اللغة العدد
التناص القرآني في الشعر الشعبي الجزائري محمد بلخير أنموذجا.
التناص القرآني في الشعر الشعبي الجزائري محمد بلخير أنموذجا.
العدد 47 - أدب شعبي

 

د‭. ‬أمحمد‭ ‬بودية،‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬الجزائر

 

ظهرت‭ ‬الارهاصات‭ ‬الأولى‭ ‬للتناص‭ ‬Intertextualité‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬السيميائي‭ ‬اميخائيل‭ ‬باختينب1،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ (‬1928،‭ ‬1929‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬اأول‭ ‬من‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬الحواري‭ ‬للنص‭ ‬الأدبيب2،‭ ‬ثم‭ ‬ظهر‭ ‬مصطلح‭ ‬التناص‭ ‬جليا‭ ‬عند‭ ‬تلميذته‭ ‬اجوليا‭ ‬كريستيفا‭ ‬الأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أبحاثها‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1966‭ ‬و1967،‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬نشر‭ ‬على‭ ‬مجلة‭ ‬تل‭ ‬كيل‭ ‬telquel‭ ‬وكتابيها؛‭ ‬سيميوتيك‭ ‬sémiotique‭ ‬ونص‭ ‬الرواية‭ ‬le‭ ‬texte du roman،‭ ‬والتناص‭ ‬عند‭ ‬كريستيفا‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬إنتاج‭ ‬نصوص‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬عندها‭ ‬بالإنتاجية‭ ‬النصية،‭ ‬افتقنية‭ ‬التناص‭ ‬عندها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬نص‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مدلولات‭ ‬خطابية‭ ‬متباينة‭ ‬التاريخ،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬نص‭ ‬فيها‭ ‬معزولا‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬النصوصب3،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬سينشأ‭ ‬فضاء‭ ‬نصي‭ ‬متعدد‭ ‬داخل‭ ‬النص‭ ‬الواحد‭ ‬وتستدعى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬جميع‭ ‬النصوص‭ ‬لتتداخل‭ ‬نصيا،‭ ‬وتترابط‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬بخيط‭ ‬واحد،‭ ‬ولهذا‭ ‬ترى‭ ‬كريستيفا‭ ‬أن‭ ‬التناص‭ ‬اهو‭ ‬حوار‭ ‬النصوص‭ ‬أو‭ ‬امتصاص‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬انعكاس‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نص،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬ترحال‭ ‬للنصوص،‭ ‬ففي‭ ‬فضاء‭ ‬النص‭ ‬تتقاطع‭ ‬وتتلاقى‭ ‬ملفوظات‭ ‬عديدة‭ ‬مقتطعة‭ ‬مع‭ ‬نصوص‭ ‬أخرىب4،‭ ‬وتتضح‭ ‬آلية‭ ‬التناص‭ ‬عند‭ ‬كريستيفا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهومين‭ ‬أساسين‭ ‬هما‭:‬

الاستدعاء‭ (‬ترحال‭ ‬النصوص‭): ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬إنتاج‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استدعاء‭ ‬نصوص‭ ‬أدبية‭ ‬سابقة‭ ‬وإدماجها‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬بنيوية‭ ‬لخدمة‭ ‬النص‭ ‬الجديد‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬اللغة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التفكيك‭ ‬وإعادة‭ ‬البناء‭.‬

التحويل‭ (‬إعادة‭ ‬التوزيع‭): ‬ليس‭ ‬التناص‭ ‬تجميعا‭ ‬عشوائيا‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إذابة‭ ‬وصهر‭ ‬للمعارف‭ ‬السابقة‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬تنظيما‭ ‬وترتيبا‭ ‬وصبها‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الجديد‭ ‬فتبنى‭ ‬علائق‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬والنص‭ ‬الحاضر،‭ ‬وقد‭ ‬حددت‭ ‬اكريستيفاب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ثلاثة‭ ‬أقسام‭ ‬من‭ ‬النصوص5،‭ ‬عبر‭ ‬مستويات‭ ‬ثلاث‭:‬

النفي‭ ‬الكلي،‭ ‬وفيه‭ ‬يكون‭ ‬المقطع‭ ‬الدخيل‭ ‬منفيا‭ ‬كليا‭ ‬ومعنى‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬مقلوبا‭ ‬فيصبح‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬المحال‭ ‬عليه‭ ‬نصا‭ ‬تفسيريا‭.‬

النفي‭ ‬الموازي،‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬النصوص‭ ‬الغائبة‭ ‬بطريقة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬مصطلحي‭ ‬االتضمينب‭ ‬واالاقتباسب‭ ‬حيث‭ ‬يبقى‭ ‬المعنى‭ ‬المنطقي‭ ‬للنصين‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭. ‬

النفي‭ ‬الجزئي،‭ ‬وفيه‭ ‬يأخذ‭ ‬المبدع‭ ‬بنية‭ ‬جزئية‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ ‬يمزجه‭ ‬بنصه،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ (‬المرجعي‭) ‬منفيا‭ ‬كله‭ ‬أو‭ ‬بعضه‭.‬

فالمنتج‭ (‬الكاتب،‭ ‬الشاعر‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬دائما‭ ‬رسم‭ ‬الحدود‭ ‬ويصعب‭ ‬عليه‭ ‬ذلك‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ (‬الماضي‭) ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬انتاج‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ (‬الجديد‭) ‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭ ‬ليرقى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبدعا‭ ‬لا‭ ‬مقلدا‭.‬

ثم‭ ‬أثار‭ ‬مفهوم‭ ‬التناص‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬بعد‭ ‬اكريستيفاب‭ ‬لعل‭ ‬أهمهم‭ ‬ارولان‭ ‬بارثب‭ ‬واميشيل‭ ‬فوكوب‭ ‬وادومنيك‭ ‬مانجوب‭ ‬واأمبرطو‭ ‬إيكوب،‭ ‬واريفاتيرب‭ ‬واجيرار‭ ‬جينيتب،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬للتناص‭ ‬مفهوما‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬فساعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬توسع‭ ‬استعمال‭ ‬مصطلح‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الغربية‭ ‬والعربية،‭ ‬لذا‭ ‬احظيت‭ ‬الأشكال‭ ‬التي‭ ‬يتخذها‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬بدراسات‭ ‬موسعة‭ ‬لدى‭ ‬علماء‭ ‬البلاغة‭ ‬والنقد‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمعارضات‭ ‬الشعرية،‭ ‬والسرقات‭ ‬الأدبية‭ ‬والاقتباس،‭ ‬والتضمين،‭ ‬والاستشهاد،‭ ‬والإبداع،‭ ‬والإحالات،‭ ‬والموازنة،‭ ‬والاكتفاء،‭ ‬والاحتباك،‭ ‬والتمثيل،‭ ‬وائتلاف‭ ‬المعنى‭ ‬على‭ ‬المعنى،‭ ‬والتلميح،‭ ‬والتوليد،‭ ‬والنوادر،‭ ‬والاستخدام،‭ ‬والموارية،‭ ‬والتورية،‭ ‬والإشارة،‭ ‬والادماج،‭ ‬والتتبعب6‭.‬

‭ ‬فـادومينيك‭ ‬مانجوب‭ ‬يعطي‭ ‬مفهوما‭ ‬آخر‭ ‬لمصطلح‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬امدخل‭ ‬إلى‭ ‬مناهج‭ ‬تحليل‭ ‬الخطابب‭ ‬على‭ ‬اأنه‭ ‬مجموع‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬نصا‭ ‬ما‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الأخرى‭ ‬وتتجلى‭ ‬من‭ ‬خلالهب7‭.‬

أما‭ ‬ا‭ ‬أمبرطو‭ ‬إيكوب‭ ‬فقد‭ ‬جنح‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬االمشي‭ ‬خارج‭ ‬النصب،‭ ‬ذلك‭ ‬لاستنباط‭ ‬جميع‭ ‬رموزه‭ ‬وشفراته‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬الإشارات‭ ‬والرموز‭ ‬والعلامات‭ ‬والنصوص‭ ‬الغائبة‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬امتزج‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬القارئ‭ (‬المتلقي‭) ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬لفك‭ ‬جل‭ ‬رموز‭ ‬هذا‭ ‬النص‭. ‬

ثم‭ ‬طور‭ ‬ا‭ ‬جيرار‭ ‬جنيتب‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬مفهوم‭ ‬التناص‭ ‬وعرَّفَه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬احضور‭ ‬نص‭ ‬أو‭ ‬عدة‭ ‬نصوص‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬آخر‭ ‬حضورا‭ ‬فعلياب8،‭ ‬واستعمل‭ ‬مصطلح‭ ‬المتعاليات‭ ‬النصية‭ ‬بدل‭ ‬التناص‭ ‬ويقصد‭ ‬بالتعالي‭: ‬اما‭ ‬يجعل‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬ظاهرة‭ ‬أو‭ ‬ضمنية‭ ‬مع‭ ‬نصوص‭ ‬أخرىب9،‭ ‬وتنقسم‭ ‬هذه‭ ‬المتعاليات‭ ‬النصية‭ ‬عنده‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬هي10‭:‬

التناص‭: (‬Intertextualité‭) ‬هو‭ ‬ما‭ ‬صاغته‭ ‬اكريستيفاب‭ ‬وهو‭ ‬يمثل‭ ‬الحضور‭ ‬الفعلي‭ ‬لنص‭ ‬داخل‭ ‬نص‭ ‬آخر‭ ‬بواسطة‭ ‬الاستشهاد‭ ‬أو‭ ‬التلميح‭ ‬

المناص‭ (‬para‭ ‬texte‭): ‬ويشمل‭ ‬كل‭ ‬مكونات‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬عتبات‭ ‬النص‭ ‬مثل‭: ‬العناوين‭ ‬والعناوين‭ ‬الفرعية‭ ‬والعنوان‭ ‬الداخلي‭ ‬والديباجات‭ ‬والحواشي‭ ‬والرسوم‭ ‬ثم‭ ‬نوع‭ ‬الغلاف‭ ‬وكلمات‭ ‬الناشر‭. ‬

الميتاناص‭ (‬Méta‭ ‬textualité‭): ‬وهو‭ ‬علاقة‭ ‬التعليق‭ ‬والتفسير‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬نصا‭ ‬بنص‭ ‬آخر‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬دون‭ ‬الاستشهاد‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬استدعائه‭.‬

معيارية‭ ‬النص‭ (‬Archetesxtualité‭): ‬أي‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬نص‭ ‬ما‭. ‬لأن‭ ‬تمييز‭ ‬الأنواع‭ ‬الأدبية‭ ‬يوجه‭ ‬عملية‭ ‬القراءة‭.‬

التعليق‭ ‬النصي‭ (‬Hyper‭ ‬textualité‭): ‬ويقصد‭ ‬به‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬النص‭ (‬ب‭) ‬Hypertexte‭ ‬بنص‭ ‬سابق‭ (‬أ‭) ‬Hypo‭ ‬texte‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬بالأدب‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬تحويل‭ ‬ومحاكاة‭. ‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬دخل‭ ‬مصطلح‭ ‬التناص‭ ‬مرحلة‭ ‬النضج‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1979‭ ‬و1982‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬اريفاتيرب‭ ‬لاسيما‭ ‬كتابيه‭ ‬اإنتاجية‭ ‬النصب‭ ‬واسيميائية‭ ‬الشعرب‭ ‬وقد‭ ‬خلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التناص‭ ‬هو‭: ‬املاحظة‭ ‬القارئ‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬عمل‭ ‬أدبي‭ ‬وأعمال‭ ‬أخرى‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬لاحقة‭ ‬عليهب11‭. ‬

أما‭ ‬من‭ ‬الكتاَّب‭ ‬العرب‭ ‬فقد‭ ‬اهتم‭ ‬بنظرية‭ ‬التناص‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬أمثال‭: ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الغذامي‭ ‬وصلاح‭ ‬فضل‭ ‬وعبد‭ ‬المالك‭ ‬مرتاض‭ ‬ومحمد‭ ‬مفتاح‭ ‬وعبد‭ ‬القادر‭ ‬فيدوح‭...‬إلخ‭.‬

الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الملحون‭ ‬الفحول‭ ‬ولد‭ ‬حوالي‭ ‬سنة‭ ‬1822م،‭ ‬بالواد‭ ‬المالح‭ (‬ولاية‭ ‬عين‭ ‬تموشنت‭)‬،‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البيض،‭ ‬نفي‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬كورسكا‭ ‬سنة‭ ‬1884م،‭ ‬جراء‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬أود‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ،‭ ‬توفي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭: ‬1904م‭ ‬و1906م،‭ ‬كان‭ ‬صديقا‭ ‬حميما‭ ‬ومقاتلا‭ ‬شرسا‭ ‬مع‭ ‬الشيخ‭ ‬بوعمامة،‭ ‬قاوم‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬بسيفه‭ ‬وشعره،‭ ‬دفين‭ ‬منطقة‭ ‬بوعلام‭ ‬ولاية‭ ‬البيض12‭. ‬

لقد‭ ‬مارس‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬نضالا‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحرير‭ ‬الوطن،‭ ‬إنه‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحرير‭ ‬الشعوب‭ ‬وفضح‭ ‬الأساليب‭ ‬التخريبية‭ ‬للمستعمر،‭ ‬وما‭ ‬الثورة‭ ‬إلا‭ ‬غاية‭ ‬يسعى‭ ‬الشعر‭ ‬لمعانقتها‭ ‬وخدمتها‭ ‬والاحتماء‭ ‬بها،‭ ‬لذا‭ ‬كانت‭ ‬جل‭ ‬أشعار‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬ثورية‭ ‬تقاوم‭ ‬الاستعمار‭ ‬وتفضح‭ ‬أساليبه‭ ‬ودسائسه،‭ ‬والشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬والرسمي‭ ‬كلاهما‭ ‬عرف‭ ‬دوره‭ ‬وأيقن‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬دبابة‭ ‬ورشاش،‭ ‬يقول‭ ‬شاعر‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية‭ ‬مفدي‭ ‬زكريا‭ ‬13‭:‬

نطق‭ ‬الرصاص‭ ‬فما‭ ‬يباح‭ ‬كلام

وجرى‭ ‬القصاص‭ ‬فما‭ ‬يتاح‭ ‬ملام

السيف‭ ‬أصدق‭ ‬لهجة‭ ‬من‭ ‬أحرف

كتبـت‭ ‬فكـان‭ ‬بـيـانها‭ ‬الابهام

ويقول‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الصدد‭:‬14

إلي‭ ‬باغى‭ ‬الجنة‭ ‬يضاد‭ ‬الكافرين

وإلي‭ ‬باغي‭ ‬الهانة‭ ‬بغى‭ ‬التمزان

رانا‭ ‬في‭ ‬قير‭ ‬مع‭ ‬الرايس‭ ‬متومنين

وبرابر‭  ‬بنا‭ ‬زاهية‭  ‬وعربان‭ ‬

الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬دائما‭ ‬يؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬ويحمل‭ ‬رسالة‭ ‬ثورية‭ ‬مقدسة،‭ ‬قرضه‭ ‬أصحابه‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬أو‭ ‬حبا‭ ‬لرص‭ ‬كلماته‭ ‬وإنما‭ ‬خدمة‭ ‬لثورة‭ ‬حررت‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬هي‭ ‬الثورة‭ ‬لا‭ ‬القيمة‭ ‬الجمالية‭ ‬للفن‭ ‬الشعري،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يحقق‭ ‬الشعر‭ ‬غايته‭ ‬حينما‭ ‬يحول‭ ‬القيم‭ ‬الثورية‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬فنية،‭ ‬وتصبح‭ ‬القيمة‭ ‬الثورية‭ ‬عنصرا‭ ‬مكونا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العناصر‭ ‬الأخرى‭ ‬تستقي‭ ‬أبعادها‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الشعري‭. ‬

تتلاحم‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬وتتلون‭ ‬بلون‭ ‬واحد‭ ‬وتمتزج‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬القصيدة‭ ‬الشعبية،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬طغت‭ ‬القيمة‭ ‬الثورية‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬القيم‭ ‬فإنها‭ ‬تتحقق‭ ‬مقصدية‭ ‬القصيدة‭ ‬وتختفي‭ ‬فنيتها‭ ‬فتسمو‭ ‬بمضمونها‭ ‬الثوري‭ ‬لا‭ ‬بقيمتها‭ ‬الفنية،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬تستوي‭ ‬القصيدة‭ ‬مع‭ ‬النشاطات‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬تعانق‭ ‬الثورة‭ ‬وتعبر‭ ‬عنها‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬يتميز‭ ‬عنها‭ ‬بقيمه‭ ‬الجمالية‭ ‬والتعبيرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانفعال‭ ‬الفني‭ ‬للشاعر‭.‬

لقد‭ ‬سيطرت‭ ‬القيم‭ ‬الثورية‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬فترات‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭ ‬والحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬أمثال‭: ‬مفدي‭ ‬زكريا،‭ ‬محمد‭ ‬العيد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬محمد‭ ‬بلخير،‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف،‭ ‬صالح‭ ‬خرفي‭ ... ‬حيث‭ ‬انطبعت‭ ‬قصائدهم‭ ‬بالخطابية‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬تدعو‭ ‬للثورة‭ ‬والجهاد‭ ‬والحرية‭ ‬وبث‭ ‬الحماس‭ ‬وضعضعة‭ ‬صفوف‭ ‬العدو‭ ‬وهز‭ ‬أركان‭ ‬المستعمر،‭ ‬وربما‭ ‬لمسوا‭ ‬في‭ ‬القالب‭ ‬الحماسي‭ ‬ما‭ ‬يتجاوب‭ ‬مع‭ ‬ضجيج‭ ‬المعركة‭ ‬وقعقعة‭ ‬سلاحها‭ ‬فرفعوا‭ ‬صورة‭ ‬الأدب‭ ‬المنفعل‭ ‬بالأمس‭ ‬وكان‭ ‬صورة‭ ‬للأدب‭ ‬الفاعل15‭.‬

يسعى‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الثوري‭ ‬لتوصيل‭ ‬فكرة‭ ‬فيلجأ‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬استعمال‭ ‬الرمز‭ ‬ويختار‭ ‬ألفاظه‭ ‬بتفان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تماثلها‭ ‬وتشاكلها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدلالة‭ ‬والوزن،‭ ‬ولكن‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تفتقد‭ ‬القصيدة‭ ‬الثورية‭ ‬وحدتها‭ ‬العضوية‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬التلاعب‭ ‬بالأبيات‭ ‬وتغيير‭ ‬أماكنها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرتبك‭ ‬المعنى‭.‬

وتطغوا‭ ‬النبرة‭ ‬الخطابية‭ ‬واللغة‭ ‬النثرية‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬التي‭ ‬قالها‭ ‬بمناسبة‭ ‬الغزو‭ ‬الفرنسي‭ ‬للمناطق‭ ‬الغربية‭ ‬للجزائر،‭ ‬ولأن‭ ‬الشاعر‭ ‬كان‭ ‬جنديا‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الوغى‭ ‬فقد‭ ‬التهبت‭ ‬اللغة‭ ‬الثورية‭ ‬لديه‭ ‬فكانت‭ ‬حماسية‭ ‬مباشرة‭ ‬تقريرية،‭ ‬ولم‭ ‬يتجاوز‭ ‬التصوير‭ ‬الألوان‭ ‬البيانية‭ ‬المعروفة‭ ‬من‭ ‬تشبيه‭ ‬واستعارة‭ ‬وكناية‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التناص،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬الشعر‭ ‬يقتات‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬ومن‭ ‬واقعه‭ ‬ومن‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬تراثية16‭. ‬

إن‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬اهتم‭ ‬بكل‭ ‬القضايا‭ ‬الوطنية‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمتزج‭ ‬بالهوية‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬ولغة‭ ‬ووطن،‭ ‬ونالت‭ ‬قضية‭ ‬التحرر‭ ‬حصة‭ ‬الأسد‭ ‬وارتبط‭ ‬موضوع‭ ‬الثورة‭ ‬بها‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬دائما‭ ‬شعريا‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬بل‭ ‬اكتسب‭ ‬شعريته‭ ‬أحيانا‭ ‬بواسطة‭ ‬لغة‭ ‬تحرره‭ ‬وتفتح‭ ‬أمامه‭ ‬آفاقا‭ ‬دلالية‭ ‬شاسعة‭ ‬تسمو‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬اللامحدود‭ ‬وتحلق‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬المثالي‭.‬

 

تجليات‭ ‬التناص‭ ‬القرآني

في‭ ‬شعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير

كل‭ ‬شعراء‭ ‬الملحون‭ ‬وبدون‭ ‬استثناء‭ ‬وحتى‭ ‬الأميين‭ ‬منهم‭ ‬أخذوا‭ ‬بعض‭ ‬مفردات‭ ‬أشعارهم‭ ‬وسياقاتها‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬لأن‭ ‬تكوينهم‭ ‬كان‭ ‬دينيا‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬ودرس‭ ‬معظمهم‭ ‬في‭ ‬الكتاتيب‭ ‬والزوايا‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬في‭ ‬تعلقهم‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬ألفاظا‭ ‬ومعان،‭ ‬وممن‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬التعليم‭ ‬كشاعرنا‭ ‬بلخير‭ ‬كفاه‭ ‬أن‭ ‬يحضر‭ ‬مختلف‭ ‬المجالس‭ ‬والمناسبات‭ ‬أين‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬القرآن‭ ‬جماعة‭ ‬في‭ ‬الأفراح‭ ‬والأحزان‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬و‭ ‬قراءة‭ ‬الحزب‭ ‬الراتب‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تخلو‭ ‬منه‭ ‬جل‭ ‬مساجد‭ ‬الجزائريين،‭ ‬وصلاة‭ ‬التراويح‭ ‬أين‭ ‬يختم‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬ليالي‭ ‬رمضان،‭ ‬فقد‭ ‬استحضر‭ ‬الشاعر‭ ‬بعض‭ ‬الآيات‭ ‬القرآنية‭ ‬التي‭ ‬سمعها‭ ‬وخالطت‭ ‬وجدانه‭ ‬وتفاعل‭ ‬معها‭ ‬تفاعلا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أبياته‭ ‬الشعرية‭ ‬فساعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الدلالة‭ ‬المقصودة‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الجديد،‭ ‬اوقد‭ ‬كان‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬أول‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬استأثرت‭ ‬بعناية‭ ‬الشاعر‭ ‬المعاصر،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬اللامحدود‭ ‬للحياة‭ ‬وللإنسانب17‭ ‬استحضر‭ ‬الشاعر‭ ‬بعض‭ ‬ألفاظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وتفاعل‭ ‬معها‭ ‬ويتجلى‭ ‬هذا‭ ‬التناص‭ ‬كالآتي،‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬

ما‭ ‬دُومْ‭ ‬الدُّنْيَا‭ ‬لَبْدَا‭                             ‬الدَّايِمْ‭ ‬الْحَيْ‭ ‬الْقَدِيرْ18

الشاعر‭ ‬في‭ ‬الشطر‭ ‬الأول‭ ‬أعاد‭ ‬كتابة‭ ‬النص‭ ‬وفق‭ ‬متطلبات‭ ‬تجربته‭ ‬ووعيه‭ ‬الفني‭ ‬بحقيقة‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتناص‭ ‬الامتصاصي،‭ ‬والنص‭ ‬الذي‭ ‬امتصه‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿فَلْيُقَاتِلْ‭ ‬فِي‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَشْرُونَ‭ ‬الْحَيَاةَ‭ ‬الدُّنْيَا‭ ‬بِالْآخِرَةِ‭ ‬وَمَنْ‭ ‬يُقَاتِلْ‭ ‬فِي‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬فَيُقْتَلْ‭ ‬أَوْ‭ ‬يَغْلِبْ‭ ‬فَسَوْفَ‭ ‬نُؤْتِيهِ‭ ‬أَجْرًا‭ ‬عَظِيمًا﴾‭ ‬الآية‭ ‬74‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النساء،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التناص‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬كجوهر‭ ‬قابل‭ ‬للتجديد،‭ ‬وبذلك‭ ‬يستمر‭ ‬النص‭ ‬غائبا‭ ‬غير‭ ‬ممحو،‭ ‬ويحيا‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يموت‭.  

ومعنى‭ ‬الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬لهذا‭ ‬البيت‭ ‬مأخوذ‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿الله‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬هو‭ ‬الحي‭ ‬القيوم﴾‭ (‬جزء‭ ‬من‭ ‬الآية‭ ‬255‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭)‬،‭ ‬وغُيِّرت‭ ‬لفظة‭ ‬االقيومب‭ ‬بلفظة‭ ‬االقديرب‭ ‬جريا‭ ‬وراء‭ ‬القافية،‭ ‬فهذا‭ ‬الشطر‭ ‬إذا‭ ‬موضوع‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬سابق‭ ‬ساهمت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬بنائه،‭ ‬وهذه‭ ‬الآية‭ ‬تستجيب‭ ‬لتجربة‭ ‬الشاعر‭ ‬الحياتية‭ ‬وما‭ ‬يعانيه‭ ‬من‭ ‬غربة‭ ‬وعزلة‭. ‬

رِزْقِي‭ ‬يَاتِينِي‭ ‬مِنْ‭ ‬الحْجَرْ‭                      ‬وَايَامِي‭ ‬تَرْجَى‭ ‬فْصَالَها19

ورد‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬لاسيما‭ ‬الشطر‭ ‬الأول‭ ‬مع‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬﴿إِنَّ‭ ‬رَبَّكَ‭ ‬يَبْسُطُ‭ ‬الرِّزْقَ‭ ‬لِمَنْ‭ ‬يَشَاءُ‭ ‬وَيَقْدِرُ‭ ‬إِنَّهُ‭ ‬كَانَ‭ ‬بِعِبَادِهِ‭ ‬خَبِيرًا‭ ‬بَصِيرًا﴾‭ ‬الآية‭ ‬30‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الاسراء‭. ‬ٍذلك‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ضمن‭ ‬الرزق‭ ‬لجميع‭ ‬مخلوقاته‭ ‬والشاعر‭ ‬يؤكد‭ ‬أنه‭ ‬سيأتيه‭ ‬رزقه‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬الحجارة‭ ‬التي‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬شيء‭ ‬كناية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سيأتي‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬أما‭ ‬الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬فقد‭ ‬استحضر‭ ‬الشاعر‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬﴿فَإِذَا‭ ‬جَاءَ‭ ‬أَجَلُهُمْ‭ ‬لَا‭ ‬يَسْتَأْخِرُونَ‭ ‬سَاعَةً‭ ‬وَلَا‭ ‬يَسْتَقْدِمُونَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬61‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النحل،‭ ‬لقد‭ ‬استعمل‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬التناص‭ ‬الحواري‭ ‬والذي‭ ‬يعد‭ ‬أرقى‭ ‬مستويات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬المتعالي‭ (‬الغائب‭) ‬حيث‭ ‬يفجر‭ ‬الشاعر‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬طاقاته،‭ ‬ويعيد‭ ‬كتابته‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬جديد‭ ‬وفق‭ ‬كفاءة‭ ‬فنية‭ ‬عالية‭.‬

‭..................         ‬والرزق‭ ‬على‭ ‬الاله‭ ‬مولانا‭ ‬سبحان20

والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬البيتين‭ ‬المنفصلين‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬إيماء‭ ‬ضمني‭ ‬لجميع‭ ‬الآيات‭ ‬القرآنية‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬ــ‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬ــ‭ ‬هو‭ ‬الضامن‭ ‬لأرزاق‭ ‬جميع‭ ‬المخلوقات‭ ‬بدون‭ ‬استثناء،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اشتغال‭ ‬البيتين‭ ‬السابقين‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬قرآنية‭ ‬كثيرة‭ ‬سابقة؛‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿قُلْ‭ ‬إِنَّ‭ ‬رَبِّي‭ ‬يَبْسُطُ‭ ‬الرِّزْقَ‭ ‬لِمَنْ‭ ‬يَشَاءُ‭ ‬مِنْ‭ ‬عِبَادِهِ‭ ‬وَيَقْدِرُ‭ ‬لَهُ‭ ‬وَمَا‭ ‬أَنْفَقْتُمْ‭ ‬مِنْ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬فَهُوَ‭ ‬يُخْلِفُهُ‭ ‬وَهُوَ‭ ‬خَيْرُ‭ ‬الرَّازِقِينَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬39‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬سبأ‭. ‬وقوله‭ ‬تعالى‭:‬﴿لَهُ‭ ‬مَقَالِيدُ‭ ‬السَّمَاوَاتِ‭ ‬وَالْأَرْضِ‭ ‬يَبْسُطُ‭ ‬الرِّزْقَ‭ ‬لِمَنْ‭ ‬يَشَاءُ‭ ‬وَيَقْدِرُ‭ ‬إِنَّهُ‭ ‬بِكُلِّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬عَلِيمٌ﴾‭ ‬الآية‭ ‬39‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الشورى‭.‬

المكتوب‭ ‬في‭ ‬الراس‭ ‬ما‭ ‬محاها

كتاب‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬العبد‭ ‬تنادي21

ومعنى‭ ‬الشطر‭ ‬الأول‭ ‬لهذا‭ ‬البيت‭ ‬مأخوذ‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿إِنَّا‭ ‬نَحْنُ‭ ‬نُحْيِي‭ ‬الْمَوْتَى‭ ‬وَنَكْتُبُ‭ ‬مَا‭ ‬قَدَّمُوا‭ ‬وَآثَارَهُمْ‭ ‬وَكُلَّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬أَحْصَيْنَاهُ‭ ‬فِي‭ ‬إِمَامٍ‭ ‬مُبِينٍ﴾‭ ‬الآية‭ ‬12من‭ ‬سورة‭ ‬يس،‭ ‬وهذا‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الأمر‭ ‬كله‭ ‬لله‭ ‬والعبد‭ ‬لا‭ ‬حيلة‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يستسلم‭ ‬لقدره‭ ‬المحتوم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬زواجه‭ ‬بمحبوبته‭ ‬اعايشةب،‭ ‬ومحال‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬بالأسباب‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬وإنما‭ ‬يتخذها‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬يجهل‭ ‬القدر‭ ‬وما‭ ‬فيه،‭ ‬وقد‭ ‬ركز‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬توظيفه‭ ‬للنص‭ ‬القرآني‭ ‬على‭ ‬عبارة‭ (‬المكتوب‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬القدر‭  ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬مركز‭ ‬الدلالة‭ ‬وبؤرة‭ ‬المعنى‭ ‬لحياة‭ ‬الانسان،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفصل‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬قدر‭ ‬الانسان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬محوه‭ ‬أو‭ ‬تغييره‭ ‬ورضاه‭ ‬عن‭ ‬القسمة‭ ‬العادلة‭ ‬لله‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬عباده،‭ ‬والوظيفة‭ ‬المعنوية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬التناص‭ ‬هنا،‭ ‬هي‭ ‬انتاج‭ ‬جديد‭ ‬تجسد‭ ‬حالة‭ ‬الرضا‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الشاعر،‭ ‬وهذه‭ ‬الدلالة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬الإيفاء‭ ‬بها‭ ‬لوحده‭ ‬دون‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالنص‭ ‬القرآني‭ ‬الغائب‭ ‬الذي‭ ‬يتحد‭ ‬معه‭ ‬لإنتاج‭ ‬هذه‭ ‬الدلالة‭. 

سلكت‭ ‬إبراهيم‭ ‬من‭ ‬لهفات‭ ‬النار

بردا‭ ‬وسلام‭ ‬حاجة‭ ‬ما‭ ‬توذيه22

الشاعر‭ ‬هنا‭ ‬يعيد‭ ‬كتابة‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬الغائب‭ ‬ويوظفه‭ ‬توظيفا‭ ‬فنيا‭ ‬بطريقة‭ ‬الامتصاص‭ ‬للآية‭ ‬الكريمة‭ ‬﴿قُلْنَا‭ ‬يَا‭ ‬نَارُ‭ ‬كُونِي‭ ‬بَرْدًا‭ ‬وَسَلَامًا‭ ‬عَلَى‭ ‬إِبْرَاهِيمَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬69‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الأنبياء،‭ ‬يمتصها‭ ‬إشاريا‭ ‬ودلاليا‭ ‬وينشرها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬ليظهر‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬نزع‭ ‬خصائص‭ ‬الأشياء‭ ‬منها‭ ‬واستبدلها‭ ‬بأضدادها‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليه‭ ‬إلا‭ ‬خالقها‭ ‬فقد‭ ‬استبدل‭ ‬الحرق‭ ‬بالعافية‭ ‬والإذاية‭ ‬بالسلامة‭ ‬مع‭ ‬سيدنا‭ ‬إبراهيم‭ ‬أما‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬سجن‭ ‬كورسيكا‭ ‬والمنفى‭ ‬من‭ ‬كليدونيا‭ ‬الجديدة،‭ ‬فالتداخل‭ ‬النصي‭ ‬بين‭ ‬البيت‭ ‬الشعري‭ ‬والنص‭ ‬القرآني‭ ‬واضح،‭ ‬ونقصد‭ ‬بالتداخل‭ ‬النصي‭ ‬هنا‭ ‬االتواجد‭ ‬اللغوي‭ (‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬نسبيا‭ ‬أم‭ ‬كاملا‭ ‬أم‭ ‬ناقصا‭) ‬لنص‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬آخرب23،‭ ‬وقد‭ ‬انصرف‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬النصي‭ ‬إلى‭ ‬المستويين‭ ‬الدلالي‭ ‬والإشاري‭ ‬معا‭.‬

‭..................         ‬والعبد‭ ‬اذا‭ ‬تاب‭ ‬تاب‭ ‬الله‭ ‬عليه24

الشاعر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشطر‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬يستجدي‭ ‬الآية‭ ‬القرآنية‭ ‬﴿وَهُوَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬يَقْبَلُ‭ ‬التَّوْبَةَ‭ ‬عَنْ‭ ‬عِبَادِهِ‭ ‬وَيَعْفُو‭ ‬عَنِ‭ ‬السَّيِّئَاتِ‭ ‬وَيَعْلَمُ‭ ‬مَا‭ ‬تَفْعَلُونَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬25‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الشورى،‭ ‬ولكن‭ ‬يوظفه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خفي،‭ ‬حيث‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬بطريقة‭ ‬تناصية‭ ‬ممتازة،‭ ‬فالله‭ ‬يقبل‭ ‬توبة‭ ‬العبد‭ ‬إذا‭ ‬بادر‭ ‬العبد‭ ‬بالتوبة‭ ‬وأقلع‭ ‬عن‭ ‬الذنب‭ ‬وندم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فات،‭ ‬وهذا‭ ‬التشابك‭ ‬الأدبي‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬والبيت‭ ‬الشعري،‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬لأن‭ ‬الشاعر‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يشرِّع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬خالقه‭ ‬وأن‭ ‬يثبت‭ ‬الحقائق‭ ‬الدينية‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬مصدرها‭ ‬الأساس،‭ ‬وخاصة‭ ‬حينما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالغيبيات،‭ ‬قد‭ ‬يأتي‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬بلخير‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬استجداء‭ ‬لظلال‭ ‬آي‭ ‬القرآن،‭ ‬تاركا‭ ‬للقارئ‭ ‬فرصة‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭ ‬لأن‭ ‬الشاعر‭ ‬يفترض‭ ‬في‭ ‬القارئ‭ ‬الإلمام‭ ‬السابق‭ ‬والكافي‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وربما‭ ‬أحالنا‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿إِنَّمَا‭ ‬التَّوْبَةُ‭ ‬عَلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬لِلَّذِينَ‭ ‬يَعْمَلُونَ‭ ‬السُّوءَ‭ ‬بِجَهَالَةٍ‭ ‬ثُمَّ‭ ‬يَتُوبُونَ‭ ‬مِنْ‭ ‬قَرِيبٍ‭ ‬فَأُولَئِكَ‭ ‬يَتُوبُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬وَكَانَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬عَلِيمًا‭ ‬حَكِيمًا﴾الآية‭ ‬17‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النساء‭.‬

المذلول‭ ‬رضى‭ ‬بدفع‭ ‬الجزية‭         ..................‬25

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬تسرب‭ ‬معنى‭ ‬الذلة‭ ‬حين‭ ‬إعطاء‭ ‬الجزية‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشطر‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬الآية‭ ‬﴿حَتَّى‭ ‬يُعْطُوا‭ ‬الْجِزْيَةَ‭ ‬عَنْ‭ ‬يَدٍ‭ ‬وَهُمْ‭ ‬صَاغِرُون﴾‭ ‬الآية‭ ‬29‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬التوبة،‭ ‬فقد‭ ‬تعامل‭ ‬الشاعر‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬الغائب‭ ‬بحرية‭ ‬تجاوزت‭ ‬الاقتباس‭ ‬الذي‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬السابق‭ ‬علانية،‭ ‬حيث‭ ‬استبدل‭ ‬اللفظة‭ ‬القرآنية‭ (‬صاغرون‭) ‬التي‭ ‬تعني‭ (‬الهوان‭) ‬و‭(‬الصغار‭) ‬بلفظة‭ ‬المذلول،‭ ‬كما‭ ‬حوَّلها‭ ‬من‭ ‬النصب‭ ‬على‭ ‬الحالية‭ (‬هم‭ ‬صاغرون‭) ‬إلى‭ ‬الرفع‭ ‬على‭ ‬الابتداء‭ ‬لتكون‭ ‬أكثر‭ ‬دلالة‭ ‬ومبالغة‭ ‬على‭ ‬الحقارة‭ ‬والذلة،‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الهجاء،‭ ‬وإلَّا‭ ‬كيف‭ ‬تعطى‭ ‬الجزية‭ ‬للكفار‭ (‬الفرنسيين‭)‬،‭ ‬بدل‭ ‬أخذها‭ ‬منهم‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬أسلافنا‭.  

‭.............         ‬ضربه‭ ‬عفريت‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشيخ‭ ‬المير26‭ ‬

نستشف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشطر‭ ‬تناصا‭ ‬جزئيا‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬اقتباس‭ ‬حرفي‭ ‬للفظة‭ (‬عفريت‭) ‬من‭ ‬الآية‭ ‬﴿قالَ‭ ‬عِفْرِيتٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْجِنِّ‭ ‬أَنَا‭ ‬آتِيكَ‭ ‬بِهِ‭ ‬قَبْلَ‭ ‬أَنْ‭ ‬تَقُومَ‭ ‬مِنْ‭ ‬مَقَامِكَ‭ ‬وَإِنِّي‭ ‬عَلَيْهِ‭ ‬لَقَوِيٌّ‭ ‬أَمِينٌ﴾الآية‭ ‬39‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النمل،‭ ‬أما‭ ‬بقية‭ ‬ألفاظ‭ ‬الشطر‭ ‬فتذهب‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬معنى‭ ‬قوة‭ ‬الجن‭ ‬لاسيما‭ ‬العفاريت‭ ‬منهم‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دلت‭ ‬عليه‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬حينما‭ ‬أوردت‭ ‬قصة‭ ‬سيدنا‭ ‬سليمان‭ ‬الذي‭  ‬أراد‭ ‬جلب‭ ‬عرش‭ ‬بلقيس‭ ‬من‭ ‬اليمن،‭ ‬وكذلك‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ‭ ‬ممدوح‭ ‬الشاعر‭ ‬ـ‭ ‬حسبه‭ ‬ـ‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬عفاريت‭ ‬يدافعون‭ ‬عنه‭ ‬ويحمونه،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬بلخير‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬الغائب‭ ‬تعاملا‭ ‬سطحيا‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الاجترار،‭ ‬لأن‭ ‬الشاعر‭ ‬لم‭ ‬يفجر‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬من‭ ‬داخله،‭ ‬واكتفى‭ ‬باغتصاب‭ ‬معانيه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬صامت‭. 

أمر‭ ‬الله‭ ‬قريب‭ ‬يدور‭ ‬المشوار

رب‭ ‬قال‭ ‬الظانة‭ ‬عبدي‭ ‬نوفيه

نستنوا‭ ‬الأيام‭ ‬والفلك‭ ‬اذا‭ ‬دار

بين‭ ‬كاف‭ ‬ونون‭ ‬شان‭ ‬الله‭ ‬يقضيه27

هذان‭ ‬البيتان‭ ‬يشتغلان‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬قرآنية‭ ‬متعددة،‭ ‬فالشطر‭ ‬الأول‭ ‬للبيت‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬بطريقة‭ ‬امتصاصية‭ ‬ذكية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التحوير‭ ‬والتغيير‭ ‬للنص‭ ‬الغائب،‭ ‬وهو‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿حَتَّى‭ ‬يَقُولَ‭ ‬الرَّسُولُ‭ ‬وَالَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬مَعَهُ‭ ‬مَتَى‭ ‬نَصْرُ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬أَلَا‭ ‬إِنَّ‭ ‬نَصْرَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬قَرِيبٌ﴾‭ ‬الآية‭ ‬214‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة،‭ ‬أما‭ ‬الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬منه‭ ‬فقد‭ ‬استحضر‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَقَالَ‭ ‬رَبُّكُمُ‭ ‬ادْعُونِي‭ ‬أَسْتَجِبْ‭ ‬لَكُمْ‭ ‬إِنَّ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَسْتَكْبِرُونَ‭ ‬عَنْ‭ ‬عِبَادَتِي‭ ‬سَيَدْخُلُونَ‭ ‬جَهَنَّمَ‭ ‬دَاخِرِينَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬60‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬غافر،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬البيتان‭ ‬مزيجا‭ ‬تناصيا،‭ ‬لعدة‭ ‬نصوص‭ ‬قرآنية،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬لم‭ ‬يشر‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬غائب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬بنيوي‭ ‬واضح،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بنية‭ ‬النص‭ ‬قد‭ ‬تشكلت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬القرب‭ ‬الذي‭ ‬أوحى‭ ‬به‭ ‬الشاعر،‭ ‬قرب‭ ‬النصر‭ ‬وقرب‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬عباده‭ ‬حينما‭ ‬يدعونه‭ ‬بسرعة‭ ‬الاجابة‭.‬

‭ ‬بين‭ ‬كاف‭ ‬وحرف‭ ‬النون‭          ‬ما‭ ‬يشارك‭ ‬حد‭ ‬معاه28

الشاعر‭ ‬يستنصص‭ ‬بطريقة‭ ‬ذكية‭ ‬الآية‭ ‬﴿إنما‭ ‬أمره‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬شيئا‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬له‭ ‬كن‭ ‬فيكون﴾‭ ‬الآية‭ ‬82‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬يس،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ (‬التناص‭) ‬استطاع‭ ‬إثراء‭ ‬مضمون‭ ‬نصه‭ ‬وتجسيد‭ ‬فكرة‭ ‬التسليم‭ ‬المطلق‭ ‬لقضاء‭ ‬الله‭ ‬وقدره‭. ‬وكذلك‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿إِنَّمَا‭ ‬قَوْلُنَا‭ ‬لِشَيْءٍ‭ ‬إِذَا‭ ‬أَرَدْنَاهُ‭ ‬أَنْ‭ ‬نَقُولَ‭ ‬لَهُ‭ ‬كُنْ‭ ‬فَيَكُونُ﴾‭ ‬الآية‭ ‬40‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النحل‭. ‬

أما‭ ‬الشطر‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬الشاعر‭ ‬توليد‭ ‬دلالات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬لترسيخ‭ ‬العقيدة‭ ‬الصحيحة‭ ‬لدى‭ ‬سامعيه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬شريك‭ ‬له،‭ ‬وهي‭ ‬مخالفة‭ ‬تماما‭ ‬لعقيدة‭ ‬المستعمر‭ ‬التنصيرية‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نشرها‭ ‬بين‭ ‬الأهالي،‭ ‬ومن‭ ‬الجلي‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬يتناص‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَقُلِ‭ ‬الْحَمْدُ‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬الَّذِي‭ ‬لَمْ‭ ‬يَتَّخِذْ‭ ‬وَلَدًا‭ ‬وَلَمْ‭ ‬يَكُنْ‭ ‬لَهُ‭ ‬شَرِيكٌ‭ ‬فِي‭ ‬الْمُلْكِ‭ ‬وَلَمْ‭ ‬يَكُنْ‭ ‬لَهُ‭ ‬وَلِيٌّ‭ ‬مِن‭ ‬الذُّلِّ‭ ‬وَكَبِّرْهُ‭ ‬تَكْبِيرًا﴾‭ ‬الآية‭ ‬111‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الاسراء‭.‬

بجاه‭ ‬الأربعة‭ ‬كل‭ ‬كتاب‭ ‬على‭ ‬كتاب

عيسى‭ ‬وسيدنا‭ ‬موسى‭ ‬نبيه29

النص‭ ‬القرآني‭ ‬الذي‭ ‬وظفه‭ ‬الشاعر‭ ‬هو‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿‭ ‬نَزَّلَ‭ ‬عَلَيْكَ‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬بِالْحَقِّ‭ ‬مُصَدِّقًا‭ ‬لِمَا‭ ‬بَيْنَ‭ ‬يَدَيْهِ‭ ‬وَأَنْزَلَ‭ ‬التَّوْرَاةَ‭ ‬وَالْإِنْجِيلَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬3‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران،‭ ‬وقوله‭: ‬﴿وَمَا‭ ‬أُوتِيَ‭ ‬مُوسَى‭ ‬وَعِيسَى‭ ‬وَالنَّبِيُّونَ‭ ‬مِنْ‭ ‬رَبِّهِمْ‭ ‬لَا‭ ‬نُفَرِّقُ‭ ‬بَيْنَ‭ ‬أَحَدٍ‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬وَنَحْنُ‭ ‬لَهُ‭ ‬مُسْلِمُونَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬136‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة،‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوظيف‭ ‬أخذ‭ ‬شكل‭ ‬الاقتباس‭ ‬المخل‭ ‬بالصياغة‭ ‬الشعرية‭ ‬الشعبية،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الرقي‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الشعري‭ ‬إلى‭ ‬العبارة‭ ‬القرآنية‭ ‬الممتازة‭. ‬

يبدا‭ ‬بالشهادة‭ ‬مفتاح‭ ‬كل‭ ‬باب

ويقوم‭ ‬بالصلا‭ ‬والمال‭ ‬يزكيه30

قد‭ ‬يترقرق‭ ‬التناص‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيفه‭ ‬لألفاظ‭ ‬ومعان‭ ‬قرآنية‭ ‬معينة‭ ‬واردة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السور‭ ‬والآيات‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬الكبرى‭ ‬للإسلام‭ ‬مثل‭: ‬الشهادتين،‭ ‬الصلاة،‭ ‬الصوم‭ ‬والجهاد‭...‬فيكون‭ ‬مصدر‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬متعددا،‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿الَّذِينَ‭ ‬يُؤْمِنُونَ‭ ‬بِالْغَيْبِ‭ ‬وَيُقِيمُونَ‭ ‬الصَّلَاةَ‭ ‬وَمِمَّا‭ ‬رَزَقْنَاهُمْ‭ ‬يُنْفِقُونَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬3‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة،‭ ‬والتناص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬يسمى‭ ‬بالصورة‭ ‬الإشارية‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬الشاعر‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬المسلم‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬ويظهر‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬ساق‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ ‬بطريقة‭ ‬اجتراريه‭ ‬إلى‭ ‬نصه‭ ‬الحاضر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكلف‭ ‬نفسه‭ ‬عناء‭ ‬التحوير‭ ‬أو‭ ‬الامتصاص،‭ ‬وذلك‭ ‬استرجاعه‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬دوال‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشكل‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الصلاة‭ ‬والزكاة‭ ‬وما‭ ‬أكثرها‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬القرآن‭. ‬

‭.............         ‬ياسلاك‭ ‬الواحل‭ ‬من‭ ‬يدين‭ ‬الروم31

‭.............       ‬والـحـــبــــــار‭ ‬أولاد‭ ‬الـــــروم32

الشاعر‭ ‬هنا‭ ‬يقوم‭ ‬بعملية‭ ‬استبدال‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النص‭ ‬الغائب‭ (‬الآية‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الروم‭)‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقة‭ ‬تناصية‭ ‬أقامها‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬البيتين‭ ‬المنفصلين‭ ‬لتتولد‭ ‬الدلالة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تفضح‭ ‬الأساليب‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬مارسها‭ ‬الاستعمار‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬الجزائر‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬استحضار‭ ‬الإشاري‭ ‬للفظة‭ (‬الروم‭) ‬يترك‭ ‬القارئ‭ ‬يتملَّى‭ ‬بذاكرته‭ ‬ظلال‭ ‬ومعاني‭ ‬هذه‭ ‬اللفظة،‭ ‬ويسترجع‭ ‬الآلام‭ ‬والجراح‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬فيها‭ ‬الكفار‭ (‬الروم‭) ‬للمسلمين‭ ‬عير‭ ‬أحقاب‭ ‬زمنية‭ ‬طوال،‭ ‬اويتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تشبع‭ ‬الفكرة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المعاصرة‭ ‬بالبعد‭ ‬القرآني‭ ‬الجهاديب33‭. ‬

ضاقت‭ ‬روحي‭ ‬بغيت‭ ‬نرحل

من‭ ‬بر‭ ‬الكفر‭ ‬ننتقل‭ ‬للمسلمين34

هذا‭ ‬المقطع‭ (‬البيت‭ ‬الشعري‭) ‬يستلهم‭ ‬نصا‭ ‬قرآنيا‭ ‬مع‭ ‬إفادة‭ ‬تحويرية‭ ‬من‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬﴿وَلَا‭ ‬يَأْمُرَكُمْ‭ ‬أَنْ‭ ‬تَتَّخِذُوا‭ ‬الْمَلَائِكَةَ‭ ‬وَالنَّبِيِّينَ‭ ‬أَرْبَابًا‭ ‬أَيَأْمُرُكُمْ‭ ‬بِالْكُفْرِ‭ ‬بَعْدَ‭ ‬إِذْ‭ ‬أَنْتُمْ‭ ‬مُسْلِمُونَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬80‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران،‭ ‬ونصا‭ ‬آخر‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَمَنْ‭ ‬أَحْسَنُ‭ ‬قَوْلًا‭ ‬مِمَّنْ‭ ‬دَعَا‭ ‬إِلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬وَعَمِلَ‭ ‬صَالِحًا‭ ‬وَقَالَ‭ ‬إِنَّنِي‭ ‬مِنَ‭ ‬الْمُسْلِمِينَ﴾‭ ‬الآية‭ ‬33‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬فصلت‭.‬

فالشاعر‭ ‬يستحضر‭ ‬لهذا‭ ‬البيت‭ ‬آيات‭ ‬وما‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ظلال‭ ‬تاريخية،‭ ‬وقد‭ ‬حافظ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬النصي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬دوال‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ ‬القرآني،‭ ‬مع‭ ‬إجراء‭ ‬تحوير‭ ‬في‭ ‬التشكيل‭ ‬الشعري‭ ‬مما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نرى‭ ‬تداخلا‭ ‬دلاليا‭ ‬جزئيا‭ ‬بين‭ ‬النصين‭ ‬الحاضر‭ ‬والغائب،‭ ‬فالشاعر‭ ‬يفرغ‭ ‬النص‭ ‬المشتغل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬حمولته‭ ‬التاريخية‭ ‬ليجسد‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬ويكابده‭ ‬من‭ ‬أحزان‭ ‬وهموم‭ ‬جراء‭ ‬نفيه‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الكفر‭ ‬كاليدونيا‭ ‬الجديدة‭ ‬ونأيه‭ ‬عن‭ ‬الأحبة‭ ‬والأصحاب‭.   

هذه‭ ‬التفاتة‭ ‬بسيطة‭ ‬إلى‭ ‬التناص‭ ‬القرآني‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري،‭ ‬حيث‭ ‬لاحظت‭ ‬تداخل‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬المقدس‭ (‬القرآن‭ ‬الكريم‭) ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬جميع‭ ‬شعراء‭ ‬الملحون‭ ‬الذين‭ ‬تأثروا‭ ‬بالنص‭ ‬القرآني‭ ‬حفظا‭ ‬وقراءة‭ ‬وسماعا،‭ ‬وأعادوا‭ ‬كتابته‭ (‬توظيفه‭) ‬بمستويات‭ ‬فنية‭ ‬متفاوتة‭ ‬كل‭ ‬على‭ ‬حسب‭ ‬كفاءته‭ ‬ووعيه‭ ‬بالبناء‭ ‬الشعري،‭ ‬تارة‭ ‬بالاجترار‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الاقتباس‭ ‬الحرفي،‭ ‬وتارة‭ ‬أخرى‭ ‬بالامتصاص‭ ‬لذي‭ ‬يُعَوِّل‭ ‬على‭ ‬الاستمداد‭ ‬الإشاري‭ ‬والدلالي،‭ ‬اهذه‭ ‬الدلالة‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬النص‭ ‬الحاضر‭ ‬عن‭ ‬الإيفاء‭ ‬بها‭ ‬لوحده‭ ‬دون‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالنص‭ ‬القرآني‭ ‬الغائبب35وربما‭ ‬جمع‭ ‬الشاعر‭ ‬بينهما‭ ‬حينما‭ ‬يسعفه‭ ‬الحظ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لمسناه‭ ‬لدى‭ ‬شاعرنا‭ ‬محمد‭ ‬بلخير،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬وجميع‭ ‬شعراء‭ ‬الملحون‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬هو‭ ‬منتهى‭ ‬البلاغة‭ ‬ومستقبل‭ ‬الكتابة،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬رصد‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التداخل‭ ‬النصي‭ ‬عند‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يستحضر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الآيات‭ ‬القرآنية‭ ‬وألفاظها‭ ‬ليوشح‭ ‬بها‭ ‬أشعاره،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تبدو‭ ‬نصوصه‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬تداخل‭ ‬وتشابك‭ ‬واقتران‭ ‬بالنص‭ ‬القرآني‭.‬