اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الموسيقى الشعبية القديمة بالبلاد التونسية بين الهيدونية والعقلانية: دراسة تاريخية توثيقية
في بداية هذه الدراسة، كان هاجسنا الأوّل هو عملية التوثيق للممارسة الموسيقية الشعبية القديمة خلال الفترتين البونية والروم...

رؤية سميوأنثروبولوجية لليلة الحنّاء مدينة تلمسان أنموذجا
الحنّاء لغةٌ، وااللغة نظام من الرّموزب، وقيمة هذه الرّموز اللّغوية كما تقول الكتابات الحديثة تكمن في أنّها تقوم على العُ...

المعرفة الاجتماعية الثقافية: آليات إنتاجها
سنتطرق في هذه الورقة إلى نسق المعرفة الاجتماعية/ الثقافية الذي يعد جزءا من البنية التصورية لدى البشر، وقالب من الأقوال غ...
45
Issue 45
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
«الزبيل» في الذاكرة الشعبية
العدد 45 - لوحة الغلاف

 

الزبيل‭ ‬والجمع‭ ‬زبلان،‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬وعاء‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬خوص‭ ‬النخيل‭ ‬وله‭ ‬قاعدة‭ ‬دائرية‭ ‬الشكل،‭ ‬يصنع‭ ‬بأحجام‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبجودة‭ ‬وأنماط‭ ‬متباينة؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬الزبلان‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تزين‭ ‬بخوص‭ ‬ملون‭ ‬بألوان‭ ‬جميلة،‭ ‬ويكون‭ ‬لها‭ ‬أغطية،‭ ‬وتصنع‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬أنواع‭ ‬الخوص‭ ‬وهو‭ ‬خوص‭ ‬االگلبب‭ (‬أي‭ ‬القلب‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬خوص‭ ‬السعف‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النخلة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الزبلان‭ ‬لحفظ‭ ‬الملابس‭. ‬وبالمقابل‭ ‬هناك‭ ‬زبلان‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬الخوص‭ ‬منخفض‭ ‬الجودة‭ ‬تستخدم‭ ‬لجمع‭ ‬القمامة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬الزبلان‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬والتي‭ ‬تخصها‭ ‬العامة‭ ‬باسم‭ ‬اگفةب‭ (‬أي‭ ‬قفة‭)‬،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬لها‭ ‬غطاء،‭ ‬وهذه‭ ‬تستخدم‭ ‬لحفظ‭ ‬الأدوات‭ ‬في‭ ‬المنزل‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تستخدم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباعة‭ ‬لعرض‭ ‬بضائع‭ ‬مختلفة‭.‬

وللزبيل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬فهناك‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الزبيل‭ ‬والذي‭ ‬وضعت‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬أشترته‭ ‬من‭ ‬خضار‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬بضاعة‭ ‬أخرى،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬يوجد‭ ‬غير‭ ‬الزبيل‭ ‬تجمع‭ ‬فيه‭ ‬البضاعة‭ ‬المشتراة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يراد‭ ‬جمعه‭ ‬ونقله‭. ‬وصورة‭ ‬جمع‭ ‬البضاعة‭ ‬في‭ ‬الزبيل‭ ‬تم‭ ‬أختزالها‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي،‭ ‬الذي‭ ‬ذكره‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬موسوعته،‭ ‬وهو‭ ‬اتخلص‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الزبيلب،‭ ‬وتخلص‭ ‬بمعنى‭ ‬تنتهي‭ ‬وهي‭ ‬تعود‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬في‭ ‬الزبيل‭ (‬الناصري،‭ ‬ص‭ ‬249‭). ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إشارة‭ ‬للتهافت‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الزبيل،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يشير‭ ‬المثل‭ ‬لقلة‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬في‭ ‬الزبيل،‭ ‬فيصبح‭ ‬المثل‭ ‬حينها‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬والذي‭ ‬يتم‭ ‬تفريقه‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬للإدخار‭ ‬أو‭ ‬التخزين‭.‬

وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬زبيل‭ ‬الرز،‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬فيه‭ ‬الرز،‭ ‬والذي‭ ‬يستخدم،‭ ‬أيضاً،‭ ‬لغسل‭ ‬الرز‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬طهيه‭. ‬وهذه‭ ‬صورة‭ ‬أيضاً‭ ‬أختزلت‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬ذكره‭ ‬الناصري،‭ ‬وهو‭ ‬اأما‭ ‬بالحبة‭ ‬لو‭ ‬بالزبيلب‭ ‬وهو‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المثل‭ ‬اأما‭ ‬بالحبة‭ ‬لو‭ ‬بالچبةب‭ (‬الناصري‭ ‬161‭ ‬ذ‭ ‬162‭). ‬ويشير‭ ‬المثل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬أخذ‭ ‬الرز‭ ‬من‭ ‬الزبيل‭ ‬تتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مكيال‭ ‬معين،‭ ‬فلا‭ ‬يأخذ‭ ‬بالحبة‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإفراغ‭ ‬المباشر‭ ‬بالزبيل،‭ ‬والمثل‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬الإفراط‭ ‬أو‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الأمور‭. ‬

وهكذا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الزبيل‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن‭ ‬فقد‭ ‬استبدل‭ ‬الزبيل‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الحديثة‭ ‬الصنع،‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬هناك‭ ‬له‭ ‬مكان‭ ‬إلا‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬التراث،‭ ‬وبقيت‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬المختلفة‭ ‬للزبيل‭ ‬والتي‭ ‬حفرت‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬والتي‭ ‬تختزل‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬شعبية‭ ‬أو‭ ‬مثل‭ ‬شعبي‭.‬

المراجع‭: ‬الناصري،‭ ‬محمد‭ ‬علي،‭ ‬موسوعة‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬دار‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬الكبير،‭ ‬بيروت‭ ‬ذ‭ ‬لبنان،‭ ‬بدون‭ ‬تاريخ‭.‬

حسين‭ ‬محمد‭ ‬حسين