اللغة العدد
نحن والزمان/الوقت من خلال أمثالنا مقاربة أنتروبولوجية للأمثال الشعبية الجزائرية
نحن والزمان/الوقت من خلال أمثالنا مقاربة أنتروبولوجية للأمثال الشعبية الجزائرية
العدد 47 - أدب شعبي

 

د‭. ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬معمر،‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬الجزائر

 

الزمان‭ ‬هو‭ ‬التجربة‭ ‬الأكثر‭ ‬حميمية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يحمله‭ ‬بين‭ ‬جنباته‭ ‬كإيقاع‭ ‬داخلي،‭ ‬ويخضع‭ ‬لتدفقه،‭ ‬وفي‭ ‬إطاره‭ ‬يتشكل‭ ‬فعله‭ ‬الحضاري‭. ‬فالزمان‭ ‬يرتبط‭ ‬بصميم‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والوجود‭ ‬البشري‭.‬

وقد‭ ‬شعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بأهميته‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬منذ‭ ‬ظهوره‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجارب‭ ‬مختلفة‭ ‬وملاحظات‭ ‬متنوعة‭ ‬كتعاقب‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬وتتابع‭ ‬الفصول‭ ‬الأربعة،‭ ‬وتجربة‭ ‬الموت‭ ‬والحياة‭ ‬والطفولة‭ ‬والشباب‭ ‬والشيخوخة،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الزمنية‭. ‬والتجربة‭ ‬الزمانية‭ ‬الأصلية‭ ‬اصطبغت‭ ‬بمختلف‭ ‬التصورات‭ ‬و‭ ‬المعتقدات‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخ‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬البشري،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬يتصور‭ ‬به‭ ‬الزمان‭ ‬ويدرك‭ ‬يختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬الثقافات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬وبحسب‭ ‬التطور‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬لهذه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ولذلك‭ ‬نجد‭ ‬التصور‭ ‬الدائري‭ ‬يسود‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التقليدية‭ ‬حيث‭ ‬يهيمن‭ ‬الماضي،‭ ‬بينما‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭ ‬تتصور‭ ‬الزمان‭ ‬تصورا‭ ‬خطيا،‭ ‬يتجه‭ ‬سهمه‭ ‬دوما‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭. ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬أدركنا‭ ‬الزمان‭ ‬منذ‭ ‬القدم‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬قوة‭ ‬مبيدة‭ ‬غاشمة‭ ‬ومتسلطة‭ ‬هي‭ ‬الدهر‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬يسود‭ ‬عندنا‭ ‬اليوم؟‭ ‬وكيف‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الزمان؟‭ ‬وكيف‭ ‬ننظمه‭ ‬ونديره؟‭ ‬ذاك‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬اكتشافه‭ ‬معتمدين‭ ‬منهجية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬كمدخل‭ ‬للدراسة‭. ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬يتميز‭ ‬به‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬كالإيجاز‭ ‬والبلاغة‭ ‬والحمولة‭ ‬التراثية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يعبر‭ ‬تعبيرا‭ ‬صادقا‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬بسيئاته‭ ‬وحسناته‭. ‬والمثل‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬وهو‭ ‬يلعب‭ ‬دورا‭ ‬تربوا‭ ‬وتوجيهيا‭  ‬لسلوك‭ ‬الأفراد‭. ‬وقد‭ ‬اخترت‭ ‬الأمثال‭ ‬الجزائرية‭ ‬كعينة‭ ‬للدراسة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أمثال‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العينة‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بتعميم‭ ‬الأحكام‭ ‬التي‭ ‬توصلنا‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬بحكم‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬العلمية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬لهذه‭ ‬الأخيرة‭.‬

وقد‭ ‬اعتمدنا‭ ‬في‭ ‬تحليلنا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأنتروبولوجية‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬موضوع‭ ‬الزمان‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬أو‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى،‭ ‬وكان‭ ‬المنهج‭ ‬المقارن‭ ‬هو‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬اتخذناه‭ ‬سبيلا‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬العقلانية‭ ‬الزمانية‭ ‬في‭ ‬مجتماتنا‭ ‬العربية،‭ ‬محاولين‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬كبيرة‭ ‬هي‭: ‬هل‭ ‬تشكلت‭ ‬لدينا‭ ‬ثقافة‭ ‬الوقت‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬المجتمع‭ ‬الغربي‭ ‬وحضارته‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية؟

الأمثال‭: ‬مفهومها‭ ‬وخصائصها‭ ‬ووظائفها‭: ‬الأمثال‭ ‬أقوال‭ ‬مختزلة‭ ‬ومقتضبة‭ ‬لمفاهيم‭ ‬تخص‭ ‬مختلف‭ ‬حالات‭ ‬تعامل‭ ‬الفرد،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬الفرد‭ ‬الآخر‭. ‬وهي‭ ‬مفردات‭ ‬لا‭ ‬تؤلف‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬منظومة‭ . ‬فالفرد‭ ‬ينتقي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأقوال‭ ‬حسب‭ ‬الظروف‭ ‬وحالة‭ ‬التعامل،‭ ‬وعن‭ ‬طريقها‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬سلوكيات‭ ‬التعامل،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي1‭.‬

لقد‭ ‬ظهرت‭ ‬الأمثال‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البدائي‭ ‬كنمط‭ ‬فكري‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬سلوكيات‭ ‬تعامل‭ ‬الأفراد،‭ ‬وانتقلت‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬المجتمعات‭ ‬اللاحقة‭. ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬تجربة‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬بيئته‭ ‬وأقرانه،‭ ‬لذا‭ ‬فهي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬وأخلاق‭ ‬وضروب‭ ‬تفكير‭ ‬الجماعة‭ ‬التي‭ ‬ابتكرتها‭ ‬وسخرتها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنظيم‭ ‬سلوكيات‭ ‬الأفراد‭. ‬فهي‭ ‬إذن‭ ‬وليدة‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬وبسبب‭ ‬بساطتها‭ ‬وبلاغة‭ ‬أسلوبها‭ ‬يستحسنها‭ ‬الناس‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭.‬

وظهور‭ ‬المثل‭ ‬يرتبط‭ ‬بحدث‭ ‬معين‭ ‬في‭ ‬معيش‭ ‬الجماعة‭ ‬أو‭ ‬القبيلة‭ ‬أو‭ ‬كتجربة‭ ‬لفرد‭ ‬معين،‭ ‬تتكرر‭ ‬بشكل‭ ‬معين‭ ‬فيجري‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بمثل‭ ‬سائر‭ ‬يغدو‭ ‬مرجعية‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الجماعة‭. ‬وتمثل‭ ‬الأمثال‭ ‬صورا‭ ‬لأحداث‭ ‬ولعلاقات‭ ‬مرغوبة‭ ‬ومفضلة،‭ ‬أو‭ ‬فاسدة‭ ‬ومؤذية‭. ‬فتنتظم‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬الجمعي‭ ‬بموجب‭ ‬هاتين‭ ‬المقولتين‭: ‬الأولى‭ ‬تدعم‭ ‬سلوكيات‭ ‬تعامل‭ ‬يؤمن‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وإدامته‭ ‬بينما‭ ‬الأخرى‭ ‬تصور‭ ‬السلوكيات‭ ‬التي‭ ‬تمزق‭ ‬المجتمع‭ ‬وتفسده‭. ‬ولذا‭ ‬فهي‭ ‬تؤلف‭ ‬صورا‭ ‬مكروهة‭ ‬يتعين‭ ‬نبذها‭.‬

والأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬منها‭ ‬مجتمع،‭ ‬فهي‭ ‬دائما‭ ‬موجودة‭ ‬وإن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬حسب‭ ‬حجم‭ ‬التطور‭ ‬والتقدم‭ ‬الفكري‭ ‬والعلمي‭.‬

وللمثل‭ ‬صفات‭ ‬وخصائص‭ ‬تؤهله‭ ‬للدور‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الجماعة‭. ‬فهي‭ ‬أولا‭ ‬صيغ‭ ‬مختصرة‭ ‬وبليغة‭ ‬وقصيرة‭. ‬وهي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬قول‭ ‬له‭ ‬دلالة‭ ‬تناقض‭ ‬دلالة‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬إلى‭ ‬إبطال‭ ‬الدلالتين،‭ ‬أو‭ ‬تعارضهما‭. ‬لأن‭ ‬المثل‭ ‬إنما‭ ‬ينتقى‭ ‬للمناسبة‭ ‬أو‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬يرغب‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصفها‭ ‬أو‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬أو‭ ‬يؤكدها‭ ‬ويبررها‭. ‬ولها‭ ‬خاصية‭ ‬أخرى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬حدة‭ ‬القول‭ ‬وفتنته،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬المثل‭. ‬والمثل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬الجماعية‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬دلالته‭ ‬فعالة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الشعبي‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للوظيفة‭ ‬أو‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬يضطلع‭ ‬بها‭ ‬المثل‭ ‬فهي‭ ‬متعددة‭ ‬منها‭: ‬إزالة‭ ‬شكوك‭ ‬فرد‭ ‬ما‭ ‬تجاه‭ ‬سلوك‭ ‬معين،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهي‭ ‬تبرر‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬وسيلة‭ ‬تسلي‭ ‬عن‭ ‬المآسي‭ ‬والفواجع‭ ‬وتخفف‭ ‬من‭ ‬وقعها‭ ‬على‭ ‬نفسية‭ ‬الجماعة‭. ‬وللأمثال‭ ‬وظيفة‭ ‬تربوية‭ ‬وتوجيهية،‭ ‬فهي‭ ‬أقوال‭ ‬تتضمن‭ ‬حكما‭ ‬سارية‭ ‬تعلم‭ ‬للفرد‭ ‬يلجأ‭ ‬إليها‭ ‬وقت‭ ‬الحاجة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬الحياة‭ ‬ومجالاتها‭. ‬يقول‭ ‬عنها‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬التكريتي‭: ‬افأمثال‭ ‬كل‭ ‬أمة‭ ‬خلاصة‭ ‬تجاربها،‭ ‬ومستودع‭ ‬خبراتها،‭ ‬ومنال‭ ‬حكمتها،‭ ‬ومنار‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬ومرجع‭ ‬عاداتها،‭ ‬وسجل‭ ‬وقائعها،‭ ‬وترجمان‭ ‬أحوالها،‭ ‬ومصدر‭ ‬تراثها،‭ ‬ومتنفس‭ ‬أحزانها،‭ ‬ومتحكم‭ ‬منازعاتها،‭ ‬فهي‭ ‬مرآة‭ ‬الأمة،‭ ‬تعكس‭ ‬واقعها‭ ‬الفكري‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بصفاء‭ ‬ووضوحب2‭.‬‭ ‬ويقول‭ ‬عنها‭ ‬ديمقريطس‭ ‬الفيلسوف‭ ‬اليوناني‭ ‬االمثل‭ ‬ظل‭ ‬العملب3  ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬عنها‭ ‬جاك‭ ‬فاردي‭ ‬اكل‭ ‬مثل‭ ‬هو‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬حامل‭ ‬لقيم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهذا‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬ينتقى‭ ‬بواسطة‭ ‬التقليد‭ ‬لجعله‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬المشتركة‭ ‬للجماعة‭. ‬إن‭ ‬المثل‭ ‬يحمل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬معايير‭ ‬الجماعة،‭ ‬وقيمه،‭ ‬وقوة‭ ‬التقاليد،‭ ‬ومثل‭ ‬الأجداد،‭ ‬وصورة‭ ‬المجتمع‭ ‬المثالي‭ ‬تعطى‭ ‬للفرد‭ ‬بواسطة‭ ‬المثلب4‭.‬

 

الزمان‭ ‬بين‭ ‬الدلالتين‭ ‬العلمية‭ ‬والعامية

إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدلالة‭ ‬العلمية‭ ‬للزمان‭ ‬التي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬السنين‭ ‬والشهور‭ ‬والأيام‭ ‬والساعات‭ ‬وهي‭ ‬معروفة‭ ‬للجميع‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطفال،‭ ‬هناك‭ ‬دلالة‭ ‬شعبية‭ ‬وجدنا‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬تكرسها‭ ‬وهذه‭ ‬الدلالة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهمنا‭ ‬هنا‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها‭ ‬كلمة‭ ‬الزْمان،‭ ‬فهذا‭ ‬الأخير‭ ‬يعني‭ ‬الشر‭ ‬والفاقة‭ ‬والظروف‭ ‬القاسية‭. ‬ولهذا‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تشبيه‭ ‬الإنسان‭ ‬السيئ‭ ‬الحظ‭ ‬بالزْمان‭. ‬ولقد‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬سمعي‭ ‬هذه‭ ‬العبارات‭ ‬اداير‭ ‬كِالزْمانب‭ ‬اهو‭ ‬مثل‭ ‬الزمانب،‭ ‬اوَجْهُة‭ ‬اكْحَلْ‭ ‬كِالزمانب‭ ‬اوجهه‭ ‬أسود‭ ‬مثل‭ ‬الزمانب،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الزْمان‭ ‬شيء‭ ‬قبيح‭ ‬وسيئ‭ ‬وهو‭ ‬مجمع‭ ‬الشرور،‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يشخصن‭ ‬الزمان‭ ‬أو‭ ‬يؤنسن‭ ‬الزمان‭ ‬فيلحق‭ ‬به‭ ‬صفات‭ ‬قبيحة‭ ‬نلفيه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬الجزائرية‭:‬

االله‭ ‬لا‭ ‬يغلَّب‭ ‬علينا‭ ‬لا‭ ‬زْمان‭ ‬ولا‭ ‬رجالب

االزْمان‭ ‬غدَّار‭ ‬وْكْسَرني‭ ‬من‭ ‬ذراعي،‭ ‬طيَّحت‭ ‬اللي‭ ‬كان‭ ‬سلطان‭ ‬وركَّبت‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬راعيب‭.‬

اأربعة‭ ‬يا‭ ‬إنسان‭ ‬ما‭ ‬فيهم‭ ‬أمان‭: ‬المْراَة‭ ‬والسلطان‭ ‬والبحر‭ ‬والزْمانب‭.‬

االلي‭ ‬ما‭ ‬يَقْرَا‭ ‬للزمان‭ ‬عقوبة‭ ‬على‭ ‬وجهو‭ ‬يْجي‭ ‬مكبوبب‭.‬

الا‭ ‬تَدٍّيش‭ ‬المْراَة‭ ‬المعْفونَة‭ ‬تتعاون‭ ‬هي‭ ‬والزمان‭ ‬عليكب‭.‬

وهناك‭ ‬أمثال‭ ‬شعبية‭ ‬تونسية‭ ‬مشابهة‭ ‬لها‭:‬

اأنا‭ ‬وانت‭ ‬والزمان‭ ‬طويلب‭.‬

االدهر‭ ‬فراق‭ ‬والزمان‭ ‬لحاقب‭.‬

اما‭ ‬يعجبك‭ ‬في‭ ‬الدهر‭ ‬أو‭ ‬الزمان‭ ‬كان‭ ‬طولهب‭.‬

االرجال‭ ‬والزمان‭ ‬ما‭ ‬فيهم‭ ‬أمانب5‭.‬

الزْمان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬وما‭ ‬يدل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬أخرى‭ ‬كالدهر‭ ‬والأيام‭ ‬يتم‭ ‬تصوره‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬مأمون‭ ‬الغوائل‭ ‬ولا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الشرور،‭ ‬ومن‭ ‬التسلط‭ ‬على‭ ‬الإنسان؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬كثير‭ ‬التقلب‭ ‬والتغير‭ ‬ولذلك‭ ‬يجري‭ ‬تشبيهه‭ ‬بالسلطان‭ ‬وبالمرأة‭ ‬لأن‭ ‬السلطان‭ ‬قد‭ ‬ينقلب‭ ‬ويتحول،‭ ‬والمرأة‭ ‬كذلك‭ ‬قد‭ ‬تخون‭ ‬من‭ ‬أحبت‭ ‬وتتحول‭ ‬عنه،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فالمرأة‭ ‬المعفونة‭ ‬أي‭ ‬الوسخة‭ ‬تمثل‭ ‬شرا‭ ‬قد‭ ‬ينضاف‭ ‬إلى‭ ‬شر‭ ‬الزمان‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬المزدوجة‭ ‬للزمان؛‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬شر‭ ‬بالنسبة‭ ‬للبعض،‭ ‬وخير‭ ‬بالنسبة‭ ‬للآخر،‭ ‬هي‭ ‬استمرار‭ ‬لذلك‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭ ‬وعبر‭ ‬عنه‭ ‬الشعراء‭ ‬أحسن‭ ‬تعبير،‭ ‬وهو‭ ‬تصور‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬العاتية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الدهر6،‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬الإسلام‭ ‬مصححا‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭.‬

وهكذا‭ ‬فإننا‭ ‬إزاء‭ ‬معان‭ ‬كمية‭ ‬ومجردة‭ ‬للزمان‭ ‬أو‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومعان‭ ‬كيفية‭ ‬وشخصية‭ ‬إذا‭ ‬أخذناه‭ ‬بالتسمية‭ ‬العامية‭ ‬االزْمانب‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬ويبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الإتنولوجيين‭ ‬الغربيين‭ ‬وقع‭ ‬تركيزهم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الناحية‭ ‬الأخيرة‭ ‬فقط‭. ‬فديبارميه‭ ‬الإتنولوجي‭ ‬الفرنسي‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمان‭ ‬لدى‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬مفهوم‭ ‬مشخص‭ ‬ولا‭ ‬يمثل‭ ‬اللحظة‭ ‬الهاربة،‭ ‬أي‭ ‬اللحظة‭ ‬المنقضية‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬قوة‭ ‬مبيدة،‭ ‬بل‭ ‬يتصور‭ ‬لدى‭ ‬أهالي‭ ‬المتيجة‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وهذا‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬حكاية‭ ‬شعبية‭ ‬بطلها‭ ‬الزمان‭ ‬والسعد‭ ‬والحظ،‭ ‬ولذلك‭ ‬يجري‭ ‬تصوره‭ ‬بوجهين،‭ ‬فهو‭ ‬إما‭ ‬مصدر‭ ‬للشرور‭ ‬وإما‭ ‬مصدر‭ ‬للمِنَح‭ ‬والخيرات‭ ‬والسعادة،‭ ‬أي‭ ‬إنه‭ ‬يكون‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬وضد‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬بخلاف‭ ‬السّعد‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬دائما‭ ‬الحظ‭ ‬السعيد‭. ‬فالزمان‭ ‬له‭ ‬دلالة‭ ‬سلبية‭ ‬مقابل‭ ‬الدلالة‭ ‬الإيجابية‭ ‬دائما‭ ‬للسعد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬توضحه‭ ‬عبارة‭ ‬اهذه‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬زمانهب‭ ‬بمعنى‭ ‬سوء‭ ‬طالع‭ ‬بالنسبة‭ ‬له،‭ ‬يقول‭ ‬ديبارميه7‭.‬

 

قيمة‭ ‬الزمان‭ / ‬الوقت

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمان‭ ‬وتصوره‭ ‬يحدد‭ ‬المواقف‭ ‬منه‭ ‬المثمنة‭ ‬والمستغلة‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬قيمته‭ ‬وتبدده،‭ ‬ويكفي‭ ‬برهانا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬البدائية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬الوقت‭ ‬وحسابه‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديها‭ ‬إدراك‭ ‬أصلا‭ ‬للزمان‭ ‬كمفهوم‭ ‬مجرد،‭ ‬فالزمان‭ ‬يعاش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬كتجربة‭ ‬حية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخضوع‭ ‬لتعاقب‭ ‬الليل‭ ‬والنهار،‭ ‬أو‭ ‬تغيرات‭ ‬القمر‭ ‬وحركة‭ ‬الشمس،‭ ‬وتغيرات‭ ‬الفصول‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستجابة‭ ‬للإيقاعات‭ ‬الداخلية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الزمان‭ ‬البيولوجي‭ ‬الذي‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬الأفعال‭ ‬الطبيعية‭ ‬مثل‭ ‬النوم‭ ‬والأكل‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإنسان‭ ‬البدائي‭ ‬والتقليدي‭ ‬محكوم‭ ‬بإيقاعات‭ ‬طبيعية‭ ‬تتكرر‭ ‬بانتظام‭ ‬وهذا‭ ‬بخلاف‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬ثقافتها‭ ‬وحياتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬فتنشأ‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬الوقت‭ ‬وضبطه‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬يخوض‭ ‬حداثته‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬انطلقنا‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭ ‬ومستوياتها،‭ ‬فإذا‭ ‬ركزنا‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬التكنولوجي‭ ‬فإن‭ ‬الجزائر‭ ‬تمتلك‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬التقنية‭ ‬ما‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬قياس‭ ‬الوقت‭ ‬وتوفيره‭. ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬كما‭ ‬أخبر‭ ‬بذلك‭ ‬ديبارميه‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬بأيدي‭ ‬أطفالنا،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الجداول‭ ‬الزمنية‭ ‬ووسائل‭ ‬توفيره‭ ‬مثل‭ ‬الطائرة‭ ‬والسيارة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والهاتف‭ ‬والفاكس‭ ‬والإنترنيت،‭ ‬وكلها‭ ‬وسائل‭ ‬تختزل‭ ‬المسافات‭ ‬وتقلص‭ ‬الزمان،‭ ‬وتخلق‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التأني‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬رغم‭ ‬بعد‭ ‬المسافات‭ ‬وتساعد‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬المعاملات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬ضيقة‭ ‬جدا‭. ‬إن‭ ‬توفر‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬وبالتالي‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬المادي‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬يفرض‭ ‬التساؤل‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬خلق‭ ‬ثقافة‭ ‬الوقت‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬الجزائري،‭ ‬ونقصد‭ ‬بعبارة‭ ‬ثقافة‭ ‬الوقت‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬تجاه‭ ‬الوقت‭ ‬باعتباره‭ ‬موردا‭ ‬نادرا‭ ‬ينبغي‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬واستغلاله‭ ‬وتنظيمه‭ ‬وإدارته‭ ‬وتقسيمه‭ ‬وربحه‭. ‬وهذا‭ ‬التساؤل‭ ‬مشروع‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬الوقت‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬المأثور‭ ‬لبنيامين‭ ‬فرانكلين‭ ‬االوقت‭ ‬مالب‭. ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تكرسها‭ ‬أيضا‭ ‬بعض‭ ‬الأمثال‭ ‬مثل‭: ‬ا‭ ‬اليوم‭ ‬يمتلكه‭ ‬من‭ ‬يستيقظ‭ ‬باكراب‭ ‬والا‭ ‬تؤجل‭ ‬عمل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الغدب‭ ‬هذان‭ ‬المثلان‭ ‬تقول‭ ‬عنهما‭ ‬سيمونيتا‭ ‬تابوني‭: ‬ايشجعان‭ ‬الفعالية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الصناعيةب8‭.‬

ولمعالجة‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬وبالتالي‭ ‬معالجة‭ ‬البعد‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬بصدده‭ ‬وهو‭ ‬قيمة‭ ‬الوقت،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نقسمه‭ ‬إلى‭ ‬بعدين‭ ‬فرعيين‭:‬

االأول‭ ‬يتعلق‭ ‬بندرة‭ ‬الوقت‭ ‬والثاني‭ ‬بتضييع‭ ‬الوقتب‭.‬

ندرة‭ ‬الوقت‭ ‬سمة‭ ‬أساسية‭ ‬تميز‭ ‬التصور‭ ‬الغربي‭ ‬للزمان،‭ ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭ ‬وعنصرا‭ ‬ثمينا،‭ ‬إنه‭ ‬مال‭ ‬وهذا‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬والمال‭ ‬يجعل‭ ‬في‭ ‬الإمكان‭ ‬إنفاقه‭ ‬وتوفيره‭ ‬أو‭ ‬إهداره‭ ‬وتبذيره‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنقود‭. ‬وهذه‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬للزمان‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬الشعور‭ ‬بضغطه‭ ‬وبعدم‭ ‬توفره‭.‬

وكون‭ ‬الوقت‭ ‬مالا‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬لا‭ ‬يجهله‭ ‬الفاعلون‭ ‬الاجتماعيون‭ ‬عندنا،‭ ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬التي‭ ‬وجدناها‭ ‬تتردد‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الجزائريين‭:‬

االوقت‭ ‬من‭ ‬ذهبب

االوقت‭ ‬كالسيف‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تقطعه‭ ‬قطعكب‭.‬

"Time is money"‭ - ‬االوقت‭ ‬مالب‭.‬

االوقت‭ ‬كالذهب‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تحافظ‭ ‬عليه‭ ‬ذهبب‭.‬

الوقت‭ ‬هو‭ ‬الحياة‭ ‬والاستغناء‭ ‬عنه‭ ‬يساوي‭ ‬المماتب‭.‬

"Le temps c’est la vie"‭ - ‬االوقت‭ ‬هو‭ ‬الحياةب‭.‬

قلنا‭ ‬سابقا‭ ‬إن‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬والأقوال‭ ‬السائرة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬للسلوك‭ ‬وتكريس‭ ‬للقيم،‭ ‬وقد‭ ‬حاول‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الموعظة‭ ‬الروحية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬وبين‭ ‬الرأسمالية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬المنفعة‭ ‬والربح‭. ‬فهذا‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يرتد‭ ‬بقيمه‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬إلى‭ ‬الأخلاق‭ ‬البروتستانتية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬نصيحة‭ ‬فرانلكين‭: ‬االوقت‭ ‬مالب،‭ ‬التعبير‭ ‬الأكمل‭ ‬عنها9‭. ‬وإذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬الأمثال‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬المقولة‭ ‬نفسها‭ ‬تتكرر‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الجزائري‭: ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬الوقت‭ ‬هو‭ ‬الأموال،‭ ‬الوقت‭ ‬مال‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬ومن‭ ‬الملاحظ‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعدم‭ ‬في‭ ‬تراثنا‭ ‬العربي‭ ‬الأقوال‭ ‬والأمثال‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬للوقت‭ ‬والفاعل‭ ‬الجزائري‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بها‭. ‬وهكذا‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نعدم‭ ‬الأقوال‭ ‬والأمثال‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الوقت‭ ‬والتي‭ ‬تتعدى‭ ‬كونه‭ ‬مالا‭ ‬أو‭ ‬ذهبا‭ ‬أو‭ ‬سيفا،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬فوق‭ ‬ذلك‭ ‬بأهمية‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭. ‬ولو‭ ‬انطلقنا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للجزائري‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬كبير‭ ‬فرق‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربي‭. ‬فهذا‭ ‬الأخير‭ ‬نظرا‭ ‬لهيمنة‭ ‬مبدأ‭ ‬الإنتاج‭ ‬والمردودية‭ ‬صار‭ ‬شغله‭ ‬الشاغل‭ ‬هو‭ ‬عمله‭ ‬أولا‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بحيث‭ ‬تحول‭ ‬العمل‭ ‬فاعلية‭ ‬محورية‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬يتم‭ ‬تنظيم‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعليات‭ ‬اليومية‭ ‬أو‭ ‬الأوقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وخاصة‭ ‬الوقت‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تتحدد‭ ‬قيمته‭ ‬ومفهومه‭ ‬وغاياته‭ ‬إلا‭ ‬لكونه‭ ‬نشاطا‭ ‬محررا‭ ‬من‭ ‬التزامات‭ ‬العمل‭ ‬وتعويضا‭ ‬بعد‭ ‬العناء‭ ‬والجهد‭ ‬المبذول10‭. ‬فنحن‭ ‬إذن‭ ‬إزاء‭ ‬وقت‭ ‬محوري‭ ‬وأوقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬تدور‭ ‬حولها،‭ ‬ينبغي‭ ‬تنظيمها‭ ‬والوفاء‭ ‬بما‭ ‬تفرضه‭ ‬من‭ ‬التزامات،‭ ‬ولذلك‭ ‬وجد‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربي‭ ‬نفسه‭ ‬موزعا‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأوقات‭ ‬وطبيعي‭ ‬والحال‭ ‬هذه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لتحقيق‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الالتزامات‭ ‬والواجبات،‭ ‬ويصير‭ ‬عندئذ‭ ‬الوقت‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭ ‬وموردا‭ ‬ثمينا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬تبديده‭ ‬وإهداره‭.‬

وفي‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬نجد‭ ‬أيضا‭ ‬تعددية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فهناك‭ ‬وقت‭ ‬للعمل‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المصنع‭ ‬وفي‭ ‬الورشة،‭ ‬وفي‭ ‬الإدارة‭ ‬والمؤسسة‭ ‬التربوية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬وفي‭ ‬الحقل‭ ‬والمزرعة‭... ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬الجزائريين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬فلاحين،‭ ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬وقت‭ ‬الفلاح‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬فيه‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬تمايز‭ ‬بين‭ ‬الأوقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إذ‭ ‬عمل‭ ‬الفلاح‭ ‬يختلط‭ ‬فيه‭ ‬الترفيه‭ ‬والالتزام‭ ‬العائلي‭.‬

هكذا‭ ‬فإن‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للفاعل‭ ‬الجزائري‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المبدئية‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الفاعل‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعددية‭ ‬الأزمنة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فهناك‭ ‬وقت‭ ‬للعمل‭ ‬وآخر‭ ‬للترفيه،‭ ‬ووقت‭ ‬للوفاء‭ ‬بالالتزامات‭ ‬العائلية،‭ ‬ووقت‭ ‬شخصي‭ ‬أيضا‭. ‬ويحق‭ ‬لنا‭ ‬عندئذ‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الأقوال‭ ‬والأمثال‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬الوقت‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬هل‭ ‬الفاعل‭ ‬الجزائري‭ ‬يشعر‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬بندرة‭ ‬الوقت‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬من‭ ‬هوس‭ ‬بالوقت؟‭ ‬وهل‭ ‬هو‭ ‬يحول‭ ‬تلك‭ ‬المعرفة‭ ‬بأهمية‭ ‬الوقت‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها‭ ‬أمثاله‭ ‬وأقواله‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة؟

إن‭ ‬أهمية‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬الزمن‭ ‬لدى‭ ‬الفاعل‭ ‬الجزائري‭ ‬يمكن‭ ‬اختبارها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬دلالة‭ ‬الموعد‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نبحثها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬أوجه‭. ‬

 

الدلالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للموعد

ثمة‭ ‬ارتباط‭ ‬بين‭ ‬كلمة‭ ‬وعد‭ ‬وموعد‭ ‬لأن‭ ‬كليهما‭ ‬ينبغي‭ ‬الوفاء‭ ‬بهما،‭ ‬وضرورة‭ ‬الوفاء‭ ‬بالوعد‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬عليها‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭. ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭: ‬االراجل‭ ‬بالكلمةب‭ ‬ويقول‭ ‬المثل‭ ‬التونسي‭ ‬أيضا‭ ‬االراجل‭ ‬على‭ ‬كلمتهب،‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أننا‭ ‬هنا‭ ‬أمام‭ ‬تلازم‭ ‬بين‭ ‬مفهوم‭ ‬الوعد‭ ‬أو‭ ‬الكلمة‭ ‬وبين‭ ‬مفهوم‭ ‬الرجولة،‭ ‬فهذه‭ ‬الخصلة‭ ‬مشروطة‭ ‬بخصلة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬الوفاء‭ ‬بالوعد،‭ ‬فالوفاء‭ ‬بالوعد‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬الرجولة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬ضد‭ ‬الأنوثة‭ ‬وبين‭ ‬الرجولة‭ ‬والأنوثة‭ ‬تناقض‭ ‬يغذيه‭ ‬المتخيل‭ ‬الشعبي،‭ ‬تترتب‭ ‬عنه‭ ‬نتائج‭ ‬أخلاقية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وحقوقية‭ ‬ونفسية،‭ ‬فحينما‭ ‬يكون‭ ‬الرجل‭ ‬مقابلا‭ ‬للمرأة‭ ‬يصبح‭ ‬هو‭ ‬الحر‭ ‬والأقوى،‭ ‬وصاحب‭ ‬السلطة‭ ‬والاحترام،‭ ‬أما‭ ‬الأنثى‭ ‬فهي‭ ‬الأضعف‭ ‬وهي‭ ‬المقيدة‭ ‬والخاضعة‭ ‬المطيعة‭.‬

وحينما‭ ‬تتحول‭ ‬الرجولة‭ ‬معيارا‭ ‬فإن‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬تعطى‭ ‬للوعد‭ ‬والموعد‭ ‬تصبح‭ ‬اجتماعية،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬كفئتين‭ ‬اجتماعيتين‭ ‬متمايزتين‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬تهيمن‭ ‬فيه‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭.‬

‭ ‬الدلالة‭ ‬الأخلاقية

ينطوي‭ ‬الوعد‭/‬الموعد‭ ‬على‭ ‬دلالة‭ ‬أخلاقية‭ ‬أيضا،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بعلاقة‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬الواعد،‭ ‬بمفهومه‭ ‬الواسع‭ ‬فردا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬والموعود،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬سوى‭ ‬علاقة‭ ‬شرف،‭ ‬وقد‭ ‬بين‭ ‬بيار‭ ‬بورديو‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تحليله‭ ‬للمجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬الشرف‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يحكم‭ ‬أيضا‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يتعارض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬مفاهيم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭. ‬فالوعد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬بمثابة‭ ‬دين،‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭: ‬االلي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الفم‭ ‬تسمى‭ ‬دينب‭ ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يؤكده‭ ‬المثل‭ ‬التونسي‭ ‬االوعد‭ ‬دينب،‭ ‬والدَيْن‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬لآليات‭ ‬التسديد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الرأسمالي‭ ‬بل‭ ‬يتحكم‭ ‬فيه‭ ‬مفهوم‭ ‬الشرف‭.‬

 

‭ ‬الدلالة‭ ‬الدينية

وثمة‭ ‬دلالة‭ ‬أخرى‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الدلالتين‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬هي‭ ‬الدلالة‭ ‬الدينية،‭ ‬فالوفاء‭ ‬بالوعد‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬الإيمان،‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭: ‬االمؤمنين‭ ‬عند‭ ‬أقوالهاب،‭ ‬فالوفاء‭ ‬بالوعد‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬الإيمان‭ ‬وعدم‭ ‬الوفاء‭ ‬به‭ ‬يخرج‭ ‬صاحبه‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬ويدخله‭ ‬دائرة‭ ‬النفاق‭ ‬والمنافقين،‭ ‬يقول‭ ‬الحديث‭: ‬اآية‭ ‬المنافق‭ ‬ثلاث‭: ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬كذب،‭ ‬وإذا‭ ‬وعد‭ ‬أخلف،‭ ‬وإذا‭ ‬اؤتمن‭ ‬خانب11‭. ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬الإسلام‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬بالعهود‭ ‬والوعود‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات‭ ‬للموعد‭ ‬الوعد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المغذية‭ ‬بالدين‭ ‬تقابلها‭ ‬الدلالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية،‭ ‬فاحترام‭ ‬المواعيد‭ ‬وتقديسها‭ ‬هو‭ ‬سمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أحادية‭ ‬التوقيت‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المدة‭ ‬والتقييم‭ ‬باعتبارهما‭ ‬علامتين‭ ‬رسميتين‭ ‬تميزان‭ ‬الزمان‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولهذا‭ ‬يتم‭ ‬تقديس‭ ‬الوقت‭ ‬لأنه‭ ‬يمثل‭ ‬حقيقة‭ ‬ملموسة‭ ‬يجب‭ ‬تقديرها‭ ‬وتثمينها،‭ ‬وإخضاعه‭ ‬لعملية‭ ‬تخطيط‭ ‬دقيقة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يترك‭ ‬للاتفاق‭ ‬والصدفة‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يرتبط‭ ‬بتوقيت‭ ‬معد‭ ‬سلفا،‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬التقدم‭ ‬أو‭ ‬التأخر‭ ‬عنه‭ ‬لأن‭ ‬الوقت‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬صار‭ ‬معادلا‭ ‬للمال،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬منطق‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬الذي‭ ‬حول‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬ثروة12‭.‬

وهكذا‭ ‬يصير‭ ‬التقدير‭ ‬للوقت‭ ‬وللمواعيد‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬ويتحول‭ ‬المعيار‭ ‬ماديا‭ ‬يدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أخلاقيا‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬دينيا،‭ ‬وعندئذ‭ ‬يقاس‭ ‬الموعد‭ ‬بالخسارة‭ ‬أو‭ ‬الربح،‭ ‬وليس‭ ‬بالرجولة‭ ‬والشرف‭ ‬والإيمان‭ ‬أو‭ ‬بفقدان‭ ‬هذه‭ ‬الصفات‭.‬

ولذلك‭ ‬فإننا‭ ‬حين‭ ‬نقابل‭ ‬بين‭ ‬دلالة‭ ‬المواعيد‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬وبين‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬ربما‭ ‬نفهم‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬المواعيد‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬لأنه‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬سلطة‭ ‬الضمير‭ ‬والمعيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬هي‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬صرامة‭ ‬القانون‭ ‬المعاقب‭ ‬على‭ ‬الإخلال‭ ‬بالالتزام‭ ‬والعقد‭ ‬ومنطق‭ ‬الشرف‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬فإن‭ ‬الإخلال‭ ‬يكون‭ ‬واردا‭ ‬دائما؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سلطة‭ ‬الضمير‭ ‬قد‭ ‬تضعف‭ ‬وتتضعضع‭ ‬وقوة‭ ‬الإيمان‭ ‬قد‭ ‬تفتر،‭ ‬بل‭ ‬والرجولة‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬ولهذا‭ ‬نسمع‭ ‬اليوم‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭: ‬اما‭ ‬بْقاتش‭ ‬الكلمةب‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬الرجال‭. ‬وقد‭ ‬لاحظ‭ ‬إدوارد‭ ‬هول‭ ‬الأنتروبولوجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬النسق‭ ‬الزمني‭ ‬المتعدد‭ ‬التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬ثقافات‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يكون‭ ‬التشديد‭ ‬حول‭ ‬التزامات‭ ‬الأفراد‭ ‬وإنجاز‭ ‬العقد‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬بتوقيت‭ ‬معد‭ ‬سلفا،‭ ‬وفيه‭ ‬لا‭ ‬تؤخذ‭ ‬المواعيد‭ ‬بجدية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬أو‭ ‬تلغى‭. ‬فاحترام‭ ‬الموعد‭ ‬إذن‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الالتزام‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للفرد‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬صرامة‭ ‬الجدول‭ ‬الزمني‭.‬

 

‭ ‬التأخر‭ ‬والانتظار‭:‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬المواعيد‭ ‬لدى‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجزائريين‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التأخر‭ ‬والانتظار‭ ‬كفاصلين‭ ‬زمنيين‭ ‬عن‭ ‬الموعد‭ ‬المحدد‭.‬

والانتظار‭ ‬فعل‭ ‬يرتبط‭ ‬دائما‭ ‬بحادث‭ ‬مستقبلي‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬محددا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬محدد،‭ ‬فانتظار‭ ‬وسيلة‭ ‬نقل‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬حضور‭ ‬طبيب‭... ‬في‭ ‬موعد‭ ‬محدد‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬حادث‭ ‬محدد،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الانتظار‭ ‬مشبع‭ ‬بالزمان‭ ‬القابل‭ ‬للقياس،‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬ضجره‭ ‬يقوم‭ ‬الإنسان‭ ‬بأفعال‭ ‬معينة‭ ‬تمضية‭ ‬للوقت،‭ ‬فقد‭ ‬يقرأ‭ ‬كتابا‭ ‬أو‭ ‬يتجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬أحدهم،‭ ‬ولكن‭ ‬قد‭ ‬ننتظر‭ ‬حدوث‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬وغير‭ ‬قابل‭ ‬للتقدير‭ ‬الزمني‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬يتضمن‭ ‬الانتظار‭ ‬مشاعر‭ ‬القلق،‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬مينكوفسكي‭ ‬االانتظار‭ ‬هو‭ ‬دائما‭ ‬انتظارٌ‭ ‬قلقٌب13‭. ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الانتظار‭ ‬يتضاعف‭ ‬ويزداد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تأخير‭ ‬المواعيد،‭ ‬أما‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬مألوفا‭ ‬لدينا‭ ‬انتظار‭ ‬القطار‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬في‭ ‬موعده،‭ ‬والطائرة،‭ ‬والحافلة‭...‬والمدير،‭ ‬والطبيب،‭ ‬والأستاذ‭...‬فما‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬الجزائري‭ ‬من‭ ‬الانتظار؟

من‭ ‬الملاحظ‭ ‬أننا‭ ‬هنا‭ ‬أمام‭ ‬موقف‭ ‬سائد‭ ‬هو‭ ‬الصبر‭ ‬والاستسلام‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬التذمر‭ ‬ورفض‭ ‬للوضع‭ ‬القائم،‭ ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الأخير‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬كثيرا‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬المألوف‭ ‬لدى‭ ‬الجزائريين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يجابه‭ ‬بالصبر‭ ‬لأن‭ ‬الصبر‭ ‬مفتاح‭ ‬الفرج‭ ‬كما‭ ‬أجاب‭ ‬أحدهم‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يرتبط‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬بمثل‭ ‬شعبي‭ ‬يتردد‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الجزائريين‭ ‬والعرب‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتمكن‭ ‬فيها‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬في‭ ‬الموعد‭ ‬المحدد‭ ‬لأسباب‭ ‬قاهرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قاهرة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬كأن‭ ‬يتأخر‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬انطلاق‭ ‬قطار‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬وسيلة‭ ‬نقل‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬فوات‭ ‬الالتقاء‭ ‬بشخص‭ ‬مهم‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬يذكر‭ ‬بصيغ‭ ‬مختلفة‭:‬

اكل‭ ‬تأخيرة‭ ‬فيها‭ ‬خيرةب

اكل‭ ‬توخيرة‭ ‬فيها‭ ‬خيرةب

اكل‭ ‬عطلة‭ ‬فيها‭ ‬خيرب

اكل‭ ‬تعطيلة‭ ‬فيها‭ ‬خيرب

إن‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬تأخر‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الخير،‭ ‬طبعا‭ ‬الخير‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يحدده‭ ‬بنفسه‭ ‬فذلك‭ ‬مما‭ ‬يتجاوز‭ ‬القدرة‭ ‬البشرية‭. ‬فما‭ ‬نكرهه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬الخير‭ ‬الكثير‭ ‬واللامتوقع‭ ‬وما‭ ‬نحبه‭ ‬قد‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسوؤنا‭ ‬ويضرنا،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬طابع‭ ‬توجيهي‭ ‬وتربوي‭.‬

وفي‭ ‬كتابه‭ ‬اأين‭ ‬يكمن‭ ‬الخطأ؟ب‭ ‬تحدث‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬عن‭ ‬مسالة‭ ‬البعد‭ ‬والوقت‭ ‬والحداثة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والحداثة‭ ‬كما‭ ‬يذهب‭ ‬ابتدأت‭ ‬وهي‭ ‬نفسها‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬وحديث،‭ ‬بالساعة‭ ‬وجدول‭ ‬المواعيد،‭ ‬التقويم‭ ‬والبرنامج،‭ ‬وهي‭ ‬أدواتها‭ ‬التي‭ ‬شاع‭ ‬قبولها‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المعمورة‭ ‬وضمنها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬إغفال‭ ‬أصلها‭ ‬العربي‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬تأكيده‭ ‬هو‭ ‬التعارض‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والحداثة،‭ ‬فبلاد‭ ‬المسلمين‭ ‬فقدت‭ ‬الريادة‭ ‬الحضارية‭ ‬أمام‭ ‬التفوق‭ ‬الغربي،‭ ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬التخلف‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬فيه‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والحداثة‭ ‬عدم‭ ‬احترام‭ ‬المواعيد‭ ‬والوفاء‭ ‬بها‭. ‬ولتبيان‭ ‬ذلك‭ ‬يختتم‭ ‬فصله‭ ‬بكلمات‭ ‬للكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬جورج‭ ‬ديهامال‭ ‬Georges Duahamel‭ ‬الذي‭ ‬تجول‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1947‭: ‬اقمت‭ ‬بجهود‭ ‬مخلصة‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬خلال‭ ‬رحلاتي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬للوصول‭ ‬في‭ ‬المواعيد‭ ‬التي‭ ‬تلطفوا‭ ‬بتعيينها‭ ‬لي،‭ ‬وكانت‭ ‬مسألة‭ ‬الموعد‭ ‬تناقش‭ ‬بحرص‭ ‬ويتم‭ ‬الاتفاق‭ ‬أخيرا‭ ‬عليها‭. ‬وعلي‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬المحاولات‭ ‬المتواضعة‭ ‬لم‭ ‬يحالفها‭ ‬النجاح‭. ‬الحكماء‭ ‬والمجربون‭...‬قالوا‭ ‬لي‭ ‬أحيانا‭: ‬السماء‭ ‬هنا‭ ‬شديدة‭ ‬الزرقة‭ ‬والشمس‭ ‬شديدة‭ ‬الحرارة،‭ ‬لماذا‭ ‬العجلة؟‭ ‬لماذا‭ ‬نخسر‭ ‬حلاوة‭ ‬العيش؟‭ ‬الجميع‭ ‬هنا‭ ‬متأخرون،‭ ‬الأمر‭ ‬الوحيد‭ ‬أن‭ ‬ننضم‭ ‬إليهم،‭ ‬ومن‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬المحددة‭ ‬يجازف‭ ‬بإضاعة‭ ‬وقته،‭ ‬وهذا‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬مريح‭ ‬وبالتالي‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬داع‭ ‬لكل‭ ‬تلك‭ ‬الدقة،‭ ‬فالدقة‭ ‬الصارمة‭ ‬لها‭ ‬مزايا‭ ‬قليلة،‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬ملائمة‭ ‬أبدا،‭ ‬إذ‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المرونة‭ ‬والخيال‭ ‬والمرح‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬الوقارب14‭.‬

إذن‭ ‬غياب‭ ‬الدقة‭ ‬وعدم‭ ‬الانضباط‭ ‬في‭ ‬المواعيد‭ ‬وعدم‭ ‬التعجل‭ ‬والتأخر‭...‬كلها‭ ‬سمات‭ ‬تميزنا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يخلص‭ ‬إليه‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬واعتمادا‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬غيره،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نعترض‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬التي‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬نأسف‭ ‬لأن‭ ‬حالنا‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬وقد‭ ‬اجتزنا‭ ‬تقريبا‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

لكن‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الخلل‭ ‬أو‭ ‬السبب،‭ ‬فإننا‭ ‬نقول‭ ‬له‭ ‬ولغيره‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬قطعا،‭ ‬وإنما‭ ‬الممارسة‭ ‬الشائهة‭ ‬والمنحرفة‭ ‬عن‭ ‬جوهره‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تخلفنا،‭ ‬والمثل‭ ‬اكل‭ ‬عطلة‭ ‬فيها‭ ‬خيرب،‭ ‬حينما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬جبرية‭ ‬مشينة‭ ‬تعطلنا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬والالتزام‭ ‬بمواعيدنا‭ ‬وضبط‭ ‬جداولنا‭ ‬الزمنية‭ ‬يمثل‭ ‬مظهرا‭ ‬لتلك‭ ‬الممارسة‭.‬

‭ ‬العمل‭ ‬والزمان

هناك‭ ‬ارتباط‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوربية‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بين‭ ‬الزمان‭ ‬والعمل،‭ ‬ارتباط‭ ‬تجسده‭ ‬مقولة‭ ‬االوقت‭ ‬مالب‭ ‬ولذلك‭ ‬صار‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬الفاعلية‭ ‬المحورية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حولها‭ ‬الفاعليات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وخضع‭ ‬العمل‭ ‬لعقلنة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬التقسيم‭ ‬المنظم‭ ‬والمحسوب‭ ‬للأعمال،‭ ‬وهذا‭ ‬الحساب‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬المواقيت‭ ‬والجداول‭ ‬الزمنية،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التصورات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمل‭ ‬والمواقف‭ ‬تجاهه‭ ‬والتي‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الاختلافات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتصور‭ ‬الزمان‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننطلق‭ ‬من‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الأمثال‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعمل‭ ‬والزمان‭ ‬ثم‭ ‬ننزل‭ ‬إلى‭ ‬الميدان‭ ‬لملاحظة‭ ‬الممارسات‭ ‬الفعلية،‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نكشف‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والزمان‭ ‬قد‭ ‬تبلورت‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬وسلوكنا‭ ‬بالصورة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليها،‭ ‬وهذه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأمثال‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعمل‭:‬

ااخدم‭ ‬بالرطل‭ ‬ولا‭ ‬تعطلب‭.‬

ااخدم‭ ‬مع‭ ‬النصارى‭ ‬ولا‭ ‬قعاد‭ ‬لخسارةب‭.‬

ااعمل‭ ‬بدورو‭ ‬وحاسب‭ ‬البطالب‭.‬

اعاون‭ ‬النصارى‭ ‬ولا‭ ‬قعاد‭ ‬خسارةب‭.‬

االفساد‭ ‬ولا‭ ‬لقعادب‭.‬

االلي‭ ‬اخدم‭ ‬ارتاح‭ ‬واللي‭ ‬قعد‭ ‬جاح‭ ‬واللي‭ ‬اتكى‭ ‬بغير‭ ‬الله‭ ‬طاحب‭.‬

ااخدم‭ ‬يا‭ ‬صغري‭ ‬لكبري‭ ‬واخدم‭ ‬يا‭ ‬كبري‭ ‬لقبريب‭.‬

امعاونة‭ ‬النصارى‭ ‬ولا‭ ‬النوم‭ ‬خسارةب‭.‬

ااخدم‭ ‬بصوردي‭ ‬وحاسب‭ ‬القاعدب‭.‬

وثمة‭ ‬أمثال‭ ‬شعبية‭ ‬تونسية‭ ‬مشابهة‭ ‬لأمثالنا‭ ‬الجزائرية‭:‬

ااخدم‭ ‬بناصري‭ ‬وحاسب‭ ‬البطالب‭ (‬الناصري‭ ‬عملة‭ ‬نقدية‭ ‬قديمة‭ ‬تنسب‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ ‬الناصر‭ ‬باي‭ ‬وتحمل‭ ‬اسمه‭).‬

االلي‭ ‬ما‭ ‬يشقى‭ ‬ما‭ ‬يلقىب‭.‬

االلي‭ ‬ما‭ ‬يشقى‭ ‬في‭ ‬صغره‭ ‬ما‭ ‬يرتاح‭ ‬في‭ ‬كبرهب‭.‬

االحركة‭ ‬بركةب‭.‬

ايخيَّط‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬ويفصَّل‭ ‬في‭ ‬الزْنُقب‭ (‬بمعنى‭ ‬دائم‭ ‬التسكع‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭).‬

امْضَغْ‭ ‬العلك‭ ‬ولا‭ ‬البطالةب‭.‬

اشاقي‭ ‬ولا‭ ‬محتاجب‭.‬

االشقا‭ ‬مخلوفب‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يجادلنا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬جميعها‭ ‬تحث‭ ‬على‭ ‬العمل،‭ ‬فهو‭ ‬مطلوب‭ ‬وضروري،‭ ‬والبطالة‭ ‬مرفوضة،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬نجد‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تراثنا‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬المبادرة‭ ‬بالعمل‭ ‬وإنجاز‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬إنجازه‭: ‬الا‭ ‬تؤجل‭ ‬عمل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬الغدب،‭ ‬وهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬بمفهوم‭ ‬االبُكْرةب‭ ‬أي‭ ‬البكور‭ ‬والذي‭ ‬يحتل‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬والأمثال‭ ‬الحاثة‭ ‬عليه‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭:‬

االلي‭ ‬بكَّر‭ ‬لحاجته‭ ‬قضاهاب‭.‬

االصباح‭ ‬فتاحب‭.‬

اشاو‭ ‬النهار‭ ‬رفيقب‭.‬

ااِذَا‭ ‬غلبوك‭ ‬بالكثرة‭ ‬اغلبهم‭ ‬بالبكرةب‭.‬

االلي‭ ‬فاتو‭ ‬البَدري‭ ‬يروح‭ ‬يكريب‭.‬

االلي‭ ‬اربح‭ ‬اربح‭ ‬الصباح،‭ ‬العشية‭ ‬ضيقةب‭.‬

إذن‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬والتي‭ ‬سبقتها‭ ‬إذا‭ ‬أخذناها‭ ‬من‭ ‬الزاوية‭ ‬التربوية‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬وإرشاد‭ ‬للأفراد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬وترك‭ ‬البطالة،‭ ‬بل‭ ‬والبكور‭ ‬للعمل‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬الوقت‭ ‬واغتنام‭ ‬له‭ ‬لإنجاز‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬إنجازه‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬متوفرة‭ ‬ولا‭ ‬متطورة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬اليوم‭ ‬فإن‭ ‬البكور‭ ‬كان‭ ‬ضروريا‭ ‬أكثر‭. ‬ولكن‭ ‬لنتساءل‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬ونعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬والمكاتب‭ ‬الإدارية‭ ‬والحقول‭ ‬والمدارس‭...‬هل‭ ‬نحن‭ ‬نقدر‭ ‬العمل‭ ‬وبالتالي‭ ‬نقدر‭ ‬الوقت؟

بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬نستغل‭ ‬الوقت‭ ‬أحسن‭ ‬استغلال‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬أعمالنا‭ ‬والقيام‭ ‬بواجباتنا‭ ‬المهنية؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تحث‭ ‬أمثالنا‭ ‬على‭ ‬البكور؟

لقد‭ ‬لاحظ‭ ‬بيار‭ ‬بورديو‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وهو‭ ‬بصدد‭ ‬تشريح‭ ‬المجتمع‭ ‬القبائلي‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬الطابع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للعمل،‭ ‬فالفرد‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬لأن‭ ‬العمل‭ ‬واجب‭ ‬اجتماعي‭ ‬تجاه‭ ‬الجماعة‭. ‬فالعمل‭ ‬اموجه‭ ‬فقط‭ ‬لتلبية‭ ‬الحاجات‭ ‬الأولية‭ ‬وضمان‭ ‬استمرار‭ ‬الجماعةب15،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬مفهومه‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العقلاني‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحساب‭ ‬والمردودية‭ ‬والمنافسة‭. ‬إن‭ ‬الأمثال‭ ‬السابقة‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬سمات‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬هذه‭. ‬فالفرد‭ ‬مطالب‭ ‬بأن‭ ‬يقوم‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬عملا،‭ ‬لأنه‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬شيئا‭! ‬هكذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬بأجر‭ ‬بخس‭ ‬وزهيد‭ (‬صوردي،‭ ‬دورو،‭ ‬ناصري‭) ‬بل‭ ‬وبدون‭ ‬أجر‭  ‬أو‭ ‬منفعة‭ ‬ترجى‭ ‬كأن‭ ‬يمضغ‭ ‬الواحد‭ ‬العلك‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬بالبطالة،‭ ‬فمضغ‭ ‬العلك‭ ‬نشاط‭ ‬عضلي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭! ‬لا‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬اقتضى‭ ‬الأمر‭ ‬الإفساد‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬ولا‭ ‬البقاء‭ ‬عاطلا،‭ ‬بل‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إن‭ ‬مساعدة‭ ‬النصارى‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬مقابل،‭ ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬حساسية‭ ‬العربي‭ ‬المسلم‭ ‬تجاه‭ ‬النصراني‭ ‬أو‭ ‬اليهودي‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بالدين،‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬تلك‭ ‬المساعدة‭ ‬عمل‭ ‬والعمل‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬القعود‭ ‬والبطالة‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬نظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توجب‭ ‬ضرورة‭ ‬العمل‭ ‬وليس‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬كقيمة‭ ‬اقتصادية‭. ‬إن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بجوهر‭ ‬العمل‭ ‬وهو‭ ‬المردودية‭ ‬يتم‭ ‬تغييبه‭ ‬وإبعاده‭ ‬أمام‭ ‬القيمة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ولو‭ ‬تتبعنا‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يترتب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬قد‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬ظواهر‭ ‬كثيرة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬كالتغيب‭ ‬والتأخر‭ ‬والغش‭ ‬وقلة‭ ‬المردودية‭...‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نقدح‭ ‬في‭ ‬الأمثال‭ ‬المذكورة‭ ‬فحسبها‭ ‬أنها‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع‭ ‬وتنقله‭ ‬إلينا‭ ‬بأمانة‭ ‬ولكن‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬التقليدي‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬أنشأنا‭ ‬المصانع‭ ‬والمعامل‭...‬

إن‭ ‬العمل‭ ‬حينما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬فقط،‭ ‬فإن‭ ‬وظيفته‭ ‬تنحصر‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬اللوم‭ ‬عن‭ ‬الفرد‭ ‬والحرج،‭ ‬وكأن‭ ‬العمل‭ ‬يصير‭ ‬فقط‭ ‬شرطا‭ ‬للقبول‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالمهم‭ ‬اراه‭ ‬يخدمب‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬معايير‭ ‬الرجولة‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬أن‭ ‬اتضرب‭ ‬ذراعكب‭ ‬افالراجل‭ ‬بذراعهب‭ ‬واالقاعد‭ ‬تطير‭ ‬له‭ ‬كلمةب‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬شيوع‭ ‬تلك‭ ‬الظواهر‭ ‬المنافية‭ ‬لجوهر‭ ‬العمل‭. ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬فكرة‭ ‬المردودية‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬الفاعلين‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬فكرة‭ ‬المنافسة‭ ‬تماما،‭ ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬يفرض‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الكل‭ ‬ايعملب‭ ‬وينال‭ ‬أجرا‭. ‬إن‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬اليوم‭ ‬pointage‭ ‬وليفعل‭ ‬االعاملب‭ ‬أو‭ ‬الموظف‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬ترك‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭.‬

والعمل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإكراه‭ ‬والضجر‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬بقتل‭ ‬الوقت‭. ‬وهكذا‭ ‬يتحول‭ ‬قتل‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬داخل‭ ‬المصنع‭ ‬أو‭ ‬الورشة‭ ‬والمكاتب‭ ‬والقسم‭ ‬والمستشفى‭...‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬المردود‭ ‬الحقيقي‭ ‬للعامل‭ ‬الجزائري‭.‬

لقد‭ ‬لاحظ‭ ‬اجيل‭ ‬ديشونب‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬أن‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬لا‭ ‬تشتغل‭ ‬بدقة،‭ ‬والموظفون‭ ‬لا‭ ‬يحترمون‭ ‬أوقات‭ ‬العمل‭ ‬والمدة‭ ‬الأسبوعية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لعملهم‭ ‬الإداري‭ ‬تتراوح‭ ‬عموما‭ ‬بين‭ ‬عشرين‭ ‬وستة‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعةب16‭. ‬وقد‭ ‬وصل‭ ‬ارشيد‭ ‬بوسعادةب‭ ‬الباحث‭ ‬الجزائري‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬المتمخضة‭ ‬عن‭ ‬دراسته‭ ‬السوسيولوجية،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬بالأحرى‭ ‬مخصص‭ ‬للاجتماع‭ ‬بمعناه‭ ‬الواسع‭ ‬الاجتماعات‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العمل،‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العبادة،‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬الحفلات‭...‬الخ،‭ ‬إننا‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬كفرصة‭ ‬للترويح‭ ‬والراحة17‭.    

وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬اقتل‭ ‬الوقتب‭ ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬يتم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العمل،‭ ‬وعندئذ‭ ‬يصير‭ ‬العمل‭ ‬والقعود‭ ‬سيان،‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬إدوارد‭ ‬هول‭ ‬الأنتروبولوجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬محقا‭ ‬حينما‭ ‬تكلم‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الفاعلية‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬المتعددة‭ ‬التوقيت؟‭ ‬لقد‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬مفهومها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثقافات‭ ‬مختلف‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬مفهومها‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬الأحادية‭ ‬التوقيت،‭ ‬ففي‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جالسا‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬نشاط‭ ‬أو‭ ‬عمل18‭. ‬إذن‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتفاجأ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الجلوس‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ - ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬لك‭ ‬مكانا‭ ‬فيها‭ ‬ليس‭ ‬أيام‭ ‬العطل‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬أيام‭ ‬العمل‭- ‬يعتبر‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬العمل‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭. ‬وهكذا‭ ‬ففي‭ ‬ثقافتنا‭ ‬يكون‭ ‬الجلوس‭ ‬عملا‭ ‬والعمل‭ ‬جلوسا‭. ‬ويصير‭ ‬تضييع‭ ‬الوقت‭ ‬عندنا‭ ‬بالساعات‭ ‬لا‭ ‬بالدقائق‭ ‬المعدودات‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬والسبب‭ ‬كما‭ ‬بيناه‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬بمفاهيمه‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬سلوكنا‭ ‬ومجتمعنا‭ ‬االحديثب‭.‬

وحينما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الذهنيات‭ ‬أو‭ ‬الرؤوس‭ ‬والسلوكيات،‭ ‬فإننا‭ ‬نلاحظ‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬الوسائل‭ ‬الحديثة‭ ‬المتاحة‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اختزال‭ ‬الزمن‭ ‬واستغلاله‭ ‬من‭ ‬مصانع‭ ‬مجهزة‭ ‬بأحدث‭ ‬الآلات‭ ‬والأجهزة،‭ ‬ووسائل‭ ‬نقل‭ ‬واتصال‭ ‬بسرعة‭ ‬عالية‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬التناقض‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬المردودية‭ ‬وغياب‭ ‬النجاعة‭ ‬والفعالية‭ ‬والإتقان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نعمله‭ ‬وننتجه‭ ‬تقريبا‭. ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لأننا‭ ‬نجهل‭ ‬قيمة‭ ‬الوقت‭ ‬التي‭ ‬تقاس‭ ‬بالمال‭ ‬بل‭ ‬بالحياة‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والأمم،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬إلا‭ ‬بتدارك‭ ‬الفارق‭ ‬الزمني‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬المجتمعات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعملون،‭ ‬وأن‭ ‬نحسب‭ ‬الوقت‭ ‬بمعيار‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭.‬

ولو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬البكور‭ ‬التي‭ ‬تحث‭ ‬عليها‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية،‭ ‬فإن‭ ‬التحليل‭ ‬السابق‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬ذاتها‭ ‬أي‭ ‬إهدار‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬استغلاله،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬البكور‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنجاز‭ ‬العمل‭ ‬بسرعة‭ ‬وكفى‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المرور‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬آخر‭. ‬فالبكور‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬أي‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وقت‭ ‬أكثر‭ ‬لقتله،‭ ‬طبعا‭ ‬لا‭ ‬أتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬فيها‭ ‬البكور‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اللحاق‭ ‬بالمواعيد‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬شيء‭ ‬طبيعي‭.‬

وعموما‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننتهي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬تحليلنا‭ ‬لعلاقة‭ ‬الزمن‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬هو‭ ‬التباعد‭ ‬بين‭ ‬المفهومين‭. ‬فالارتباط‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬بينهما‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬التايلورية‭ ‬وامتد‭ ‬إلى‭ ‬سائر‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربي‭ ‬ومجالاتها،‭ ‬بحيث‭ ‬صار‭ ‬زمن‭ ‬العمل‭ ‬عددا‭ ‬محددا‭ ‬من‭ ‬الساعات‭ ‬المقترحة‭ ‬على‭ ‬منظمات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تستخلص‭ ‬منها‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬المردودية،‭ ‬فهذا‭ ‬الزمن‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬اآبل‭ ‬جانييرب‭ ‬يقيس‭ ‬خصوبته‭ ‬ممثلو‭ ‬السلطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعبارات‭ ‬الإنتاج19‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬عندنا‭ ‬بعد‭ ‬بالدرجة‭ ‬الكافية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬خصوبة‭ ‬الزمان‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬جانيير‭ ‬تتحول‭ ‬عندنا‭ ‬إلى‭ ‬ضدها‭ ‬فلا‭ ‬مردودية‭ ‬ولا‭ ‬إنتاج‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭ ‬لأننا‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬نقتل‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬ونحن‭ ‬انعملب‭.‬

الاحتياط‭ ‬للمستقبل

المستقبل‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬بعد،‭ ‬ولم‭ ‬نعشه‭ ‬بعد،‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الأفق‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬أمامنا‭ ‬دون‭ ‬توقف،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬دائما‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬وعينا،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نكف‭ ‬عن‭ ‬التطلع‭ ‬إليه‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬استباقه،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬المستقبل‭ ‬يتميز‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الخصائص‭ ‬تجعله‭ ‬إشكاليا،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬مثقل‭ ‬بالحاضر‭ ‬والماضي‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬جديد‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يتدخل‭ ‬جزئيا‭ ‬في‭ ‬تشكيله،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬ذلك‭ ‬التدخل؟‭ ‬والمستقبل‭ ‬يتميز‭ ‬بالغموض،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬محمل‭ ‬دائما‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬توقعه‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬الخاصية‭ ‬الأكثر‭ ‬تمييزا‭ ‬له‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬القلق،‭ ‬فهو‭ ‬دائما‭ ‬مقلق،‭ ‬وهذا‭ ‬القلق‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬لنا‭ ‬اهتمام‭ ‬الإنسان‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا‭ ‬ولو‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬في‭ ‬الطرق‭ ‬والأساليب‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬فالإنسان‭ ‬العراقي‭ ‬القديم‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬ضرورة‭ ‬التخطيط‭ ‬للمستقبل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭: ‬اعندما‭ ‬تختط‭ ‬للمستقبل‭ ‬يكون‭ ‬إلهك‭ ‬إلهك،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تختط‭ ‬للمستقبل‭ ‬ليس‭ ‬إلهك‭ ‬بإلهكب،‭ ‬أي‭ ‬إنك‭ ‬لن‭ ‬تحظى‭ ‬بالنجاح‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اختطت‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وعندئذ‭ ‬فقط‭ ‬يكون‭ ‬إلهك‭ ‬معك20‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬القديم‭ ‬يحاول‭ ‬التنبؤ‭ ‬به‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬الاتصال‭ ‬بقوى‭ ‬غيبية‭ ‬كالآلهة‭ ‬والأرواح‭ ‬والجن‭... ‬والاستدلال‭ ‬بالظواهر‭ ‬الطبيعية‭ ‬ومواقع‭ ‬النجوم‭ ‬وحركاتها‭ ‬وأحوال‭ ‬الطقس‭ ‬ووجهات‭ ‬الطيور‭ ‬في‭ ‬طيرانها‭ ‬وأيضا‭ ‬الكتابات‭ ‬والخطوط‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬بشرية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لهذه‭ ‬الأشكال‭ ‬من‭ ‬التنبؤ‭ ‬دورا‭ ‬خطيرا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭ ‬القديمة‭ ‬كالمصريين‭ ‬والبابليين‭ ‬والهنود‭ ‬والصينيين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬التنبؤ‭ ‬عملا‭ ‬تختص‭ ‬به‭ ‬فئة‭ ‬معينة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الكهان‭ ‬والعرافين‭ ‬والمنجمين‭ ‬والسحرة‭ ‬والأطباء‭ ‬وما‭ ‬إليهم،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستشرفون‭ ‬المستقبل‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بشؤون‭ ‬الحياة‭ ‬كلها‭: ‬شؤون‭ ‬الحرب،‭ ‬وتشييد‭ ‬المدن،‭ ‬وتتويج‭ ‬الملوك‭ ‬وحدوث‭ ‬ولادة‭ ‬أو‭ ‬مرض‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬ما‭ ‬لاقاه‭ ‬بنو‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬تنكيل‭ ‬وبطش‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬فرعون‭ ‬مصر‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬نبوءة‭ ‬الكهان‭ ‬التي‭ ‬حذرته‭ ‬من‭ ‬عدو‭ ‬مستقبلي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬قومه،‭ ‬سيكون‭ ‬موسى‭ ‬النبي‭ ‬الذي‭ ‬سينتهي‭ ‬بالفعل‭ ‬بإزالة‭ ‬ملك‭ ‬فرعون‭ ‬بأن‭ ‬أغرقه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬اليم‭ ‬مع‭ ‬جنوده‭.‬

ولدى‭ ‬الصينيين‭ ‬يوجد‭ ‬اكتاب‭ ‬التغيراتب‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬التراث‭ ‬الصيني‭ ‬الأدبي‭ ‬في‭ ‬الماورائيات،‭ ‬وهو‭ ‬كتاب‭ ‬تدرك‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬جميع‭ ‬القوانين‭ ‬الطبيعية‭ ‬وتدرس‭ ‬فيه‭ ‬طريقة‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالغيب21‭.‬

وفي‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬سيظهر‭ ‬ميشال‭ ‬دو‭ ‬نوتردام‭ ‬Michel‭ ‬de‭ ‬Notre‭ ‬Dame ‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭ ‬Nostradamus‭ ‬بكتابه‭ ‬Centuries‭ ‬et‭ ‬Prophéties‭.‬

ولكن‭ ‬محاولة‭ ‬استكناه‭ ‬المستقبل‭ ‬والتخطيط‭ ‬له‭ ‬ستكون‭ ‬سمة‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬أكثر‭ ‬صوب‭ ‬المستقبل،‭ ‬ونقصد‭ ‬بهذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصناعية‭ ‬وهذا‭ ‬بسبب‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬بوتينيه‭ ‬الزمن‭ ‬التقني‭ ‬الذي‭ ‬يتميز‭ ‬بخاصيتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬خضوعه‭ ‬لعقلنة‭ ‬متنامية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تجزئته‭ ‬وتقسيمه،‭ ‬فهذا‭ ‬الزمن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التكميم‭ ‬والدقة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ولكنه‭ ‬يتفلت‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربي‭ ‬ويجعله‭ ‬يشتكي‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬وقت‭ ‬لديه،‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬العقلنة‭ ‬للزمان‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تخطيطه‭ ‬وتنظيمه‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الصناعي،‭ ‬عكس‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬سبقته،‭ ‬له‭ ‬انشغال‭ ‬واع‭ ‬جدا‭ ‬وشديد‭ ‬بالزمن‭ ‬الخطي‭.‬

أما‭ ‬الخاصية‭ ‬الثانية‭ ‬لهذا‭ ‬الزمن‭ ‬التقني‭ ‬فتتجلى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقدير‭ ‬الفائق‭ ‬للمستقبل،‭ ‬لأن‭ ‬الشعور‭ ‬بنقص‭ ‬الوقت‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬المستقبل‭ ‬كل‭ ‬الآمال،‭ ‬والقيام‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬فالبعد‭ ‬المستقبلي‭ ‬يثمن‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحاضر‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأول‭ ‬للإنسانية،‭ ‬فإنه‭ ‬قد‭ ‬صار‭ ‬اليوم‭ ‬الانشغال‭ ‬اليومي‭ ‬الموجه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحضير‭ ‬أبسط‭ ‬أشكال‭ ‬تكيف‭ ‬الأفراد‭ ‬مع‭ ‬بيئتهم،‭ ‬اإن‭ ‬الشعور‭ ‬بالوجود‭ ‬بالنسبة‭ ‬لفرد‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬مرتبط‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الانقذاف‭ ‬داخل‭ ‬مستقبل‭ ‬قابل‭ ‬للتهيئةب22‭.‬

وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ارتباطا‭ ‬بالعقلنة‭ ‬والاهتمام‭ ‬المستقبلي‭ ‬أو‭ ‬الاستباق،‭ ‬ارتباط‭ ‬خلقته‭ ‬الثقافة‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصناعية،‭ ‬

الزمان‭ ‬قوة‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬ويحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المفاجآة،‭ ‬فهو‭ ‬يحيل‭ ‬الطفل‭ ‬شابا‭ ‬والشاب‭ ‬كهلا،‭ ‬والكهل‭ ‬شيخا‭ ‬هرما،‭ ‬إنه‭ ‬بذلك‭ ‬يحول‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭. ‬كما‭ ‬إنه‭ ‬يأتي‭ ‬بالحوادث‭ ‬التي‭ ‬تنغص‭ ‬العيش‭ ‬وتعكر‭ ‬صفو‭ ‬الحياة‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬الزمان‭ ‬دائما‭ ‬مبعث‭ ‬قلق‭ ‬للإنسان‭. ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬الإعداد‭ ‬للمستقبل‭ ‬والتهيؤ‭ ‬لما‭ ‬سيأتي‭ ‬به‭ ‬الغد‭ ‬المجهول‭ ‬وهذا‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬الاحتياط،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاستباق‭ ‬يجعله‭ ‬بورديو‭ ‬خاصية‭ ‬المجتمعات‭ ‬التقليدية،‭ ‬صاحبة‭ ‬الذهنية‭ ‬المتعارضة‭ ‬مع‭ ‬الحساب‭ ‬والدقة‭ ‬والساعة‭. ‬وهذا‭ ‬طبعا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عنده‭ ‬غياب‭ ‬الحساب‭ ‬تماما‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬حساب‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الحساب‭ ‬العقلاني‭ ‬في‭ ‬العقلية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الغربية‭. ‬وطبعا‭ ‬كان‭ ‬بورديو‭ ‬يتكلم‭ ‬عن‭ ‬الفلاح‭ ‬الجزائري‭ ‬إبان‭ ‬الاستعمار‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬الفاعل‭ ‬الجزائري‭ ‬اليوم؟

بما‭ ‬أننا‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬ذهنية‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬فترتين‭ ‬زمنيتين،‭ ‬فترة‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي،‭ ‬والفترة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التحديث،‭ ‬فإننا‭ ‬يمكن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الاحتياط‭ ‬أو‭ ‬سلوك‭ ‬الاستباق‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأمثال‭ ‬التي‭ ‬حثت‭ ‬على‭ ‬الاحتياط‭:‬

امَن‭ ‬لا‭ ‬يقرا‭ ‬للزمان‭ ‬عقوبة‭ ‬يجي‭ ‬على‭ ‬راسو‭ ‬مكبوبب‭.‬

ااخدم‭ ‬ياصغري‭ ‬لكبري،‭ ‬واخدم‭ ‬يا‭ ‬كبري‭ ‬لقبريب‭.‬

اذاك‭ ‬قرا‭ ‬للزمان‭ ‬عقوبةب‭.‬

االلي‭ ‬يعرف‭ ‬يخلي‭ (‬يترك‭) ‬من‭ ‬عشاه‭ ‬لغداه،‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬شفايا‭ ‬لاعداهب‭.‬

اكي‭ ‬كنت‭ ‬انا‭ ‬انطمر،‭ ‬كنت‭ ‬انت‭ ‬تزمرب‭.‬

اما‭ ‬ترمي‭ ‬ما‭(‬ماء‭) ‬حتى‭ ‬تصيب‭ ‬ما‭(‬ماء‭)‬ب‭ ‬

ااهبلها‭ ‬وما‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬يحلبها‭ (‬اهبلها‭ = ‬جز‭ ‬النعجة‭)‬ب

ااخدم‭ ‬خدمة‭ ‬لَبْدا‭ ‬والموت‭ ‬غداب‭.‬

هكذا‭ ‬ينبغي‭ ‬التبصر‭ ‬في‭ ‬عواقب‭ ‬الزمان‭ ‬لأنه‭ ‬غدار‭ ‬ويتقلب،‭ ‬وعلى‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يستغل‭ ‬شبابه‭ ‬فهو‭ ‬زمن‭ ‬القوة‭ ‬والفتوة‭ ‬والعطاء‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬ينجزه‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬يعد‭ ‬ضمانا‭ ‬لزمن‭ ‬الضعف‭ ‬والعجز‭ ‬في‭ ‬الكبر،‭ ‬الذي‭ ‬تنطرح‭ ‬فيه‭ ‬مهمة‭ ‬أخروية‭ ‬هي‭ ‬العمل‭ ‬الروحي‭ ‬وليس‭ ‬المادي‭ ‬أو‭ ‬العضلي‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يحتاط‭ ‬الإنسان‭ ‬لأنه‭ ‬يجد‭ ‬العبرة‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬النملة‭ ‬والصرصور،‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬العالمية‭.‬

واللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬أن‭ ‬المثلين‭ ‬الأخيرين‭ ‬يتعارضان‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬مع‭ ‬الجبرية‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬الغربيين‭ ‬إلصاقها‭ ‬بالذهنية‭ ‬الجزائرية‭ ‬أو‭ ‬الإسلامية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬المعنى‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬احديث‭ ‬غرس‭ ‬الفسيلة‭ ‬وحديث‭ ‬اعمل‭ ‬لآخرتك‭ ‬كأنك‭ ‬تموت‭ ‬غدا‭....‬ب‭ ‬يختزلان‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬المثلين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬للمثل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬السلوك‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬حامل‭ ‬لقواعد‭ ‬تربوية‭ ‬عملية،‭ ‬تربي‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬التصرف‭ ‬والتدبير‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬الاحتياط‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري؟‭ ‬لقد‭ ‬حصل‭ ‬تطور‭ ‬وانتقال‭ ‬من‭ ‬الاحتياط‭ ‬كأسلوب‭ ‬استباقي‭ ‬تكيفي‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬التجريبي‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬مثل‭ ‬النملة‭ ‬والصرصور‭ ‬إلى‭ ‬الأسلوب‭ ‬الاستباقي‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬العلمي‭ ‬وهذا‭ ‬بفضل‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬والضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الاقتراض‭ ‬والتوفير‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬غالبية‭ ‬المبحوثين‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يمتلكون‭ ‬دفترا‭ ‬للتوفير‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فيما‭ ‬أخبرني‭ ‬بعضهم‭ ‬أنهم‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لأبنائهم‭ ‬الصغار‭ ‬أيضا‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الجزائريين‭ ‬يرفض‭ ‬امتلاك‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬أو‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬بحجة‭ ‬الربا‭ ‬أي‭ ‬الفائدة‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬لعملائها،‭ ‬وبعضهم‭ ‬الآخر‭ ‬يتحايل‭ ‬بأن‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬الاستفادة‭ ‬هو‭ ‬شخصيا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الفائدة‭ ‬حيث‭ ‬يقدمها‭ ‬لغيره‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬والمعوزين‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ينبغي‭ ‬ملاحظة‭ ‬التغير‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬لدى‭ ‬الفلاح‭ ‬ذاته،‭ ‬فهذا‭ ‬الأخير‭ ‬صار‭ ‬يقبل‭ ‬بنفسه‭ ‬على‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬الأخطار‭ ‬والكوارث‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تهدد‭ ‬إنتاجه‭ ‬أو‭ ‬موسمه‭ ‬الزراعي‭. ‬هكذا‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬المألوف‭ ‬لدى‭ ‬غالبية‭ ‬الفلاحين‭ ‬الجزائريين‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬الجفاف‭.‬

ولكن‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الاحتياط،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬ذاتها‭ ‬تتضمن‭ ‬ما‭ ‬يناقض‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة،‭ ‬وهذا‭ ‬إنما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التجانس‭ ‬في‭ ‬التصورات‭ ‬والرؤى‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمستقبل‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد،‭ ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬تجنب‭ ‬الأسلوب‭ ‬الانتقائي‭ ‬حينما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بدراسة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الوطنية‭ ‬كما‭ ‬أسميناها‭.‬

إن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬توجد‭ ‬أمثال‭ ‬تدعو‭ ‬أو‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الاستكانة‭ ‬وترك‭ ‬الاحتياط‭ ‬والتخطيط‭ ‬لما‭ ‬سيأتي‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعطيل‭ ‬أي‭ ‬نظرة‭ ‬عقلانية‭ ‬وربط‭ ‬منطقي‭ ‬بين‭ ‬الأسباب‭ ‬والنتائج‭. ‬وهذه‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الأمثال‭:‬

ااَخْدَمْ‭ ‬يا‭ ‬الشاقي‭ ‬للباقيب‭.‬

اادفع‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الجيب‭ ‬وربي‭ ‬يجيب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الغيبب‭.‬

ااذا‭ ‬عكست‭ ‬الايام‭ ‬ساميهاب‭.‬

ااخدم‭ ‬يالتاعس‭ ‬على‭ ‬الراقد‭ ‬الناعسب‭.‬

ااحييني‭ ‬اليوم‭ ‬واقتلني‭ ‬غدوةب‭.‬

اكول‭ ‬القوت‭ ‬واستنى‭ ‬الموتب‭ ‬أو‭ ‬اناكلوا‭ ‬في‭ ‬القوت‭ ‬وانستناو‭ ‬في‭ ‬الموتب‭.‬

االلي‭ ‬يحسب‭ ‬وحده‭ ‬يشيط‭ ‬لهب‭.‬

هكذا‭ ‬نلمس‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬العمل‭ ‬لأن‭ ‬الثمرة‭ ‬أو‭ ‬النتيجة‭ ‬لن‭ ‬يجنيها‭ ‬من‭ ‬يبذل‭ ‬الجهد‭ ‬ويسعى،‭ ‬بل‭ ‬والاستكانة‭ ‬المطلقة‭ ‬أمام‭ ‬الأحداث،‭ ‬فما‭ ‬دام‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬الحقيقة‭ ‬المحتومة‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حين‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬للحياة‭ ‬يكون‭ ‬بلا‭ ‬جدوى‭ ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي‭ ‬أن‭ ‬المثل‭ ‬اكول‭ ‬القوت‭ ‬واستنى‭ ‬الموتب‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬ذبول‭ ‬الجذوة‭ ‬الدافعة‭ ‬للحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الموحدين‭ ‬وعن‭ ‬فقدان‭ ‬مبررات‭ ‬وجودها23‭.‬

وفي‭ ‬المثل‭ ‬الأخير‭ ‬االلي‭ ‬يحسب‭ ‬وحده‭ ‬يشيط‭ (‬أو‭ ‬يفضل‭) ‬لهب‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬الحساب،‭ ‬والحق‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تجري‭ ‬دائما‭ ‬كما‭ ‬نريد‭ ‬ونخطط‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتسيير‭ ‬المال‭ ‬وإدارة‭ ‬المشاريع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬للمثل‭ ‬بعض‭ ‬الصحة‭ ‬أو‭ ‬الواقعية،‭ ‬ولكنه‭ ‬ربما‭ ‬تحول‭ ‬لذلك‭ ‬في‭ ‬الذهنية‭ ‬الشعبية‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬وحقيقة‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيها،‭ ‬وعندئذ‭ ‬يصبح‭ ‬كل‭ ‬نظر‭ ‬عقلاني‭ ‬دقيق‭ ‬في‭ ‬الأمور‭ ‬مخيبا‭ ‬للآمال‭.‬

خصائص‭ ‬الفصول‭ ‬والشهور‭ : ‬تنقسم‭ ‬السنة‭ ‬إلى‭ ‬فصول‭ ‬وشهور‭ ‬تتكرر‭ ‬دوريا‭ ‬وتتكرر‭ ‬معها‭ ‬ممارسات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وطقوس‭ ‬تنتظم‭ ‬الحياة‭ ‬وفق‭ ‬إيقاع‭ ‬معين،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬فصل‭ ‬خصائصه‭ ‬وأهميته‭ ‬وكذلك‭ ‬الشهور‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭ ‬بل‭ ‬حياة‭ ‬طبقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة،‭ ‬فقد‭ ‬خصت‭ ‬بأمثال‭ ‬شعبية‭ ‬تؤبد‭ ‬تلك‭ ‬الخصائص‭ ‬النوعية‭. ‬هكذا‭ ‬فإن‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعبية‭ ‬تتضمن‭ ‬أمثالا‭ ‬قيلت‭ ‬في‭ ‬الفصول‭ ‬وبعض‭ ‬الشهور‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬زمانيات‭ ‬وإيقاعات‭ ‬معينة،‭ ‬وقد‭ ‬أجرى‭ ‬جان‭ ‬سارفيي‭ ‬دراسة‭ ‬إتنولوجية‭ ‬عن‭ ‬الفلاح‭ ‬الجزائري‭ ‬وبين‭ ‬أهمية‭ ‬الفصول‭ ‬والأشهر‭ ‬التي‭ ‬سنذكرها‭ ‬في‭ ‬حياته24‭. ‬

‭ ‬يقول‭ ‬المبدع‭ ‬الشعبي‭ ‬عن‭ ‬الفصول‭: ‬

االشتا‭ ‬ظلمة‭ ‬والربيع‭ ‬منام،‭ ‬الصيف‭ ‬ضيف،‭ ‬والخريف‭ ‬هو‭ ‬العامب‭.‬

االشتا‭ ‬هّم‭ ‬وغم،‭ ‬والربيع‭ ‬ما‭ ‬تشكر‭ ‬ما‭ ‬تذم،‭ ‬والصيف‭ ‬اجرِ‭ ‬ولَّم،‭ ‬والخريف‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يتَّمب‭.‬

افاكهة‭ ‬الشتا‭ ‬نار،‭ ‬وفاكهة‭ ‬الربيع‭ ‬نُوَّار،‭ ‬وفاكهة‭ ‬الصيف‭ ‬غْمار،‭ ‬وفاكهة‭ ‬الخريف‭ ‬ثْمارب‭.‬

افي‭ ‬الصيف‭ ‬العرايس،‭ ‬وفي‭ ‬الشتا‭ ‬الفرايسب‭.‬

االصيف‭ ‬صيَّف،‭ ‬ما‭ ‬بقات‭ ‬عشبة‭ ‬خضراَب‭.‬

اضربة‭ ‬بالسيف‭ ‬وْلاَ‭ ‬بَرد‭ ‬الصيفب‭.‬

االصيف‭ ‬زين‭ ‬بَلْفاعَهب‭ ‬أي‭ ‬بأفاعيه‭.‬

هذه‭ ‬الأمثال‭ ‬يوجد‭ ‬مايشبهها‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ :‬

اأيام‭ ‬الشتا‭ ‬جات‭ ‬واللِّي‭ ‬ما‭ ‬غَزلَتْشْ‭ ‬عَريانهْ‭ ‬تْباتب

االلي‭ ‬يحب‭ ‬ياكل‭ ‬ويحرث‭ ‬ويبيع‭ ‬يزرع‭ ‬أرضه‭ ‬في‭ ‬الربيعب‭.‬

االداخل‭ ‬يغلب‭ ‬الخارجب‭. (‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬الفصل‭)‬

انهار‭ ‬الشتا‭ ‬لفتهب‭.‬

االصيف‭ ‬ضيف،‭ ‬والربيع‭ ‬منام،‭ ‬والشتا‭ ‬شده،‭ ‬والخريف‭ ‬هو‭ ‬العامب‭.‬

‭- ‬االربيع‭ ‬ربَّع،‭ ‬واللبن‭ ‬قراص،‭ ‬واللي‭ ‬عنده‭ ‬طفله‭ ‬يعطيها‭ ‬لْتراسب‭.‬

اشَتِّي‭ ‬قبل‭ ‬الناس،‭ ‬وصيَّف‭ ‬بعد‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬ترى‭ ‬باسب25‭.‬

هذه‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الأمثال‭ ‬يتجلى‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الذهنية‭ ‬الشعبية‭ ‬تقيم‭ ‬التقابل‭ ‬بين‭ ‬الفصول‭ ‬الأربعة‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الملاحظة‭ ‬والمعيش‭ ‬اليومي‭ ‬لأطوار‭ ‬وإيقاعات‭ ‬هذه‭ ‬الفصول‭ ‬والأهمية‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬كل‭ ‬فصل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وحياة‭ ‬الفلاح‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭. ‬هكذا‭ ‬يتميز‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬ببرده‭ ‬القارس‭ ‬وبالتالي‭ ‬بظروفه‭ ‬الصعبة‭ ‬على‭ ‬فلاح‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬قلة‭ ‬الحيلة‭ ‬والوسيلة‭ ‬أمامها،‭ ‬وفصل‭ ‬الخريف‭ ‬هو‭ ‬الفصل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬الموسم‭ ‬الزراعي‭ ‬لأنه‭ ‬موسم‭ ‬الحرث‭. ‬أما‭ ‬فصل‭ ‬الربيع‭ ‬فهو‭ ‬فصل‭ ‬جميل‭ ‬وفيه‭ ‬تنبعث‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وفصل‭ ‬الصيف‭ ‬هو‭ ‬فصل‭ ‬نضج‭ ‬الغلال‭ ‬والثمار‭ ‬كما‭ ‬إنه‭ ‬فصل‭ ‬الأعراس‭ ‬وبالتالي‭ ‬ارتفاع‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وهذه‭ ‬الخصائص‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بها‭ ‬الفصول‭ ‬تصنع‭ ‬زمنا‭ ‬نفسيا‭ ‬قد‭ ‬يطول‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشتاء،‭ ‬فهو‭ ‬غم‭ ‬وهم،‭ ‬أو‭ ‬يقصر‭ ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬كالحلم‭ ‬أو‭ ‬البرهة‭ ‬القصيرة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ( ‬لفته‭) ‬وهذا‭ ‬يدخل‭ ‬ضمن‭ ‬الزمان‭ ‬المعيش‭ ‬كأحد‭ ‬موضوعات‭ ‬أنتروبولوجيا‭ ‬الزمان26‭.‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستشف‭ ‬التوجيه‭ ‬التربوي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال،‭ ‬فينبغي‭ ‬الاحتياط‭ ‬لفصل‭ ‬الشتاء‭ ‬خاصة،‭ ‬ويجب‭ ‬الاحتراز‭ ‬من‭ ‬برد‭ ‬الصيف،‭ ‬فلا‭ ‬ننخدع‭ ‬بحرارته‭ ‬المرتفعة‭.‬

أما‭ ‬الشهور‭ ‬فنجد‭ ‬هذه‭ ‬الأمثال‭:‬

شهر‭ ‬يناير‭:‬

ااِذا‭ ‬دخل‭ ‬يناير،‭ ‬كلوا‭ ‬الخْمايرب‭.‬

ااِذا‭ ‬نيَّر‭ ‬الناير،‭ ‬ما‭ ‬يبقاوْا‭ ‬امْطايرب‭.‬

ا‭ ‬اذا‭ ‬اروات‭ ‬في‭ ‬يناير،‭ ‬نحِّ‭ ‬من‭ ‬الخماير‭ ‬وْزِيدْ‭ ‬في‭ ‬المطاير،‭ ‬واذا‭ ‬ما‭ ‬اروات‭ ‬في‭ ‬يناير،‭ ‬نح‭ ‬من‭ ‬المطاير‭ ‬وزيد‭ ‬في‭ ‬الخمايرب‭.‬

ااذا‭ ‬دخل‭ ‬الناير،‭ ‬ما‭ ‬يبقاو‭ ‬امطايرب‭.‬

ااذا‭ ‬ادخل‭ ‬يناير‭ ‬كثَّر‭ ‬الكسرة‭ ‬للصغار‭ ‬ولْحطب‭ ‬للنارب‭.‬

ا‭ ‬يناير‭ ‬بو‭ ‬سبع‭ ‬تقليباتب‭.‬

هكذا‭ ‬يتجلى‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬بوظيفته‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فهو‭ ‬يقدم‭ ‬النصح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للفلاح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬الفرصة‭ ‬فيحرث‭ ‬أرضه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬شهر‭ ‬جانفي‭ ‬لأنه‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬ترتوي‭ ‬فيه‭ ‬الأرض‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الموسم‭ ‬الزراعي‭ ‬يتوقف‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬السماء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭.  

شهر‭ ‬مارس‭:‬

ا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬هَّرس‭ ‬واغرسب‭.‬

افات‭ ‬الغرس‭ ‬في‭ ‬مارسب‭.‬

ا‭ ‬اخطاك‭ ‬يا‭ ‬الغارس‭ ‬في‭ ‬مارسب‭.‬

ا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬بثلوج،‭ ‬اللولى‭ ‬بيضة‭ ‬والتالية‭ ‬عسلوجب‭.‬

ا‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬عشبة‭ ‬تنبت‭ ‬وعشبة‭ ‬تفارسب‭.‬

ا‭  ‬بالس‭ ‬بن‭ ‬بالس‭ ‬حوَّاس‭ ‬زرعه‭ ‬في‭ ‬مارسب‭.‬

ا‭ ‬اذا‭ ‬اروات‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬هي‭ ‬الحبل‭ ‬علاه‭ ‬درسب‭.‬

‭ ‬امطر‭ ‬مارس‭ ‬تِبْر‭ ‬خالص،‭ ‬يخلي‭ ‬الجديان‭ ‬تَتْراقصب‭. ‬والمثل‭ ‬التونسي‭ ‬يقول‭: ‬االمطر‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬ذهب‭ ‬خالصب‭ ‬وانَّو‭ ‬مارس‭ ‬تِبر‭ (‬ذهب‭) ‬خالصب‭.‬وفي‭ ‬المشرق‭: ‬اميَّة‭ ‬آذار‭ ‬تحيي‭ ‬الزرع‭ ‬والأشجارب‭.‬

هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬التقويم‭ ‬الجريجوري‭ ‬يحتل‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الفلاح‭ ‬أو‭ ‬زمن‭ ‬الفلاح‭ ‬لأنه‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬الزرع‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬ولذلك‭ ‬فرية‭ ‬مارس‭ ‬مهمة‭ ‬وثمينة‭ ‬ونقية‭ ‬مثل‭ ‬الذهب،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬مارس‭ ‬يمثل‭ ‬نهاية‭ ‬منشط‭ ‬زراعي‭ ‬هو‭ ‬غرس‭ ‬الأشجار،‭ ‬لأن‭ ‬فيه‭ ‬تورق‭ ‬النباتات‭ ‬وتزهر‭.‬

شهر‭ ‬أفريل‭: ‬

ايبرير‭ ‬جبَّاد‭ ‬السبولة‭ ‬من‭ ‬البيرب‭.‬

ا‭ ‬اذا‭ ‬فات‭ ‬يبرير‭ ‬اعمل‭ ‬فوق‭ ‬البحر‭ ‬سريرب‭.‬

ا‭ ‬يبرير،‭ ‬فين‭ ‬شفت‭ ‬فدان‭ ‬الفول‭ ‬ميلب‭.‬

ا‭ ‬اذا‭ ‬اروات‭ ‬في‭ ‬نيسان،‭ ‬مْشَى‭ ‬العام‭ ‬بلا‭ ‬نقصانب‭.‬

ا‭ ‬اذا‭ ‬رَعْدَت‭ ‬في‭ ‬يبرير‭ ‬هي‭ ‬لمطار‭ ‬فاه‭ ‬اديرب‭.‬

ا‭ ‬شهر‭ ‬ابريل‭ ‬يجبَد‭ ‬السبول‭ ‬من‭ ‬قاع‭ ‬البيرب‭. ‬والمثل‭ ‬التونسي‭ ‬يقول‭: ‬افي‭ ‬ابرير‭ ‬تصفار‭ ‬السبولة‭ ‬في‭ ‬قعر‭ (‬أو‭ ‬قاع‭) ‬البيرب‭.‬

فشهر‭ ‬أفريل‭ ‬أو‭ ‬نيسان‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬يمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬الموسم‭ ‬الزراعي‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬أخطر‭ ‬مرحلة‭ ‬فيما‭ ‬أخبرني‭ ‬بعض‭ ‬الفلاحين،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأمطار‭ ‬التي‭ ‬تسقط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬رية‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الزرع‭ ‬ليكتمل‭ ‬نموه‭ ‬ونضجه‭.‬

  ‬هكذا‭ ‬إذن‭ ‬يثبِّت‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬تجربة‭ ‬الفلاح‭ ‬الزمنية‭ ‬في‭ ‬أمثال‭ ‬تحدد‭ ‬مناشط‭ ‬وتفرض‭ ‬احتياطات‭ ‬معينة‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يعطي‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬اليوم‭ ‬أهمية‭ ‬لهذه‭ ‬الأشهر؟‭ ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭  ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مشروع‭ ‬التحديث‭ ‬المتواصل‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬زمانيات‭ ‬متعددة‭ ‬بتعدد‭ ‬طبقاته‭ ‬وفئاته،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬طبقة‭ ‬الفلاحين‭ ‬هي‭ ‬الطبقة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإنه‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬تحفظ‭ ‬تلك‭ ‬الأمثال‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬الأشهر‭ ‬التي‭ ‬تكلمنا‭ ‬عنها‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬بالنسبة‭ ‬للموسم‭ ‬الزراعي،‭ ‬فإن‭ ‬غالبية‭ ‬الجزائريين‭ ‬اليوم‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬الفلاحين‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬أشهر‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭ ‬أهميتها‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بشهر‭ ‬سبتمبر،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬بداية‭ ‬إيقاع‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬صار‭ ‬يعرف‭ ‬بالدخول‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬يستأنف‭ ‬غالبية‭ ‬العمال‭ ‬والموظفين‭ ‬عملهم،‭ ‬وهو‭ ‬بداية‭ ‬الموسم‭ ‬الدراسي‭ ‬بعد‭ ‬عطلة‭ ‬الصيف،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬يطرح‭ ‬أعباء‭ ‬مالية‭ ‬أمام‭ ‬الأسرة‭ ‬الجزائرية،‭ ‬ولذلك‭ ‬صرنا‭ ‬نسمع‭ ‬هذه‭ ‬العبارةب‭ ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬سبتمبرب‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬انطلاق‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬الجديد،‭ ‬وعن‭ ‬التهيؤ‭ ‬لتلك‭ ‬الأعباء‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يترقب‭ ‬الجزائريون‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬وجويلية‭ ‬وأوت‭ ‬لأنها‭ ‬أيضا‭ ‬تمثل‭ ‬إيقاعا‭ ‬مختلفا،‭ ‬فهي‭ ‬شهور‭ ‬الاستجمام‭ ‬وموسم‭ ‬الاحتفالات‭.