اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

دراسة حول مؤرخ العصر وموضوعات حول توثيق التراث الشعبي العربي
نعرض في هذا العدد لبعض الدراسات العربية المتنوعة والتي صدرت بكل من الإمارات والسعودية والكويت ومصر والجزائر، تناولت موضو...

الزخرفة في الزرابي التونسية على المستوى الشكلي
تُعتبر صناعة الزربية ذات النسيج المحفوف أو الزربية ذات الوبْر القائم من أهمّ الفنون التطبيقية فهي عمل يدوي ناتج عن خيوط ...

الشاعر محمّد المرزوقي وقصيدته الشعبية
موضوع هذا الدرس هو قصيدة من القصائد الشعبية المفردة التي أنشأها الشاعر التونسي محمّد المرزوقي ولعلّه من المفيد- قبل طرق ...
44
Issue 44
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الرقص مسردُ الجسد
العدد 44 - لوحة الغلاف

 

قبل‭ ‬أعوام‭ ‬قلائل،‭ ‬صدر‭ ‬كتاب‭ ‬للباحثة‭ ‬البريطانية‭ (‬أنجيلا‭ ‬سايني‭) ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬اأمة‭ ‬من‭ ‬العباقرةب،‭ ‬تصف‭ ‬فيه‭ ‬الأمة‭ ‬الهندية،‭ ‬التي‭ ‬أضحت‭ ‬علومها‭ ‬تفرض‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬العالم‭. ‬وبالتصرف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العنوان،‭ ‬يمكنُ‭ ‬أن‭ ‬نقول،‭ ‬بأن‭ ‬الهند‭ ‬اتاريخ‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬العبقريةب‭ ‬ذلك‭ ‬لأنها‭ ‬واحدةٌ‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الحضارات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كونها‭ ‬محور‭ ‬من‭ ‬محاور‭ ‬االعصر‭ ‬المحوريب،‭ ‬كما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ (‬كارل‭ ‬ياسبرس‭).‬

وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العصر‭ ‬المحوري،‭ ‬الذي‭ ‬نوردُ‭ ‬ذكرهُ‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬جذرية‭ ‬وأهمية‭ ‬الثقافة‭ ‬الهندية،‭ ‬فإن‭ ‬الهند‭ ‬وعلى‭ ‬مر‭ ‬العصور،‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬العالم‭ ‬بمختلف‭ ‬تفاصيل‭ ‬ثقافتها‭ ‬الروحية،‭ ‬والفكرية،‭ ‬والفنية،‭ ‬وحتى‭ ‬الذوقية،‭ ‬بيد‭ ‬أناّ‭ ‬بصدد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬العظيمة،‭ ‬وركن‭ ‬من‭ ‬أركانها‭ ‬الرئيسة،‭ ‬وهو‭ ‬الفن‭ ‬الموسيقي‭ ‬والأداء‭ ‬الحركي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الرقص،‭ ‬موضوع‭ ‬الغلاف‭ ‬الخلفي‭ ‬لهذا‭ ‬العدد‭.‬

فككل‭ ‬الجزئيات‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬الشعوب،‭ ‬لا‭ ‬تختلفُ‭ ‬الموسيقى‭ ‬وفنون‭ ‬الرقص،‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬ذات‭ ‬اتصالات‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬شعائرية،‭ ‬ففي‭ ‬الحالة‭ ‬الهندية،‭ ‬يؤكدُ‭ ‬المؤرخ‭ (‬آرثر‭ ‬بشام‭) ‬صاحبُ‭ ‬اأعجوبة‭ ‬الهندب،‭ ‬أن‭ ‬الآثار‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬القديمة‭ ‬اكلها‭ ‬تقريباً‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أقيمت‭ ‬لغايات‭ ‬دينيةب،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬لهُ‭ (‬ويل‭ ‬ديورانت‭) ‬في‭ ‬موسوعته‭ ‬اقصة‭ ‬الحضارةب،‭ ‬باعتبار‭ ‬الموسيقى‭ ‬الهندية،‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالترانيم‭ (‬الفيدية‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬لتُنشد،‭ ‬كما‭ ‬يقول،‭ ‬مبيناً‭ ‬الم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الطقوس‭ ‬القديمة‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬الشعر‭ ‬والغناء،‭ ‬والموسيقى‭ ‬والرقصب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬الرقص‭ ‬خلال‭ ‬الشطر‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الهندي،‭ ‬مثل‭ ‬الوناً‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬العبادةب،‭ ‬فكان‭ ‬بمثابة‭ ‬محاكاة‭ ‬للكون،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬إلهاً‭ ‬كـ‭ (‬شيفا‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬واحدٌ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الآلهة‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬الديانة‭ ‬الهندوسية،‭ ‬ويعني‭ ‬اسمهُ‭ (‬المُغني‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬إلهُ‭ ‬رقص،‭ ‬ورقصتهُ‭ ‬اترمزُ‭ ‬لحركة‭ ‬العالم‭ ‬نفسهاب،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ (‬ديورانت‭).‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬التآويل‭ ‬الجذرية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬استفهام‭ ‬مصادر‭ ‬الأشياء‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب،‭ ‬يتبينُ‭ ‬إن‭ ‬منبع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الفنون‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذوق‭ ‬والحس‭ ‬الجمالي‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الهندية،‭ ‬إنساني‭ ‬كما‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬الأسطورة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬توسلوا‭ ‬كبير‭ ‬الآلهة،‭ ‬الإله‭ (‬براهما‭)‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فرغ‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬العالم،‭ ‬ليوفر‭ ‬لهم‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬التسلية،‭ ‬فأفضى‭ ‬الإله‭ ‬بكل‭ ‬أسرار‭ ‬الفنون‭ ‬إلى‭ ‬حكيمٍ‭ ‬يدعى‭ (‬بهاراتا‭)‬،‭ ‬وبدوره‭ ‬نقلها‭ ‬هذا‭ ‬الحكيم‭ ‬إلى‭ ‬البشر،‭ ‬عبر‭ ‬كتابه‭ (‬ناتيا‭ ‬شاسترا‭) ‬المخصص‭ ‬لوصف‭ ‬فنون‭ ‬الأداء،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الفنون‭ ‬فن‭ ‬الرقص،‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬الراقصون‭ ‬الهنود‭ ‬يرقصونها‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬هذا‭ ‬الحكيم،‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ (‬بشام‭).‬

ويتخذُ‭ ‬الرقص‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الهندي‭ ‬فلسفتهُ‭ ‬الخاصة،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬حركة‭ ‬جسمانية‭ ‬منسقة‭ ‬وحسب،‭ ‬اكل‭ ‬حركة‭ ‬للإصبع‭ ‬الصغيرة‭ ‬أو‭ ‬الحاجب‭ ‬ذات‭ ‬دلالة،‭ ‬ويجب‭ ‬التحكم‭ ‬بها‭ ‬تحكماً‭ ‬كاملاًب،‭ ‬كما‭ ‬يبين‭ (‬بشام‭)‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬اتصنف‭ ‬الوضعيات‭ ‬والإيماءات‭ ‬بالتفاصيل،‭ (‬ذكر‭ ‬بهاراتا‭ ‬وحده‭) ‬13‭ ‬وضعية‭ ‬للرأس،‭ ‬و36‭ ‬وضعية‭ ‬للعيون،‭ ‬و9‭ ‬للرقبة،‭ ‬و37‭ ‬لليد،‭ ‬و10‭ ‬للجسدب،‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬للنصوص‭ ‬اللاحقة‭ ‬التي‭ ‬اضافت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الوضعيات‭ ‬والإيماءات‭ ‬التي‭ ‬تمثلُ‭ ‬اكل‭ ‬واحدةٍ‭ ‬منها‭ ‬عاطفة‭ ‬أو‭ ‬شيئاً‭ ‬محدداًب،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ (‬بشام‭)‬،‭ ‬وبذلك‭ ‬فضمن‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ايمكن‭ ‬للراقص‭ ‬أن‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬كاملة‭ ‬سهلة‭ ‬الفهم‭ ‬على‭ ‬المشاهد‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬التقاليدب،‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الجسد‭ ‬وإيماءاته‭ ‬التي‭ ‬تمثلُ‭ ‬لغةً‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭.‬

إذاً‭ ‬فالرقص‭ ‬الهندي‭ ‬يقوم‭ ‬بذاته‭ ‬مقام‭ ‬اللغة‭ ‬الرمزية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬خبايا‭ ‬الذات،‭ ‬وتستخرج‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬مكنوناتها‭ ‬من‭ ‬عواطف‭ ‬وأحاسيس،‭ ‬فالجسد‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مسرد‭ ‬ينطقُ‭ ‬بالترانيم‭ ‬والصلوات،‭ ‬ويحكي‭ ‬الأساطير‭ ‬والحكايات‭.‬

 

سيد‭ ‬أحمد‭ ‬رضا