اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

أرواح التوائم معتقد شعبى فى صعيد مصر
يقدم المعتقد الشعبي شبكة من المفاهيم والممارسات للتعامل مع الواقع المتاح والمجهول في محاولة إما لفهمهما أو للسيطرة عليهم...

حديث في أدب الأسطورة
توظيف الخيال والأسطورة في عقل الطفل العربي:لا نكاد نعدو الحقيقة حين نحسب العقل البشري أعقد ألغاز الكون، فالعقل هـو الإنس...

إيقاظ القطن من السبات
يرتبط اسم (الندّاف) في الذاكرة الشعبية بذاك الحرفي الماهر الصبور، الذي كان يلبي نداء الفرح والدفء وتجدد الحياة.تطلبهُ ال...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
من التراث الإسلامي دلالات الزخارف والنقوش في السجاد اليدوي المعقود
العدد 42 - ثقافة مادية

أ. هايل القنطار – كاتب من سوريا

 

استُعمِل السجاد اليدوي المعقود؛ منذ آلاف السنين لغايات حياتية متنوعة، فقد استعمله البدو والقرويون على حد سواء أثاثا لفرش خيامهم، ولتزيين خيولهم، وأوعية لحبوبهم وأغذيتهم، وللتدثر به أحيانا. كما حرص الملوك والأباطرة على اقتنائه لتزيين قصورهم. ورغم أن صناعة السجاد من الصناعات القديمة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ؛ حيث من المرجح أنها تعود إلى 500 سنة قبل الميلاد، كما يفهم من تاريخ صنع أقدم سجادة (البازريك) عثر عليها في منطقة تركستان الغربية (جبال التاي)، والمحفوظة حاليا في متحف الأرميتاج في مدينة سانت بطرسبرغ. إلا أن هذه الصناعة لم تعرف الشهرة إلا في القرن الحادي عشر الميلادي؛ مع استيلاء السلاجقة على إيران والزحف غربا باتجاه أسيا الصغرى (1037م)(1). لكنها ازدهرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر إبان الحكم الصفَوي لإيران بخاصة زمن الشاه عباس الكبير (1587-1629م) ثم تراجعت إبان الاحتلال الأفغاني لإيران (1722) وعادت إلى الازدهار ثانية في القرن التاسع عشر. وفي الأناضول (تركيا) ازدهرت هذه الصناعة بدءا من القرن الثالث عشر، كما يظهر من السجاد الذي وجد في جامع علاء الدين في قونية. والذي أعتبر من أفخر أنواع السجاد في العالم. وظهر في كثير من اللوحات الفنية الايطالية والألمانية المرسومة في القرن الثالث عشر لغاية الخامس عشر(2). ولا زال سجاد الهَركِة التركي يعتبر إلى يومنا هذا أفخر سجاد حريري. أما في بلاد الشام ومصر فقد عَرفت الفترة المملوكية ازدهارا كبيرا لهذه الصناعة ولا زالت بعض السجاجيد الدمشقية من العصر المملوكي تزين صالات المتاحف العالمية إلى يومنا هذا! وعَرفت مناطق القوقاز هذه الصناعة منذ زمن طويل من داغستان شمالا إلى قَره باغ جنوبا، وكان السجاد الأرميني أشهرها.
السجاد اليدوي المعقود صنعة وفن
يصنع السجاد اليدوي على أنوال عاموديه، منها الثابت ومنها الدوار من قبل عمال مهرة. ويستعمل البدو الرحل أنوالا أفقية سهلة الفك والتركيب وكلا النموذجين يتبعان نفس الطريقة لصناعة السجاجيد التي تمر بخمسة مراحل هي: حساب التصميم- التسدية- المعاكسة- التنْيير- الحياكة: وهي عبارة عن عقد(ربط) خيوط الصوف على خيوط القطن (السِدى) عقدة؛ عقدة(3) والعقد نوعان فارسية وتركية وتعرف الأولى بالعقدة المفردة "سْنيح" تلتف على خيط واحد من السِدى بشكل لولبي وتدور حول الثاني . أما الثانية فتعرف بالعقدة المزدوجة "جيوردس" تلتف بشكل حلزوني على كل من خيطي السدى المتجاورين الصورة رقم(1) وهذه العقد صوفية كانت أم حريرية هي التي تشكل وجه السجادة المخملي! والسجادة المتقنة في شغلها وزخارفها وألوانها هي قطعة فنية أشبه بلوحات الفنانين. بل تزيد عنها أنها تحمل أفكارا ومعتقدات لشعوب قديمة تدل عليها تلك الرموز التي تمزج بين التراث والحضارة والمعتقدات وأساليب العيش ولهذا يقال: السجادة قيمتها في فكرتِها!! وأشهر البلدان المصنعة للسجاد هي: إيران، تركيا، باكستان، أفغانستان، جمهوريات القوقاز، الهند، الصين..... ومن الدول العربية، مصر، المغرب، تونس، سوريا .
أهمية الزخارف والنقوش في الحضارة الإسلامية
اعتَبر الكثير من الباحثين الذين اهتموا بالسجاد اليدوي، أن هذا السجاد هو تراث إسلامي بامتياز، حيث غالبية الدول التي تنتجه هي دول إسلامية أو إن قسما من مواطنيها يعتنقون الدين الإسلامي؛ ورغم أنه وجد قبل الإسلام بقرون، إلا أن ازدهاره والرعاية التي حظي بها منذ القرن الثالث عشر الميلادي إنما تمت بفضل الحضارة الإسلامية؛ والحضور الفني الواسع للزخرفة الإسلامية! التي طغت على رسوم السجاد بدءا من ذاك القرن. تلك الزخرفة التي ترسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود !!(4) .صحيح أن السجاد اليدوي تنتجه شعوب ذات ديانات مختلفة لكنه من الناحية الفنية متحد ويرتبط بالنموذج المثالي للعالم الإسلامي، هذا العالم الذي أنتج للبشرية أكبر تراث للسجاد المعقود. وبعض الفضل يعود إلى الفنان المسلم الذي أثبت قدرته على التعبير عن الجَمال، من خلال انتقاء اللون والزخرف المناسبين. مراعيا التحريم الذي فرضه الإسلام على تصوير الأشخاص؛ بل وعلى كل ذي روح. إلا أن الجغرافيا ظلت حاضرة في أعمال الفنانين فقد تأثر الفن الهندي بالنموذج الإيراني، بينما تأثر العثمانيون في القرنين التاسع والعاشر الهجريين بالأسلوب البيزنطي في النقش. وهذا يعني أن الزخارف الإسلامية لم تستبعد كلية الزخارف السابقة لعصر الإسلام؛ فأبقى الفنانون الإيرانيون "على سبيل المثال" على القصص والحكايا المستقاة من كتب الأقدمين وأبقى الكثير غيرهم في رسوماتهم على الرموز التي تصور معتقدات وطقوس شعوبهم.. وكانت الأفضلية الأولى عند الفنان المسلم هي للزخرف الذي يلقى تفضيلا في العالمين الإسلامي واليوناني حيث المذهب الأرثوذكسي الذي يتفق والدين الإسلامي في منعه تصوير الأشخاص! ويمكننا تحديد نموذجين من الزخارف في السجاد الشرقي: الزخارف الطبيعية، والزخارف الهندسية.
النموذج الأول (الزخارف الطبيعية):
يكثر فيه الورد والأقحوان وورق العليق وشجيرات النخيل ، تتماوج جميعها بشكل متناسق وأنيق، وقد تجتمع مع مجموعة من الأوسمة والحيوانات والطيور بصور مختلفة لتشكل منظر السجادة (2). وفي السجاد الإيراني تضاف إليها أحيانا صور لخيالة، وهي تصارع حيوانات متوحشة يفسرها البعض أنها صراع بين الخير والشر، وهي أساليب صناعة كانت سائدة قبل الإسلام. وفي السجاد الهندي قد نشاهد صورا لأشجار أغصانها منتهية برؤوس لحيوانات خرافية . وجميع هذه الكائنات الخرافية المستقاة من عقائد وديانات سابقة قد لا يكون لمعظمها أي معنى سوى الزخرف(5). وتمثل زخارف السجاد القوقازي معاناة شعوب المنطقة من الصراع مع الطامعين في مناطقهم، أما السجاد التركي فتقل فيه هذه الصور الخيالية وتكثر الصور ذات الطابع الإسلامي كالمحراب وصور الكعبة المشرفة. وتفاحة اليد والمشط، حيث تشير الأولى إلى السجود والثانية إلى النظافة. وهذا حال سجاد الصلاة عامة. صورة رقم(3)
النموذج الثاني هو الزخرف الهندسي:
وفيه نجد رسوما لأشكال هندسية كالمعين؛ وشبه المنحرف؛ والدائرة ؛والمربع ؛ والنجوم بأنواعها وإشكالا أخرى كالملاقط والصلبان ومعها نجد زخارف نباتية كما نجد الخطوط المستقيمة والمنحنية. صورة رقم(4) يضاف إليها ولو بشكل أقل ، الأشكال المسماة (أرابيسك). وقد ازدهر هذا الفن أثناء حكم المماليك لكل من سوريا ومصر(6).

دلالات الزخارف والنقوش الأكثر انتشارا
بداية لا بد من الإشارة إلى أن كثيرا من الزخارف التي وجدت على السجاد القديم أسيء تفسيرها، بسبب التحويرات الكثيرة التي لحقتها، لسبب ديني أو لسبب تقني، فرغم أن الزخرفة كان هدفها بالأساس هو إظهار الجَمَال والبهاء على القطع المنتجة، إلا إنها أصبحت فيما بعد حاملة لأفكار رمزية، إما بسبب الخشية من غضب الآلهة، أو اتقاء من شر المخلوقات التي تلحق الضرر بالغير، والأكثر بسبب المنع الذي فرضه الإسلام على تصوير المخلوقات... وأصبحت أشكالها وألوانها مليئة بالإيحاءات ومشحونة بالدلالات الثقافية. وأكثرها مُثِل برموز؛ كون الرمز أحد صور التعبير غير المباشر للدلالة عن الشيء المراد تبيانه. وللرمز علاقة بالفكرة التي يعبر عنها وهي علاقة سببية حيث أن الفكرة هي السبب في وجود الرمز، فالرمز في حد ذاته ليس له مدلول إن لم يكن هناك خلفية شائعة لمفهوم هذا الرمز . وتَرجع دراسة أهمية هذه الرموز إلى معرفة جذورها ونمط تفكير الشعوب التي استخدمتها!(7) والرمز في العربية هو الإشارة، والإشارة نوع من أنواع الدلالة على المعنى؛ وهي دلالة رمزية غير مباشرة، وهذا ما اعتمده الفنانون في زخارف السجاد اليدوي!
وإذا صح القول: أن السجاد الحالي سجاد إسلامي "بمعظمه" ندرك طبيعة الهيئة التي صار عليها، ولجوء فنانيه إلى الإكثار من الزخرفة ما يدل على تأثرهم العميق بروح الإسلام. إذ عمد الفنان المسلم إلى تجريد العناصر المستخدمة في الزخرفة من صورها الطبيعية من خلال تحويرها! وهذا ما دعا الكثير من المؤرخين والبحاثة الذين عنوا بالسجاد اليدوي إلى التدقيق في هذا التحوير إن لجهة الصور أو لجهة الرموز. وكان أشهر هؤلاء الباحث الألماني كورت اردمان الذي شغل رئيس متحف الفن الإسلامي في برلين. (متحف بيرغامون حاليا) بين عامي 1958-1964م. والذي أشار في بعض مؤلفاته إلى أهمية دراسة سجاد القبائل؛ كشكل مميز وفريد من أشكال التعبير الفني عن عادات ومعتقدات الشعوب القديمة. ويبدو أنه من المتعذر في هذا البحث الإحاطة بكافة الزخارف والنقوش التي حوتها نماذج السجاد المتعددة . لهذا نركز على أهمها مع إعطاء عناية خاصة لموقع الفن الإسلامي في هذا التراث العريق!
1 - النقش الهَراتي:
ينسب إلى مدينة هرات في مقاطعة خُراسان ويعرف اليوم بنقش المصطفى؛ وهو عبارة عن معين بداخله وردة كبيرة وعلى أطرافه زهرات صغيرة على شاكلة الوردة المركزية. وبجانب كل ضلع من أضلاع المعين شكل سمكة (ترمز إلى الدعاء باستمرارية النسل والتكاثر) وهناك أنموذج أخر من هذا النقش يسمى (الواق واق) أو الأشجار المتكلمة. وهو عبارة عن ورود وأغصان نباتية تنتهي برؤوس حيوانية محورة عن الطبيعية.
2 - شجرة الحياة :
تمثل شجرة الحياة قيمة روحية لدى غالبية شعوب العالم، وتاريخ هذه القيمة قديم جدا .وتشاهد في الكثير من حقول السجاد ذي الزخارف الطبيعية، كما وأصبحنا نشاهدها في محاريب سجاجيد الصلاة بخاصة منها التركية. وتكثر المعتقدات بشأن أهميتها، منهم من يرى فيها ديمومة الشباب، ومنهم ما يراها وسيلة المعرفة للتمييز بين الخير والشر. وآخرون يعتقدون أن فيها تجديداً للحيوية. أما في الإسلام فهي تعكس تصور المسلم للفردوس الأعلى، ويعتقد أن شجرة الحياة أخذت عن الحضارة الكلدانية ونقلت إلى الفنون الإسلامية من خلال الفن الساساني (الإيراني) صورة رقم (5)
3 - البوتي: الجَمَال (Beauté Le)
نقشه معروفة جدا تشبه في شكلها حبة اللوز. رأسها الأعلى معقوف نحو الأسفل، ترتبط هي الأخرى بالديانات الإيرانية القديمة، وهي ترمز إلى الخصوبة والتوالد. تتكرر في غالبية أصناف السجاد الإيراني والقوقازي بخاصة في إطارات السجادة. وإذا أَخَذت شكل السَروة فهي تدل على عمق الصلة بين العبد وخالقه.
3 - الوردة:
أ كثرها يظهر في سجاد التركمان، وبلاد القوقاز وغالبا ما تأخذ أشكالا هندسية (المسدس، والمثمن) وتفسر عندها على أنها تحوير لأزهار برية منتشرة في مناطق التركستان، والبعض يعتبر الإكثار من الورد على سطح السجادة ما هو إلا رغبة في تجدد الحياة. لكنه في الحقيقة يَعني أكثر من ذلك بكثير، فالورد كما هو معروف يقدم في المناسبات المفرحة والحزينة ولكلٍ منها ورده الخاص، ما يعني أن للورد دلالات كثيرة، لكنها في المجمل تشير الى الخصب والربيع والحب والإيثار! .
4 - زخرف التنّين:
يرمز التنَّين وفقا للمعتقدات الصينية القديمة إلى السلطان والقوة، والمتحكم في المياه والأمطار والأعاصير والفيضانات، وهو بهذا يمثل القوى الخيِّرة . يرسم على شاكلة حيوان خرافي و يشاهد زخرفه بكثرة في السجاد الصيني وقليلا في الهندي. أما في غيره من السجاد فيرمز إلى القوى الشريرة ويرسم ضمن دائرة مغلقة (ما يعني حجزه ) اتقاء لشره، ويشاهد أيضا في بعض السجاد القوقازي على شاكلة الحية الكبيرة (الحنش). وقد نقله عنهم الفنانون المسلمون لغايات زخرفية صورة رقم (6) وفيه يقول البحتري:
وَغُدْوَةِ تَنّينِ المَشارِقِ، إن غَدا
فَبَثّ حَرِيقاً في أقاصِي المَغارِ
5 - زخرف تْشي Tchi (السحابة الصينية):
عبارة عن مجموعة زخارف مختلفة الأحجام والأشكال منها ما يشبه الدرج المتعرج محاط بشناكل وفي الوسط صليب صغير أو نجمة صغيرة من ثمانية رؤوس. وفي الإطارات الجانبية مجموعة ورود صغيرة متشابكة. ومنها ما يكون رسمه أكثر بساطة يتمثل بخط منكسر يمثل الغيمة أو السحابة أو بشكل شريط متموج. يرمز التْشِي إلى عقيدة السماء عند الصينيين القدماء . ولهذا تكثر رؤيته في السجاد الصيني بما فيه المسمى سجاد سمرقند مع رموز أخرى تمثل عقائد مختلفة من مثل التنّين، والصاعقة، والجوهرة المقدسة (عقيدة البوذيين).. وطائر الكركي والإوز وغيرها. ونقش التشي عند الصينيين هو رمز للسعادة وطول العمر(8) الديك المقدس:
تكثر رؤيته في سجاد شيراز القديم ، وهو شعار عقيدة الباروداش وبموجب الديانة الإيرانية القديمة، فان هذا الديك يوقظ المؤمنين كي يقرؤوا على الناس تعاليم ديانتهم. والمؤمن من ينهض في أول صياح للدِيَكة وبالتالي يدخل الجنة أولا. أما غير المؤمن فنشاهده في سجاد آخر على شكل شيطان له سواعد طويلة جدا تدفعه للكسل (صورة خرافية)(9).
6 - فن الآرابسك:
من الرموز الإسلامية الشائعة ويسمونه بالرقش العربي وهو من التزيينات النباتية. ومفرداته جذوع أشجار وفروع أغصان وزهور تتشابك حينا وتنحني أحيانا، وبها رسوم محورة لأوراق ونباتات مختلفة، وقد أطلق مؤرخو الفن الأوربيين هذا الاسم علي نوع معين من الزخرفة العربية يزاوج بين الخط والأشكال المنجَّمَة والدوائر، والنبات (10)، وهناك زخارف ونقوش أخرى كثيرة، خاصة في إيران باعتبارها البلد الأقدم في هذه الصنعة، فلكل منطقة وحتى لكل مدينة نقشه خاصة بها . ولهذا يشاهد في محلات بيع السجاد سجادا بأسماء المدن يختلف في شكله قليلا أو كثيرا عن غيره من السجاد. فهناك السجاد الشيرازي، والأصفَهاني، وسجاد قُم، والكاشاني، والكرماني، و.... وفي الأرياف نجد لكل عرق من الأعراق بل ولكل قبيلة نقشه خاصة بها. فهناك النسيج الكردي ونسيج قبائل اللور، والبُختيار، ونسيج قبائل القَشقاي، والأفشار، والبلوش، وغيرها الكثير .... وكما في إيران نجد السجاد التركي هو الأخر ينقسم إلى سجاد الأرياف، وسجاد المدن الذي يمتاز بالزخارف الإسلامية مثل المحراب والكعبة المشرفة. وأهمٌّه سجاد قوم قابي، وهَركِة وكلتاهما في الجزء الأوربي من تركيا وسجاد جيوردس واليه تنسب العقدة التركية. وتكثر في السجاد التركي وخاصة في سجاد الصلاة صورة المحراب المُثَلثي الشكل يتدلى منه قنديل ويتكئ على عامودين أو أكثر. وفي الإطار عصابات سبع على شكل خط منكسر. ترمز إلى السموات السبع وهناك عشرات المدن التي تصنع السجاد الفاخر. أما السجاد المصنع في المدن والحواضر الكردية فيكثر فيه نقش الميناخاني وهو عبارة عن أربع ورود متماثلة متمو ضعة على شكل شبه دائري في داخله أزهار صغيرة بيضاء . وينظر إليه ولما بداخله على أنه تصوير لطبيعة المنطقة وأزهارها(11).
7 - النقوش الهندسية:
لقد أبدع الفنان المسلم في هذا الفن. منطلقا من أشكال بسيطة مألوفة، مثل المربعات والمثلثات والدوائر والأشكال الاسطوانية وحتى الخطوط المستقيمة والمنحنية . وقد طور الفنان المسلم الأشكال الهندسية هذه ،على أسس مدروسة لها علاقة بالنواحي الروحية ووعي بعالم غيبي لا يدرك بالمحسوسات . وأكثر الأشكال التي وسمت هذا الفن بالطابع الإسلامي هي الأطباق النجمية(12).
8 - نقش الأطباق النجمية :
مع أن هذا النقش يكثر استعماله في التزيينات الحديدية للشبابيك والمشربيات وعلى جدران المنازل ومنابر الجوامع وغيرها، ألا إن السجاد اليدوي حظي بقسم وافر منه وان كان بشكله المبسط. وقد أبدع الفنان المسلم في هذا النقش الذي يعتمد على تقاطعات الدوائر بعضها مع بعض وتقاطعاتها مع المربعات، ما ينجم عنها أشكال نَجمية رائعة . ويرى مؤرخو الفن أن زخرفة الأطباق النَجْمية، تعكس مجموعة من المعارف والمواهب، التي استلهمها الفنان المسلم من القرآن الكريم وآياته. وكأنه يعكس عبر تلك الزخارف تصوره للنظام الهندسي الكوني البديع وإعجابه بدقة خلقه وجمال صنعته. وكان أول ظهور لهذا الفن في القرن السادس الهجري على محراب السيدة رقية بالقاهرة. وأزدهر في المراحل الإسلامية اللاحقة ومنها مرحلة الحكم المملوكي لبلاد الشام ومصر.
9 - السفاستيكا: la svastika
كلمة سنسكريتية الأصل. تعني الشيء المفضي إلى الرفاهية والحظ السعيد، وهي واحدة من العقائد المتفرعة عن ديانات الشرق القديم. امتدت من العراق إلى بحر ايجة وأجزاء واسعة من الهند والصين، تدعو إلى الإنسان السليم والى كل ما هو جيد وقوي ونموذجي. وشعارها الصليب المعقوف المقدس الذي يمثل أشعة الشمس وطاقة الحياة ، لدى العديد من عقائد الشرق القديمة!! صورة رقم (7) وما زال مستعملا لدى بعض طوائف الهند (الجاينية )(13) ونموذج السفاستيكا يشاهد في الكثير من قطع السجاد المعقود على شكل أشعة الشمس وأكثر ما تشاهد هذه الإشعاعات في السجاد الهندي، كما عثر على بعض السجاد الذي تزينه هذه الإشعاعات في مسجد علاء الدين في قونية ( تركيا) حيث تكون هذه الأشعة ضمن «النجمة الثُمانية» صورة رقم (8)(14) المشاهدة بكثرة في نماذج عدة من «السجاد الشرقي». والنجمة هذه معروفة لدى شعوب الشرق عامة منذ القدم فهي عند الكنعانيين تعبير عن نجمة الصبح، وعند السومريين ترمز إلى الإله (آنو) اله السماء، وعند شعوب أخرى تشير إلى جهات الكون جميعا.
10 - المربع :
يعتبر الوحدة الزخرفية الأساسية، فمنه تتشكل مجموعة من الزخارف، من خلال تقاطعه مع مربع ثان وثلاث مكونا نجوما بأشكال مختلفة. وهو يعبر عن الحقيقة الروحية المطلقة، ويعتبره الصوفيون جوهر الحقيقة.
11 - الدائرة:
تمثل الكمال الإنساني، وهي النفس عند أفلاطون، وإذا اجتمعت مع المربع كما يحصل في غالبية الزخارف الهندسية، فهي تمثل الحركة والمربع السكون، وهو ما يعرف بمبدأ التربيع والتدوير وموضوعه فلسفي بامتياز.
12 - المعين المسنن:
عرف مذ زمن الفراعنة والفرس والأشوريين وهو رمز الأنوثة وبعض الشعوب تعبر به عن التزاوج بين الجنسين، ونجده في نقوش كثيرة مثل النقش الهَراتي
13 - المثلث:
يمثل أحدى «آلهات السماء » في الديانات القديمة. وهو عند المسلمين «درء للعين الحاسدة» ولهذا الغرض كانت النساء تضعنه كحجب في أطواقهن ومناديلهن جنبا إلى جنب مع حليهن(15).
14 - الصليب:
يظهر بكثرة في سجاد هولبن التركي، Holbein داخل نجمة ثمانية الرؤوس. يشبه الصليب اليوناني أو المالطي، وهو وإن كان يمثل الولادة من جديد في الكثير من العقائد، إلا أنه هنا كغيره من الزخارف المقتبسة لا يمثل أي رمز ديني، إنما يعتقد أنه انعكاس للتعاون ما بين العمال الترك والأرمن المتواجدين في المنطقة (آنذاك).
15 - الخط العربي
وهو أبرز عناصر الزخرفة الإسلامية، اعتمده الفنانون المسلمون في أعمالهم الزخرفية والتجميلية. وأكثره يشاهد على إطار السجادة. بخاصة أسماء الله الحسنى وأسم صانع السجادة وتاريخ صنعها. من ذلك ما كتب على سجادة أردبيل الشهيرة (متحف فيكتوريا والبرت – بريطانيا المصنعة سنة 946 هـ ) باللغة الفارسية، ما معناه «لا ملجأ لي في الدنيا إلا عتبتك» وتحتها اسم الصانع مقصود كاشاني. وأشتهر الخطاط العربي الكبير جمال الدين ياقوت المستعصمي في تطوير هذه الزخرفة من خلال بحثه المستفيض في العلاقات التناسبية بين أجزاء الأشكال والأطر المحيطة بها(16)؛ بما يحقق الهدف من هذه الزخرفة والذي يتعدى الشكل الظاهري للكلمة إلى البعد الروحاني، ولهذا نرى زخرفة الخط تتناسب طردا وقدسية الكلام !
ويمكننا إجمال الدلالات التي تشير إليها زخارف ونقوش السجاد الأخرى والمتفق عليها بالتالي:
سنابل القمح: رمز الذرية المتعددة.
الورود والأزهار: التفاؤل.
الطاووس: الأبهة والعظمة.
الهدهد : الحظ السعيد .
العصفور: الرقة والجمال والفأل الحسن.
الأفعى: المكر والدهاء وأحيانا ينظر إليها كرمز للكراهية والعداوة.
العقرب: رمز الخصوبة عند بدو الصحارى
الشمس: ربة الأرباب عند السومريين ،وربة الخصب عند الإغريق، ورمز النور والحياة عند أقوام وعقائد أخرى قديمة .
المياه:وتمثل بخطوط متوازية أو منكسرة «الخير».
المعين: يرمز إلى الأنوثة.
الزوبعة: رمز الإنسان الأول. وتعتقد بعض الشعوب ان الزوبعة من عمل الشيطان(17)، فهم يرسمونها لاتقاء ضررها.
شارة الزائد: تكثر على السجاجيد الفارسية وهي رمز الخير وفي الفلسفة الزرادشتية القديمة؛ تمثل صراعا بين الخير والشر فالخط الأول يمثل الشر والخط الثاني الذي يقطعه يمثل الخير ويكثر هذا النقش في سجاد الكازاك القوقازي.

الألوان
تلعب الألوان دورا مهما في تحديد مكان إنتاج السجادة، حيث لكل منطقة من مناطق إنتاج السجاد هواية مضاعفة بلون من الألوان، إما بسبب المكان نفسه حيث التضاريس وأديم الأرض يختلف من منطقة لأخرى، أو بسبب ارتباط هذه الألوان بمعتقدات الشعوب التي تنتج هذا السجاد . يقول الفنان الكبير الدكتور فاتح المدرس: من الشروط الجمالية لدى فن كل شعب هو توليده الرموز اللونية. هكذا تنمو الرموز الجمالية في العالم وهي رموز جغرافية محصنة مثل نبات، لا ينمو إلا في مناخ الوطن! (18) ولقد كانت ألوان السجاد تعتمد على الملونات الطبيعية مثل أوراق النيلة وأزهارها، والزعفران وقشور الرمان. وجذور نبات الفوة، وجوزة العفص وغير ذلك الكثير. ورغم اتجاه المصنعين إلى استخدام الملونات الكيماوية في نهاية القرن التاسع عشر (1870م)، فقد بقي الكثير من السجاد المصنع في الأرياف يعتمد الملونات الطبيعية، لكونها تحافظ على جمالية السجادة وتزيد في عمرها.. والألوان في السجاد كما الزخارف تحمل معان متوارثة وهي في العقائد القديمة تمثل عناصر الطبيعة: فاللون الأحمر والبرتقالي: «يشيران إلى عنصر النار» والأصفر والأبيض: «إلى الهواء» أما الأخضر: فيرمز إلى «الماء» والأسود والبني: إلى «الأرض»(19) وفي الحياة العامة، ينظر البعض إلى الألوان على أنها انعكاس للحالة النفسية للشخص، أما في السجاد فالأمر مختلف، فالأحمر الذي يعني العدوانية ينظر إليه في السجاد على أنه عنوان الأبهة والفخامة. والأزرق يشير إلى السماء. والأخضر الضارب إلى الاصفرار الذي يدل على الاضطراب الداخلي للشخص يشير في السجاد إلى أديم الأرض... وهكذا إلى آخر القائمة وهي طويلة !!! كما إن الألوان المحببة تختلف من بلد لآخر فالأتراك يحبون في السجاد اللون الأحمر القاني. أو البرتقالي الداكن، أما سكان بلاد القوقاز فيستخدمون في سجادهم الألوان الصارخة الزهري والأزرق والأخضر والأصفر والبرتقالي. والصينيون يحبون السجاد ذي الألوان الزاهية (الأصفر الذهبي والنحاسي الفاتح والأبيض العاجي).. بينما الهنود يعتمدون في تلوين أرضيات سجادهم على اللون ألنبيذي الغامق(20).
ويكثر في سجاد إيران اللونين الأزرق والأخضر بطبقاتهما المتعددة..أما شعوب شرق البحر المتوسط فتحب الألوان القوية الساطعة كالأحمر القاني والأزرق والأخضر... وسجاد المغرب العربي ذو الطابع البربري تكثر فيه ألوان الأبيض العاجي للأرضية والأسمر الفاتح للزخارف... وهكذا(21).
خاتمة:
مع أن الشعوب التي صنعت السجاد اليدوي لم تكن جميعها مسلمة إلا أنها تأثرت بالثقافة الإسلامية وعايشت مواطنين من أبناء جلدتها يدينون بالدين الإسلامي، كما في الصين والهند وأرمينيا . ولهذا يمكننا القول وبكل ثقة إن السجاد اليدوي اليوم فن إسلامي بامتياز، تأثر بالحضارات التي كانت سائدة في مناطق انتشاره لكنه طبعها بطابعه. ولأن كان الإسلام قد حرم الصور البشرية فقد أبدع الفنان المسلم في خلق الزخارف النباتية والهندسية بما يحقق حلم المسلم في الحصول على ثمار عمله في الدنيا والآخرةالصورة رقم (8)، وبما يتوافق مع ما ورد في العقيدة والشريعة الإسلاميتين.ولم يفت الإيرانيون منهم بخاصة تحويل القصص الأسطورية القديمة إلى لوحات إبداعية بأشكال رمزية نفذها عمل مهرة سجادا بديعا. والمطلوب اليوم المحافظة على هذا التراث من خلال دعم الأنشطة التي تعنى به، وفي دولنا العربية التي تصنع هذا السجاد، على الحكومات تأمين أسواق خارجية لتصريفه. وتحسين ظروف العاملين فيه، وتمكين الفنانين على ابتداع زخارف تعكس ثقافة شعوب المنطقة وتقدم للمبدعين منهم حوافز مجزية.