ‬واستيعاب‭ ‬ثقافاتهم‭ ‬المتنوعةب3‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أية‭ ‬ثقافة‭ ‬تتطلب‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬النضج‭ ‬والوعي‭ ‬الذاتي‭ ‬لكي‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬المستكشف‭ ‬والمتبصر‭ ‬لثقافة‭ ‬الغير،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬لأية‭ ‬ثقافة؛‭ ‬فاستكشاف‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ثقافة‭ ‬الذات،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬تعدّ‭ ‬محورا‭ ‬أساسيا‭ ‬لبلورة‭ ‬مفهوم‭ ‬الذات‭ ‬ثقافيا،‭ ‬واستجلاء‭ ‬هوية‭ ‬المستكشِف‭ ‬بالاطلاع‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر،‭ ‬ثم‭ ‬إصدار‭ ‬آراء‭ ‬وأحكام‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭.‬

لقد‭ ‬استطاعت‭ ‬الثقافة‭ ‬السعودية‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬لنفسها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رواياتها‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭ ‬وثقافاتهم‭ ‬معنى‭ ‬التمثيل‭ ‬بمفهوميه؛‭ ‬المسرحي‭ ‬في‭ ‬تقمص‭ ‬دور‭ ‬الآخر،‭ ‬والنيابي‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الآخر،‭ ‬ليرى‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬الآخر،‭ ‬ويتحدث‭ ‬كما‭ ‬يتحدث،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُعنى‭ ‬هنا‭ ‬بالتحولات‭ ‬الثقافية،‭ ‬بحيث‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬الذات‭ ‬داخليا‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬واستيعاب‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬عالميا،‭ ‬ثم‭ ‬تصوير‭ ‬هذا‭ ‬الآخر‭ ‬تصويرا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دقيقا‭ ‬فيقترب‭ ‬منه،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تفوقها‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬ذاتها‭.‬

والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭ ‬محكوم‭ ‬بآلية‭ ‬الجذب‭ ‬والدمج‭ ‬والاحتضان،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬توفّرت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬بفضل‭ ‬الإسلام‭ ‬واعتماده‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬عالمية‭ ‬تبشّر‭ ‬برسالة‭ ‬توحيدية،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬هداية‭ ‬الناس‭ ‬أجمعين،‭ ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬هوية‭ ‬ثقافية‭ ‬منفتحة‭ ‬ومتسامحة،‭ ‬وتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انفتاح‭ ‬الهوية‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬واستيعابه‭ ‬استيعابا‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬تلك‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬معايشة‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬المساواة‭ ‬أو‭ ‬المساواة‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬مع‭ ‬الاختلاف‭ ‬والمغايرة‭ ‬لا‭ ‬استيعاب‭ ‬إخضاع‭ ‬وهيمنة4‭.‬

أفريقيا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة

المقصود‭ ‬بأفريقيا‭ ‬عند‭ ‬إطلاقها‭ ‬تلك‭ ‬القارة‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬مساحتها‭ (‬30.2‭ ‬مليون‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭)‬،‭ ‬وتعدّ‭ ‬اثاني‭ ‬قارات‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحجمب5،‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬مليار‭ ‬نسمة‭ ‬وفقاً‭ ‬لتقديرات‭ ‬2009،‭ ‬وتتكون‭ ‬من‭ ‬61‭ ‬إقليماً،‭ ‬و‭ ‬54‭ ‬دولةً،‭ ‬وتَحُدُّ‭ ‬القارة‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬البحرَ‭ ‬المتوسط،‭ ‬ومن‭ ‬الشمال‭ ‬الشرقي‭ ‬تحدّها‭ ‬قناةُ‭ ‬السويس‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومن‭ ‬الجنوب‭ ‬الشرقي‭ ‬والشرق‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬ومن‭ ‬الغرب‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي6‭.‬

وتشتمل‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬أعراق،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭ ‬نظراً‭ ‬للتقسيم‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬حداً‭ ‬فاصلاً‭ ‬اإلى‭ ‬قسمين‭ ‬مختلفين‭ ‬كل‭ ‬الاختلاف؛‭ ‬قسم‭ ‬يقع‭ ‬شمالها‭ ‬ويسمّون‭ (‬أفريقيا‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭)‬،‭ ‬وآخر‭ ‬يقع‭ ‬جنوبها‭ ‬ويسمون‭ (‬أفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭- ‬Africa‭ ‬South‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Sahara‭)‬ب،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المعني‭ ‬بأفريقيا‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭.‬

 

تعريف‭ ‬موجز‭ ‬بنماذج‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬المختارة‭:‬

ستستعين‭ ‬الدراسة‭ ‬لإنجاز‭ ‬أهداف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬وتصوير‭ ‬الوشم‭ ‬الأفريقي‭ ‬كما‭ ‬عكستها‭ ‬الروايات‭ ‬السعودية‭ ‬بثلاث‭ ‬روايات‭ ‬سعودية‭ ‬هي‭: ‬

رواية‭ ‬ميمونة‭: ‬للروائي‭ ‬محمود‭ ‬إبراهيم‭ ‬تراوري،‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬دائرة‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬سنة‭ ‬2002م،‭ ‬طبعت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دار‭ ‬مدى‭ ‬للنشر‭ ‬سنة‭ ‬2007م‭.‬

صوّرت‭ ‬الرواية‭ ‬معاناة‭ ‬عائلة‭ ‬إفريقية‭ ‬ذاقت‭ ‬الأمرّين‭ ‬في‭ ‬رحلتها‭ ‬من‭ ‬موطنها‭ ‬الأصلي،‭ ‬فاغتربت‭ ‬وهجرت‭ ‬خلاصا‭ ‬مما‭ ‬تعيشه‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬واستبداد‭ ‬المستعمر‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬مجاورة‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭.‬

رواية‭ ‬فخاخ‭ ‬الرائحة‭: ‬صدرت‭ ‬للروائي‭ ‬يوسف‭ ‬المحيميد‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬رياض‭ ‬الريس‭ ‬للكتب‭ ‬والنشر،‭ ‬والطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬نفسها‭ ‬سنة‭ ‬2006م،‭ ‬وقد‭ ‬تُرجمت‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬والفرنسية؛‭ ‬جاء‭ ‬عنوانها‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ (‬Wolves‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Crescent‭ ‬Moon‭) ‬أصدرها‭ ‬دار‭ (‬Penguin‭ ‬Books‭) ‬للمترجم‭ ‬أنتوني‭ ‬كالدربانك‭ (‬Anthony‭ ‬Calderbank‭)‬،‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬ديسمبر‭ ‬2007،‭ ‬بينما‭ ‬أتت‭ ‬الترجمة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بعنوان‭ (‬Loin‭ ‬de‭ ‬cet‭ ‬enfer‭) ‬يقابلها‭ ‬في‭ ‬العربية‭ (‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الجحيم‭) ‬ترجمها‭ ‬إيمانويل‭ ‬فارليت‭ (‬Emmanuel‭ ‬Varlet‭) ‬ونشرها‭ (‬Actes‭ ‬Sud‭ ‬edition‭)‬،‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬يونيو‭ ‬2007‭.‬

حشدت‭ ‬الرواية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬حياتية‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكن‭ ‬توحّدت‭ ‬همومها‭ ‬ذ‭ ‬تقريبًا‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬نقصٍ‭ ‬أو‭ ‬تشويهٍ‭ ‬في‭ ‬خِلقتها‭ ‬لغير‭ ‬عامل‭ ‬طبيعي،‭ ‬فطرّاد‭ ‬مقطوع‭ ‬الأذن،‭ ‬و‭ ‬ناصر‭ ‬مفقوء‭ ‬العين،‭ ‬والعم‭ ‬توفيق‭ ‬رقيق‭ ‬أسود‭ ‬مخصي؛‭ ‬فالروائي‭ ‬بذلك‭ ‬ايقيم‭ ‬تواشجًا‭ ‬وتواصلًا‭ ‬بين‭ ‬المنفيين،‭ ‬وتسلطًا‭ ‬متتابعًا‭ ‬ومتآزرًا‭ ‬من‭ ‬عالمهم‭ ‬الذي‭ ‬يغتالهم‭ ‬ليستعبدهم،‭ ‬وينفيهم‭ ‬ليبرأ‭ ‬من‭ ‬الالتصاق‭ ‬بنفيهمب11‭.‬

رواية‭ ‬سماء‭ ‬فوق‭ ‬أفريقيا‭: ‬رواية‭ ‬اسماء‭ ‬فوق‭ ‬أفريقياب‭ ‬لعلي‭ ‬الشدوي،‭ ‬وقد‭ ‬طُبعت‭ ‬الرواية‭ ‬مرتين‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬طوى‭ ‬للنشر،‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬سنة‭ ‬2007،‭ ‬والثانية‭ ‬سنة‭ ‬2013‭.‬

وتدور‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭ ‬عن‭ ‬مسافر‭ ‬أبيض‭ ‬البشرة‭ ‬متجها‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ (‬بلبلة‭) ‬الجيبوتية،‭ ‬أغدق‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬عيناه‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬تلك،‭ ‬تقاسيم‭ ‬وجوه‭ ‬الناس،‭ ‬همومهم،‭ ‬ملامحهم،‭ ‬المدينة‭ ‬وأشكال‭ ‬الثقافات‭ ‬والعادات،‭ ‬الفن‭ ‬والوشم،‭ ‬المساكن،‭ ‬الأسواق،‭ ‬التجمّعات،‭ ‬والطقوس‭ ‬الدينية،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يضنّ‭ ‬بإيجاد‭ ‬تفسيرات‭ ‬وتحليلات‭ ‬لما‭ ‬يقع‭ ‬عليه‭ ‬قلمه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ظاهرة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭.‬

في‭ ‬مفهوم‭ ‬الوشم‭ ‬والشلخ

لعل‭ ‬من‭ ‬الأجدر‭ ‬الابتداء‭ ‬بتحديد‭ ‬إطار‭ ‬مفهوم‭ ‬الوشم‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يشاركه‭ ‬في‭ ‬الدلالة‭ ‬في‭ ‬مدونات‭ ‬الدراسة‭ ‬كـاالشلخب‭ ‬وغيره‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬ممارساً‭ ‬لدى‭ ‬الأفارقة‭ ‬بإضفاء‭ ‬دلالاتٍ‭ ‬خاصة‭ ‬عليها‭.‬

لقد‭ ‬أتى‭ ‬المفهوم‭ ‬اللغوي‭ ‬لكلمة‭ ‬الوشم‭ ‬بأنه‭: ‬العلامات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬بإحداث‭ ‬النتوء‭ ‬في‭ ‬الجلد،‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬فيه‭ ‬بالنقش‭ ‬أو‭ ‬الغرز‭ ‬بإبرةٍ‭ ‬ونحوها12،‭ ‬قال‭ (‬ابن‭ ‬دريد‭): ‬االوشم‭ ‬شيءٌ‭ ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬تعمله‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬يغرزن‭ ‬أيديهن‭ ‬بالإبر‭ ‬ثم‭ ‬يحشونها‭ ‬بالنيل‭ ‬أو‭ ‬النؤورب13‭.‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬مفهومه‭ ‬الاصطلاحي‭ ‬بأنه‭ ‬اعملية‭ ‬تتم‭ ‬على‭ ‬عضو‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسد‭ ‬الإنساني‭ ‬والحيواني‭ ‬بوساطة‭ ‬التلوين‭ ‬الثابت‭ ‬والتلوين‭ ‬القابل‭ ‬للامحاء،‭ ‬بوساطة‭ ‬الغرز‭ ‬في‭ ‬الوشم‭ ‬الثابت،‭ ‬والنّقش‭ ‬والتخضيب‭ ‬في‭ ‬الوشم‭ ‬القابل‭ ‬للامحاءب14‭.‬

يظهر‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬تنوّع‭ ‬الوشم‭ ‬إلى‭ ‬نوعين؛‭ ‬أحدهما‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬غرزه‭ ‬تحت‭ ‬الجلد‭ ‬بواسطة‭ ‬إبرٍ‭ ‬وأدواتٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬فيثبت‭ ‬تحت‭ ‬الجلد‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬صاحبه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬هو‭ ‬المراد‭ ‬من‭ ‬الوشم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة؛‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬النوع‭ ‬الأكثر‭ ‬ممارسةً‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الأفريقية‭ ‬وتاريخها‭. ‬أما‭ ‬النوع‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الرسم‭ ‬بالحناء‭ ‬أو‭ ‬الأدوات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬إزالته‭ ‬بالسهولة‭ ‬إذا‭ ‬رغب‭ ‬عنه‭ ‬صاحبه‭.‬

أما‭ ‬الشّلخ‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬التماس‭ ‬تعريف‭ ‬صريح‭ ‬يمكن‭ ‬إسقاطه‭ ‬على‭ ‬الممارسة‭ ‬الأفريقية‭ ‬التي‭ ‬يُعنى‭ ‬بها‭: ‬تلك‭ ‬االخطوط‭ ‬المرسومة‭ ‬على‭ ‬الخدود‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الفصد‭ ‬بالموس،‭ ‬ولا‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬العلامات‭ ‬الموسومة‭ ‬على‭ ‬الجباه،‭ ‬أو‭ ‬العلامات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الكي‭ ‬بالنار‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬المحرقة‭ ‬على‭ ‬الوجهب15،‭ ‬فلم‭ ‬تعِ‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬الأفريقية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ثمة‭ ‬مراجعٌ‭ ‬عربيةٌ‭ ‬أطلقت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬االشلخب،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬يُعنى‭ ‬بها‭ ‬شلخ‭ ‬اللحم،‭ ‬وهو‭ ‬اشق‭ ‬بالطول‭ ‬والعرض،‭ ‬وشلخه‭ ‬بالسيف‭ ‬هبرهب16،‭ ‬والهبر‭ ‬بالسيف‭(‬قطعٌ‭ ‬في‭ ‬الشّيء‭ ‬وتقطُّع‭)‬17،‭ ‬ا‭ ‬قال‭ ‬الصَّاغانِيّ‭: ‬هو‭ ‬اسمٌ‭ ‬من‭ ‬هَبَر‭ ‬،‭ ‬أَي‭ ‬قَطَعب18،‭ ‬ا‭ ‬ويقال‭ ‬هبر‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬هبرة‭ ‬قطع‭ ‬له‭ ‬قطعة‭ ‬وهبره‭ ‬بالسيف‭ ‬قطعه‭ ‬بهب19‭.‬

فسواء‭ ‬أكان‭ ‬الشلخ‭ ‬نبرا‭ ‬بالسيف‭ ‬أو‭ ‬هبرا‭ ‬به،‭ ‬فقد‭ ‬يمكن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬إصابة‭ ‬استخدام‭ ‬الكلمة،‭ ‬وانطباق‭ ‬دلالتها‭ ‬على‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬يراد‭ ‬سحبه‭ ‬على‭ ‬الكلمة؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الممارسة‭ ‬الأفريقية‭ ‬التي‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬االشلخب‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬قطعٍ‭ ‬في‭ ‬جلد‭ ‬إنسانٍ‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬موضعٍ‭ ‬من‭ ‬مواضع‭ ‬في‭ ‬جسمه،‭ ‬وهذا‭ ‬القطع‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بالطول‭ ‬أو‭ ‬العرض‭ ‬أو‭ ‬بهما‭ ‬معاً،‭ ‬بأداة‭ ‬قطع‭ ‬حادة‭ ‬كالسيف،‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬بعد‭ ‬التئامه‭ ‬نتوءٌ‭ ‬أو‭ ‬بروزٌ‭ ‬في‭ ‬الجرح‭ ‬أو‭ ‬حافتيه‭.‬

 

حضور‭ ‬الوشم‭ ‬الأفريقي‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬السعودية

من‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬ورد‭ ‬فيها‭ ‬الوشم‭ ‬رواية‭ ‬اسماء‭ ‬فوق‭ ‬أفريقياب،‭ ‬ولم‭ ‬يُسع‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬عكس‭ ‬الوشم‭ ‬كظاهرةٍ‭ ‬ثقافيةٍ‭ ‬أفريقيةٍ‭ ‬قديمةٍ،‭ ‬أو‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬التقاليد‭ ‬الأفريقية‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تمارس‭ ‬باعتبارها‭ ‬انعكاسًا‭ ‬للرؤى‭ ‬الطبيعية‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يشاهده‭ ‬الأفريقي‭ ‬حوله،‭ ‬هذا‭ ‬باعتبار‭ ‬الوشم‭ ‬من‭ ‬الموروثات‭ ‬الشعبية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تداولتها‭ ‬المجتمعات‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬السنين،‭ ‬وجزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية،‭ ‬بل‭ ‬عكست‭ ‬الرواية‭ ‬ظاهرة‭ ‬الوشم‭ ‬كظاهرةٍ‭ ‬خاصةٍ‭ ‬بعصاباتٍ‭ ‬وتنظيماتٍ‭ ‬خاصةٍ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكّده‭ ‬التأويلات‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منها‭ ‬الرواية‭:‬

ا‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تحدثت‭ ‬معهم‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الوشوم،‭ ‬يؤلفون‭ ‬عنها‭ ‬حكايات‭ ‬بطريقتهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬لكن‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬وثقت‭ ‬فيها‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬الموشومين‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬كوادر‭ ‬حزبية‭ ‬دنيا،‭ ‬وتنظيمات‭ ‬سرية،‭ ‬فعندما‭ ‬انهارت‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الصومال،‭ ‬وقامت‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬تزايد‭ ‬اللاجئون،‭ ‬وبدؤوا‭ ‬يستخدمون‭ ‬الوشم‭ ‬والرسم‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬السياسية‭ ‬وإظهار‭ ‬العودةب20‭.‬

فاعتبرت‭ ‬الرواية‭ ‬الوشم‭ ‬وسيلةً‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬إظهار‭ ‬الولاء‭ ‬لعصاباتٍ‭ ‬أو‭ ‬انتماءاتٍ‭ ‬حزبيةٍ،‭ ‬أو‭ ‬تنظيماتٍ‭ ‬إجراميةٍ،‭ ‬وهذا‭ ‬الذي‭ ‬تعكسه‭ ‬الرواية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الممارسة‭ ‬حديثًا،‭ ‬وخاصةً‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬معيّن‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأفريقية‭ ‬المتعدّدة‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الرؤية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منها‭ ‬الرواية،‭ ‬فقد‭ ‬عكست‭ ‬كذلك‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تصاحب‭ ‬عملية‭ ‬الوشم،‭ ‬واستحضار‭ ‬بعض‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تؤديها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭:‬

امثلما‭ ‬سمعت،‭ ‬ترسم‭ ‬هذه‭ ‬الوشوم‭ ‬والرسومات‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬بلبلة‭ ‬وبأدوات‭ ‬بدائية‭: ‬مسامير‭ ‬وأسياخ‭ ‬مدببّة‭ ‬وحواف‭ ‬زنك‭ ‬مستعمل،‭ ‬أما‭ ‬الحبر‭ ‬فيحصلون‭ ‬عليه‭ ‬بحرق‭ ‬أحذيتهم،‭ ‬وخلط‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬احتراقها‭ ‬ببولهم،‭ ‬ولكي‭ ‬يتجنبوا‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬جروح‭ ‬عميقة‭ ‬يقرؤون‭ ‬عليها‭ ‬بعض‭ ‬الطلاسم‭ ‬العفريةب21‭.‬

لعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تذكر‭ ‬للوشم‭ ‬الوظيفة‭ ‬السحرية،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مستويات،‭ ‬كحماية‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬القتيل،‭ ‬وفي‭ ‬اعتباره‭ ‬تعويذةً‭ ‬ورقيةً‭ ‬تجلب‭ ‬المنافع‭ ‬وتدفع‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬العين‭ ‬الشريرة22،‭ ‬ولعل‭ ‬مما‭ ‬يساند‭ ‬الوشم‭ ‬على‭ ‬تأدية‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬غالبًا‭ ‬الطلاسم‭ ‬التي‭ ‬تصاحب‭ ‬إنجاز‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة،‭ ‬فليس‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬حمايتها‭ ‬من‭ ‬الجروح‭ ‬فقط‭ -‬كما‭ ‬تؤوّلها‭ ‬الرواية‭-‬،‭ ‬وإنما‭ ‬تشملها‭ ‬وغيرها‭ ‬مما‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬منها‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الشر‭ ‬وضروبه‭.‬

وقد‭ ‬استحضرت‭ ‬الرواية‭ ‬أشكال‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الوشوم‭ ‬بالوصف‭:‬

افهناك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأشكال،‭ ‬تحملها‭ ‬الأجساد‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بي‭: ‬رجلٌ‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬وشم‭ ‬على‭ ‬ذراعه‭ ‬أفعىً‭ ‬منطويةً‭ ‬على‭ ‬ذاتها،‭ ‬وآخر‭ ‬وشم‭ ‬نجمتين‭ ‬على‭ ‬كفه‭ ‬اليمنى،‭ ‬وثالث‭ ‬وشم‭ ‬على‭ ‬ذراعه‭ ‬شبكةً‭ ‬يحملها‭ ‬طائر،‭ ‬ورابع‭ ‬وشم‭ ‬عينا‭ ‬على‭ ‬جبهته،‭ ‬أما‭ ‬الوشم‭ ‬الذي‭ ‬آذى‭ ‬عيني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬فهو‭ ‬أذن‭ ‬رسمت‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أذنٍ‭ ‬مقطوعةٍب23‭.‬

ليس‭ ‬الغرض‭ ‬الأساسي‭ ‬هنا‭ ‬تقديم‭ ‬تأويل‭ ‬يعتبر‭ ‬الأصوب‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬جوانبه‭ ‬لهذه‭ ‬الوشوم‭ ‬المستحضرة،‭ ‬وإنما‭ ‬السعي‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬تؤديها‭ ‬الوشوم‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬مجتمعاتها،‭ ‬والفلسفة‭ ‬المؤطرة‭ ‬للرسالة‭ ‬المشفّرة‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬في‭ ‬طياتها؛‭ ‬فالحقيقة‭ ‬أن‭ ‬االوشم‭ ‬واحدٌ،‭ ‬والتأويلات‭ ‬لا‭ ‬تحصى،‭ ‬كأنه‭ ‬كتابةٌ‭ ‬تتولد‭ ‬معانيها‭ ‬بتعدد‭ ‬قراءاتها‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تلتقي‭ ‬تلك‭ ‬التأويلات‭ ‬مع‭ ‬قصد‭ ‬صاحب‭ ‬الوشم،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الحتمي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تلتقي‭ ‬قراءة‭ ‬نصٍ‭ ‬إبداعيٍّ‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬مقاصد‭ ‬صاحبهب24‭.‬

فقد‭ ‬يتضمّن‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬للوشوم‭ ‬وظائف‭ ‬متعددة؛‭ ‬سحرية،‭ ‬أو‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬تزيينية،‭ ‬لكن‭ ‬تركيز‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬الوشم‭ ‬الأخير‭: ‬اأما‭ ‬الوشم‭ ‬الذي‭ ‬آذى‭ ‬عيني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬فهو‭ ‬أذن‭ ‬رسمت‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أذنٍ‭ ‬مقطوعةٍب25،‭ ‬قد‭ ‬يعكس‭ ‬تصوير‭ ‬الأبعاد‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يحملها‭ ‬الوشم‭ ‬كوظيفةٍ‭ ‬إضافيةٍ‭ ‬ذات‭ ‬مرامٍ‭ ‬أبعد‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬تؤديها‭ ‬الوظائف‭ ‬الأخرى‭ ‬المذكورة،‭ ‬ويؤيد‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬استحضرت‭ ‬فيه‭ ‬الروايةُ‭ ‬هذا‭ ‬الوشم‭ ‬ماهية‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬النفسية؛‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬الوشوم‭ ‬إلى‭ ‬اعتبارها‭ ‬دوافع‭ ‬محفّزة‭ ‬لحامليها‭ ‬بإظهار‭ ‬منطويات‭ ‬عُقدهم‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬القتل‭ ‬والنهب‭ ‬والاغتصاب‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬الوشم‭ ‬في‭ ‬تأويله‭ ‬ومتعلقاته‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬النفسي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬المتلقي‭ ‬وهو‭ ‬الملاحظ‭ ‬القارئ‭ ‬للوشم‭ ‬ابعين‭ ‬المشمئز‭ ‬والمشفق،‭ ‬أبعدني‭ ‬فراغ‭ ‬الأذن‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الأجساد‭ ‬البشرية،‭ ‬وأدخلني‭ ‬فخ‭ ‬الوهم‭ ‬الفارغ‭ ‬بوجود‭ ‬الأشياء‭ ‬بعد‭ ‬زوالهاب26،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الوشم‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتقصد‭ ‬صاحبه‭ ‬لتأدية‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬ملاحظ‭ ‬وشمه‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أدّى‭ ‬تلك‭ ‬الوظيفة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المتلقّي‭.‬

أما‭ ‬الشلوخ‭ ‬فيتجلّى‭ ‬استحضارها‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬ميمونة‭ ‬باعتبارها‭ ‬رمزًا‭ ‬تعريفيًّا‭ ‬يختصّ‭ ‬كل‭ ‬قبيلة‭ ‬ومجموعة‭ ‬أفريقية‭ ‬بشكل‭ ‬معيّن،‭ ‬يستعان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬التعرّف‭ ‬على‭ ‬هويات‭ ‬الأفراد‭ ‬وانتماءاتها‭ ‬العرقية‭ ‬و‭ ‬الدينية‭:‬

افي‭ ‬أمكنتنا‭ ‬تحدّد‭ ‬خطوطٌ‭ ‬وشلوخٌ‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬ديانات‭ ‬الناس‭. ‬مضوا‭ ‬بجوارنا‭ ‬مملوئين‭ ‬بالشتائم‭ ‬تجاهلناهم‭ ‬حتى‭ ‬اختفوا‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬الغابة‭ ‬والنهر‭ ‬الذي‭ ‬يبنون‭ ‬قراهم‭ ‬على‭ ‬ضفافهب27‭.‬

االمهم‭ ‬أنني‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬وصلت‭ ‬منطقة‭ ‬الحصاحيصا،‭ ‬عشت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهرٍ‭ ‬هناك،‭ ‬تعرفت‭ ‬إلى‭ ‬أناسٍ‭ ‬كثيرين،‭ ‬هوامل‭ ‬وبعضهم‭ ‬موسوم‭ ‬في‭ ‬ظهره‭ ‬أو‭ ‬رقبتهب28‭.‬

تتجاذب‭ ‬الشلوخ‭ ‬لدى‭ ‬القبائل‭ ‬الأفريقية‭ ‬أهدافًا‭ ‬وظيفيّةً‭ ‬متعدّدة،‭ ‬لعل‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬اشعارٌ‭ ‬رئيسيٌّ‭ ‬تعرفه‭ ‬القبائل‭ ‬البدوية‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحاضر،‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬معيّنة‭ ‬في‭ ‬تصفيف‭ ‬شعورهم،‭ ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وبصفةٍ‭ ‬خاصةٍ‭ ‬في‭ ‬أفريقيا،‭ ‬يكون‭ ‬شعار‭ ‬القبيلة‭ ‬وشمًا‭ ‬أو‭ ‬اشلخًاب‭ ‬يحفر‭ ‬في‭ ‬عضو‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الإنسانب29،‭ ‬وإلى‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬سعت‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬هذه‭ ‬الشلوخ‭ ‬باعتبارها‭ ‬رمزًا‭.‬

فالشلخ‭ ‬يكون‭ ‬مفروضًا‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬بعض‭ ‬القبائل‭ ‬الأفريقية؛‭ ‬لتميِّزهم‭ ‬عن‭ ‬غيرهم،‭ ‬بل‭ ‬عدّ‭ ‬ذلك‭ ‬ابطاقةب‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬القارة،‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬بعضها‭ ‬متمسكةً‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر؛‭ ‬أمثال‭ ‬قبائل‭ ‬الهوسا،‭ ‬والزرما،‭ ‬وموسي،‭ ‬واليوربا،‭ ‬وأشنتي30‭. ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬الحكم‭ ‬بأنه‭ ‬يتناقض‭ ‬الوشم‭ ‬والشلخ‭ ‬مع‭ ‬المفهوم‭ ‬المعتاد‭ ‬له؛‭ ‬فالوشم‭ ‬الذي‭ ‬يستعمله‭ ‬الأفريقي‭ ‬ليس‭ ‬وشمًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬لدى‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬لدى‭ ‬الغرب‭ ‬اليوم،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬علاماتٌ‭ ‬ورموزٌ‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬تؤدّي‭ ‬وظائف‭ ‬متعددة‭.‬

إن‭ ‬تلك‭ ‬الخدوش‭ ‬والوشوم‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬الأفريقيّ،‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬رموزًا‭ ‬وعلاماتٍ،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنها‭: ‬الغةٌ‭ ‬تواصلية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬قبائل‭ ‬وسط‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فكلّ‭ ‬علامةٍ‭ ‬لها‭ ‬دلالتها‭ ‬اللغوية،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الكتابة‭ ‬المنظّمة‭ ‬لا‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات،‭ ‬فظهور‭ ‬علامة‭ ‬الحرف‭ ‬ينطوي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬تحوّل‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬العالم،‭ ‬والرمز‭ ‬عند‭ ‬البدائيين‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬داخل‭ ‬الشكل‭ ‬الخطّي‭ ‬للتطور‭ ‬وليس‭ ‬داخل‭ ‬الشكل‭ ‬الخطي‭ ‬لأبجدة‭ ‬ما،‭ ‬إن‭ ‬شئنا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬كتابةٍ‭ ‬ما،‭ ‬فيجب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬الوشم،‭ ‬والأقنعة،‭ ‬والتماثيل،‭ ‬والجدرانيات‭ ‬الصخرية،‭ ‬تتكلم‭ ‬بنفسها‭ ‬وتتحدث‭ ‬عن‭ ‬ماهيتهاب31،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬الكتابة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬هؤلاء‭ ‬البدائيين‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يستشري‭ ‬توظيف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬في‭ ‬أوساطهم‭ ‬كوسيلة‭ ‬بديلة‭ ‬للتعبير‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬فنّي‭ ‬متميز‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الوشم‭ ‬والشلخ‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬فنٌّ‭ ‬تعبيريٌّ‭ ‬يأتي‭ ‬محمّلًا‭ ‬بقيمٍ‭ ‬فنّيةٍ‭ ‬جماليّةٍ‭ ‬تعكس‭ ‬فرادة‭ ‬القدرة‭ ‬الإبداعية‭ ‬للفنان،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬فنًّا‭ ‬يتميز‭ ‬بذاتية‭ ‬مبدعه،‭ ‬كما‭ ‬يأتي‭ ‬محمّلًا‭ ‬بقيمٍ‭ ‬تعبيريّةٍ‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬الجماعة‭ ‬والبيئة‭ ‬التي‭ ‬أضافت‭ ‬المعنى‭ ‬لهذا‭ ‬الرمز،‭ ‬ليدلّ‭ ‬على‭ ‬مفهومٍ‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬عند‭ ‬رؤيته،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬تعبيرًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬عن‭ ‬معنىً‭ ‬معين‭.‬

فيعدّ‭ ‬الوشم‭ ‬في‭ ‬نسقه‭ ‬الأفريقي‭ ‬خطابًا‭ ‬فنّيًا‭ ‬من‭ ‬جانبٍ،‭ ‬وخطابًا‭ ‬تعبيريًّا‭ ‬قبَليًا‭ ‬منغلقًا،‭ ‬يتخذه‭ ‬أفراد‭ ‬القبيلة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لإحداث‭ ‬التواصل،‭ ‬تغني‭ ‬رؤيته‭ ‬عن‭ ‬مزيد‭ ‬استيضاح‭ ‬معانيها‭ ‬وشفرة‭ ‬رموزها‭ ‬لدى‭ ‬أفراد‭ ‬القبيلة،‭ ‬فيمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬ممارسة‭ ‬عملية‭ ‬الوشم‭ ‬أو‭ ‬الشلخ‭ ‬ابتداء‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنه‭ ‬عمل‭ ‬فني،‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬فنّيته‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الفنان‭ ‬التشكيلي‭ ‬والرسام‭ ‬والنحّات‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الأفريقي‭ ‬في‭ ‬تصويرٍ‭ ‬تفاعليٍّ‭ ‬بين‭ ‬ذاته‭ ‬وموضوعه‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطًا‭ ‬شديدًا‭ ‬برؤاه‭ ‬للكون،‭ ‬فلذلك‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يوازيه‭ ‬شعائر‭ ‬وطقوس‭ ‬دينية‭ ‬تعكس‭ ‬صورة‭ ‬معتقده‭ ‬في‭ ‬فنّه،‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬فردي‭ ‬واجتماعي‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭.‬

 

الخاتمة

يخلص‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬عني‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬الوشم‭ ‬والشلخ،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الأفريقية‭ ‬التي‭ ‬تصاحبها‭ ‬طقوسٌ‭ ‬وشعائرٌ‭ ‬دينية،‭ ‬تؤدى‭ ‬بها‭ ‬وظائف‭ ‬متعددة‭.‬

أما‭ ‬الوشم‭ ‬فقد‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬اسماء‭ ‬فوق‭ ‬أفريقياب‭ ‬كظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬مغلقة‭ ‬خاصة‭ ‬بالعصابات‭ ‬الخاصة‭ ‬والتنظيمات‭ ‬الإجرامية،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬وظيفة‭ ‬نفسية‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬الباحث‭-‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬سياق‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬وتأويلها‭ ‬فيها،‭ ‬فعكس‭ ‬الوشم‭ ‬الوظيفة‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬الإحساس‭ ‬الداخلي‭ ‬للفرد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬استعاضة‭ ‬الوشم‭ ‬بالعضو‭ ‬الإنساني‭. ‬

وأظهرت‭ ‬رواية‭ ‬اميمونةب‭ ‬ورواية‭ ‬افخاخ‭ ‬الرائحةب‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لظاهرة‭ ‬الشلوخ؛‭ ‬إذ‭ ‬تعُدّ‭ ‬القبيلة‭ ‬الأفريقية‭ ‬أن‭ ‬وشم‭ ‬أو‭ ‬شلخ‭ ‬شكلٍ‭ ‬معيّن‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬معيّن‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬بمثابة‭ ‬هوية‭ ‬أفرادها،‭ ‬بذلك‭ ‬عدّ‭ ‬الباحث‭ ‬الظاهرتين‭ ‬خطابًا‭ ‬تعبيريًّا‭ ‬يأتي‭ ‬محمّلا‭ ‬بقيم‭ ‬فنية‭ ‬جمالية،‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬الجماعة‭ ‬والبيئة‭ ‬التي‭ ‬أضافت‭ ‬المعنى‭ ‬لهذا‭ ‬الرمز،‭ ‬ليدلّ‭ ‬على‭ ‬مفهومٍ‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬عند‭ ‬رؤيته،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬تعبيرًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬معين،‭ ‬كما‭ ‬تعكس‭ ‬فرادة‭ ‬القدرة‭ ‬الإبداعية‭ ‬للفنان‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬فنًّا‭ ‬يتميز‭ ‬بذاتية‭ ‬مبدعه‭.‬