اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الزخرفة في الزرابي التونسية على المستوى الشكلي
تُعتبر صناعة الزربية ذات النسيج المحفوف أو الزربية ذات الوبْر القائم من أهمّ الفنون التطبيقية فهي عمل يدوي ناتج عن خيوط ...

فن الزفان البحريني
قليلا ما تخلو الفنون الغنائية الشعبية الخليجية، الرجالية منها والنسائية أو تلك المختلطة رجالا ونساء من فن إيمائي رفيع ال...

فنون غنائية وافدة الجوبي العراقي أنموذجا
يعدُّ الرقص أحد الطقوس الدينية والأسطورية والسحرية القديمة التي مارسها الإنسان منذ أقدم العصور.وقد ارتبط الرقص مع الغناء...
44
Issue 44
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الشاعر محمّد المرزوقي وقصيدته الشعبية
العدد 44 - أدب شعبي

 

د‭.  ‬أحمد‭ ‬الخصخوصي‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

 

موضوع‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬هو‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬الشعبية‭ ‬المفردة‭ ‬التي‭ ‬أنشأها‭ ‬الشاعر‭ ‬التونسي‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬ولعلّه‭ ‬من‭ ‬المفيد‭- ‬قبل‭ ‬طرق‭ ‬القصيدة‭ ‬وتناول‭ ‬متنها‭ ‬بالتحليل‭ ‬والاستقراء‭ ‬والاستنتاج‭ ‬والتأويل‭ - ‬أن‭ ‬يتلبّث‭ ‬المرئ‭ ‬بعض‭ ‬التلبّث‭ ‬ليقف‭ ‬وقفة‭ ‬تعريفية‭ ‬موضوعها‭ ‬الشاعر‭ ‬وهو‭ ‬محمّد‭ ‬بن‭ ‬مصطفى‭ ‬بن‭ ‬عليّ،‭ ‬وقد‭ ‬ولد‭ ‬بالعوينة1‭ ‬التابعة‭ ‬لمدينة‭ ‬دوز2‭ ‬الصحراوية‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬سبتمبر‭ ‬1916‭ ‬وتوفّي‭ ‬بتونس‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬نوفمبر‭ ‬1981‭. ‬حفظ‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بمسقط‭ ‬رأسه‭ ‬ثمّ‭ ‬اتّجه‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬العاصمة‭ ‬ليلتحق‭ ‬بالتعليم‭ ‬الزيتوني‭ ‬عام‭ ‬1930‭ ‬وتابع‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقدّم‭ ‬بالمدرسة‭ ‬الخلدونية3‭ ‬وأحرز‭ ‬منها‭ ‬عام‭ ‬1935‭ ‬ديبلومها‭ ‬كما‭ ‬أحرز‭ ‬الشهادتين‭ ‬الزيتونيتين‭ ‬الأهلية4‭ ‬ثمّ‭ ‬التحصيل5‭ ‬سنة‭ ‬1944‭.‬

لمحمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬شخصية‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأبعاد،‭ ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التكوين‭ ‬الذي‭ ‬اكتسبه‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشاطه‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مجال‭ ‬واحد،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّه‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعدّ‭ ‬مذنبا‭ ‬من‭ ‬مذانب‭ ‬النضال‭ ‬التي‭ ‬تصبّ‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المتنامية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬وقت‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭. ‬والحاصل‭ ‬أنّ‭ ‬محمّدا‭ ‬المرزوقي‭ ‬أديب6‭ ‬وشاعر7‭ ‬ومؤرّخ8‭ ‬ومحقّق‭ ‬مخطوطات‭ ‬9‭ ‬وحافظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭ ‬10‭ ‬وأدبية11‭ ‬وشعبية12‭ ‬وقد‭ ‬ترك‭ ‬مكتبة‭ ‬ثريّة‭ ‬متنوّعة‭ ‬تربو‭ ‬على‭ ‬ثلاثين‭ ‬عنوانا‭ ‬ممّا‭ ‬يكسب‭ ‬آثاره‭ ‬بعدا‭ ‬موسوعيا‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬معتبر‭.‬

على‭ ‬أنّ‭ ‬الجانب‭ ‬الذي‭ ‬يعنينا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬هو‭ ‬الجانب‭ ‬المتّصل‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬بالتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التنظير‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الإبداع‭. ‬ويمكن‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬خاصّة‭ ‬مؤلّف‭ ‬امع‭ ‬البدو‭ ‬في‭ ‬حلّهم‭ ‬وترحالهمب‭ ‬13‭ ‬وكتاب‭ ‬االأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬تونسب14‭. ‬ويتبيّن‭ ‬من‭ ‬مجمل‭ ‬ما‭ ‬تقدّم‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الأديب‭ ‬ظلّ‭ ‬بدويا‭ ‬حتّى‭ ‬النخاع‭ ‬كما‭ ‬يقال‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اهتماماته‭ ‬وأنشطته‭ ‬وتآليفه‭ ‬سواء‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬اتّصل‭ ‬بالتمثّل‭ ‬النظري‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تعلّق‭ ‬بالممارسة‭ ‬الإبداعية‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬محمّدا‭ ‬المرزوقي‭ ‬بدوي‭ ‬الأصل‭ ‬والمنشإ‭ ‬والتربية‭ ‬والثقافة‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬تمثّل‭ ‬وممارسة‭. ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬االمرازيقب15‭ ‬وهي‭ ‬منبع‭ ‬الشعر‭ ‬تاريخيا‭ ‬وواقعيا،‭ ‬فمنطقة‭ ‬ادوزب‭ ‬التي‭ ‬يقطنونها‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أهمّ‭ ‬مواطن‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي16‭ ‬ومخازنه‭ ‬في‭ ‬القطر‭ ‬التونسي‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬منطقة‭ ‬االمزّونةب17‭ ‬أحد‭ ‬مواطن‭ ‬قبيلة‭ ‬االمهاذبةب18‭ ‬حيث‭ ‬مازال‭ ‬الشعراء‭ ‬متمرّسين‭ ‬وناشئين‭ ‬ينشدون‭ ‬الشعر‭ ‬ارتجالا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الموضوعات‭ ‬والمعاني‭ ‬والأغراض‭ ‬والقوالب19‭.‬

ومجمل‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬نقبل‭ ‬على‭ ‬تحليلها‭ ‬إنّ‭ ‬بيئتها‭ ‬العامّة‭ ‬الحاضنة‭ ‬لها‭ ‬بيئة‭ ‬بدوية‭ ‬صرف‭ ‬وذلك‭ ‬تبعا‭ ‬لثقافة‭ ‬منتجها‭. ‬

قُدّم‭ ‬إلينا‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬أبيات‭ ‬تمهيدية‭ ‬ثلاثة‭ ‬هذا‭ ‬نصّها‭:‬

ركبت20‭ ‬ركوب21‭ ‬الفراسين

لحقت22‭ ‬خليل‭ ‬غزاته23

رمّاية‭ ‬24‭ ‬النبل25‭ ‬بالعين

حربات26‭ ‬على‭ ‬الصدر‭ ‬جاته27

فكّت28‭ ‬سلاحه‭ ‬مسيكين29

وبشعورها30‭ ‬كتّفاته31

وتنهض‭ ‬الأبيات‭ ‬بوظيفة‭ ‬مخصوصة‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬تهيئة‭ ‬المستمع‭ ‬لتقبّل‭ ‬القصيدة‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭. ‬والأبيات‭ ‬الثلاثة‭ - ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭- ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬شعار‭ ‬يُرفع‭ ‬وعنوان‭ ‬يُوضع‭ ‬لإعلان‭ ‬متّجه‭ ‬القصيدة‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬طابعها‭. ‬فيتهيّأ‭ ‬السامع‭ ‬تهيّؤا‭ ‬نفسيا‭ ‬ويتقبّل‭ ‬متنها‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬يدري‭ ‬ولا‭ ‬يدري‭.‬

وفي‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬نورد‭ ‬القصيدة‭ ‬بعنوانها‭ ‬ونصّها‭ ‬متبوعا‭ ‬بشرح‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬عباراتها‭:‬

عيون‭ ‬سود‭ ‬مكحولين

عيون‭ ‬سود‭ ‬مكحولين32‭ ‬ع33‭ ‬المسميّة34

قرابيل35‭ ‬مليانين36‭ ‬كبّوا‭ ‬37‭ ‬فيّ

‭***‬

عيون‭ ‬سود‭ ‬ع‭ ‬المشكاية38

منهم‭ ‬عذابي‭ ‬ومحنتي‭ ‬وشقاي‭ ‬39

شبّوا40‭ ‬قداي41‭ ‬اللطف‭ ‬يا‭ ‬مولايَ42

ردفوا43‭ ‬رداي44‭ ‬ومزّقوا‭ ‬جواجيّ45

عامين‭ ‬مالقيتش‭ ‬طبيب‭ ‬لدايَ46

واللّي‭ ‬فحصني‭ ‬زاد47‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بيّ

‭***‬

ما‭ ‬لقيت‭ ‬من‭ ‬داواني

عامين‭ ‬في‭ ‬سحر‭ ‬العيون‭ ‬نعاني

كلّ‭ ‬من‭ ‬يراني‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬فاني48

لو‭ ‬كان‭ ‬جاني‭ ‬تغتفر‭ ‬هالسيه49

لكن‭ ‬هجرني‭ ‬وما‭ ‬بغى50‭ ‬يهواني

مكر51‭ ‬مكر‭ ‬خلّى52‭ ‬كبدتي‭ ‬مشويه53

‭***‬

قرابيل‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬مدلّل54‭ ‬

ولد‭ ‬رمح55‭ ‬قلبه‭ ‬ع‭ ‬العدّو‭ ‬متغلّل56

راكب57‭ ‬مخلخل58‭ ‬كيف‭ ‬بيه‭ ‬تزلزل59

حرّم‭ ‬وحلّل‭ ‬لا‭ ‬عطف‭ ‬ع‭ ‬الحيّه60

نوّض61‭ ‬قتل‭ ‬الأوّل‭ ‬الثاني‭ ‬كمّل

خلّى‭ ‬جنايز‭ ‬ع‭ ‬الوطى62‭ ‬مرميّة‭ ‬63

‭***‬

هكاك64‭ ‬كيف‭ ‬كووني

عيون‭ ‬ولفتي65‭ ‬حربات‭ ‬في‭ ‬مكنوني‭ ‬66

زادوا‭ ‬محوني67‭ ‬بسحرهم‭ ‬سحروني

خلّوا‭ ‬عيوني‭ ‬دموعهم‭ ‬مجرية‭ ‬68

يا‭ ‬هل‭ ‬ترى69‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬قهروني

يسخفش70‭ ‬صاحبهم‭ ‬ويرفق‭ ‬بيّ

جاءت‭ ‬قصيدة‭ ‬اعيون‭ ‬سود‭ ‬مكحولينب‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬معيّن‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬يسمّى‭ ‬الملزومة‭ ‬المثنّاة‭ ‬تتألّف‭ ‬من‭ ‬طالع‭ ‬يشتمل‭ ‬على‭ ‬غصنين‭ ‬اثنين‭ ‬تليهما‭ ‬الأدوار‭ ‬وعددها‭ ‬أربعة‭ ‬يتكوّن‭ ‬كلّ‭ ‬دور‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬ستّة‭ ‬أغصان،‭ ‬ويسمّى‭ ‬الغصن‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الدور‭ ‬ا‭ ‬المكبّب‭ ‬ويتّفق‭ ‬مع‭ ‬الطالع‭ ‬في‭ ‬القافية‭.‬

ويمكن‭ ‬رسم‭ ‬هيكل‭ ‬القصيدة‭ ‬العامّ‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬التالية‭: ‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــ‭       ‬ا‭       ‬ـــــــــــــــــــــــــــــ‭   ‬ا

‭ ‬الطالع

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

الدور‭ ‬1

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

الدور‭ ‬2

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

الدور‭ ‬3

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ب‭   ‬ــــــــــــــــــــــــــــــ‭    ‬ا

الدور‭ ‬4

 

وقد‭ ‬جاء‭ ‬البيت‭ ‬الأوّل‭ ‬مصرّعا71‭ ‬والتصريع‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬عند‭ ‬صاحب‭ (‬اللسان‭) ‬هو‭ ‬تقفية‭ ‬المصراع‭ ‬الأوّل‭ ‬مأخوذ‭ ‬من‭ ‬مصراع‭ ‬الباب‭ ‬وهما‭ ‬مصراعان72‭. ‬قال‭ ‬الأزهري‭: ‬اوالمصراعان‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬قافيتان‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحدب73‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الشاعر‭ ‬عروض‭ ‬الشعر‭ ‬كضربه‭. ‬اوإنّما‭ ‬وقع‭ ‬التصريع‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬ليدلّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬صاحبه‭ ‬مبتدأ‭ ‬إمّا‭ ‬قصّة‭ ‬وإمّا‭ ‬قصيدةب74‭.‬

ولعلّ‭ ‬هذه‭ ‬الدلالة‭ ‬المزدوجة‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬قصيدتنا‭ ‬هذه‭ ‬إذ‭ ‬تروي‭ ‬قصّة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬منذ‭ ‬البيت‭ ‬الأوّل‭ ‬بجملة‭ ‬اسمية‭ ‬إخبارية‭ ‬مبتدؤها‭ ‬وصف‭ ‬وخبرها‭ ‬حدث‭. ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬سوى‭ ‬عينين‭ ‬سوداوين‭ ‬مكحولتين‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬يحصل‭ ‬سوى‭ ‬طلق‭ ‬ناري‭ ‬مدوّ‭ ‬يصيب‭ ‬الجسم‭ ‬في‭ ‬الصميم‭ ‬إصابة‭ ‬مكينة‭.‬

ولعلّ‭ ‬أقرب‭ ‬صورة‭ ‬إلى‭ ‬الأمرين‭ ‬معا‭ ‬وآلفها‭ ‬معنى‭ ‬وأوفاها‭ ‬مغزى‭ ‬ما‭ ‬يعبّر‭ ‬عنه‭ ‬الفرنسيون‭ ‬بقولهم‭ ‬اضربة‭ ‬الصاعقةب75‭. ‬أمّا‭ ‬العرب‭ ‬فيعبّرون‭ ‬عنه‭ ‬ابالحبّ‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬واحدةب76‭ ‬كما‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ابن‭ ‬حزم‭ ‬الأندلسي‭ ‬في‭ ‬مؤلّفه‭ ‬اطوق‭ ‬الحمامة‭ ‬في‭ ‬الألفة‭ ‬والألاّفب‭. ‬إنّها‭ ‬نظرة‭ ‬واحدة‭ ‬تصدر‭ ‬من‭ ‬العينين‭ ‬صدور‭ ‬طلقة‭ ‬الرصاص‭ ‬من‭ ‬البندقية‭. ‬يذكر‭ ‬الشاعر‭ ‬صاحبهما‭ ‬في‭ ‬الافتتاح‭ ‬وهو‭ ‬االمسميّةب‭ ‬ثمّ‭ ‬يذكر‭ ‬في‭ ‬الاختتام‭ ‬هذا‭ ‬الصاحب‭ ‬بقوله‭ ‬اصاحبهمب‭ ‬ويعني‭ ‬بهذه‭ ‬العبارة‭ ‬صاحب‭ ‬العينين‭.‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬يذكر‭ ‬عن‭ ‬الإطار‭ ‬المكاني‭ ‬اللهم‭ ‬ما‭ ‬يوحيه‭ ‬المقام‭ ‬الذي‭ ‬يُماشي‭ ‬الساحات‭ ‬الفسيحة‭ ‬والفضاءات‭ ‬المفتوحة‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬اتّساع‭ ‬أرجائها‭ ‬وترامي‭ ‬أطرافها‭ ‬ووعث‭ ‬ما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مفازات‭ ‬وملمّات‭ ‬وأهوال‭ ‬لا‭ ‬يطيقها‭ ‬إلاّ‭ ‬أصحاب‭ ‬الشدّة‭ ‬وذوو‭ ‬البأس‭. ‬ومن‭ ‬عجب‭ ‬أنّ‭ ‬صاحبة‭ ‬العينين‭ ‬بما‭ ‬هما‭ ‬مصدر‭ ‬للتعبير‭ ‬الوجداني‭ ‬ومعبر‭ ‬للتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬بصفتها‭ ‬جسما‭ ‬مجسّما‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬التصويري‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الترفّع‭ ‬عن‭ ‬الأوصاف‭ ‬الحسّية‭ ‬والأشكال‭ ‬المادّية،‭ ‬فلا‭ ‬بدن‭ ‬يلوح‭ ‬ولا‭ ‬جسد‭ ‬يظهر‭ ‬ولا‭ ‬أطراف‭ ‬تُلحظ‭ ‬ولا‭ ‬أوصال‭ ‬تبدو‭. ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬لها‭ ‬صفات‭ ‬لكنّها‭ ‬صفات‭ ‬في‭ ‬عمومها‭ ‬متعالية،‭ ‬فهي‭ ‬حسب‭ ‬نسختي‭ ‬القصيدة‭ ‬المتوفّرة‭ ‬االمسميّهب‭ ‬باعتبار‭ ‬شهرتها‭ ‬السائدة‭ ‬وصيتها‭ ‬الذائع‭. ‬وهي‭ ‬االمسويّةب‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬استوائها‭ ‬واعتدالها‭ ‬وكمالها،‭ ‬وهي‭ ‬االمعفيّةب‭ ‬بصفتها‭ ‬مصونة‭ ‬في‭ ‬حرز‭ ‬حريز‭ ‬لا‭ ‬تمتدّ‭ ‬إليها‭ ‬يد‭ ‬المقترب‭ ‬ولو‭ ‬أراد‭ ‬ذلك‭ ‬وسعى‭ ‬إليه،‭ ‬وهي‭ ‬االعربيّةب‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬شريف‭ ‬أصلها‭ ‬وكريم‭ ‬محتدها‭ ‬وصافي‭ ‬بداوتها‭ ‬طهارة‭ ‬وعفّة،‭ ‬وهي‭ ‬المشكاية77‭ ‬التي‭ ‬يعزّ‭ ‬نيلها‭ ‬ويصعب‭ ‬إدراكها،‭ ‬فشأنها‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬السراب‭ ‬الذي‭ ‬يحسبه‭ ‬الظمآن‭ ‬ماء‭ ‬حتّى‭ ‬إذا‭ ‬جاءه‭ ‬لم‭ ‬يجده‭ ‬شيئا‭ ‬لصفاتها‭ ‬المتّسمة‭ ‬بالتغيّر‭ ‬المنعوتة‭ ‬بالحؤولة‭ ‬الدائمة‭ ‬والمحبّة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭.‬

ومجمل‭ ‬الصفات‭ ‬المذكورة‭ ‬قلّما‭ ‬تجتمع‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬واحد،‭ ‬وهي‭ ‬مماهية‭ ‬للكمال‭ ‬مقاربة‭ ‬للمثالية‭. ‬ولا‭ ‬يفوتنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬أن‭ ‬نقيس‭ ‬البون‭ ‬الشاسع‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الرؤيا‭ ‬للمرأة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وما‭ ‬لحق‭ ‬بعض‭ ‬الأشعار‭ ‬الشعبية‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬قبلُ‭ ‬من‭ ‬إغراق‭ ‬في‭ ‬الوصف‭ ‬الحسّي‭ ‬وإسراف‭ ‬في‭ ‬السطحية‭ ‬ومبالغة‭ ‬في‭ ‬الابتذال‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الإسفاف‭ ‬المعبّر‭ ‬عن‭ ‬الانحدار‭ ‬التامّ‭ ‬وعن‭ ‬سخافة‭ ‬العقل‭ ‬وبهيمية‭ ‬العاطفة‭ ‬وفساد‭ ‬الذوق‭ ‬وانحطاط‭ ‬النفس78‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬الردّ‭ ‬العملي‭ ‬والتصوّري‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬التي‭ ‬ازدُريت‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬القصائد‭ ‬الشعبية‭ ‬وابتُذل‭ ‬فيها‭ ‬الفنّ‭ ‬الوطني‭ ‬وما‭ ‬ينجرّ‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نيل‭ ‬لذاتيتنا‭ ‬الألقة‭ ‬وثقافتنا‭ ‬الناصعة‭ ‬وحضارتنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتطوّرة‭. ‬ولقد‭ ‬شعر‭ ‬التونسيون‭ ‬بأنّ‭ ‬هويّتهم‭ ‬الثقافية‭ ‬مهدّدة‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬كبير،‭ ‬وذلك‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مساعي‭ ‬السلطات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬إرادتها‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭. ‬والمعروف‭ ‬أنّ‭ ‬الفرنسيين‭ ‬‭- ‬خلافا‭ ‬لثقافة‭ ‬الانجلو‭ - ‬سكسون‭ ‬ونهجهم‭ ‬الذريعي‭ - ‬يعوّلون‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬التسرّب‭ ‬الثقافي‭ ‬وعلى‭ ‬تأثير‭ ‬الثقافة‭ ‬لإقناع‭ ‬البلدان‭ ‬المولّى‭ ‬عليها‭ ‬بأنّ‭ ‬منوال‭ ‬الفرنسيين‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬الأنموذج‭ ‬الحضاري‭ ‬الأرقى‭ ‬الذي‭ ‬يتعيّن‭ ‬اتّباعه‭ ‬وتبنّيه‭. ‬وممّا‭ ‬زاد‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬التونسية‭ ‬خشية‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬الجسم‭ ‬الثقافي‭ ‬الوطني‭ ‬ومناعته‭ ‬أنّ‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬الجاليات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المتعاظمة‭ ‬من‭ ‬الإيطاليين‭ ‬وحتّى‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬المحلّيين‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬قد‭ ‬انخرطوا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بإرادتهم‭ ‬أو‭ ‬بغير‭ ‬إرادتهم‭ ‬ودون‭ ‬وعي‭ ‬منهم‭. ‬وقد‭ ‬ضاق‭ ‬مثقّفو‭ ‬تونس‭ ‬ووطنيوها‭ ‬ذرعا‭ ‬بتلك‭ ‬الهوّة‭ ‬السحيقة‭ ‬التي‭ ‬تردّت‭ ‬فيها‭ ‬جوانب‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬التونسية‭ ‬خاصّة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مضامينها‭ ‬الهابطة‭ ‬وسجلّها‭ ‬اللغوي‭ ‬المسفّ‭ ‬وقيمتها‭ ‬المتدنّية‭ ‬في‭ ‬جملتها‭.‬

وممّا‭ ‬يسترعي‭ ‬الانتباه‭ ‬مظاهر‭ ‬الطباق‭ ‬اللفظي‭ ‬ومتمّمها‭ ‬وهو‭ ‬المقابلة‭ ‬المعنوية،‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭ ‬التي‭ ‬تقسم‭ ‬القصيدة‭ ‬شطرين‭ ‬عموديين‭ ‬متلازمين‭ ‬من‭ ‬مبتدئها‭ ‬إلى‭ ‬مختتمها‭. ‬يلمح‭ ‬اللامح‭ ‬طرفين‭ ‬متقابلين‭ ‬كارّ‭ ‬وفارّ‭ ‬لاحق‭ ‬وملحوق‭ ‬سالب‭ ‬ومسلوب‭ ‬كاتف‭ ‬ومكتوف‭ ‬غالب‭ ‬ومغلوب‭ ‬آسر‭ ‬وأسير‭ ‬صائد‭ ‬وطريد‭ ‬ظالم‭ ‬ومظلوم‭ ‬جاذب‭ ‬ومجذوب‭ ‬تابع‭ ‬ومتبوع‭ ‬مُعذِّب‭ ‬ومُعذَّب‭ ‬فاتن‭ ‬ومفتون‭ ‬مبادر‭ ‬بالأفعال‭ ‬ومُتلقّ‭ ‬لها‭ ‬قوّي‭ ‬وضعيف‭ ‬مُمزِّق‭ ‬ومُمزَّقٌ‭ ‬هاجر‭ ‬ومهجور‭ ‬شاو‭ ‬ومشويّ‭ ‬كاو‭ ‬ومكويّ‭ ‬قاتل‭ ‬ومقتول‭ ‬طاعن‭ ‬ومطعون‭ ‬قاهر‭ ‬ومقهور‭ ‬مبعث‭ ‬للأحداث‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومستقرّ‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭.  

ويتأكّد‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬الثنائي‭ ‬عندما‭ ‬يقبل‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬القصيدة‭ ‬تحليلا‭ ‬صوتيا‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬بنيتها‭ ‬في‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬اللغوية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يجد‭ ‬الباحث‭ ‬أنّ‭ ‬مجمل‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬المقاطع‭ ‬القصيرة‭ ‬فعدد‭ ‬الأولى‭ ‬267‭ ‬وعدد‭ ‬الثانية‭ ‬69،‭ ‬وبذلك‭ ‬تكون‭ ‬نسبة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الأولى‭ ‬ما‭ ‬مقداره‭ ‬26.5‭ % ‬مقابل‭ ‬63.5‭ %. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ -‬في‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ - ‬أنّ‭ ‬القصيدة‭ -‬في‭ ‬مجملها‭ ‬‭- ‬غنائية‭ ‬الطابع‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬العموم‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الدارس‭ ‬إذا‭ ‬التفت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بداخل‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬تصنيف‭ ‬ألفى‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬المنغلقة‭ ‬طاغية‭ ‬على‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬المنفتحة،‭ ‬فعدد‭ ‬الأولى‭ ‬150‭ ‬وعدد‭ ‬الثانية‭ ‬117‭ ‬أي‭ ‬بنسبة‭ ‬56‭ % ‬مقابل‭ ‬44‭ %. ‬ولمثل‭ ‬هذا‭ ‬الطغيان‭ - ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬نسبيا‭- ‬دلالته‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الثنائية‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬حظّ‭ ‬من‭ ‬الكفاف‭ ‬ونصيب‭ ‬من‭ ‬التعادلية،‭ ‬وبهذا‭ ‬يضحي‭ ‬للقصيدة‭ ‬عند‭ ‬تدبّر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مظاهرها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الثنائية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنّها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬وقفا‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬القول‭ ‬وصحّ‭ ‬التعبير،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬المنغلقة‭ ‬تفيد‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬العادة‭ ‬التماسك‭ ‬والصلابة‭ ‬والقوّة‭ ‬والعزم‭ ‬والجلاد‭ ‬والحزم‭ ‬ورباطة‭ ‬الجأش‭ ‬والحسم‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خفّة‭ ‬الروح‭ ‬ومراح‭ ‬الفارس‭ ‬وأرن‭ ‬الجواد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نقصي‭ ‬الخاصيّة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬تؤدّيها‭ ‬المقاطع‭ ‬الطويلة‭ ‬المنفتحة‭ ‬والتي‭ ‬تفيد‭ ‬بطء‭ ‬الحركة‭ ‬وتأوّدها‭ ‬وترنّحها‭ ‬وتثنّيها‭ ‬وميلانها‭ ‬وميسانها‭ ‬وتردّدها‭ ‬بما‭ ‬يناسب‭ ‬الطابع‭ ‬الغنائي‭ ‬وهو‭ ‬الطابع‭ ‬الثاني‭. ‬وعند‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬تبدأ‭ ‬معالم‭ ‬القصيدة‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬وتتّضح‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬ملامحها‭ ‬المخصوصة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الثنائية‭ ‬التالية‭: ‬نشيد‭ ‬الملحمة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ومغنى‭ ‬المأساة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬برزت‭ ‬خاصّية‭ ‬القصيدة‭ ‬هذه‭ ‬حتّى‭ ‬قبل‭ ‬تناول‭ ‬السجلّ‭ ‬المعجمي‭ ‬الزاخر‭ ‬في‭ ‬واديه‭ ‬الأوّل‭ ‬بأدوات‭ ‬الحرب‭ ‬ومعدّاتها‭ ‬وآلاتها‭ ‬ومتعلّقاتها‭ ‬وأسلحتها‭ ‬التقليدية‭ ‬منها‭ ‬والعصرية‭ ‬ومنها‭ ‬النبل‭ ‬والحربات‭ ‬والرمح‭ ‬والقرابيل‭ ‬أو‭ ‬الغدّارات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأعمال‭ ‬الحربية‭ ‬كركوب‭ ‬الجواد‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬مضمرا79‭ ‬أو‭ ‬مصرّحا‭ ‬به80‭ ‬أو‭ ‬بتوجيه‭ ‬السهام‭ ‬وتسديد‭ ‬الضربات‭ ‬والتدبير‭ ‬الماكر‭ ‬لحيل‭ ‬المبارزة‭ ‬بما‭ ‬يصيب‭ ‬الأهداف‭ ‬إصابات‭ ‬مكينة‭ ‬نافذة‭ ‬قويّة‭ ‬عنيفة‭ ‬تخترق‭ ‬االجواجيءب‭ ‬وتمزّق‭ ‬الأحشاء‭ ‬وتشوي‭ ‬الأكباد‭ ‬وتكوي‭ ‬الأبدان‭ ‬وتُجري‭ ‬الدموع‭.‬

واللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬هو‭ ‬الطاقة‭ ‬التحويلية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تؤدّيها‭ ‬صيغ‭ ‬التعدية‭ ‬و‭ ‬الجعلية‭ ‬وأفعال‭ ‬التحويل81‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬الطرف‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الفاعل‭ ‬قوّة‭ ‬قاهرة‭ ‬مطلقة‭ ‬النفوذ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يلتزم‭ ‬بقانون‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬وضعه‭ ‬هو‭ ‬دون‭ ‬غيره‭ ‬تحريما‭ ‬وتحليلا‭.‬

ويجد‭ ‬المرء‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬الملحمية‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬المأسوية‭ ‬فيها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآلام‭ ‬والمحن‭ ‬وأشكال‭ ‬الشقاء‭ ‬والعذاب‭ ‬المتواصل‭ ‬المتصاعد‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬تحريق‭ ‬وكيّ‭ ‬وتمزيق‭ ‬وشيّ‭. ‬نجد‭ ‬لكل‭ ‬ذلك‭ ‬صدى‭ ‬أليفا‭ ‬في‭ ‬خلجات‭ ‬العواطف‭ ‬وخفقات‭ ‬الوجدان،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأسلوب‭ ‬الإنشائي‭ ‬القائم‭ ‬بالوظيفة‭ ‬التأثيرية‭ ‬التي‭ ‬ينهض‭ ‬بها‭ ‬النداء82‭ ‬والدعاء83‭ ‬والتمنّي84‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬تتواصل‭ ‬الثنائية‭ ‬الهيكلية‭: ‬ثنائية‭ ‬الملحمة‭ ‬والمأساة‭ ‬لتخترق‭ ‬القصيدة‭ ‬عموديا‭ ‬من‭ ‬مبتدئها‭ ‬إلى‭ ‬منتهاها،‭ ‬هذا‭ ‬المنتهى‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬مفتوحا‭ ‬على‭ ‬احتمالين‭ ‬أحدهما‭ ‬موجود‭ ‬هو‭ ‬اليأس‭ ‬وبرده‭ ‬وثانيهما‭ ‬منشود‭ ‬هو‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يعطف‭ ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬المحبّ‭ ‬ويرفق‭ ‬به‭ ‬ويرقّ‭ ‬له‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المتمنّى‭.‬

ومثلما‭ ‬استهلّت‭ ‬القصيدة‭ ‬بفضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬ومساحة‭ ‬حرّة‭ ‬وإطار‭ ‬رحب‭ ‬أوحاه‭ ‬المقام‭ ‬العامّ‭ ‬تُختتم‭ ‬القصيدة‭ ‬بانفتاح‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الاحتمالات‭ ‬الملحمية‭ ‬أو‭ ‬المأسوية‭ ‬أو‭ ‬كليهما‭ ‬معا‭.‬

وكأنّ‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الرحب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يوائم‭ ‬وظيفة‭ ‬الشعر‭ ‬الجوهرية‭ ‬المتمثّلة‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقيود‭ ‬وقلّة‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬الحدود‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يحيط‭ ‬الشاعر‭ ‬بالأمر‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الإيحاء‭ ‬فلا‭ ‬يتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يصف‭ ‬أثرها‭ ‬الصاعق‭ ‬ولا‭ ‬يدري‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬أهو‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬صاحب‭ ‬المأساة‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الإنساني‭ ‬بأجمعه‭ ‬حتّى‭ ‬لكأنّنا‭ ‬عند‭ ‬سماع‭ ‬نداء‭ ‬الاستصراخ‭ ‬ودعاء‭ ‬الاستغاثة‭ ‬نرى‭ ‬رأي‭ ‬العين‭ ‬الأعناق‭ ‬مشرئبة‭ ‬والجوارح‭ ‬متحفّزة‭ ‬والأيدي‭ ‬ممدودة‭ ‬والأكفّ‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬ترقّب‭ ‬وانتظار‭ ‬وخشية‭ ‬آملة‭ ‬لإرادة‭ ‬صاحب‭ ‬الشأن،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬وظيفته‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬الشاعر‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬بل‭ ‬يوحي‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬ويحلم‭ ‬النفس85‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬بعض‭ ‬النقّاد86‭ ‬المتمرّسين‭ ‬بقضايا‭ ‬الشعر‭.‬

وفي‭ ‬ما‭ ‬يتّصل‭ ‬بالقصيدة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حبكتها‭ ‬الفنّية‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّها‭ ‬تعمّ‭ ‬المتن‭ ‬بأكمله‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬بنيتها‭ ‬الهيكلية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬كذلك‭ ‬إنّها‭ ‬قائمة‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬التكثيف،‭  ‬هذا‭ ‬التكثيف‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬المفردات87‭ ‬ويؤول‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬معنوي‭. ‬ولا‭ ‬يتوقّف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬ذينك‭ ‬الحدّين‭ ‬بل‭ ‬يتجاوزهما‭ ‬إلى‭ ‬التكثيف‭ ‬المجازي88‭ ‬ثمّ‭ ‬إلى‭ ‬التكثيف‭ ‬الإيقاعي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القوافي‭ ‬الداخلية89‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬بالترصيع‭. ‬وهذا‭ ‬التكثيف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مستوى90‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬القصيدة‭ ‬نصيبا‭ ‬من‭ ‬التماسك‭ ‬وحظّا‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬لحمتها‭ ‬مبرمة‭ ‬ونسيجها‭ ‬محكما‭ ‬كأحسن‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الإحكام‭ ‬ويخرجها‭ ‬في‭ ‬أجمل‭ ‬الصور‭ ‬الفنّية‭.‬

وتروي‭ ‬الملزومة‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬العادة‭ ‬قصّة‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬الحال‭. ‬

وإذا‭ ‬تسنّم‭ ‬الباحث‭ ‬شرفا‭ ‬من‭ ‬أشراف‭ ‬الأدب‭ ‬ليلقي‭ ‬نظرة‭ ‬إجمالية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬مقارنة‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬الشعبية‭ ‬بالقصائد‭ ‬الماثلة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬سواء‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬أُنشد‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬غُنّي‭ ‬ألفى‭ ‬لها‭ ‬وشائج‭ ‬جامعة‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تميّز‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬والأخرى‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأسلوب‭ ‬الفنّي‭.‬

أمّا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأولى‭ ‬فلا‭ ‬فرق‭ ‬يذكر‭ ‬بين‭ ‬قصيدة‭ ‬الحال‭ ‬وأبيات‭ ‬أبي‭ ‬الهيجاء‭ ‬جوهر‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬العدني91‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ [‬الطويل‭]:‬

إذا‭ ‬جيّش‭ ‬الأحباب‭ ‬جيشا‭ ‬من‭ ‬الجفا‭ ‬

بنينا‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬الجميل‭ ‬حصونا‭ ‬

وإن‭ ‬ركبـــوا‭ ‬خيل‭ ‬الصـدود‭ ‬مغيرة‭ ‬

أقمنا‭ ‬عليها‭ ‬للوصال‭ ‬كمينــا‭ ‬

وإن‭ ‬جرّدوا‭ ‬أسيــافهم‭ ‬لقتالنــا‭ ‬

لقيناهمُ‭ ‬بالذلّ‭ ‬مذعنينـــــــا‭ ‬

وإن‭ ‬لم‭ ‬يروا‭ ‬في‭ ‬ودّنا‭ ‬ووصالنـا‭ ‬

صبرنا‭ ‬على‭ ‬أحكامهمُ‭ ‬ورضينـظا‭  

والحقّ‭ ‬أنّ‭ ‬قصيدة‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬تبدو‭ ‬أقلّ‭ ‬بحثا‭ ‬وصنعة‭ ‬وأقوى‭ ‬جزالة‭ ‬وأكثر‭ ‬حيويّة‭ ‬وحرارة‭ ‬وأشدّ‭ ‬توهّجا‭.‬

وأمّا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الثانية‭ ‬فمثلما‭ ‬يعرض‭ ‬الأعشى‭ ‬ميمون92‭ ‬عن‭ ‬المشبّه‭ (‬وهو‭ ‬الممدوح‭) ‬ويقبل‭ ‬على‭ ‬المشبّه‭ ‬به‭ (‬وهو‭ ‬نهر‭ ‬الفرات‭) ‬يستدبر‭ ‬شاعرنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬ونخوتها‭ ‬ويستقبل‭ ‬الفارس‭ ‬المحارب‭ ‬ليختصّه‭ ‬بستّة‭ ‬غصون‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقابل‭ ‬ستّة‭ ‬مصاريع‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبيات‭) ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التوسّع‭ ‬الغنائي‭ ‬والاستطراد‭ ‬الهادف‭ ‬إلى‭ ‬توفية‭ ‬الحبيبة‭ ‬نصيبها‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ ‬والفتك‭ ‬وحظّها‭ ‬في‭ ‬الحوك‭ ‬والتأثير‭ ‬الراجعين‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬الفروسية‭ ‬ومقوّماتها‭ ‬مع‭ ‬الفرق‭ ‬الماثل‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬المبارز‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الجيش‭ ‬المجيّش‭.‬

يقول‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭:‬

قرابيل‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬مدلّل

ولد‭ ‬رمح‭  ‬قلبه‭ ‬ع‭ ‬العدّو‭ ‬متغلّل‭ ‬

راكب‭  ‬مخلخل‭  ‬كيف‭ ‬بيه‭ ‬تزلزل

حرّم‭ ‬وحلّل‭ ‬لا‭ ‬عطف‭ ‬ع‭ ‬الحيّه‭ ‬

نوّض‭  ‬قتل‭ ‬الأوّل‭ ‬الثاني‭ ‬كمّل‭ ‬

خلّى‭ ‬جنايز‭ ‬ع‭ ‬الوطى‭  ‬مرميّة‭ ‬

وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المجاز‭ ‬ربّما‭ ‬كان‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الاستعارة‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬العامّ‭ ‬على‭ ‬الأقلّ،‭ ‬إنّها‭ ‬الاستعارة‭ ‬الترشيحية‭ ‬أو‭ ‬الاستعارة‭ ‬المرشّحة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬شأنا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬استقلّها‭ ‬الأعشى‭  ‬ميمون‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬شكلا‭ ‬تعبيريا‭ ‬طريفا‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬وهو‭ ‬يمدح‭ ‬هوذة‭ ‬بن‭ ‬عليّ‭  ‬الحنفي‭ [ ‬المتقارب‭]:‬

فأنت‭ ‬الجواد‭ ‬و‭ ‬أنت‭ ‬الّذي‭ ‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬القلوب‭ ‬ملأن‭ ‬الصدورا

جدير‭ ‬بطعنة‭ ‬يوم‭ ‬اللقاء

يضرب‭ ‬منها‭ ‬النسا‭ ‬النحورا‭ ‬

و‭ ‬ما‭ ‬مزبد‭ ‬من‭ ‬خليج‭ ‬البحار‭ ‬

  ‬يعلو‭ ‬الإكام‭ ‬و‭ ‬يعلو‭ ‬الجسورا

بأجود‭ ‬منه‭ ‬بما‭ ‬عنده‭ ‬

فيعطي‭ ‬الألوف‭ ‬و‭ ‬يعطي‭ ‬البدورا‭ ‬93

أو‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬توسّع‭ ‬أوسع‭ ‬وهو‭ ‬يمدح‭ ‬قيس‭ ‬بن‭ ‬معد‭ ‬يكرب‭ [ ‬المتقارب‭]:‬

 

أخو‭ ‬الحربِ‭ ‬لا‭ ‬ضرعٌ‭ ‬واهنٌ

ولمْ‭ ‬ينتعلْ‭ ‬بقبالٍ‭ ‬خذمْ

وما‭ ‬مزبدٌ‭ ‬منْ‭ ‬خليجِ‭ ‬الفرا

تِ‭ ‬جونٌ‭ ‬غواربهُ،‭ ‬تلتطمْ

يكبّ‭ ‬الخليّة‭ ‬َ‭ ‬ذاتَ‭ ‬القـلا

عِ‭ ‬قد‭ ‬كادَ‭ ‬جؤجؤها‭ ‬ينحطمْ

تكأكأ‭ ‬ملاّحها‭ ‬وسطها

منَ‭ ‬الخوفِ‭ ‬كوثلها‭ ‬يلتزمْ

بِأجْوَدَ‭ ‬مِنْهُ‭ ‬بِمَا‭ ‬عِنْدَهُ

إذا‭ ‬ما‭ ‬سماؤهمْ‭ ‬لمْ‭ ‬تغمْ‭ ‬94

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬الترشيحيّة‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنّها‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬سجلّها‭ ‬المجازي‭ ‬وفي‭ ‬وظيفتها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬رياضة‭ ‬أسلوبية‭ ‬أو‭ ‬ترفا‭ ‬بلاغيا‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬طابع‭ ‬الاستعراض‭ ‬والتعالم‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬تعبير‭ ‬مخصوص‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تجسيم‭ ‬قاعدة‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬المميّزة‭ ‬لجنس‭ ‬الملحمة‭. ‬إنّها‭ ‬قاعدة‭ ‬تكبير‭ ‬البطل‭ ‬وتضخيم‭ ‬أعماله‭ ‬وتفخيم‭ ‬آثاره‭ ‬مدى‭ ‬وبقاء،‭ ‬فقد‭ ‬خصّ‭ ‬الشاعر‭ ‬بطل‭ ‬القصيدة‭ ‬الفذّ‭ ‬بستّة‭ ‬أغصان‭ ‬كاملة‭ ‬غير‭ ‬منقوصة‭ ‬ليضفي‭ ‬عليه‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬الكمال‭ ‬والجلال‭.‬

ومثل‭ ‬تلك‭ ‬المضامين‭ ‬والمعاني‭ ‬وما‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬صيغ‭ ‬بلاغية‭ ‬ومن‭ ‬أشكال‭ ‬تعبيرية‭ ‬وأساليب‭ ‬فنّية‭ ‬تؤدّي‭  ‬نداء‭ ‬المستصرخ‭ ‬البائس‭ ‬ودعاء‭ ‬الداعي‭ ‬الملهوف‭ ‬وكأنّنا‭ ‬نرى‭ ‬المستصرخ‭ ‬الملهوف‭ ‬جسما‭ ‬مجسّما‭ ‬ترتجف‭ ‬أطرافه‭ ‬وتهتز‭ ‬جوارحه‭ ‬وترتعش‭ ‬فرائصه‭ ‬وترتعد‭ ‬أوصاله‭ ‬رافعا‭ ‬كفّيه‭ ‬تضرّعا‭ ‬وخضوعا‭ ‬وكأنّنا‭ ‬نستبطن‭ ‬دقائق‭ ‬نفسه‭ ‬الحرّى‭ ‬ومهجته‭ ‬المكلومة‭ ‬وقد‭ ‬مُزّق‭ ‬كلّ‭ ‬ممزّق‭ ‬وذهبت‭ ‬نفسه‭ ‬حسرات‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬ومآله‭. ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬خضع‭ ‬المحبّ‭ ‬للأمر‭ ‬الواقع‭ ‬واستكان‭ ‬لإرادة‭ ‬القوّة‭ ‬المسيطرة‭ ‬فإنّ‭ ‬نفس‭ ‬المحبّ‭ ‬تستكين‭ ‬في‭ ‬لذّة‭ ‬أليمة‭ ‬إن‭ ‬شئنا‭ ‬أو‭ ‬ألم‭ ‬لذيذ‭ ‬إن‭ ‬أردنا‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬القرار‭. ‬ليرّق‭ ‬الحبيب‭ ‬لحال‭ ‬المحبّ‭ ‬ويرأف‭ ‬به‭ ‬ويشفق‭ ‬عليه‭.‬

ويكاد‭ ‬المستمع‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬المواطن‭ ‬يلمس‭ ‬في‭ ‬عبارات‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬نغمات‭ ‬انتفاضة‭ ‬الاستفهام‭ ‬الإنكاري‭ ‬وصولة‭ ‬النفي‭ ‬القاطع‭ ‬وتبكيت‭ ‬الاستحالة‭ ‬الجازمة‭.‬

ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬اجتهاد‭ ‬الواصف‭ ‬لعمل‭ ‬الشاعر‭ ‬فإنّه‭ ‬يبقى‭ ‬قاصرا‭ ‬لا‭ ‬يفي‭ ‬بالحاجة‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنّ‭ ‬الوصف‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬الموصوف‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬السماع‭ ‬والإحساس‭ ‬اللذين‭ ‬يعجز‭ ‬عنهما‭ ‬الكلام‭ ‬ويقف‭ ‬دونهما‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬ينتقل‭ ‬المتقبّل‭ ‬وهو‭ ‬يتابع‭ ‬مراحل‭ ‬الملزومة‭ ‬اعيون‭ ‬سود‭ ‬مكحولينب‭ ‬من‭ ‬ملحمة‭ ‬الحبّ‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬القصيدة‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬آخر‭ ‬أوسع‭ ‬أرجاء‭ ‬وأرحب‭ ‬أفقا،‭ ‬إنّه‭ ‬ملحمة‭ ‬الفنّ‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬الشاعر‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬في‭ ‬استجابة‭ ‬أليفة‭ ‬حميمة‭ ‬لمشروع‭ ‬فنّي‭ ‬ورؤيا‭ ‬ثقافية‭ ‬نهضت‭ ‬بهما‭ ‬مدرسة‭ ‬الشعر‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬ردّ‭ ‬نظري‭ ‬وإجرائي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تهدّد‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬التغريب‭ ‬والتهجين‭ ‬وهكذا‭ ‬وفّق‭ ‬الشاعر‭ ‬محمّد‭ ‬المرزوقي‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬ذاتية‭ ‬وطنه‭ ‬وثقافته‭ ‬وهويّته‭ ‬الحضارية‭ ‬كما‭ ‬أفلح‭ ‬في‭ ‬السموّ‭ ‬بشعره‭ ‬إلى‭ ‬مراتب‭ ‬الإبداع‭ ‬الفنّي‭ ‬الأصيل‭ ‬ذي‭ ‬القيمة‭ ‬الخالدة‭.‬