اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

صورة المرأة ومكانتها والسيطرة في المجتمعات الإنسانية والمرجعيات الدينية
مـــــقــدمـة:يدفعنا البحث عن صورة المرأة في ثقافات الشعوب البشرية أو المجتمعات الإنسانية إلى العودة بداية للنبش عن صورت...

من التراث الإسلامي دلالات الزخارف والنقوش في السجاد اليدوي المعقود
استُعمِل السجاد اليدوي المعقود؛ منذ آلاف السنين لغايات حياتية متنوعة، فقد استعمله البدو والقرويون على حد سواء أثاثا لفرش...

التراث المعماري بالواحات المغربية بين إشكالية التدهور وجهود رد الاعتبار «واحات تافيلالت» نموذجا
تعتبر القصور والقصبات من أهم المعالم المعمارية والسوسيوثقافية المشكلة للمجال الواحي عامة وواحات تافيلالت بشكل خاص، لما ت...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
أرواح التوائم معتقد شعبى فى صعيد مصر
العدد 42 - عادات وتقاليد

د. نهلة إمام – كاتبة من مصر

 

يقدم المعتقد الشعبي شبكة من المفاهيم والممارسات للتعامل مع الواقع المتاح والمجهول في محاولة إما لفهمهما أو للسيطرة عليهما ، فكل واقع في المعتقد الشعبي هو واقع خاص لا يطابق العام ، وإن كان مشتقاً منه ، والاعتقاد في الروح من المعتقدات التي يمكن ان تشكل ما يمكن ان نطلق عليه « الثوابت البنيوية» في المعتقد الشعبي ، فمعظم الشعوب إن لم يكن كلها ، لديها تصورات عن الروح ،ولكن ظل البحث في الاعتقاد في الروح بعيداً عن بؤرة اهتمام الباحثين في المعتقد ، أو ظل الاقتراب منه هامشياً لم يتطرق إلى لب المعتقد ولكن تماس معه من خلال تناول معتقدات أخرى .
في محاولة لسبر معتقد شعبي غائر في المجتمع المصري لا يتناوله الكثيرون بالدرس أو حتى بالحوار إتجهت الدراسة نحو الإعتقاد في الروح التي تخرج من الجسد في أثناء الحياة لفترة ثم تعود للجسد مرة أخرى ليستأنف الفرد حياته الواقعية ، فكان الاعتقاد في خروج روح التوأم أثناء النوم للتلبس في قطة تتجول في المجتمع في صعيد مصرموضوعاً للدرس والإستقصاء .

مشكلة الدراسة
بإستقراء منتج الدراسات الفولكلورية في البحث عن الإعتقاد في الروح نستطيع القول بثقة أن كتاب البحث عن الإعتقاد في الروح في مصر مازالت معظم صفحاته بيضاء بالرغم من انه المعتقد الأكثر تواتراً بين الشعوب ؛ فكل الشعوب من أكثرها بدائية إلى التقليدية ثم الحديثة لديها تصورات ذهنية حول الروح وطبيعتها ومساراتها ، مما يدعونا إلى سبر هذا الاعتقاد في أحد أشكاله الحية التي مازالت تعمل عملها في قطاع من المجتمع المصري .
كما شكل الإنتشار الكاسح للإعتقاد في تلبس روح الطفل التوأم في قطة لتتجول في المجتمع وتعود إلى الجسد وإشكالية التناسب المفقود بين انتشار عنصر من ناحية وحضوره في الدرس الفولكلوري الغزير الذي غطى كل أنحاء المعمور المصري من ناحية أخرى دافعاً إلى تغطية جزء يسير من هذا التراث غير المادي .
أيضاُ يمكن النظر إلى ظهور المعتقد في صعيد مصر وإختفاؤة عن دلتاها والصحاري كمحفز على تتبع المسار الإفريقي للمعتقد وقنوات التبادل الثقافي الافريقي واستمرارها في المجتمع المصري .
المجال الجغرافى
لتحديد المجال الجغرافي للدراسة تم – مبدئياً – إجراء مقابلات مع أفراد مقيمون بالقاهرة – العاصمة – صاحبة التنوع السكاني الأكبر في مصر ، وأظهرت المقابلات ان المعتقد غير متدااول أو حتى معروف لمعظم سكان العاصمة ، اللهم إلا بين أهالي الصعيد الذين نزحوا إلى القاهرة .
ومن ثم تم الجمع الميداني من إخباريين ينتمون إلي محافظات أسيوط والمنيا وقنا والأقصر وأسوان وبإستقراء اراء أفراد ينتمون إلى محافظة بني سويف ظهر الإعتقاد لدى كبار السن وغاب عن جيل الشباب ،مما يشيرإلى أن المعتقد يأخذ عمقاً ويسري بشكل أكبر كلما إتجهنا جنوباً حيث أُجريت مقابلات مع شباب وأطفال في قنا وأسيوط والأقصروأسوان والنوبة ظهر المعتقد لديهم بقوة وكان من بينهم حالات للدراسة ، كما تم إستطلاع رأي بعض الاخباريين من شمال السودان الذين أكدوا سريان المعتقد وإنتشاره لديهم مع تنويعات في التفسير وشكل المعتقد .

المجال البشرى
في محافظات الوجة القبلي التي خضعت للدرس في موضوع « أرواح التوائم التي تسرح في قطط « كان لابد من مراعاة بعض الأبعاد - في إختيار الاخباريين وحالات الدراسة -التي يمكن ان تعطي للصورة حجمها العادل في المجتمع والتي كان لابد من توافرها حتى تتحقق معايير « شعبية « المعتقد وتعبيره عن المجتمع ، وأولى تلك المعايير هو الإنتشار : وكانت الملاحظة الأولى هي الإنتشار الكاسح للمعتقد في محافظات الدراسة ، وليس المقصود هنا هو إعتناق المعتقد ، وإنما مجرد المعرفة به ، فلم نصادف في محافظات الصعيد من يجهل المعتقد أو يستنكر إنتشاره ، في مقابل الجهل به في محافظات الوجه البحري والعاصمة .
المعيار الثاني لشعبية المعتقد كان هو التوارث ، شأنه في ذلك شأن سائر عناصر التراث الثقافي غير المادي ، وتم التحقق العملي من هذا المعيار من خلال المقابلات التي تم اجراؤها مع الاخباريين من كبار السن والذين يحكون حكايات عن حالات سمعوها من الاباء والأجداد عن القطط التي تسرح ليلاً وهي بني أدميين ( توائم ) ، واستمرار المعتقد لدى شباب وأطفال في مجتمعات الدراسة دليل على سهولة نقل المعتقد من جيل إلى جيل دون أن تعترض هذا التوارث عوائق .
المعيار الثالث كان هو الإنتقال الشفاهي للمعتقد ، وهو متحقق خاصة وأن المدون عن المعتقد يسير إن لم يكن نادراً ، وهو على قلته مر – حتى بين الدارسين – مرور الكرام ، فلم تتوقف أي من الدراسات للتستقصي كنهه ،هذا مع إجماع الإخباريين انهم سمعوا عن حكاياته و يعرفون حالات ولم يتم تليقنه من المدونات أو من أي قناة أخرى دون الانتقال لشفاهي.
وعن الأبعاد الإجتماعية التي حاولت الدراسة أخدها في الإعتبار حتى تأخذ صورة المعتقد أبعادها المختلفة فهي : البعد الديني والنوعي والعمري والطبقي ، فراعت الدراسة تنوع الإخباريين من حيث النوع والدين والطبقة والعمر ، كذلك حرصت على أن تتضمن « حالات الدراسة « هذا التنوع وتكون كاشفة له .

تساؤلات الدراسة
وضعت الدراسة منذ البداية عدداً من التساؤلات التي تهدف إلى الإجابة عنها من خلال البحث المكتبي والميداني فكانت :
سؤال عن الإنتشار : ما مدى إنتشار المعتقد في «سرحان أرواح التوائم في هيئة قطط» في مجتمعات الدراسة ؟ والانتشار هنا كان على محورين : أولهما المعرفة بالمعتقد، والثاني عن تبني المعتقد .
وسؤال عن التنوع من حيث النوع (ذكور / إناث) أيضاً على كافة الأصعدة ( المعرفة بالمعتقد ، تبني المعتقد، السرحان) .
وسؤال عن الجذور التاريخية للإعتقاد في أرواح القطط، وإلمسارات الجغرافية التي يمكن ان يكون مر بها المعتقد الذي نتصور ان له جذور / إمتدادات إفريقية.
ثم سؤال عن إرتباط المعتقد بالحالة الأقتصادية لحالات الدراسة، في محاولة لرسم خريطة «إجتماعية» لتوزيع إنتشار المعتقد.
وسؤال عن الإجراءات الإحترازية وطرق الوقاية التي يتخذها أفراد مجتمع الدراسة للحول دون سرحان أرواح التوائم في قطط .
والسؤال الذي يبرز مع المد الديني الذي ظهر كمتغير يلقى بظلاله على عناصر التراث الثقافي غير المادي، خاصة المعتقدات الشعبية، هو كيف أثر الدين (إسلامي / مسيحي) في الاعتقاد بسرحان روح الفرد في هيئة قطة ورجوعها إلى البدن. وهنا لزم مراعاة التنوع الديني للحالات وللإخباريين وتضمين الدراسة رأي رجال الدين في المجتمع.
ومع إنتشار التعليم في المجتمع كان من المهم ربط الإعتقاد بالتعليم ونوعيته في المجتمع، فهل أثر إنتشار التعليم في المجتمع على تبني المجتمع له، فهل ينتشر بين الأميين أو الذين حصلوا على قدر يسير من التعليم دون غيرهم ؟
ثم سؤال يفرض نفسه عن أثر تغير شكل العمران على المعتقد ، فمع إنتشار العمارات التي حلت محل البيوت ذات الدور الواحد أو الطابقين أصبح من الصعب على القطط التسلق ودخول المنازل، فهل أثر العمران على شكل المعتقد أو أدى إلى إنحساره؟

منهج الدراسة
اتبعت الدراسة المنهج الأنثروبولوجي مستخدمة من أدواته ما يناسب موضوعها، فتم إختيار مجتمعات الدراسة بعد محاولة تتبع المعتقد في مختلف محافظات مصر لتقتصر في النهاية ميدانياً على بعض محافظات صعيد مصر التي ينتشر فيها، ثم تم الإعلام عن مهمة الدارسة للكثيرين من أبناء تلك المحافظات لإستطلاع إتجاهاتهم نحو المعتقد من حيث المعرفة به ثم القبول به أو رفضه ، ومن خلال تلك المقابلات الآولية تم الوصول إلى حالات الدراسة التي راعت في إختيارها التنوع الطبقي والنوعي (ذكور / إناث) والعمري (أطفال / شباب / كبار السن) والتعليمي (أميين / متعلمين) والديني (مسلمين / مسيحيين)، كما تضمن البحث إجراء مقابلات مع إخباريين من رجال الدين بالمجتمع وأسر من جيران وأقارب حالات الدراسة .
وكانت المقابلة هي الأداة الرئيسية لجمع المادة الميدانية مع الإستعانة بالتسجيل بالفيديو ومع بعض الحالات التي رفضت التصوير تم الإقتصار على التسجيل الصوتى.
تم تصميم دليل عمل ميداني مبدئي لجمع مادة حول المعتقد إلا ان الميدان تخطى بمادته حدود الدليل وإستطاع أن يفتح آفاق أمام البحث فتم تطوير الدليل بشكل كبير من خلال العمل الميداني بحيث أصبح الدليل متماسكاً ويمكن الإستعانة به بشكل فعال في جمع مادة ميدانية حول الإعتقاد في أرواح التوائم من مجتمعات أخرى، أو حتى لتتبع تطور المعتقد .

ملامح المعتقد
يعتقد سكان صعيد مصر في أن روح الطفل «التوأم» تترك الجسد، أثناء النوم ، وتتلبس أحدي القطط وتمشي «تسرح / تتجول» في القرية، أو المدينة، حيث تذهب إلى البيوت وتدخلها وتتناول الطعام بها وتلتقي بمن ترغب، بل وتعرف ما يجري فيها. وعندما يستقيظ الطفل يظل متذكراً لأحداث الليلة التي سرح فيها ويحكي للمحيطين ما رآه وما سمعه وما تناوله من طعام، بل وما تعرض له من مواقف أو أيذاء ،كما يستيقظ أيضاً بإحساس بالشبع بسبب ما تناوله من طعام اثناء تجواله بالقرية.
ويرتبط هذا المعتقد بإعتقاد شائع في كثير من المجتمعات حول الروح وأنها يمكن أن تغادر الجسد وتعود اليه في أثناء الحياة، وإن كان ابناء الصعيد يخصون في هذا الأمر التوائم الذين يقتصر عليهم خروج الروح خاصة أثناء النوم .
ومن اللافت للنظر أن الانثروبولوجيين الأجانب الذين درسوا صعيد مصر قدموا وصفاً لهذا المعتقد وذكروه كما حكى لهم عنه الاخباريون، فها هي بلاكمان التي زارت الصعيد ودونت ملاحظاتها على عادات ومعتقدات أهله ذكرت شئً من هذا بشكل عابر ولم تخص به التوائم، فتقول «هناك معتقد شائع في مصر، كما في غيرها من البلاد، وهو أن الروح تغادر الجسد أثناء النوم. لذلك يُعتقد أنه من الخطر إيقاظ إنسان ما بطريقة مباغته، خوفاً من ألا يكون لدى الروح الوقت الكافي لعودتها إلى جسم النائم. ويجب أن يتم الإيقاظ ببطء شديد، كي يتوفر للروح الوقت اللازم لعودتها. ولا أدري بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تعد الروح في موعدها. ربما تتبدل شخصية النائم أو يصاب بالخبل» (وينفرد بلاكمان، الناس في صعيد مصر، ترجمة أحمد محمود، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية، القاهرة، الطبعة الثانية، القاهرة، 2000، ص 209). فيلفت نظرها الاعتقاد في مغادرة الروح للجسد أثناء النوم وهو الذي الذي مازال متواتراً حتى يومنا هذا ولكن المعتقد السائد الأن يشترط أن يكون الطفل له توأم وغالباً ما «يسرح» أحد أفراد التوأم دون الأخر، ويرسم ملامح المعتقد بشكل دقيق فينكلر الذي عمل على دراسة صعيد مصر في ثلاثينيات القرن الماضي بقوله «عندما تلد إمراة توأماً سواء كانوا من نفس النوع أو النوعين، فإن روح احدهما - واحد فقط - يمكن أن تتحول إلى قطة، ولو أمكن يجب أن يُعطي التوأم في الأربعين يوم الأولى بعد الولادة - إلى جانب لبن الأم - بعضاً من لبن أنثى الجمال «الناقة» ليشربوه. وفي هذه الحالة يمكن أن تقل إحتمالية التحول. وإذا لم يكن لبن الإبل متاحاً فإن روح أحد التوائم سوف تتجول «تسرح» كل ليلة على هيئة قطة، ويظل الجسد راقداً مكانه غارقاً في النوم. وإذا استيقظت الأم من نومها فانها تهز رأس اطفالها، وهي بهذه الحركة توقظ التوأم الذي سرحت روحه كقطة وبهذا يموت الطفل لأن الروح في وقت استيقاظه كانت غائبة عن الجسد . تتجول الروح في هيئة قطة وتشم في بيوت الغرباء وتتناول من الطعام الذي تجده، رائحة البصل بالتوابل «التقلية» بشكل خاص تجذبهم .وهذه القطة - الشبح- ليس لها ذيل أو لها ذيل قصير جداً، ويمكن ان يحاول أحدهم ضرب هذا القط أو قتل اللص الشبح في منزله، وإذا هو فعلاً قتله فإنه لن يجد قط ميت؛ لكن الطفل – الذي كانت روحه قط - يموت. ويتبع جنس القط جنس الطفل التوأم، فهو قط ذكر للطفل وقطة أنثى للطفلة، وحين يصل التوأم إلى البلوغ فان روحه لا تسرح في هيئة قطة، ومع ذلك تظل بعضاً من مظاهر الغرابة مثل انه يظل ينجذب بشكل كبير لرائحة الطعام - خاصة «التقلية» - وهي أكثر روئح الطعام انتشاراً في قرى صعيد مصر، فإذا شم احد هؤلاء الأطفال «التقلية» فإنهم يعدونها له على الفور في البيت، وإذا لم تتوفر لديهم الإمكانية فانهم يطلبون بعضاً من هذا الطعام من المكان الذي انطلقت منه الرائحة، وإذا لم يحصل على التقلية التي اشتهاها فإنه يقع مريضاً».
Hans Alexander Winkler ,Ghost Riders of Upper Egypt-A study of spirit possession, Translated and introduced by Nicholas S .Hopkins , AUC Press,Cairo,2008.p.26-27.
وهكذا فإن في وصف فينكلر لملامح المعتقد ما يوحي بأنه إهتم بإستقصاء كنهه ووسائل الوقاية من حدوثه واستخدام المصطلحات المحلية «كالتقلية».
ومن خصائص هذا الاعتقاد هو ان احد التوائم غالباً هو الذي يتجول في هيئة قطة دون الأخر إن كان الأخر يعلم ويحاول الأول أن يغريه بمشاركته في اللعب والخروج ليلاً والأكل ومقابلة الأصدقاء القطط ، ويحكي طفل توأم أنه يحب أن يأتي أخوه معه ويشاركه الخروج ولكنه قلما يوافق، وبسؤال التوأم الأخر أخبرنا أنه يذهب معه قليلاً وانه لا يحب السرح خوفاً من الضرب والأذية (الحالة رقم 1 توأمين من البر الغربي بالأقصر)، وتخبرنا طفلة أخرى ان أخيها لا يشاركها الخروج لأنه «جبان» وانها تغريه بأنهما سيتناولوا طعام «حلو» ويتجولوا ويقابلوا اصدقاء لكنه يرفض، ويتندر جد هذا التوأم – وهو من الأقصر - بهذا الموقف لأن «البنت قلبها جامد عن الولد» (الحالة رقم 2 طفلة تسرح في مدينة الأقصر)، ومن خلال المقابلات التي اُجريت مع حالات الدراسة عن إنفراد أحد التوأمين بالسرح أو كليهما اتضح أنه يمكن – في حالات قليلة – ان «يسرح» التوأمين، إلا انه من المعتاد أن يسرح أحدهما فقط. وبتحليل المقابلات التي تؤكد فيها الحالات على انهم يحاولون إغراء التوأم الأخر بالخروج كان لابد من السؤال عن ما إذا كان أمر الخروج في شكل قطة يتم بإرادة الطفل أي انه ينوي الخروج في تلك الليلة ويرتب للذهاب إلى أماكن بعينها ، ذكر معظم الاخباريين ان هذا يتم بإرادتهم الحرة وان كثير منهم يرتبون للخروج ومنهم طفل كان يتفق مع اصدقائه في المدرسة- التوائم- من الذين يشاركونه الخروج في القرية ليلاً على اللقاء مساءً في مكان محدد للذهاب والأكل واللعب (الحالة رقم 3 طفل من النوبة)، وتؤكد ذلك أحدى الفتيات من حالات الدراسة بقولها «أنا بدخل أنام وأنا قايله أنا هاطلع النهاردة، وأروح في النوم وبكون قايله مثلاً أنا النهاردة هلبس أبيض في إسود ، فأطلع بسه أبيض في اسود وأقف في الشارع وييجوا لي البسس التانية، أيوه احنا بنفهم بعض وبنتكلم ونتفق وبنعرف أخبار بعض بنتكلم بلغة القطط مش زي ما بنتكلم دلوقتي» (الحالة2)، وتحكي حالة انها أقنعت أخوها أن « يطلع» معها وهي تلح عليه كثيراً «بقول له هنرجع على طول وهناكل حاجات حلوة لكن ما بيرضاش ومره طلع وإتلموا عليه القطط وضربوه وإتعور ومن يومها مش بيطلع خالص».
أما عن التعرف على ان الطفل يسرح فيذكر الإخباريين أن معظمهم عرفوا من الطفل نفسه الذي يستقظ متذكراً ما مر به ويحكي لوالديه علاوة على وجود أثار الضرب أو الجروح التي تظهر عليه لتدلل على صدق روايته .
وكثير من الأمهات اللاتي أٌجريت معهن مقابلات أكدن انهن كل يوم يحرصن على التأكيد على اطفالهن قبل النوم الا يخرجوا «يسرحوا» وتعد لهما طعام عشاء شهي وتتأكد من انهم أكلوا قبل النوم حتى لا تغريهم رائحة أكل أو يجوعون فيذهبوا للأكل في «بيوت الناس» مما يسبب لهم حرجاً ،ومن خلال معايشة مجتمعات الدراسة اتضح أن دخول الأطفال القطط إلى المنازل كثيراً ما يكون موضوعاً للمشاحنات بين الجارات، أو أن تؤكد الامهات علي الطفل دائم السرح أن يذهب إلى منزل أخته المتزوجة والتي تعد كل يوم طبق طعام وتضعه بجوار باب البيت حتى يتناوله اخوها في حالة حضوره، وذلك حتى لا يذهب الى منازل الغرباء الذين قد يؤذونه .
ويحظي المعتقد بإنتشار واسع في مجتمعات الصعيد المحلية إلى حد أن البعض قد يلجأون إلى إستئجار سيارة تدور في القرية وتنادي «اللي حابس قطة يفتح لها» لأن طفل لم يستيقظ لفترة طويلة حيث ان روحة مازالت مع القطة التي لم تتمكن لسبب ما من العودة للمنزل ،ويحكي بعض الاخباريين من مدينة الأقصر: انه كانت هناك سيدة تسرح وهي متزوجة وزوجها يعلم، وكانت عندما تنوي ان تسرح تنام تحت السرير، حيث يُخشى على الشخص السارح ان يوقظه أحد أو يخبطه وهو بدون روح فيموت، وعاد زوجها من العمل ظهراً ليجدها نائمة تحت السرير ولم تستيقظ وظلوا يبحثون طيلة اليوم عن قطة محبوسة إلى ان وجدوا قطة كانت في منزل رجل يعمل في المطار ويعود إلى منزله ليلاً وبمجرد أن عاد وفتح باب منزله انطلق قط مسرعاً «طارت» واستيقظت السيدة، وهي حكاية متداولة في الأقصر، وتحكي الامهات عن انتظارهن عودة الروح لأبنائهن واستيقاظهم بقلق شديد حيث يظل وارد أن يكون الإبن قد ناله أذى أثناء «سرحه»، فيحكي محمد شحاته «في يوم كنت بصحبة والدتي في الحقل خلف منزلنا، وكان الحقل مزروعاً بنبات الفول الحراتي الأخضر، وفجأة غلبني النوم فتركتني أمي بصحبة سيدة مسنة نائماً على قدميها، وعندما عادت أمي بعد دقائق وجدتني جثة هامدة فأخذت في الصراخ وعندما سمعت صوتها –تقول- أنني عدت بسرعة إلى جسدي، وما أذكره انني تجولت بين زراعات الفول الحراتي وتناولت بعضاً منه» (محمد شحاته على، كيف يتحول الطفل إلى قط – معتقد شائع عن التوائم في صعيد مصر، مجلة تراث الاماراتية ،العدد 206 ،ديسمبر2016، ص102).
ويحظى إنتشار المعتقد بإعتراف من المجتمع ومؤسساته الرسمية خاصة وأن كثير من العاملين بها ينتمون إلى نفس المجتمع ، فيحكي والد توأمين أن طفليه يتكرر تأخيرهما على المدرسة صباحاً لأنهم لا يستطيعون إيقاظهما خشية ان تكون ارواحهما خارج الجسد فيموتون ، وعادة التوأم يُتركون حتى يستقيظوا بمفردهم ، وانه أخبر المدرسة انهم «بيسرحوا» فتم استثنائهما من الغياب لهذا السبب، في مؤشر على الإنصياع الكامل للمعتقد وتطويع عاداته ومؤسساته الرسمية له .

سرحان التوائم والبعد الإقتصادى
وكان لابد من تتبع العامل الإقتصادي الذي يمكن ان يكون سبباً في الخروج لتناول الطعام في بيوت الأخرين نظراً لعدم توافر طعام شهي في منزل الأسرة، إتضح من خلال الدراسة أن السبب الإقتصادي يكمن وراء خروج بعض الحالات، خاصة في الماضي، فيذكر أحد الإخباريين من قرية جراجوس – مركز قوص بمحافظة قنا (الحالة رقم 4 بمحافظة قنا) إن أخيه كان يسرح ليلاً وكانوا ينامون مع أطفال أخرين يعملون معهم في أحد مصانع بالقرية في غرفة واحدة، لكن هذا الطفل كان كثيراً ما ينام مبكراً وفي غرفة منفصلة – خاصة في الأيام التي كان ينوي الخروج فيها – وجاء أحد الأشخاص إلى المنزل ظهراً ونبه على الطفل وقال له «أحنا طابخين وزة النهاردة ولو قربت همَوتك»، وكان هذا الرجل يعمل ساعاتي، ومساءً كان منهمكاً في تصليح ساعة على منضدة في المنزل وجاء الطفل في هيئة قط ظل يلعب في قدم الرجل ولكنه لم يشعر به بتاتاً لإنهماكه في العمل ، فإطمئن القط وذهب إلى المطبخ وقفزوأخد الوزة من «النملية» وأكلها، وفي الصباح إستيقظ الأطفال على صوت الرجل الذي جاء إلي المصنع غاضباً ومصراً على ضرب الطفل الذي قال له « إنت اللي إستفزتني». واثناء العمل الميداني تبين من السؤال عن الوضع الطبقي لبعض الأسر من حالات الدراسة انهم من مستوى إقتصادي متوسط حيث تستطيع أن توفر لأبنائها الطعام الكافي الذي يجعلهم لا يبحثون عن الطعام خارج المنزل ولكن يكون دافع خروجهم هو «الشقاوة» وهو المبرر الأكثر شيوعاً لدى الأسر التي ترفض الاقرار بان أطفالهم يخرجون لتناول الطعام.
وتستشعر بعض الأسر حرجاً من خروج ابنائها ليلاً للبحث عن الطعام حيث قد يُفسر خروجه بأنه نتيجة للجوع أو الحرمان وعدم توفر طعام بالمنزل والفقر، فتحكي إخبارية أن جارتها عندما تطهي سمكاً أو طعام له رائحة نفاذة بالمنزل - حيث من المعروف حب القطط للسمك وانجذابهم لرائحة الطعام المطهي «التقلية» وتتبعهم لرائحته – فإنها ترسل لهم بعضاً منه، وتم سؤالها عن عادة تبادل الطعام في المجتمع أقرت بوجودها لكن هذه الجارة تحديداً ترسل الطعام حتى لا تدخل منزلها ابنتها «القطة» وتعبث بالطعام، وفي المقابل يحكي شاب انه كان يسرح بغرض اللهو فهو يشرب قليلاً من لبن البيت الذي يدخله ثم يضع فيه تراب وهو ما تكرر ذكره لدى محمد شحاته في قوله «كنت أحفر تحت المكبة حتى أصل إلى مواجير اللبن وأظل أشرب من كل واحد منها بعض اللبن، وبعد أن انتهي أقوم بوضع التراب في تلك المواجير فوق اللبن المتبقي، وفي الصباح بعد أن استيقظ من نومي كنت أسمع عمي وزوجته يتحدثون مع والدتي عما حدث مني في منزلهم ليلة أمس، ويقولون لها انه يمكنني شرب وأكل ما أريد ولكن بدون وضع التراب على باقي اللبن وتتحدث معي أمي وتطلب مني ان لا أفعل ذلك مرة أخرى وتطلب مني أن أشرب من اللبن الموجود بمنزلنا، وأعدها بعدم تكرار ذلك، ولكن تسوقني أقدامي ورفاقي من القطط كل ليلة إلى ذلك المكان وأكرر الفعل نفسه» (محمد شحاتة علي، م.س.)، وان كنا لا ننكر ان هاجس تناول الطعام كان يتكرر بشكل كبير في مقابلات الإخباريين؛ ويفسر هذا أحد الاخباريين بقوله «زمان كان الأكل قليل اللي يطبخ الناس كانت بتعرف» في اشارة إلى الندرة التي كانت تعاني منها مجتمعات الصعيد، وان كان معظم الاخباريون يحاولوا اثناء المقابلات نفي دافع تناول الطعام كسبب للخروج في هيئة قطة وان الطعام متوفر لديهم .
فتتبع العامل الإقتصادي أسفر عن تخطى هذا المعتقد حدود الطبقة الإجتماعية وان كانت بعض الحالات تؤشر للبحث عن الطعام كسبب تسوقه الجماعة الشعبية للمعتقد.
الإعتقاد فى سرحان روح التوائم والبعد الدينى
يتماس الإعتقاد في الروح مع الإعتقاد الديني لما تحتويه الأديان من حديث عن الروح وتصورات وتفسيرات حولها، ولكن نظراً لما يكتنف هذا المعتقد من غموض تظل تصورات المعتقد الشعبي مسيطرة ومتواترة ، وبإستطلاع اراء الأفراد الذين ينتمون الى الديانتين الرسميتين في المجتمع (الإسلام والمسيحية) إتضح وجود المعتقد وتبنيه من أفراد الديانتين؛ فإلى جانب الاخباريين إشتملت عينة الحالات على مسلمين ومسيحيين من مختلف قرى الدراسة، ففي قرية جراجوس في محافظة قنا تم إجراء مقابلات مع حالتين من التوائم المسيحيين أحدهما توأم ذكور والأخر إناث، وفي الحالتين كان أحد أفراد التوأم فقط هو الذي يسرح ويخبر الأخر بمغامراته، والحالة الثالثة كانت لطفل مسيحي سبقت الإشارة اليه (الطفل الذي أكل الوزة في منزل الساعاتي الحالة رقم 4).
وفي قرى صعيد مصر حيث يكثر تجاور الاسر التي تنتمي للديانتين ويتشاركا في المعتقد الشعبي بنفس القدر وجدنا اطفال من المسلمين يقرا بانهم يسرحوا مع اطفال مسيحيين قطط،
وكان من المهم إستطلاع رأي رجال الدين في المجتمع حول المعتقد وموقفهم منه ، الملاحظ بداية انهم لا يبذلون جهد في مقاومته أو التعرض له مع أفراد المجتمع، لكن مثلاً شيخ الكُتاب الذي يقوم بتحفيظ الأطفال القرآن في البر الغربي بالأقصر يقر بوجود الظاهرة ولكنه يستبعد أن يكون أحد الأطفال الذين يأتون إلى الكُتاب « يسرح»؛ لإن الطفل الذي يسرح «يسرق» ومن يأتون إلى الكًتاب يعرفون دينهم ولا يسرقون، كان هذا هو موقف شيخ الكًتاب الصريح الذي لا يتخذ موقف من المعتقد وإنما من فعل السرقة، ويؤكد هذا حالة طفلين توائم لا يحضرون دروس الشيخ لأن الشيخ يضربهم ضرب مبرح، وغالباً كان يعاقبهم على السرح الذي يعتبره حراماً لأن الطفل يسرق، وبسؤاله عما إذا كان الخروج يمكن أن يكون بغرض اللهو فقط أقر بأن «الغرض الأساسي من الخروج هو سرقة الطعام وان اللهو والتمشية في البلد مافيهاش حاجة»، وفي هذا إقرار واضح من الشيخ وتبني صريح للمعتقد، ونظراً للشعبية والاحترام الكبيرين اللاتي يحظى بهما الشيخ الطيب الذي يقُبل على ساحته في الأقصرالكثيرون للتبرك وأخذ الرأي كان لابد من إستطلاع رأيه في المعتقد؛ الذي لم ينكر وجوده بل وتفشيه في المجتمع وإن كان يرجعه إلى « جهل الناس بدينهم»، وبمواجهة والد أحد حالات الدراسة برأي الشيخ الطيب الذي يجله ويحترم رأيه أرجع هذا الرأي إلى ان «الشيخ بيتكلم على اللي جه في القرآن لكن مش كل حاجة جت في القرآن، وهو عارف ان دي حقيقة». ويظل مبرر أفراد مجتمع البحث لإعتقادهم في سرحان الروح ان «ربنا ماداش سر الروح لحد».
وظل هذا المعتقد مجهولاً لدى رجال الدين الذين تم إستطلاع ارائهم من خارج مجتمعات الوجه القبلي وكان وصفهم له بانه «خزعبلات» .

سرحان أرواح التوائم والنوع
من خلال تقصى إنتشار المعتقد في صعيد مصر كان من ألابعاد التي استهدف البحث تتبعها هو انتشار تبني المعتقد بين النساء / الرجال، فتساوى تبني الاعتقاد بين النوعين في مجتمعات الدراسة بعد أن كان أحد إفتراضاتنا هو: انتشار الاعتقاد بشكل أكبر بين النساء دون الرجال، ولكن جاء البحث الميداني ليفصح عن تشارك النوعين في المعتقد، ويحكي أحد الإخباريين: «كان عمي لا يقتنع ولا يصدق في ان حد ممكن يسرح وبيقول النسوان بتخرف، وانا كنت شقي فرحت البيت عندهم وأكلت أكل كانت مراة عمي مغطياه، فجه عمي يضربني «وأنا قطة» فمراته حاشته وقالت له إوعى لا يكون....، فزعق لها وراح جاب البندقية علشان يثبت لها ان دي قطة وان ده تخريف، حاشته مراة عمي وهشتني جريت، وصحيت الصبح حكيت لأمي فراحت على بيت عمي وخبطت صحتهم من النوم، فتح لها عمي فقالت له كده كنت عاوز تموت إبني؟ فسألها مين قالك؟ قالت له : هو، ومن يومها صدق».
وتحكي إحدى حالات الدراسة ان لها صديقة تسرح معها وهي مخطوبة لكنها وأهلها لا يخبرون خطيبها، وانها تنوي أن تقلع عن «السرحان» بعد الزواج، وانها تخفي عنه لأنها تخشى إذا عرف أن يتركها، وإن صديقتها تشجعها على إلاخفاء وتحثها على الخروج معها حتى الزواج. وبالسؤال عما إذا كان «سرحان» البنت في المجتمع يقلل من فرص زواجها ؟ كانت معظم الإجابات تنفي هذا، خاصة وان أكثر من حالة صادفها البحث لسيدات متزوجات ومنهن حالة سيدة مازلت تسرح وهي متزوجة وزوجها يعلم، وإن كان معدل السرحان أقل بكثير عما كان يحدث وهن أطفال. ويحكي الاطفال انهم يتجولون كقطط «مع بعض» بنين وبنات على غير المتعارف عليه في مجتمع الصعيد .

سرحان التوائم والتعليم
راعت الدراسة ان تشتمل الحالات موضوع البحث متنوعة من حيث التعليم فكل الأطفال من حالات الدراسة والتي تمت معهم مقابلات مباشرة كانوا في مراحل التعليم الإبتدائي والاعدادي ويجاهرون في المدرسة «بسرحانهم» كقطط ليلاً ويعلم هذا زملائهم في المدرسة ويتفقوا في المدرسة مع الحالات المشابهه لهم على الخروج ليلاً واللقاء كقطط. وتعلم المدرسة بهذا الأمر وتقدر تأخرهم عن الدراسة صباحاً.
والحالات من كبار السن والبالغين بعضهم كان من المتعلمين تعليماً عالياً والبعض الأخر من غير المتعلمين والذين يعملون في حرف يدوية ويتذكرون بوضوح كل تفاصيل المغامرات التي كانت تحدث معهم .
فالتعليم لم يؤثر في تبني المعتقد أو رفضه ، فإحتوت الدراسة على مقابلات من افراد من النوبة أحدهم حاصل على درجة الدكتوراه ويقر بالمعتقد ويحكي عن اصدقاء له كانوا يسرحون كقطط ويحكون له مغامراتهم، وحالة من حالات البحث من محافظة أسيوط تعليمها بعد الجامعي .فمع انتشار التعليم بمراحله المختلفة كان من المتوقع ان يندثر المعتقد وهو ما لم يحدث؛ حيث لم يُحدث التعليم الأثر المتوقع على المعتقد، شأنه في ذلك شأن كثير من المعتقدات الشعبية، مما يشى يأن آوان طرح نوعية التعليم وعلاقته بالتنويرقد حان.
إجراءات الوقاية من خروج أرواح التوائم «السرحان»
يتخذ المجتمع عدداً من الإجراءات التي من شأنها أن تحول دون خروج أرواح التوائم من أجسادهم اثناء النوم وتلبسها في قط يتجول في المجتمع وتعود مرة أخرى إلى الجسد فيستيقظ، وساعد على الاستعداد لهذا الحدث دخول الأجهزة الحديثة التي تخبر الوالدين بانتظارهما لتوأم، فيبدأ بالإستعداد، ومجرد إتخاذ الأفراد لإجراءات إحترازية ومحاولة الحول دون تعرض الطفل لهذا الموقف، يؤشر إلى إعتبار المجتمع «سرحان» الطفل ظاهرة مرضية يجب الحول دون حدوثها، وبسؤال إحدى الإخباريات عن سبب محاولات إتقاء خروج التوأم، أجابت بأن الأهل لا يعلمون إذا كان سيعود أم لا أو ما إذا كان قد ناله أذى، وان الطفل كثيراً ما يعود مصاباً؛ إذ يدخل البيوت ويعبث بالطعام فيضربه أهل البيت أو يذهب إلى أماكن خطرة ، ويتسلق أماكن مرتفعة مما يعرضه للسقوط ،علاوة على ان بعض الأمهات ذكرت ان ابنها كان يسرح وهو صغير جداً وكانت تخشى أن يتوه ولا يستطيع العودة إلى المنزل، أيضاً مع الأخذ في الإعتبار الغلظة المعروفة في التعامل مع قطط الشارع، وتتفاوت إجراءات الحماية بين الوسائل المادية والرمزية.
من أول تلك الإجراءات ان يتناول الطفل لبن ناقة نقي غير مغشوش ،فيحكي أحد الإخباريين وهو رجل مُوسع ولديه مقدرة مادية أنه سافر «بعربية مخصوص « إلى «دراو» في أقصى الجنوب ليشتري لبن الأبل خصيصاً لإبنته التي وضعت حديثاً توأماً. وانهم «نقطوا» في فم كل طفل بضع نقط من هذا اللبن حتى لا يسرحوا، وبسؤاله عن النتيجة أخبرنا انهم يسرحون مع ذلك لكنه متأكد انه بدون هذا اللبن كان الوضع سيكون أسوء بكثير، وأن «سرحانهم قليل علشان اللبن ده»، في حين تذهب حفيدته التي تسرح رغم ان عمرها أربعة عشر عاماً أنها تسرح لأنها تحب الخروج «ومبسوطة ومش متضايقة لأن انا زعيمة القطط اللي في المنطقة وأنا إللي بقول لهم نعمل ايه ونروح فين».
ولعل من أشهر الطقوس التي تتبع في المجتمع طقس حماية شهير وهو: في عملية رمزية يتم وزن كل طفل على ميزان وفي مقابله مشغولات ذهبية، ويعد هذا الإجراء متداولاً بشكل واسع، فكل تجار الذهب «الصاغة» في مجتمع الدراسة يعرفونه ويمارسونه ويعتبرون هذا مشاركة منهم في علاج طفل وهو عمل خير، فعندما تدخل الأم بطفليها لا تحتاج إلى شرح ما تطلبه ولا الغرض منه بل يبادر الصائغ إلى مساعدتها. وبسؤال أحدى حالات الدراسة أخبرتنا إلى ان السيدات في القرية يعمدن إلى جمع ما يملكن من ذهب وذهب القريبات والجارات اللاتي يتطوعن بجلب مصوغاتهن للمشاركة في رفع الأذى عن الوليد، وتتولى أحدى السيدات تدوين قطع الحلي وأسماء السيدات حتى يستعدن الحلي فور الإنتهاء من طقس الحماية الذي تؤديه النساء في المجتمع، وتشيرأحدى الإخباريات إلى ان هناك حالات يقمن فيها السيدات بوضع مقابل الطفل بعض الحبوب «هنجيب منين ثلاثة كيلو دهب؟ بنحط رز وعدس مع الغوايش والحلقان، مش كله يقدر يلم دهب كل ده «هذا مع إقتناعهن أن الذهب أكثر فاعلية في درء الخطر، لكنهن لا يتخلين عن الطقس تماماً في محاولة للحد من مخاطر الظاهرة.
أما وإذا ظهرت الأعراض على الأطفال فتلجأ الأسر إلى محاولة تقليل حدوث «سرح» روح الطفل بأن تحثه على عدم الطلوع وتوعيته بما يمكن أن يلاقيه من مخاطر أو أذى، كذلك يحرص الوالدين على إطعام الطفل دائماً وجلب له كل ما يشتهيه حتى لا يخرج للبحث عنه، فتوفير الطعام للطفل يعد من أكثر الأشياء التي تحرص عليها الأسر، فتذكر أحدى الأمهات انها تطهي سمك على الأقل مرتين في الأسبوع، ولابد من أن يتناول الطفل الطعام حتى الشبع تماماً قبل النوم، ايضاً جلب ما يطلبه ويحبه من طعام في أي وقت.
كذلك تحرص الأسر على التنبيه على الجيران والأقارب والمحيطين بأن طفلهم يخرج ليلاً في هيئة قطة حتى لا يتعرضوا لقط يأتي إلى منزلهم في أي وقت أو يضربوه، وعامة ينتشر في المجتمع الاعتقاد بعدم أذية القطط مساءً خشية أن تكون أرواح. وبسؤال الإخباريين عن موقفهم من الإفصاح عن ان طفلهم «يسرح» وإذا ما كانوا يخجلون من هذا جاءت كل الإجابات بأنه بالرغم من الحرج الذي قد يسببه خروج الإبن ودخول بيوت الناس الإ أنه يجب الإفصاح وتنبيه الجيران والمحيطين والأقارب حتى لا يؤذوا الطفل إذا ما ذهب اليهم.
أيضاً تحرص الأسر على إعداد مكان خاص لنوم الاطفال التوائم بعيداً عن الأخرين حتى لا يصابوا بأذى، إذ يعتقدون انه إذا ما تم تحريكه أو إيقاظه وهو بدون روح يموت فوراً، «ان شالله ينام يومين ماحدش يقرب له، ببقي قلقانه يكون جرى له حاجة والا مش راجع، لكن هعمل إيه»، ولذلك كانت أحدى الزوجات التي تسرح تتفق مع زوجها على انها ستنام تحت السرير في حالة السرحان فيعلم هو أن الجثة الأن بلا روح فلا يقترب منها وإلا ستموت، وأقصى ما يمكن للأم ان تفعله هو أن تعاتب إبنها عند إستيقاظه وتسمع منه وتطلب منه الا يخرج مرة أخرى.
ويلجأ أفراد مجتمع الدراسة إلى ختان الأبناء كأحد إجراءات الحماية لهم من «السرحان» فيحكي أحد الإخباريين وهو من حالات الدراسة أنه أقلع عن السرحان بعد الختان، وانه يذكر جيداً يوم ختانه وكيف أن سطح منزلهم كانت تقف عليه مجموعة من القطط يصحن بصوت عال ويتألموا من أجله، وأن القطط ظلوا لفترة يأتون ويقفوا على سطح المنزل وينادوا عليه ليخرج معهم، ولكنه كان قد أقلع عن الخروج بعد الختان، ويُرجع هذا الاخباري توقفه عن السرحان كقط إلى الختان وبسؤاله عن موقف البنات اللاتي لا يتم الاحتفال العلني بختانهن ذكر انه لا يعلم شئ.

نتائج واستخلاصات
من خلال الدراسة الميدانية والمكتبية للإعتقاد في تجول أرواح التوائم في هيئة قطط في صعيد مصر توصلت الدراسة الى عدد من النتائج التي نوردها فيما يلي:
1 - ان الاعتقاد في الروح يتشكل بتشكل الثقافات والبحث عن أصل المعتقد أو محاولة تتبع مساراته التاريخية لايزال امراً حسمه صعب، فأبعد نقطة حية في نفوس الافراد تشير إلى التوارث، لكن حسم أمر النقطة الصفرية والأصل التاريخي امر لم نستطع الوصول اليه وإن كانت هناك بعض الاشارات الى الاصول قد ترجع الى مصر القديمة مع التسليم بأن البراهيين ليست قوية.
2 - أن تماس التصورات الذهنية عن الروح مع المعتقد الديني الرسمي يدعم وجود هذا المعتقد الشعبي ويعزز من إستمراره، ففي حين يتكأ المعتقد الشعبي على المعتقد الديني طلباً لشرعية الوجود يلفظه الاعتقاد الديني ويتبرأ منه، فيري الجوهري أنه «ليس من الأمور ذات الأهمية الرئيسية ما إذا كانت هذه المعتقدات قد نبعت من نفوس أبناء الشعب عن طريق الكشف أو الرؤية أو الإلهام، أو انها كانت أصلاً معتقدات دينية – إسلامية أو مسيحية أو غير ذلك – ثم تحولت في صدور الناس إلى أشكال أخرى جديدة بفعل التراث القديم الكامن على مدى الأجيال ،فلم تعد بذلك معتقدات دينية رسمية بالمعنى الصحيح، أي انها لا تحظى بقبول وإقرار رجال الدين الرسميين. وقد كان الشائع ان يطلق عليها في الماضي إسماً ينطوي على حكم قيمي واضح ،إذ كانت تسمى خرافات أو خزعبلات» (محمد الجوهري ،علم الفولكلور – المعتقدات الشعبية ،الجزء الثاني ،دار المعارف ،1980، ص21).
فيظل المعتقد الشعبي بما يمثله من بنية تحتية للثقافة منطقة التقاء بين الأفراد الذين ينتمون إلى الديانات المختلفة وهي الملاحظة التي انتبه اليها إدوارد لين في القرن التاسع عشر فيقول «وهناك ظاهرة غريبة في خُلق المصريين وغيرهم من الشرقيين وهي ان المسلمين والمسيحيين واليهود يتخذون خرافات بعضهم بعضاً، بينما يمقتون العقائد الدينية» (إدوارد وليم لين، المصريون المحدثون – عاداتهم وشمائلهم في القرن التاسع عشر، ترجمة عدلي طاهر نور، دار نشر الجامعات، الطبعة الثانية، القاهرة،1975. ص207) وهو ما استطاعت الدراسة الراهنة إثباته والتأكيد على استمراره.
3 - ان المعتقدات الشعبية تحتاج ان تكون مجالاً للدراسة البينية التي يتعاون فيها علم النفس مع الانثروبولوجيا والفولكلور، فأصبح من الضروري الاستعانة بمباحث علم النفس عند التصدى لدراسة المعتقدات الشعبية، فهذا المجال تحديداً من مجالات الدرس الفولكلوري لا يمكن سبره والوصول إلى تحليلات ناجعة فيه دون تدخل تلك المناهج التي ترد على تلك الاسئلة التي تبدو راسخة في الوجدان الشعبي تحركها عوامل التغير وتقف الحداثة امامها لا تملك لها دفعاً.
فما بين اتجاهات علم النفس وقدرته على الكشف عن الوظائف التي يقوم بها التفكير الخرافي وتقوم المعتقدات الشعبية بتحقيقها والحاجات التي تشبعها في حياة الأفراد ، ومحاولاتهم للوصول إلى معنى الخرافة والتفكير الخرافي أو التعرف على أكثر الخرافات شيوعاً في المجتمع، فإسهام المدرسة النفسية في تفسير الظواهر الاعتقادية يمكن البناء عليه واعتباره مدخلاً رئيسياً للتحليل والتفسير ،فعملت المدرسة النفسية منذ وقت مبكر على الأحلام مثلاً في حين مازال التعامل داخل الدوائر العلمية للمعتقدات ينظر اليها في كثير من الأحيان نظرته للقدر الذي لا يملك له لمجتمع دفعاً، والاشارة إلى الأحلام هنا لما تربطها بالمعتقد موضوع الدراسة من صلة نوعية، من حيث ان كلاهما تدور وقائعه أثناء النوم، وفي حين ظهر في الدراسات النفسية تقسيم وظيفي مبكر للتفكير الخرافي يحددها نجيب اسكندر بانها:
تفسير ظوهر غريبة
تحقيق حاجة أو جلب منفعة
تجنب ضرر أو دفع خطر ( نجيب اسكندر ،التفكير الخرافي ،مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ،1963.ص46)، وفي حالة الاعتقاد في ارواح التوائم يمكن تحديد الوظيفة في تفسير الظواهر الغريبة، فظاهرة الطفل التوأم لا تخلو من خروج عن العادي والطبيعي.
وانتشار المعتقد وما يمكن ان يشير اليه من وجود واستمرار التفكير الخرافي يدفعنا الى تقصى المصطلح نفسه «التفكير الخرافي» وما يرتبط به من سمعة «التخلف»، مما يجعلنا نتسال عن وجود معتقدات مماثله في المجتمعات المتقدمة، خاصة وان معظم المجتمعات لديها تصورات حول الروح تخرج عن نطاق العلمية التي تتصف بها، وتنبه النفسيون من البداية الى هذا الاتجاه الذي ينصف مجتمعاتنا، فيذكر نجيب اسكندر هذا الوجود المتفاوت للتفكير الخرافي بقوله «فالتفكير الخرافي ليس ظاهرة خاصة خارجة عن الطبيعة أو لا يستخدمه إلا البدائيون بل إن الإنسان المتمدين قد يفكر تفكيراً قريباً من التفكير الخرافي وإن استند على حقائق علمية فالمهم هو طريقة تناول الظواهر والحقائق وطريقة ربطها، وقد ينحرف الإنسان دون وعي عن المنطق فيفكر تفكيراً خرافياً» ( نجيب اسكندر، التفكير الخرافي، م.س.، ص23). فإرتباط الخرافة بالاسطورة قديم والبحث عن البقايا الأسطورية في المعتقدات الشعبية بات أمراً ملحاً، وهذا ما يؤكده أحمد مرسي بقوله «أما الخرافة فإنها في اعتقادنا بقايا أسطورية ظلت موجودة في وعي الإنسان ولا وعيه أيضاً ،وذلك عندما تحللت الأسطورة وفقدت وظيفتها، وهبطت من مكانها، لتصبح ممارسات ومعتقدات صغيرة » (أحمد مرسي، الإنسان والخرافة – الخرافة في حياتنا، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003).
4 - هناك امتدادات افريقية في التصورات الذهنية والمواقف الاعتقادية من التوائم حيث تدور حول التوائم عدداً من المعتقدات في بعض البلاد الافريقية، ففي مدغشقر يعدون ولادة التوائم لعنة ونذير شؤم، ويمكن فهم هذا إذا مارددناه الى تردي حالة الرعاية الصحية التي فيها تؤدي ولادة توأم الى وفاة الأجنة او وفاة الأم ايضاً، لكن اللافت ان «وجد المستعمر البريطاني عند غزوه لتلك الديار في نهاية القرن التاسع عشر ان رجال تلك القبيلة يقتلون التوائم تشاؤماً منهم وخوفاً من ارواحهم الشريرة، وكانت المرأة الحامل عندهم تدعو ربها ليل نهار الا تضع توائماً، وعندما تكون المرأة بين يدي القابلة (الداية) في حالة الوضع فان القابلة ستطلق ساقيها للريح إن أحست أن مولوداً أخر في طريقه للخروج من رحم تلك المسكينة.... ويؤخذ التوائم بعيداً ويقذف بهما وهما يصرخان في غابة كثيفة حيث تتولى الهوام والحيوانات التخلص منهما» (بدر الدين حامد الهاشمي، التوائم في افريقيا القديمة: بشرى ونذير) .والاحصائيات تشير الى عدد كبير من ايداع التوائم في مدغشقر في ملاجئ الايتام وابويهم أحياء ولكنها سطوة المعتقد. وعن الإمتدادات الأفريقية يشير الإخباريون أن التوائم في السودان يتحولون الى «كدايس» أي قطط، ويتفاوت الإعتقاد في التوائم من بلد افريقي للأخر ففي الوقت الذي تسبغ عليهم بعض الثقافات قدرات خارقة أو تصرفات غرائبية كما في مصر والسودان، تتشائم ثقافات افريقية من وجودهم كما هو الحال في بعض قبائل مدغشقر، وتعدهم نيجيريا مصدراً للخير والتفاؤل، وتذكر موسوعة الأساطير حكاية افريقية تربط بين التوائم والقرود وهي ان القرود دمرت لأحد المزارعين محصوله فبدأ يقتل كل القرود التي يجدها، وعندما حملت زوجته أرسل القرود روحين إلى رحمها، فوُلدوا كأول توأمين، وللحفاظ على هؤلاء التوأمين وحتى لا يموتا توقف المزارع عن قتل القرود (Myth encyclopedia).
5 - الاعتقاد في تجول ارواح التوائم في صعيد مصر تخطى حدود الطبقة الإجتماعية والتعليم والدين والنوع؛ فجمع الأفراد من مختلف الطبقات الإجتماعية ومراحل التعليم ومن النوعين والديانتين السائدتين في المجتمع بالرغم من تعامل المجتمع معه تعامله مع المرض الذي يجب الوقاية منه أو الحث على عدم الخروج لما يمثله من مخاطرة على الطفل، ولكنه في الوقت ذاته لا يدين الشخص الذي يمارس الخروج أو يجرمه، بل انه في كثير من الأحيان يتعاطف معه .
6 - تعاملت المجتمعات الريفية مع الحيوان تعاملاً خاصاً، فكان من اللافت ما يتسم به القط من خصائص وقدرات، فتكثر حوله المعتقدات من انه يحمل ارواحاً أو أن عيونه التي تضئ في الظلام ليست أمراً طبيعياً أو حتى معتقدات حول ما تصدره من اصوات والقط الأسود وما يرتبط به من تشاؤم والمثل الشعبي الذي يشير إلى ان لها «سبع ارواح» بقدراته على القفز والتسلق دون الإصابة، فاجتمع في المعتقد موضوع الدراسة ظاهرتين وجد المجتمع أنهما غريبتان فلم يكن من الغريب ان يجد لهما التفكير الشعبي تفسيراً.