اللغة العدد
المعرفة الاجتماعية الثقافية: آليات إنتاجها
المعرفة الاجتماعية الثقافية: آليات إنتاجها
العدد 45 - آفاق

د‭. ‬الخامس‭ ‬مفيد‭ ‬-‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

تقديم

سنتطرق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬إلى‭ ‬نسق‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التصورية‭ ‬لدى‭ ‬البشر،‭ ‬وقالب‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭ ‬غير‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬وتحليل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭. ‬وسنتبنى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬مقاربة‭ ‬توبي‭ ‬وكوسميدس‭ ‬التي‭ ‬تقر‭ ‬بوجود‭ ‬تعالق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬تحت‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بنظرية‭ ‬صورية‭ ‬للمعرفة‭.‬

وسنناقش‭ ‬هنا‭ ‬المقولات‭ ‬الثقافية‭ ‬والمقولات‭ ‬الأنطولوجية‭ ‬والمقولات‭ ‬المعرفية،‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬التداخل‭ ‬الحاصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعلم،‭ ‬والثقافة‭ ‬بالفرد،‭ ‬متسائلين‭ ‬عن‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬الثقافة،‭ ‬هل‭ ‬الفرد‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬ينتج‭ ‬الثقافة‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تنتج‭ ‬الفرد؟‭ ‬

كما‭ ‬سنقارن‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬المعرفية‭ ‬والمعرفة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬مبرزين‭ ‬أوليات‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الشخص‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفيزيائي،‭ ‬والأنساق‭ ‬الإدراكية‭ ‬الحسية‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬قالب‭ ‬الوجه‭ ‬وقالب‭ ‬الصوت‭. ‬كما‭ ‬سنتناول‭ ‬أهم‭ ‬العلاقات‭ ‬التصورية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كتصور‭ ‬القرابة‭ ‬وعضوية‭ ‬الجماعة‭ ‬والسيطرة‭ ‬التي‭ ‬سنوضح‭ ‬أنها‭ ‬تبنى‭ ‬بشكل‭ ‬أفقي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الحيواني،‭ ‬أما‭ ‬العالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البشري‭ ‬فتبنى‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬هرمي‭ ‬كعلاقة‭ ‬الأب‭ ‬بالإبن‭ ‬ورب‭ ‬العمل‭ ‬بالعامل‭.‬

 

المقولات‭ ‬الثقافية‭ ‬والمقولات‭ ‬التصورية

أدت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬العصبية‭ ‬والعلوم‭ ‬المعرفية‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬واللسانيات‭ ‬والإناسة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إلى‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬تدرسها‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بباقي‭ ‬العلوم‭.‬

وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ميلاد‭ ‬نموذج‭ ‬معرفي‭ ‬يسميه‭ ‬توبي‭ ‬وكوسميدس‭(‬1992‭) ‬بالنموذج‭ ‬السببي‭ ‬المندمج‭ ‬لقيامه‭ ‬على‭ ‬اندماج‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬وعدم‭ ‬استقلالها1‭. ‬ويسعى‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية،‭ ‬ويرجع‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬التعاوني‭ ‬الجوهري‭ ‬الذي‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬الترابطات‭ ‬السببية‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬اندماج‭ ‬حقول‭ ‬معرفية‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نظرية‭ ‬صورية‭ ‬شاملة‭ ‬للمعرفة‭.‬

 

المقولات‭ ‬الأنطولوجية

تعبر‭ ‬المقولات‭ ‬الأنطولوجية‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬المادية‭ ‬وغير‭ ‬المادية‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬أي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الأشياء‭ ‬الوجودية‭ ‬كما‭ ‬يتصورها‭ ‬البشر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجاربه‭ ‬ومعارفه‭ ‬القبلية‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحيزه‭ ‬الوراثي‭. ‬

 

المقولات‭ ‬الثقافية

ترصد‭ ‬لنا‭ ‬المقولات‭ ‬الثقافية‭ ‬العناصر‭ ‬المتداخلة‭ ‬في‭ ‬عملي‭ ‬الفهم‭ ‬وتمثيل‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬معينة،‭ ‬كما‭ ‬تساهم‭ ‬هذه‭ ‬المقولات‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬القابلة‭ ‬للقراءة‭.‬

 

المقولات‭ ‬المعرفية

تتمثل‭ ‬المقولات‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المقولات‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬عنصري‭ ‬التجربة‭ ‬والواقع‭ ‬والعالم‭ ‬الفيزيائي‭.‬

في‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬العلوم

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬اندماجي‭ ‬للمعرفة‭ ‬العلمية،‭ ‬فرغم‭ ‬اعتماد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الاجتماعيين‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬علماء‭ ‬الطبيعة‭ ‬وممارساتهم‭ ‬كالقياس‭ ‬الكمي،‭ ‬والتجريب،‭ ‬والنمذجة‭ ‬الرياضية،‭ ‬الخ‭. ‬وقد‭ ‬كانوا‭ ‬ميالين‭ ‬إلى‭ ‬إهمال‭ ‬المبدأ‭ ‬المركزي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬كون‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬السليمة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مختلفة‭ ‬الأجزاء،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المجالات‭ ‬العلمية‭ ‬المختلفة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متكاملة،‭ ‬وأن‭ ‬تشكل‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬النسق‭ ‬المعرفي‭ ‬الواسع‭.‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مالت‭ ‬وبشكل‭ ‬خاص‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والأناسة‭ ‬إلى‭ ‬الانعزال‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬دوركهايم‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ظواهر‭ ‬اجتماعية‭ ‬أخرى‭. ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬بواس‭ ‬ولوفي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الأناسة‭ ‬الذين‭ ‬اعتبروا‭ ‬أن‭ ‬الظواهر‭ ‬الثقافية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬إلا‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬ثقافية‭ ‬أخرى‭.‬

ويعد‭ ‬توبي‭ ‬وكوسميدس‭ (‬1992‭) ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬المعيار،‭ ‬أحد‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬أقروا‭ ‬بترابط‭ ‬وتداخل‭ ‬العلوم‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض،‭ ‬وقد‭ ‬شكلت‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الإطار‭ ‬الثقافي‭ ‬لتنظيم‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬والعلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬عدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالروابط‭ ‬السببية‭ ‬بخصوص‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية2‭. ‬

 

بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعلم

ينطلق‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬للظواهر‭ ‬الإنسانية‭ ‬والثقافية‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬مبادئ،‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬مبدأين‭ ‬هما‭:‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الكائنات‭ ‬غير‭ ‬البشرية‭ ‬تتحدد‭ ‬خصائصها‭ ‬انطلاقا‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬إحيائي،‭ ‬فإن‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬تحدده‭ ‬الثقافة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نظاما‭ ‬مستقلا‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬والقيم‭. ‬ولكون‭ ‬الثقافات‭ ‬متحررة‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬الأحيائية،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختلف‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭ ‬غير‭ ‬متناهي‭.‬

‭ ‬يولد‭ ‬البشر‭ ‬غير‭ ‬مزودين‭ ‬بشيء‭ ‬ماعدا‭ ‬بعض‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬الإرادية،‭ ‬وقدرة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬بكونه‭ ‬عملية‭ ‬عامة‭ ‬صالحة‭ ‬لجميع‭ ‬الأعراض‭ ‬ولكل‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة،‭ ‬ويتعلم‭ ‬الأفراد‭ ‬ثقافتهم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التنميط‭ ‬والثواب‭ ‬والعقاب‭ ‬والقدوة‭.‬

ويمكن‭ ‬صياغة‭ ‬شكل‭ ‬صوري‭  ‬لعملية‭ ‬التعلم،‭ ‬وهل‭ ‬يتدخل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فطري‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬بيئي‭ ‬مع‭ ‬ماهو‭ ‬وراثي،‭ ‬في‭  ‬عملية‭ ‬التعلم‭.‬

انطلاقا‭ ‬من‭ ‬التمثيل‭ ‬الصوري‭ ‬أعلاه،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تعقدا‭ ‬للذهن‭ ‬البشري،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬السبب‭ ‬المباشر‭ ‬لكل‭ ‬أنواع‭ ‬الإحساس،‭ ‬والتعلم‭ ‬والسلوك،‭ ‬فالتعلم‭ ‬ليس‭ ‬بديلا‭ ‬للفطرة،‭ ‬لكن‭ ‬بدون‭ ‬الآلية‭ ‬الفطرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للتعلم‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭.‬

نستنتج‭  ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬آليات‭ ‬التعلم‭ ‬مصممة‭ ‬بصورة‭ ‬مقصورة‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة،‭ ‬وليست‭ ‬لتعلم‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬السلوك‭ ‬الرمزي‭ ‬عموما3‭.‬

 

بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والفرد

يذهب‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬افتراض‭ ‬قاعدي‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬صغار‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬أينما‭ ‬كانوا‭ ‬يتشابهون،‭ ‬لكن‭ ‬كبارهم‭ ‬أينما‭ ‬وجدوا‭ ‬يختلفون‭ ‬اختلافا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬والتنظيم‭ ‬الذهني‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الثابت‭ ‬أي‭ ‬العدة‭ ‬الأحيائية‭ ‬البشرية‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬المتغيراأي‭ ‬التباينات‭ ‬الحاصلة‭ ‬عبر‭ ‬الجماعات‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الذهني‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عند‭ ‬الكبارب،‭ ‬فإن‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العامل‭ ‬القاعدي‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الذهني‭ ‬لدى‭ ‬الكبار‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬وفي‭ ‬بنيتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وثقافتهم‭ ‬وتحولهم‭ ‬التاريخي‭.‬

‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬الذهني‭ ‬الحاصل‭ ‬لدى‭ ‬الكبار‭ ‬غائب‭ ‬عند‭ ‬الصغار،‭ ‬فما‭ ‬عليهم‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يكتسبوه‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬خارج‭ ‬عنهم،‭ ‬يرتبط‭ ‬بالعالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يتمظهر‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬أعضاء‭ ‬الجماعة‭ ‬المحلية‭ ‬وتمثلاتهم‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬وهي‭ ‬تمثلات‭ ‬تقولب‭ ‬الفرد‭ ‬وتسبقه‭ ‬وتقع‭ ‬خارجه،‭ ‬فالذهن‭ ‬لا‭ ‬يخلقها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬الذهن‭.‬

ومن‭ ‬ثمة،‭ ‬نستنتج‭ ‬أن‭ ‬أساس‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬وتشكلها‭ ‬يتم‭ ‬بكيفية‭ ‬معقدة‭ ‬وغنية،‭ ‬ويسمى‭ ‬هذا‭ ‬الجوهر‭ ‬بـــاالثقافةب‭ ‬والذي‭ ‬يوصف‭ ‬بأوصاف‭ ‬متعددة‭ ‬منها‭ ‬السلوك،‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد،‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬المعرفة،‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬العوالم‭ ‬القصدية‭. ‬ورغم‭ ‬الاختلاف،‭ ‬فإن‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬المعيار‭ ‬يتفقون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سببية‭ ‬تحول‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬صفحة‭ ‬بيضاء‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬بشري‭ ‬ثقافي‭ ‬تام،‭ ‬يعد‭ ‬خارجا‭ ‬عن‭ ‬الفرد4‭.‬

 

من‭ ‬ينتج‭ ‬الثقافة؟

يهدف‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬المبدأ‭ ‬الهام‭ ‬الثاني،‭ ‬الذي‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬القاعدي،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬تخلق‭ ‬الفرد،‭ ‬فمن‭ ‬يخلق‭ ‬الثقافة؟‭ ‬وتأتي‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ارتباطه‭ ‬ابحجة‭ ‬التصميمب‭ ‬أو‭ ‬تفسير‭ ‬االتصميم‭ ‬المعقدب‭. ‬فالحياة‭ ‬البشرية‭ ‬منظمة‭ ‬بصورة‭ ‬معقدة‭ ‬وغنية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الثقافات‭ ‬البشرية‭ ‬لها‭ ‬معنى،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬تصميمها‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬ذات‭ ‬تنظيم‭ ‬معقد‭ ‬وذات‭ ‬معنى‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية،‭ ‬فمن‭ ‬صانع‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم؟‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬مولد‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬المعقد‭ ‬والدال‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬البشرية؟

‭ ‬يذهب‭ ‬أصحاب‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صانع‭ ‬الثقافة‭ ‬ليس‭ ‬االفردب‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬أو‭ ‬المجال‭ ‬النفسي‭ ‬المتطور‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتجلى‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يولد‭ ‬عليها‭ ‬الطفل‭ ‬مزودا‭ ‬باستعدادات‭ ‬أولية‭. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬اتجاه‭ ‬العملية‭ ‬السببية‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬االفردب،‭ ‬فإن‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬لتنظيم‭ ‬واضح‭ ‬أنه‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬خارج‭ ‬االفردب‭. ‬

يرى‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أن‭ ‬مولد‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬المعقد‭ ‬والدال‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سوى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬تتمظهر‭ ‬محدداتها‭ ‬في‭ ‬الجماعة‭. ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭/ ‬الثقافي‭ ‬منفصلا‭ ‬ومستقلا‭ ‬وعلة‭ ‬ذاته‭.‬

ينفي‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اللطبيعة‭ ‬البشريةب‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬المتطورة‭ ‬للذهن‭ ‬البشري‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬وبناء‭ ‬التنظيم‭ ‬الدال‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية،‭ ‬ويجرد‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬محتوى‭ ‬جوهري،‭ ‬ويعد‭ ‬بنية‭ ‬الذهن‭ ‬البشري‭ ‬مجرد‭ ‬مستقبل‭ ‬اللقدرة‭ ‬على‭ ‬الثقافةب‭ ‬بل‭ ‬لعل‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬النسق‭ ‬ويعطيه‭ ‬تنظيمه‭ ‬الوظيفي‭ ‬هو‭ ‬الدخل‭ ‬البيئي‭ ‬أو‭ ‬المحيطي‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجمل‭ ‬أثر‭ ‬النموذج‭ ‬المعيار‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬التصورات‭ ‬الحديثة‭ ‬للثقافة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية،‭ ‬في‭ ‬الافتراضات‭ ‬والعناصر‭ ‬التالية‭:‬

تحدد‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬نمطيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬صاحبة‭ ‬ثقافة‭ ‬معينة‭ ‬اخاصةب‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬مشتركة‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬سلوكية‭ ‬ومعتقدات‭ ‬وأنساق‭ ‬من‭ ‬التمثيلات،‭ ‬والرموز‭ ‬الدالة،‭ ‬وتعتبر‭ ‬الثقافات‭ ‬محدودة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭. ‬وتعمل‭ ‬الجماعة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬المشتركة‭ ‬وتنقلها‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الائتلاف‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة‭ ‬والاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭.‬

يتم‭ ‬الحفاظ‭ ‬ونقل‭ ‬الثقافة‭ ‬عبر‭ ‬عملية‭ ‬التعلم‭ ‬وتنشئة‭ ‬الفرد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬متقبلا‭ ‬سلبيا‭ ‬للثقافة‭ ‬التي‭ ‬تزوده‭ ‬بكل‭ ‬محتواه‭ ‬الذهني‭ ‬المنظم‭ ‬وهو‭ ‬محتوى‭ ‬ثقافي‭ ‬لا‭ ‬يستقي‭ ‬خاصيته‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬االأحيائيةب‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تصميم‭ ‬نفسي‭ ‬موروث،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬المولد‭ ‬الأصلي‭ ‬للتنظيم‭ ‬الذهني‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لدى‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬أما‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬فهو‭ ‬ذلك‭ ‬الصندوق‭ ‬الأسود‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعلم‭ ‬يضمن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الثقافة5‭.‬

 

في‭ ‬نسق‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية

انطلاقا‭ ‬مما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬دلائل‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬قالب‭ ‬معرفي‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬االقدرة‭ ‬على‭ ‬الثقافةب‭ ‬بل‭ ‬يشكل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬نسقا‭ ‬فرعيا‭ ‬داخل‭ ‬نسق‭ ‬البنية‭ ‬التصورية‭. ‬وهو‭ ‬قالب‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬صورة‭ ‬مندمجة‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويبنى‭ ‬بالتأليف‭ ‬بين‭ ‬دخل‭ ‬محيطي‭ ‬وأساس‭ ‬فطري‭ ‬لاكتساب‭ ‬الثقافة،‭ ‬ويقدم‭ ‬إمكانات‭ ‬كافية‭ ‬تسمح‭ ‬بالاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬بالتنوع‭ ‬الاعتباطي‭ ‬أو‭ ‬الفوضوي،‭ ‬فهو‭ ‬أساس‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬البنيات‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بإدراك‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والظواهر‭ ‬الثقافية‭ ‬المتجددة‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬بشكل‭ ‬ملائم‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬

1‭) ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والقدرة‭ ‬المعرفية‭:‬

تلعب‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬فنحن‭ ‬بنو‭ ‬البشر‭ ‬لدينا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتفاعل‭ ‬والاندماج‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافة‭ ‬ومؤسسة‭ ‬اجتماعية‭. ‬ويجد‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬مبرره‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬بيولوجي‭ ‬أوسع،‭ ‬إذ‭ ‬يوجد‭ ‬قالب‭ ‬من‭ ‬القوالب‭ ‬الذهنية،‭ ‬مخصص‭ ‬لمعالجة‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭. ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬كيفية‭ ‬تعامل‭ ‬جميع‭ ‬الكائنات‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬وكيفية‭ ‬فهمها‭ ‬وتفاعلها‭ ‬مع‭ ‬ذوات‭ ‬أخرى‭ ‬مؤطرة‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭.‬

فالمعرفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬عند‭ ‬البشر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحيوانية‭ ‬أيضا،‭ ‬ونجد‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬الشمبانزي‭ ‬والنمل‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬لماذا‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬خلق‭ ‬قدرة‭ ‬معرفية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للتفاعل‭ ‬الاجتماعي؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬ليست‭ ‬لدينا‭ ‬نفس‭ ‬القدرة‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ (‬أو‭ ‬تم‭ ‬بناؤها‭ ‬من‭ ‬قبل‭) ‬الثقافة؟‭ ‬الرد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬له‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬فإنه‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬داخل‭ ‬الذهن‭/ ‬الدماغ‭. ‬لكن‭ ‬الصخور‭ ‬والنباتات‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬تفاعلا‭ ‬اجتماعيا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأسماك‭ ‬والقطط‭ ‬والشمبانزي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬نفس‭ ‬نمط‭ ‬التفاعل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬نجده‭ ‬عند‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬تفاعلنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الثقافة،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬هنا‭ ‬سؤالين‭ ‬مهمين،‭ ‬هما6‭:‬

  ‬ماهي‭ ‬ميزة‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬تخزينها‭ ‬ومعالجتها‭ ‬داخل‭ ‬الذهن‭/ ‬الدماغ‭ ‬البشري؟

  ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬أذهاننا‭/ ‬عقولنا‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر‭ ‬بالثقافة،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬أذهان‭/ ‬عقول‭ ‬القطط‭ ‬والشمبانزي‭ ‬عدم‭ ‬عرضتهم‭ ‬للتأثر‭ ‬بالثقافة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تعرضهم‭ ‬لنطاق‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية؟

2‭) ‬بعض‭ ‬أوليات‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭:‬

تقوم‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأنساق‭ ‬المركزية‭ ‬والأنساق‭ ‬الفرعية‭ ‬تغذي‭ ‬مضمونها‭ ‬وتخدم‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬التفاعل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬وتنظمه‭. ‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الأنساق‭ ‬هناك‭ ‬أنساق‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬إدراكي‭ ‬وحركي‭ ‬ترتبط‭ ‬بتخصصات‭ ‬دماغية‭ ‬في‭ ‬الإدراك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وأنساق‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬تصوري‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬التصورية‭.‬

 

الشخص‭ ‬بين‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفيزيائي

قبل‭ ‬مناقشة‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬ترجمة‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الذهن‭ ‬الوظيفية؟

بالنسبة‭ ‬للمجال‭ ‬الفيزيائي،‭ ‬يضم‭ ‬تصور‭ ‬الفضاء‭ ‬للأجسام‭ ‬المادية،‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبعاد‭ ‬هي‭: ‬الحركة‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء،‭ ‬والقوة‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬الأجسام‭ ‬بين‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬فالأجسام‭ ‬المادية،‭ ‬مثل،‭ ‬الصخور‭ ‬والأشجار،‭ ‬والأجسام‭ ‬الحية،‭ ‬مثل،‭ ‬النمل‭ ‬والفئران‭ ‬والنمور‭. ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتنبأ‭ ‬بحركتها،‭ ‬وربما‭ ‬ذلك‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬الرغبات،‭ ‬النوايا،‭ ‬المشاعر،‭ ‬وهذا‭ ‬يعود‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬حيوية‭ ‬وفهم‭ ‬المواقف‭ ‬بشكل‭ ‬مقصود‭ ‬‭(‬وهذا‭ ‬معنى‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬دونيت‭ ‬1987‭)‬‭.‬

ويعد‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬الكيانات‭ ‬القاعدية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية‭. ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬يرمز‭ ‬العلاقات‭ ‬والأعمال‭ ‬بين‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أمور‭ ‬أخرى،‭ ‬كدور‭ ‬الشخص‭ ‬ومسؤوليته‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهناك‭ ‬موضوعات‭ ‬أخرى،‭ ‬تخضع‭ ‬لقيود‭ ‬أخلاقية‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفصل‭ ‬بين‭ ‬المجالين،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬التوازي‭ ‬بين‭ ‬المجال‭ ‬الفيزيائي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬فالمجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ليس‭ ‬موضع‭ ‬حركة‭ ‬فيزيائية‭ ‬بين‭ ‬كائنين‭ ‬ليس‭ ‬بينهما‭ ‬اتصال،‭ ‬إذ‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬فضاءات‭ ‬متوسطية‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

‭ ‬وإلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ذا‭ ‬مفاهيم‭ ‬متقاربة،‭ ‬نسميها‭ ‬االأبعاد‭ ‬الاجتماعيةب،‭ ‬مثل‭: ‬القرابة،‭ ‬عضوية‭ ‬الجماعة،‭ ‬التراتبية،‭ ‬المنافسة،‭ ‬درجة‭ ‬الألفة‭ ‬والحميمية‭...‬الخ‭. ‬وهناك‭ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭: ‬القوة‭ ‬والإجبار،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يتم‭ ‬استغلال‭ ‬القوة‭ ‬والتهديد‭ ‬بها،‭ ‬وأحيانا‭ ‬أخرى‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭.‬

ويتجلى‭ ‬حضور‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفيزيائي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الشعبي‭ ‬الثقافي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬التقسيم‭ ‬الشعبي‭ ‬بين‭ ‬الجسد‭ ‬والروح7‭.‬

ترتبط‭ ‬هوية‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬الثقافية،‭ ‬أولا‭: ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬كائنات‭ ‬خارقة‭ ‬للعادة،‭ ‬مثل‭: ‬الكيانات‭ ‬الروحية،‭ ‬الأشباح،‭ ‬الآلهة،‭ ‬والنفوس‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬يبير‭ (‬2001‭). ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬هيئات‭ ‬مادية‭ ‬محددة،‭ ‬ولديها‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬ومع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فهذه‭ ‬الكائنات‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وليس‭ ‬الفضائي‭. ‬ثانيا‭: ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬عائق‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬الأشخاص‭ ‬القادمين‭ ‬بهيئات‭ ‬وصور‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التناسج،‭ ‬التحول،‭ ‬أو‭ ‬تحول‭ ‬الجسم‭. ‬ثالثا‭: ‬نحن‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬الأحلام‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬يتشابهون‭ ‬مع‭ ‬أشخاص‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬اكأن‭ ‬نرى‭ ‬عائشة‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬فاطمةب‭. ‬رابعا‭: ‬ملازمة‭ ‬معاناة‭ ‬الفرد‭ ‬مع‭ ‬أحلامه‭ ‬‭(‬كولترت‭ ‬2005،‭ ‬ماسكي،‭ ‬لنكدن‭)‬‭.‬

وزيادة‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬فبعض‭ ‬الأعمال‭ ‬الفيزيائية،‭ ‬كالأكل‭ ‬والشرب،‭ ‬لها‭ ‬دلالتها‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسها،‭ ‬لكن‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬مثل،‭ ‬الأعياد‭ ‬الدينية‭ ‬والأعراس‭ ‬والتصافح‭ ‬بالأيدي،‭ ‬يكتسي‭ ‬دلالته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬باعتباره‭ ‬رمزا‭ ‬لهذه‭ ‬الأعمال‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يستعمل‭ ‬اللباس‭ ‬أو‭ ‬أسلوب‭ ‬الكلام‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬أدوار‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة‭ (‬البدلة‭ ‬العسكرية،‭ ‬أعلام‭ ‬الدول‭). ‬وحتى‭ ‬الأعمال‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتعلقة،‭ ‬مثلا‭: ‬بإخراج‭ ‬الجن‭ ‬من‭ ‬الأجساد،‭ ‬يتطلب‭ ‬أعمالا‭ ‬فيزيائية،‭ ‬وتسمى‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬سحرا‭ ‬أو‭ ‬طقوسا‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتحول‭ ‬الأعمال‭ ‬الفيزيائية‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬اجتماعية،‭ ‬لأن‭ ‬تأويلها‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وبالنظر،‭ ‬إذن،‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬تعيين‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الفيزيائي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬توجد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القوالب‭ ‬المتخصصة،‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬الدقيق‭ ‬واستخلاص‭ ‬المعلومات‭ ‬الضرورية‭ ‬الخاصة‭ ‬بهذا‭ ‬المجال،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬القوالب‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتفاعل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬العناصر‭ ‬التالية‭:‬

3‭) ‬الأنساق‭ ‬الإدراكية‭ ‬والحركية‭:‬

أ‭) ‬قالب‭ ‬الوجه

‭ ‬يشكل‭ ‬تخصصا‭ ‬فرعيا‭ ‬داخل‭ ‬النسق‭ ‬البصري،‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬خاصة‭ ‬بالدماغ‭ ‬ويملك‭ ‬مساره‭ ‬التطوري‭ ‬الخاص‭ ‬به،‭ ‬والأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬إصابة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬تكون‭ ‬قدرتهم‭ ‬ضعيفة‭ ‬أو‭ ‬منعدمة‭ ‬في‭ ‬تعرف‭ ‬الوجوه‭ ‬وتمييزها،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يفقدوا‭ ‬المقاصد‭ ‬العامة‭ ‬للمعرفة‭ ‬الفضائية‭.‬

‭- ‬الخصائص‭ ‬التعبيرية‭ ‬في‭ ‬الوجه‭:‬

‭ ‬تخصص‭ ‬يقع‭ ‬داخل‭ ‬النسق‭ ‬البصري،‭ ‬يعنى‭ ‬بالتقاط‭ ‬الخصائص‭ ‬الانفعالية‭ ‬في‭ ‬تعابير‭ ‬وجوه‭ ‬الآخرين‭ ‬وحركاتهم‭ ‬وأوضاع‭ ‬أجسادهم‭. ‬وهو‭ ‬تخصص‭ ‬حساس‭ ‬يمكننا‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬التعبير‭ ‬الانفعالي‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬إشاراته‭ ‬مختزلة8‭. ‬

 

 

فالناس‭ ‬يصدرون‭ ‬باستمرار‭ ‬إشارات‭ ‬تعبيرية‭ ‬انفعالية‭ ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬غير‭ ‬وعي،‭ ‬وهو‭ ‬الغالب،‭ ‬ولإنتاج‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬أنشطة‭ ‬دماغية‭ ‬تحول‭ ‬التعبير‭ ‬الانفعالي‭ ‬إلى‭ ‬بنيات‭ ‬حسية‭ ‬كالابتسام‭ ‬وتقطيب‭ ‬الوجه‭ ‬وهز‭ ‬الحواجب،‭ ‬وبعض‭ ‬الإصابات‭ ‬الدماغية‭ ‬تورث‭ ‬لدى‭ ‬ضحاياها‭ ‬مظاهر‭ ‬انفعالية‭ ‬امسطحةب‭ ‬وعجزا‭ ‬تاما‭ ‬عن‭ ‬إظهارها‭.‬

ب‭) ‬قالب‭ ‬الصوت‭:‬

تخصص‭ ‬فرعي‭ ‬داخل‭ ‬النسق‭ ‬السمعي،‭ ‬وهناك‭ ‬قوالب‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬تعنى‭ ‬بتحليل‭ ‬الإشارات‭ ‬اللغوية،‭ ‬لكن‭ ‬نسق‭ ‬تعرف‭ ‬الصوت‭ ‬يعنى‭ ‬بتحليل‭ ‬الإشارات‭ ‬الصوتية‭ ‬المتصلة‭ ‬بهوية‭ ‬الشخص‭ ‬المتكلم،‭ ‬أي‭ ‬بمن‭ ‬هو،‭ ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أفرادا‭ ‬لا‭ ‬يتعرفون‭ ‬شخصا‭ ‬معينا‭ ‬عند‭ ‬رؤيته‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تكلم‭.‬

‭- ‬الخصائص‭ ‬التعبيرية‭ ‬الانفعالية‭ ‬في‭ ‬الصوت‭:‬

يقع‭ ‬داخل‭ ‬النسق‭ ‬السمعي،‭ ‬يعنى‭ ‬بتحليل‭ ‬نغمات‭ ‬الصوت‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الشخص‭ ‬الانفعالية،‭ ‬إذا‭ ‬من‭ ‬مستلزمات‭ ‬الفهم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تعرف‭ ‬هل‭ ‬الشخص‭ ‬متعاطف‭ ‬أو‭ ‬متوجس‭ ‬أو‭ ‬مندهش‭ ‬أو‭ ‬خائف،‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الخصائص‭ ‬التعبيرية‭ ‬الانفعالية‭ ‬في‭ ‬نغمة‭ ‬الصوت‭ ‬التي‭ ‬يملك‭ ‬بصددها‭ ‬صغار‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬حساسية‭ ‬ظاهرة‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭.‬

 

في‭ ‬العلاقات‭ ‬التصورية‭ ‬الاجتماعية

توجد‭ ‬علاقات‭ ‬تصورية‭ ‬أولية‭ ‬أكثر‭ ‬تجريدا‭ ‬تكمن‭ ‬خلف‭ ‬فهمنا‭ ‬للعلاقات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬مظاهر‭ ‬معرفية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالأنساق‭ ‬الإدراكية‭ ‬والحركية،‭ ‬وليس‭ ‬لها‭ ‬ارتباط‭ ‬متخصص،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عناصر‭ ‬تأليفية‭ ‬تتضمنها‭ ‬البنية‭ ‬التصورية‭ ‬وتتصل‭ ‬بخصوصية‭ ‬مجال‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي‭/ ‬الثقافي‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬التصورية‭ ‬القاعدية‭: ‬تصور‭ ‬القرابة،‭ ‬وتصور‭ )‬عضوية‭ ‬الجماعة‭)‬،‭ ‬والسيطرة‭. ‬

1‭) ‬القرابة‭:‬

‭ ‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬القرابة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التصورات‭ ‬وضوحا،‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬الثقافات،‭ ‬بحيث‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الأبوين‭ ‬والأبناء‭ ‬والزوجة‭ ‬والإخوة،‭ ‬وتوجد‭ ‬أوجه‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬تنبثق‭ ‬أساسا‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الثدييات،‭ (‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬الاعتناء‭ ‬بالصغير‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬لمدة‭ ‬محددة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأم‭). ‬وساهمت‭ ‬نظرية‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬بناء‭ ‬التصورات‭ ‬والسلوكات‭ ‬ممكنا‭ ‬وإيجابيا9‭.‬

‭ ‬يعتبر‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬تطورا‭ ‬من‭ ‬الثدييات‭ ‬الأخرى،‭ ‬لكون‭ ‬القرابة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬البشري‭ ‬تتسع‭ ‬إلى‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬القبيلة،‭ ‬ونعثر‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬على‭ ‬عادات‭ ‬وحقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬متطورة‭ ‬حسب‭ ‬درجة‭ ‬القرابة،‭ ‬فنجد‭ ‬مثلا‭: ‬زنا‭ ‬المحارم‭ ‬مرفوض‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬الثقافات،‭ ‬لكن‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬جعلها‭ ‬شيئا‭ ‬عاديا‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يحرمها‭.‬

‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬تصورات‭ ‬قاعدية‭ ‬داخل‭ ‬القرابة‭ ‬القريبة،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نجدها‭ ‬داخل‭ ‬القرابة‭ ‬البعيدة،‭ ‬لذلك‭ ‬يتم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬يخبرنا‭ ‬بأن‭ ‬فلان‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬القريبة،‭ ‬ونشعر‭ ‬بشكل‭ ‬فطري‭ ‬أن‭ ‬رابط‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬القرابة‭. ‬كأن‭ ‬يكتشف‭ ‬الطفل‭ ‬المتبنى‭ ‬أبويه،‭ ‬لوجود‭ ‬علاقة‭ ‬بيولوجية‭ ‬بينهما‭.‬

2‭) ‬عضوية‭ ‬الجماعة‭:‬

‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تصور‭ ‬القرابة،‭ ‬نجد‭ ‬تصورا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬آخر،‭ ‬يتعلق‭ ‬بعضوية‭ ‬الجماعة،‭ ‬التي‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الطيور‭ ‬والثدييات،‭ ‬ومن‭ ‬الشائع‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انتمائهم‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الجماعة،‭ ‬فإنهم‭ ‬يتحدون‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬العدو‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬غير‭ ‬التطوري‭ ‬الرابط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المصلحة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬الآخر‭ ‬بالآخر‭. ‬ماذا‭ ‬يقصد‭ ‬بهذا؟‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المقاس‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬الجماعة‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬وبذلك‭ ‬سيكون‭ ‬عدوا،‭ ‬ولكي‭ ‬ينضم‭ ‬إلى‭ ‬الجماعة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬طويل،‭ ‬زيادة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الهرمية،‭ ‬مثل‭: ‬قرود‭ ‬الشانبانزي،‭ ‬فإنها‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬تجمعها‭ ‬ضد‭ ‬جماعة‭ ‬أخرى،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬ليس‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬معينة10‭.‬

وفي‭ ‬القرابة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تصورات‭ ‬هرمية‭ ‬داخل‭ ‬عضوية‭ ‬الجماعة‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بالعلاقات‭ ‬البشرية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬الامتداد‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬إلى‭ ‬الجماعة‭ ‬الكبيرة‭ ‬امن‭ ‬دائرة‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬كبيرةب،‭ ‬ويتم‭ ‬التمييز‭ ‬بينهما‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬العرف‭ ‬والدين،‭ ‬التراتبية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الهيمنة،‭ ‬الجنسية‭.‬

3‭) ‬السيطرة‭:‬

يقصد‭ ‬بالسيطرة‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬فردين‭ ‬االمسيطِر‭ ‬والمسيطر‭ ‬عليهب‭ ‬في‭ ‬مسائل،‭ ‬مثل‭: ‬الأكل‭ ‬والغريزة‭ ‬الجنسية،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬تصور‭ ‬السيطرة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الحيواني‭ ‬بالعنف‭ ‬والعدوانية‭ ‬والبنية‭ ‬الجسمانية‭ ‬ويرث‭ ‬الذكور‭ ‬مركزا‭ ‬عاليا‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬أمهاتهم،‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬ليست‭ ‬إدراكية‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التصور‭.‬

وتبنى‭ ‬السيطرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الحيواني،‭ ‬بشكل‭ ‬أفقي،‭ ‬بحيث‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬اسب‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬ابب‭ ‬وببب‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬اجب،‭ ‬فإن‭ ‬اسب‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬اجب،‭ ‬وتتسم‭ ‬السيطرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الحيواني‭ ‬بالثبات،‭ ‬لكن‭ ‬المسيطر‭ ‬عليهم،‭ ‬يسعون‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬الصعوبات‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬مراتب‭ ‬متقدمة‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعهم‭.‬

وإذا‭ ‬تأملنا‭ ‬السيطرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البشري،‭ ‬مثل‭: ‬علاقة‭ ‬الأب‭ ‬بالابن‭ ‬وعلاقة‭ ‬الأستاذ‭ ‬بالتلميذ‭ ‬ورب‭ ‬العمل‭ ‬بالعامل،‭ ‬فإنها‭ ‬تكون‭ ‬هرمية‭ ‬وليست‭ ‬أفقية،‭ ‬وأوجه‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬الحيواني‭ ‬والبشري،‭ ‬هي‭ ‬صفة‭ ‬الثبات،‭ ‬والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬اكتسابها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬من؟‭ ‬وتحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف؟

أما‭ ‬الرئيسات،‭ ‬فهي‭ ‬تفهم‭ ‬شيئا‭ ‬خاصا‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتختار‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬انتقائي‭ ‬أفراد‭ ‬تحالفاتها،‭ ‬وتنتقي‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬خصم‭ ‬محتمل11‭.‬

وسبق‭ ‬وأن‭ ‬أكدنا‭ ‬بأن‭ ‬القرابة‭ ‬وعضوية‭ ‬الجماعة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬صفة‭ ‬إدراكية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تصورية‭ ‬كذلك،‭ ‬فنحن‭ ‬نتصورها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ذوات‭ ‬فاعلة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬طبيعية‭ ‬وبديهية،‭ ‬فغياب‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬يجعلنا‭ ‬أمام‭ ‬عالم‭ ‬فوضوي‭ ‬وغير‭ ‬منظم،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬ملامح‭ ‬الناس‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬معنى،‭ ‬وبذلك‭ ‬سنكون‭ ‬فقط‭ ‬أمام‭ ‬تجمعات‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬لها‭ ‬وليس‭ ‬مجتمعات‭ ‬لها‭ ‬مؤسسات‭ ‬اجتماعية‭.‬

ونلاحظ‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بحجم‭ ‬الذهن،‭ ‬وذلك‭ ‬لوجود‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬ذهنية‭ ‬محدودة‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تعتمد‭ ‬التصورات‭ ‬نفسها،‭ ‬ونجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بنية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان،‭ ‬فمهما‭ ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬الذهن‭ ‬البشري‭ ‬لن‭ ‬تتجاوز‭ ‬المفاهيم‭ ‬السابقة‭.‬

وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬بأن‭ ‬القرابة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الإدراك،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬التصور،‭ ‬وذلك‭ ‬لكون‭ ‬إدراكنا‭ ‬لتصور‭ ‬القرابة،‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬إدراك‭ ‬ماهيتها‭ ‬اتجاه‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬القرابة‭ ‬مثلا‭: ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬فقط‭ ‬بصفة‭ ‬مغايرة،‭ ‬بل‭ ‬نتصرف‭ ‬تصرفا‭ ‬خاصا‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬الثلاثة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تصورات‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬كالملكية‭(‬باختلاق‭ ‬حقوقها‭ ‬عبر‭ ‬الثقافات‭)‬،‭ ‬وتمايز‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ووجود‭ ‬طقوس‭ ‬منظمة‭ ‬تبرز‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الجماعة‭ ‬أو‭ ‬تمثلها،‭ ‬تشكل‭ ‬بنيات‭ ‬تصورية‭ ‬كلية‭ ‬عالية‭ ‬التجريد‭ ‬تزودنا‭ ‬بها‭ ‬هندستنا‭ ‬الذهنية‭ ‬المعرفية،‭ ‬لتمكيننا‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬علاقاتنا‭ ‬بالآخرين‭ ‬وتعاملنا‭ ‬معهم‭ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننتظره‭ ‬منهم‭.‬

فعلى‭ ‬أساسها‭ ‬نتعلم‭ ‬معرفة‭ ‬الأقرباء‭ ‬والجماعات‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬ينتمي،‭ ‬ومن‭ ‬هو‭ ‬المسيطر‭ ‬والمسيطر‭ ‬عليه،‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬سياق،‭ ‬كما‭ ‬نتعلم‭ ‬الكيفيات‭ ‬التي‭ ‬ترمز‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬ثقافاتنا‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬عليه‭ ‬تنوعنا‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬وغنى،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬تنوعا‭ ‬اعتباطيا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاختيارات‭ ‬أو‭ ‬البرامترات‭ ‬الممكنة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بتحقيقها‭ ‬عدتنا‭ ‬الأحيائية‭ ‬باعتبارنا‭ ‬بشر12‭.‬

خلاصة‭ 

نستنتج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭ ‬لدى‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬تعتبر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التصورية،‭ ‬وتضم‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬أوليات‭ ‬تصورية‭ ‬كالشخص‭ ‬والأنساق‭ ‬الإدراكية‭ ‬والحركية،‭ ‬وتربط‭ ‬بينهما‭ ‬علاقات‭ ‬تصورية‭ ‬اجتماعية‭ ‬كالقرابة‭ ‬وعضوية‭ ‬الجماعة‭ ‬والسيطرة‭.‬

وعموما‭ ‬فإننا‭ ‬نسعى‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬تقديم‭ ‬أرضية‭ ‬مشتركة‭ ‬لمجالات‭ ‬البحث‭ ‬التقليدي‭ ‬المتعدد‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬المعرفة،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الدلالة‭ ‬اللغوية‭ ‬للظواهر‭ ‬الثقافية‭ ‬الشعبية،‭ ‬بل‭ ‬تهتم‭ ‬بالذريعيات‭ ‬والفهم‭ ‬الإدراكي‭ ‬والمعرفة‭ ‬المجسدة‭ ‬والتفكير‭ ‬والتخطيط‭ ‬والمعرفة‭ ‬الاجتماعية‭/ ‬الثقافية‭. ‬