اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

المعتقدات الشعبية أسسها وتجلياتها في الممارسة العملية
البحث في المعتقدات الشعبية العربية يقتضي العمل على بدايات تعرّف العربي على المظاهر الطبيعية التي تحيط به، وتؤثر فيه، من ...

من التراث الإسلامي دلالات الزخارف والنقوش في السجاد اليدوي المعقود
استُعمِل السجاد اليدوي المعقود؛ منذ آلاف السنين لغايات حياتية متنوعة، فقد استعمله البدو والقرويون على حد سواء أثاثا لفرش...

صورة المرأة ومكانتها والسيطرة في المجتمعات الإنسانية والمرجعيات الدينية
مـــــقــدمـة:يدفعنا البحث عن صورة المرأة في ثقافات الشعوب البشرية أو المجتمعات الإنسانية إلى العودة بداية للنبش عن صورت...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
صورة المرأة ومكانتها والسيطرة في المجتمعات الإنسانية والمرجعيات الدينية
العدد 42 - عادات وتقاليد

أ. نعيمة بن الشريف – كاتبة من الجزائر

 

مـــــقــدمـة:
يدفعنا البحث عن صورة المرأة في ثقافات الشعوب البشرية أو المجتمعات الإنسانية إلى العودة بداية للنبش عن صورتها التي خلدتها التصورات والتمثُّلات القديمة، والتي نلمسها حالياً بفعل التوارث الثقافي بين البشر والأمم، والاحتفاء بجنس الذكور وتفضيلهم على الإناث منذ تاريخ الحضارات الإنسانية القديمة وحتى الآن.
وفي مستهل الحديث عن صورة المرأة لدى الشعوب القديمة نجد أنها كانت«ربة تُعبد من بدايات العصر النيوليتي، أي حوالي 7000 سنة قبل المسيح؛ فآنذاك المرأة هي الربة العظمى، والجدة المقدسة التي تُخصُ بالعبادة، وامتدت عبادتها حتى العصر البايوليثي الأعلى الذي يمتد إلى 2500 سنة قبل الميلاد، وحينها كانت الديانة النيوليتية الأولى ديانة زراعية في اعتقادها وطقوسها، حتى أن أسطورتها الأولى تركزت حول آلهة واحدة هي سيدة الطبيعة في شكلها الوحشي»(1).
وعند مجتمع ما قبل التدوين كانت المرأة أيضاً مأثر القداسة؛ كونها كانت تمثل الأم العائلة، وكان الأبناء ينشأون في كنفها، وكذا قد أخذ فعل الولادة بلب الرجل وشغفه، ودعاه إلى تقديس المرأة وتصورها آلهة(2).
وبتفحص صورة ومكانة المرأة في الحضارة السومرية اكتشفنا أن المرأة كانت تمثل رأس العائلة في المجتمع السومري، وكان لها الدور الأول لدى العلاميين(الألف الثالث ق.م)، ومنحت المرأة حرية الزواج برجلين معاً، وهذا يثبت أن عصر الأمومة سبق عصر الأبوة، كما لعبت الأم دوراً هاماً في تحديد درجة القرابة. فاحتلت المرأة المركز الرئيسي في العبادة في الأناضول( منطقة شطل هيوك)، وكان من النساء مَنْ كن خادمات للآلهة، ومَنْ كن تجسيداً لها، واختلفت نظرة الناس للنساء فبعضهم اعتبرهن قوة خارقة، والبعض الآخر اعتبرهن آلهة. وبناء على أن الأم مصدر الحياة( الأم الحاملة والمولِّدة) فقد كانت مركزاً للتصورات الدينية في ذلك العصر... واعتقد الإنسان قديماً أن قوة الخصب لدى المرأة قادرة على أن تثير الخصب لدى النبات، وهو ما دفع بالمجتمعات التي مارست الزراعة لجعل المرأة رأس الأسرة، وذهبوا إلى حد اعتبارها صانعة الحياة، وربطوا أسرار الطبيعة بسر قوتها، ومارسوا البغاء الجماعي ظناً منهم أنه يفيد في خصوبة الطبيعة وهطول الأمطار(3).
واستمرت صورة المرأة التي كانت لدى مجتمع ما قبل التدوين في حضارة بلاد مابين النهرين ومصر الفرعونية، مع بعض النساء، حيث حظين بالرفعة ومرتبة القداسة، وبلغن درجة كانت لهن بها أحقية في الملك والعبادة. فكانت «الآلهة عشتار»و«الملكة سميراميس»...، لكن مع ذلك كانت هناك نساء مقهورات ومُستغلات. فالمجتمع ذاته الذي عبد «عشتار» هو نفسه الذي مارس على معظم النساء فيه نُظماً صعبة، وهنا نشير كذلك إلى أن «مجتمع بابل» قد حتم على المرأة التي تدخل الهيكل أن تضاجع مَنْ يضع في حجرها حفنة أو قطعة من الفضة، وبعد خروجها من الهيكل يحظر عليها السماح لأي رجل أن يلمس يدها، أو يصبح جزاؤها القتل. حتى أن «حمورابي» الذي جاء كما قال ليرفع الظلم عن الضعفاء، ويمنع الأقوياء من الجور عليهم، ولينشر النور في الأرض، ويرعى مصالح الخلق تنكر للمرأة، وفي قوانينه قد أباح للدائن أن يحبس زوجة المدين رهينة إلى أن يستوفي دينه(4).
وقد عدت خيانة المرأة جريمة في ناموسه؛ ليس لأنها ضد نظام الأخلاق بل لأنها ضد حق من حقوق ملكية الزوج. هذا الزوج الذي يبيح لنفسه أن يعير امرأته إلى أحد ضيوفه متى شاء، وإلاَّ فهو ليس المالك لجسدها وروحها؟! وكان العرف آنذاك لا يتطلب من الرجل الذي يطلق زوجته أكثر من أن يرد بائنتها إليها، ويقول: «لست زوجتي»، أمَّا إذا قالت هي له: «لست زوجي» وجب قتلها غرقاً(5).«وفي بابل كانت قوانين حمورابي تقول: إذا أشار الناس بإصبعهم إلى زوجة رجل لعلاقتها برجل غيره، ولم تُضْبَط وهي تضاجعه، وجب أن تلقي بنفسها في النهر محافظة على شرف وسمعة زوجها، وكذلك الشأن عند الآشوريين واليهود وأهل الصين»(6).
وقد حظيت المرأة في «مجتمع الأوغاريت»(7) بمكانة مميزة بعض الشيء عن مثيلاتها في البلدان المجاورة آنذاك، ومن ذلك أنها تمتعت بحقوقها السياسية والاقتصادية، وكانت ملكة وأم ملك، ولها صلاحيات تخولها تلك الألقاب، كما كانت تجاري الرجل في امتلاك العقارات والأراضي والعبيد. وبحكم كونها سيدة؛ لها أن تتصرف في ممتلكاتها بيعاً وشراءً ورهناً. كما كانت أيضاً شريكة اقتصادية لزوجها في الربح والخسارة. وبالرغم من ذلك كله لم يكن المجتمع الأوغاريتي مثالياً بالمطلق مع المرأة؛ إذ أوجدت تنوعات طبقات الحياة الاجتماعية جواري وخادمات ونساء كن يبعن في سوق العبيد بأبخس الأثمان، ومنهن مَنْ كن يتعرض للضرب بالسوط من طرف أسيادهم وسيداتهم...إلخ.
أمَّا المجتمع المصري القديم فلديه كانت المرأة تُملَّك وتُوَرَّث، وكانت طاعة الزوج لزوجته من الشروط التي تنص عليها عقود الزواج، حتى أن بعض تلك العقود تحث على أن يتنازل الزوج لزوجته على جميع أملاكه ومكاسبه المستقبلية. وهذا ما دفع «ماكس ملر» ليقول:« ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثلما رفعها سكان وادي النيل». وقد كان كرسي الملك في مصر الفرعونية ينتقل عبر سلسلة النسب الأمومي لا الأبوي. فكل أميرة هي وارثة طبيعية للعرش، لذا كان على الفرعون الجديد أن يتزوج من وارثة العرش لتثبيت الحق فيه(8). وتوضح عقود الزواج التي كانت تسري في حكم الأسر الفرعونية «أن الرجل كان يحترم زوجته احتراماً كبيراً، ويجعلها صاحبة الأمر والنهي في كل شيء». ونستشهد على ذلك بما ورد في صك لعقد زواج يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يقول فيه أحد الأزواج لزوجته(9): «منذ اليوم أقر لك بجميع الحقوق الزوجية. ومنذ اليوم لن أفوه بكلمة تعارض هذه الحقوق. لن أقول أمام الناس بأنك زوجة لي، بل سأقول بأني زوج لك، منذ اليوم لن أعارض لك رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني. كل ممتلكات بيتك لك وحدك، وكل ما يأتيني أضعه بين يديك»(10).
وعليه يتبين لنا أن مكانة المرأة في المجتمع المصري القديم كانت أفضل مما كانت عليه عند غيرهم من الأمم، وصنع ذلك المجتمع مفارقة ميزته عن سواه من المجتمعات عندما ألزم الزوج باحترامها، وأثبت لها الحق في تولي السلطة، وفي الإرث ورفع عنها سيطرة الرجل وهو ما حدا بها لتولي منصب الملكة، ومع ذلك لا يجب أن نغفل الاضطهاد الذي كانت تعيشه الجواري، ونساء الأسر الكادحة التي أفنت عمرها في خدمة العائلات الملكية البرجوازية، وعشن في واقع تحكمه سيطرة الأسياد، وهمشن في المجتمع وفرض عليهن الخضوع والخنوع.
«ووقوفاً عند مكانة المرأة في الهند وجدنا أنها كانت متأرجحة بين احترام لها وانتقاص من قدرها. وعموماً كان الرجل هو السيد الكامل السيادة على الزوجة والأبناء والعبيد، وقد كانت المرأة تُشنق، أو تحرق، أو تدفن حية كي تقوم في الحياة الآخرة على خدمة زوجها المتوفي»(11). كما كانت « نظرة «بوذا» للمرأة غير محببة ولم يعرها أي اهتمام، كما كانت له تجاه المرأة مواقف صارمة في بدء تعاليمه»(12).وفي شريعتهم – حسب رأي المُشرِّع «مانو»: «أن الزوجة الوفية هي التي تخدم سيدها (زوجها) كما لو كان إلهاً. وأن لا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه، مهما تكن حالته، حتى وإن خلا من كل الفضائل»(13).
وهكذا نلحظ المرأة لديهم في وضع غير مستقر، إذ كانت رهينة طوع زوجها حتى ولو كان سيئاً معها، ومن واجبها التضحية في سبيله؛ وإلاَّ انسلخت عنها صفة الوفاء، وحتى حياتها رُبِطت بزوجها في الحياة والموت، إذ يُلزمها العرف عندهم أن تُقبِل على الموت عندما يموت زوجها!
وفي الصين وقبل أيام «كنفوشيس»، كانت المرأة محور الأسرة، وكان الناس يعرفون أمهاتهم ولا يعرفون آبائهم. وفي تلك المرحلة وصلت بعض النساء لمنصب الحكم. لكن نظام الإقطاع قلل من دور المرأة وأوجد في الأسرة نظاماً أبوياً صارماً، وتحول الآباء لاعتبار البنات عبئاً عليهم لصعوبة تربيتهم؛ وعليه راحوا يتوجهون بالدعاء في صلواتهم كي يرزقوا بنين لا بنات، وهناك من الأسر الفقيرة التي كانت تقوم بترك البنات في الحقول؛ ليقضي عليهن صقيع الليل والوحوش الضارية، واعتُبِر في المجتمع الصيني من أشد أسباب المذلة الدائمة للأمهات أن لا يكون لهن أبناء ذكور(14).
وقريب من ذلك ما عرفته المرأة في اليابان، فمكانتها كانت عالية في مراحل المدنية الأولى أكثر مما آلت إليه في المراحل المتأخرة، وتحديداً قبل انتشار النظام الإقطاعي الحربي؛ حيث أصبح الذكر سيد المجتمع، وصارت المرأة خاضعة للطاعات الثلاث: الوالد والزوج والابن(15). وبغض النظر عن كونها تبدو في حقيقتها جزءاً هاماً في المجتمع الياباني، ولها دورها الأساسي في تقدم وطنها، إلاَّ أن التقاليد المتعارف عليها لديهم أبقت المرأة اليابانية تقوم بخدمة زوجها، وتعطيه الحب والحنان، ولا تكف عن الانحناء والسجود له مع تنفيذ أوامره ونواهيه بلا مناقشة ولا تردد فهو بالنسبة لها الإله المعبود والسيد المُطاع(16).
وقد بينت «ليلى أحمد» في كتابها «النساء والجنوسة في الإسلام» أن ثقافات مجتمعات الحضارات القديمة، وتحديداً مجتمعات الإمبراطورية الفارسية والرومانية والبزنطية كانت تضع قيوداً عديدة على حياة النساء، وتحط من قدرهن وتحقر من شخصياتهن، بل إنها أول مجتمعات أسست لفكرة وممارسة عزل المرأة عن الحياة العامة، ونصت على احتجازها في المنزل؛ خاصة لدى المجتمع الإغريقي القديم في أثينا قبل الميلاد حيث برزت ممارسات اجتماعية وقوانين أدت إلى قهر المرأة وفرض سيطرة المجتمع الذكوري عليها(17). ولعل ذلك يعود للأخذ بأسطورة(18) في التراث الإغريقي جسدت الانقلاب الذكوري الكبير، وإحلال حق الأب محل حق الأم(19). وذهبت هذه الباحثة- ليلى أحمد- إلى اعتبار ما جاء به أرسطو حول دونية جنس النساء عن الرجال من النواحي البيولوجية والعقلية والنفسية والفطرية؛ هو ما كرس سيطرة الرجل وزاد من دونيتها، أضف إلى ذلك تشبيهه حكم الرجال للنساء بحكم الروح للجسد أو سيطرة العقل على العاطفة، وبهذا في نظرها تكون أفكار أرسطو عن المرأة هي التي قننت للتحيز والعبودية وللتراتب الإنساني والاجتماعي الذي ورثته أجيال ورموز الفكر في الحضارتين الأوروبية والإسلامية باعتبارها حقائق علمية ومسلمات فلسفية أصلية تنم عن نظرة عميقة للحياة وجوهرها(20).
وكانت المرأة في الميثولوجيا(21) اليونانية ضعيفة مغلوبة على أمرها، وليس لها حقوق حتى وإن كانت آلهة، تماماً كما كانت المرأة في المجتمع اليوناني(22). وأكثر ما حددها -أي صورة المرأة- هو قوانين أفلاطون والتعايش في «أثينا» لا بل وحتى صورتها في الأساطير اليونانية. فحسب ما ينص عليه الناموس الأفلاطوني المرأة ما هي إلاَّ مجرد « قاصر، وليس من حقها أن ترث ولابد من البحث عن رجل يرث المتوفي كما أنه لا يجوز لها أن تزوج نفسها(...) لابد من وجود وصي هو الذي يقوم بذلك»(23).
وقد دأبت الأساطير اليونانية على تكرار تلك الصورة التي بُثت عن المرأة في الثقافة اليونانية منذ العصر البطولي، وقد رواها «هوميروس» وهي تتجسد من خلال النظر إلى المرأة على «أنها بحكم الطبيعة أدنى من الرجل، ومن ثم فهي تقتصر في وظيفتها على الجنس والإنجاب، وأداء الواجبات المنزلية، أما العلاقات الاجتماعية ذات المغزى فينبغي أن تترك للرجل»(24).وكان «هزيود» يرى «إن جنس النساء اللطيف جاء من بندورا هذا الجنس الخبيث الذي هو شر مستطير يتلبس الرجال، فالمرأة ليست رفيقة حياة تشارك زوجها الفقر والألم وإنما تهب بالطعام والثياب ولا يقف فهمها عند حد، هكذا خلق زيوس المرأة مصدر شر وفساد»(25).
ونتيجة لتلك الآراء التي قدمها أفلاطون عن المرأة ازدادت صورة المرأة سوءاً وتفاقمت هوة التفريق بينها وبين الرجل أكثر في ثنائية الذكر والأنثى، ومما يروى عن المرأة في الحقب الغابرة من أدب الحضارات أن: «الأدب اليوناني من سميندز الأمرجوسي Semonides ofAmorgos إلى لوشان كان يكرر أخطاء النساء تكراراً تشمئز منه النفس، وفي آخر هذا العصر كرر «بلوتارخ» قول «توكيديذر»- وهو يوناني غيب في تاريخه المرأة؛ لكونها طرفاً منبوذاً يجسد الرجاسة ومنبع الخطيئة الأزلية التي حلَّت بالخلق بعد إغواء حواء لآدم، وإقناعه بالأكل من الشجرة التي نُهي عنها- «يجب أن يحبس اسم السيدة المصون في البيت كما يحبس فيه جسمها»(26) وازدادت فكرة سجن المرأة انتشاراً بفعل ما كان سارياً في أثينا؛ حيث كان وضع المرأة سيئاً، ففي أثينا سُجِنت وفُرِض عليها القبوع في ركن مظلم اصطلح عليه بـ«الحريم» وحُرِمت من الخروج إلا وعلى وجهها خمار تعلن بواسطته أنها ملكية خاصة للرجل ينبغي أن لا تمس، بينما جردتها اسبرطة من أنوثتها وحولتها لامرأة «مسترجلة» لا تهمها العواطف أو المشاعر حتى لو كانت مشاعر الأم وعواطفها وذلك لكي تكون «امرأة قوية» لا تلد إلاَّ الأقوياء من الفرسان(27). وبذلك ندرك أن دور المرأة فيها هو أن تكون آلة لولادة الأقوياء فقط. وبذلك استقى الفكر الغربي تمثلات عن المرأة رُبِطت بتلك الأفكار، واعتبرت المرأة «مرادفاً لمفهوم السقوط (La chute) والخطيئة(Le pécher) الذي كانت حواء موضوعه، لأنها هي مَنْ سوَّلت لآدم عصيان الأمر الإلهي بالأكل من الشجرة المنهي عنها، ومنحها من خلال ذلك صورة مريعة فهي المذنبة والمثيرة للشفقة، بخاصة وأن آدم خلق قبلها، وهو ما يفسر مركزيته إلى جانب هامشيتها، وقد خلقت من ضلعه الأعوج الذي أخذ من جسده باعتباره أصل الخلق وبدايته»(28) وأصبحت هي فاعل الخطيئة، وأنثى الشر والإغواء(29).
والشأن ذاته تكرر بالنسبة للمرأة عند الرومان، فمن خلال اطلاعنا على بعض المعاملات التي كانت تجري في حق المرأة لمحنا تقارباً بين صورتها عند الإغريق واليونان وصورتها عند الرومان. ولنتقصى معالم تلك الصورة مثلاً من القوانين الرومانية الشائعة التي كانت تخص مجتمع النساء الذي قسم آنذاك إلى: المرأة المواطنة الرومانية الحرة( وتتمثل في: الزوجة، والأم، وربة المنزل أو السيدةDomina) والمرأة الأجنبية (وهي امرأة لا حقوق لها ولا امتيازات)، والجارية(وهي ملك خاص لسيدتها)، ومن تلك القوانين المتعلقة بالمرأة المواطنة الحرة جاء في مدونة جوستاف في قسم عنوانه «تقريرات خاصة بالنساء والزواج»(30):
«1 - ليس للنساء ولاية الأعمال العامة.
3 – رأى القدماء جعل النساء تحت الوصاية ولو بلغن سن الأهلية لطيشان عقولهن.
11 - على النساء الخضوع لأزواجهن.
14 - الرجال قوامون على نسائهم.
16 - المرأة دون الرجل في كثير من أحكام القوانين»(31).
وعلى هذا الأساس يتبين إقصاء المرأة وتكريس خضوعها للرجل وللتراتبية، وأخذت فكرة نقصان عقلها في التجذر. وساهمت المرجعيات الدينية في تعميق بعض التمثلات عن المرأة لدىالشعوب، ولتبيين صورتها في المرجعيات الدينية نعرض لما يلي:
فمثلاً بالرجوع إلى بعض ثنايا الديانة اليهودية وتعاليم التلمود، فإن المرأة لا يجوز لها تلاوة التوراة، بل ليس لها الحق حتى في المشاركة في العبادة؛ على اعتبار أن المرأة ليس لها القدرة والحكمة في تأويل نص التوراة وفهمه وتفسير معانيه. بل إنها يمكن أن تفرغه من قدسيته(32)، أضف إلى ذلك المرأة «ما هي إلاَّ عبداً وقاصراَ لعدم استقلاليتها وارتباطها بزوجها. بهذا المعنى تصبح المرأة نكرة وأن وجودها والعدم حد سواء، وارتقاؤها إلى درجة الإنسانية يظل كطلب الحكمة لأهل الكهف؛ حيث يستوي اليقين والجهل والخرافة لديهم، والظلال المرتسمة في عقولهم وأذهانهم وتصوراتهم تدين الوضع والمكانة الإنسانيتين للمرأة»(33). وهي أدنى من الرجل حتى أن التحقير وصل بهم إلى تصنيفها في مرتبة الحيوان. وحسبما استلهمه اليهود من التوراة كانوا يعاملون المرأة مثل أي حيوان حقيقي، وكانت التوراة تجيز طردها بورقة صغيرة، وتخضعها إخضاعاً نهائياً لمشيئة الرجل، ثم جاء الإنجيل وربط المرأة بالرجل حتى الموت، دون أن يضمن لها شيئاً خلال هذا الرباط الطويل سوى الغفران، والذهاب إلى السماء(34).
كما كان اليهود يعملون بقانون في الميراث يهدف لإعطاء الرجل فرصة السيطرة الاقتصادية أيضاً؛ وذلك بالعمل بالبنود الآتية:
1 - أن المرأة لا ترث مادامت تملك أخاً ذكراً.
2 - أن المرأة ملزمة بالزواج من أقرب أبناء عمها إليها إذا كانت تريد أن تحتفظ بميراثها.
3 - أن الميراث نفسه لا يقسم إلاَّ بين الذكور فقط أو بين الإناث فقط..(35)
وبالتمعن فيما كان يسري به التعامل مع المرأة في الديانة اليهودية نجد بأنها تدنت لرتبة الحيوان؛ وبذلك تكون قد أقصيت من جنس البشر، وعانت من الحرمان والتهميش ولم يتوقف بهم المطاف عند اعتبارها من فئة الحيوان فقط، بل تجاوزوا ذلك«إلى اعتبار المرأة «لعنة» تطارد الرجال، وعلى الأب أن يبيعها، وفوق ذلك هي في تصورهم وبعض مآثرهم» أمر من الموت... وأن الصالح أمام الله ينجو منها. «حتى أن اليهودي كان يحمد الله أن خلقه يهودياً، وليس في غيره من الأديان، وأن خلقه رجلاً وليس امرأة»(36).
أما في المسيحية فعلى الرغم من الأفكار الإنسانية والمواقف الجديدة التي جاء بها السيد المسيح بالنسبة للمرأة، ومنها أنه لم ينظر إليها على أنها «جسد» وعلى أن صورتها «عورة»، كما أنه لم يرفض الاختلاط بين الجنسين، إلاَّ أنه تم في المسيحية تكريس صورة المرأة التي ورثتها أيَّاها اليهودية، وأعيد بناء نموذج المرأة القائم على الاستخفاف بعقلها، وبعض عواطفها وانفعالاتها، واحتقار جسدها إلى حد اعتبر فيه مكمن الداء، ومصدر الفساد في المجتمع، وهو أيضاً أصل الشر في الكون وبداية انحراف السلوك الإنساني. ووهب الذكر مرتبة راقية بوصفه الصورة والماهية والفكر والعقل، على عكس الأنثى التي منيت بالدونية بوصفها المادة والجسد والانفعال والعاطفة(37).
وعلى غرار التقاليد اليهودية والمسيحية التي امتزجت بالأرسطوطاليسية في المرحلة الكلاسيكية وأيضاً في العصور الوسطى اعتبرت المرأة تجسيد للشر والخطيئة والشياطين، ولم تكن الآراء حولها بذلك سوى صدى لفلسفات وعقائد أسسها رجال واحتكروها على مدى التاريخ، وهي تعكس وضعاً من اللامساواة والدونية، خاصة إذا علمنا بأنها في المسيحية هي الخادمة المطيعة لزوجها، بل إنها يجب أن تكون خاضعة إطلاقاً لما يمليه عليها، وعليه تُسلَب شخصيتها بل ذاتها، وتتحول في ظل ذكورية الرجل إلى فراغ يملأه الألم ومآل مفرغ من الأمل(38).
وبعد ظهور الإسلام تحسن وضع المرأة بفضل تعاليم الدين الإسلامي وتشريعاته. وصار من واجب الرجل الرفق بها، وأن يكون أكثر تفهماً لمكانتها ودورها في الوجود العام. إنما لم يشمل هذا التحسن كل البيوت وكل النساء، فبقيت هناك نساء مقهورات وشاكيات على الرجال سوء المعاملة وفقدان الاحترام، على الرغم من أن القرآن الكريم لما جاء زكى مكانة المرأة وسواها بالذكر، وإن أناط ضرباً من القوامة الإنفاقية بالذكر؛ اقتضاءً لدواعي الحياة نفسها وليس بسبب قصور تأهيلي جنسي، مما يعني أن المساواة المرشدة مقررة متى تجاوز الطرفان أشكال الأنفاق والكفالة. وقد راعى القرآن العظيم أيضاً طبيعة المرأة نفسها، كمخلوق له قدرة أكبر على العطاء وتحمل الأعباء النفسية والعاطفية، بالنظر إلى خصوصية فيزيولوجية تؤهلها للإنجاب مقابل الذكر الأكثر قابلية على تحمل الأعباء العضلية التي تتطلب القوة والقسوة والخشونة(39).
والملاحظ أن منزلة ومكانة المرأة في الشريعة الإسلامية لم تثر أي اعتراض منها حتى عصر الصحابة؛ إذ أنها وجدت في منظور الشريعة لمنزلتها عدلا إلهيا، لم يفقدها أدنى حقوقها، ولم ينقص من أهليتها لأن المرأة المسلمة لم تنظر أبداً إلى نفسها على أنها عنصر مفصول عن المجتمع. وإنما نظرت إلى ذاتها ومنزلتها ضمن المشهد الاجتماعي الذي تتشابك أواصره وتتواصل في لحمة التكافل المفروض دونما ضغط أو نقمة مدنية أو عنصرية مهوسة.
وفي ضوء التشابك قدرت المرأة المسلمة قيمتها ورأت أن الإسلام قد أعطاها حظها الأوفى الذي – إن خرج بها عن الصواب- انقلب بالجور عليها هي أولاً، لأنها تمثل حجر الزاوية في البناء الإنساني، ودعامة الاستقرار بوصفها أماً وأختاً وزوجة.
وتتقارب نظرة المجتمع البربري للمرأة مع ما جاء به الإسلام، إذ أوكل لها من الأدوار ما كانت أقدر عليه فحكمت، وحاربت ومارست الوظائف جميعاً، ومع ذلك ظلت أمَّا وزوجة وأختاً(40) «وربما بدت تجربة الكاهنة في التاريخ البربري، الأنموذج الأكثر تعبيراً عما انتهت إليه المرأة البربرية إذ حكمت أمتها وخاضت بها الحرب، وفاوضت ورتبت للمصير»(41).
ويتجلى مما سبق عرضه أن مكانة المرأة وصورتها في المجتمعات القديمة والحضارات الإنسانية كانت متذبذبة؛ فتارة ترقى بالتقديس إلى مصاف الآلهة والربوبية، وتارة أخرى تنحط إلى درجة الحيوانية، وتصبح منزلتها هشة تكبدها إقصاءً ودونية في المجتمع، أسس على اعتبارها شيطاناً وأدنى من الرجل، وأكثر من ذلك هي الفاعل في جر الشر والفساد والشدائد عل البشرية جمعاء.
ونستنتج أيضاً أن المرأة ذاقت الذل والهوان في بعض شرائع المجتمعات، من خلال تزمت الكهنة والكنيسة وأهل الدين تجاهها وتعصبهم للقوة، وبقائهم ردحاً من الزمن يعملون بأفكار الفلسفة اليونانية حول المرأة ومسألة الخلق، واستلهامهم لتلك التصورات التي كان يهيم بها الإنسان حول المرأة قبل أن ينتقل من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة الثقافة، ولم يكن ذلك قصراً على المجتمعات الزراعية أو الطوطمية، أو مجتمعات ما قبل الإسلام، بل استمرت شذرات من ذلك الوضع المزري والتعبئة السلبية حول المرأة حتى في بيئة الإسلام، إذ ساهم بعض من فلاسفة الإسلام في نشر تلك الأفكار السلبية في الحضارة الإسلامية، رغم «أن الإسلام كان بالغ الوضوح في إنصاف المرأة: فلا وأد للأنثى ولا غضب ولا اكفهرار إذا أنجبها الأب، ولا حرمان من الميراث، ولا إكراه في زواجها، ولا وصاية على مالها، ولا حجر على تفكيرها أو تجارتها أو ثقافتها أو تعليمها...»(42) وبالموازاة مع ذلك نجد الغزالي مثلاً واحدا من فلاسفة الإسلام الذين رددوا أفكار المعرفة اليونانية، لاسيما نظرية أرسطو عن المرأة، وإقراره مثله باختلاف أخلاق الرجل عن أخلاق المرأة(43)، وقد ذهب الغزالي لحد القول أن: «حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً...» فهو السيد! «وعليه أن لا يتبسط في الدعابة معها حتى لا يفقد هبته عندها». والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل، وعلى المرأة أن تكون قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها لا يكثر صعودها قليلة الكلام لجيرانها... «وعلى الزوج أن يقوم بتعليمها حتى لا تخرج إلى مكان آخر تتعلم فيه...»(44).
ومنه يظهر دوره في نقل تلك الأفكار عن المرأة للثقافة الإسلامية، أضف إلى ذلك عودته مرة أخرى إلى ترسيخ فكرة سجن المرأة أو ما اصطلح عليه «بالحريم» حين حث على بقاء المرأة في بيتها، وذهب إلى حد عدم السماح لها بالخروج منه حتى ولو كان لكسب العلم والمعرفة؟ ! وهذه حالة تنم عما كان يحدث من تلاقح فكري بين فلاسفة الإسلام وغيرهم من أمثالهم في الأمم الأخرى، ولعله مما يوضح لنا بأن الصورة التي وسمت بها المرأة والأفكار التي انتشرت حولها في العالم كان مبعثها توارث الأفكار والتراكم المعرفي بين الشعوب والثقافات، وبعدها تتأكد استمرارية تلك التصورات التي بنيت حول مكانة وصورة المرأة في المنظومة الثقافية، فلازلنا حتى الآن غالباً ما نسمعها تنعت بأوصاف بذيئة أدناها مثلاً: «أفعى»، «شيطان»، «وجه الشر»...، وقس على ذلك ما يأتي في جملة الإهانات اللفظية. فهي تتعرض للإذلال والاحتقار والابتذال، وتهاجم بقوة عنف لا يراعي فطرتها، وأحياناً تمضي القوة تجاهها لتلحق بها أضراراً معنوية وجسدية غير معقولة في حق كائن بشري!
وخلافاً لما عاشته المرأة من إقصاء اجتماعي في حقب متفاوتة من الزمن، وإغفال لدورها في بناء المجتمع وتنميته، باتت «المجتمعات المعاصرة وبخاصة المتقدمة منها تنظر إلى المرأة على أنها كيان فعال له حضوره المميز اجتماعياً، إذ تشير تقارير التنمية البشرية إلى أن مكانة المرأة في تصاعد مستمر ولكن على نحو بطيء وخاصة في مجتمعات الدول النامية»(45).
وبالإجمال يبقى أن فهم «نظرة المجتمع واتجاهه نحو المرأة يعطينا تصوراً عن الواقع الاجتماعي الذي نحياه ونتفاعل من خلاله، كما يعطينا مؤشرات لقناعة المرأة بذاتها وقناعة الرجل بذلك؛ وبالتالي إمكانية خلق التفاعل المبني على المشاركة الإيجابية لطرفي الحياة الاجتماعية، ونفي شائبة السلبية عن المرأة وعدم فاعليتها في المجتمع»(46).
ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى صورة المرأة في الثقافة، هي حسب ما تذهب إليه
الباحثة «سعيدة درويش»: «صورة صامتة لأربع حالات انتقتها الثقافة للمرأة وهي:
1 - صورة المعشوقة التي ترد في أشعار العشاق وحكاياتهم.
2 - صورة الموؤودة التي لا يسمح لها حتى باكتساب ملكة الكلام.
3 - صورة الآلهة التي تعطى بغير إرادتها الشرعية للرجال كي يتحدثوا باسمها.
4 - صورة الملكة في الواقع التي تحكم بما يريده الرجال»(47).
ويتضح لنا من كل ما تم عرضه عن صورة المرأة ومكانتها في المجتمعات الإنسانية والمرجعيات الدينية أنها: كانت مقدسة وذاك هو شأن المرأة في مجتمع العصر النيوليتي، ومجتمع ما قبل التدوين، وعبرت عن الازدراء والاحتقار عند اليونان والرومان وفي اليهودية والمسيحية، وكانت هي محور الأسرة في اليابان والصين قبل ظهور نظام الإقطاع الحربي، وعرفت التقدير والاحترام في مجتمع بلاد مابين النهرين وحضارة الأغاريت والمجتمع المصري القديم وفي الإسلام...إلخ. ونحن كمثقفين يجب علينا الترفع عن العمل بتلك الأفكار الوضيعة التي منيت بها المرأة، ونسعى لأن تكون لها مكانة معتبرة في البناء الاجتماعي، وتكون ذات قيمة وشأن لا تقاس فيه قيمتها بنظرة قاصرة؛ ترى فيها نقص في أهليتها العقلية، أو في نمط تفكيرها.