اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

أرواح التوائم معتقد شعبى فى صعيد مصر
يقدم المعتقد الشعبي شبكة من المفاهيم والممارسات للتعامل مع الواقع المتاح والمجهول في محاولة إما لفهمهما أو للسيطرة عليهم...

الثقافة الشعبية ومجلتها
الثقافة الشعبية اسم هذه المجلة، وهو اسم اختاره من قاموا على إصدارها عن قصد، لا باعتباره مجرد عنوان لمطبوعة، ولا لمجرد ال...

المرأة وصورتها في المثل الشّعبي في تونس: محاولة في قراءة أنتروبولوجيّة.
تتردّد اليوم كثيرا على ألسنتنا كما تردّدت خاصّة على ألسنة أسلافنا أمثال عديدة ومتنوّعة طالت ميادين مختلفة من ميادين الحي...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
المعتقدات الشعبية أسسها وتجلياتها في الممارسة العملية
العدد 42 - عادات وتقاليد

د. عاطف عطيّه - كاتب من لبنان

 

البحث في المعتقدات الشعبية العربية يقتضي العمل على بدايات تعرّف العربي على المظاهر الطبيعية التي تحيط به، وتؤثر فيه، من خلال إعمال حواسه في استكشاف أبعادها، ومعرفة ما تعنيه وما توحي به حركتها وتغيراتها، من تقلّب اليوم بين نور وظلمة، والأحوال حوله وفيه بين برد وحرارة، ومنظر سطح الأرض بين منبسطات وأعماق ومرتفعات، وبين صحو سماء، وتلبّد غيوم، وهبوب عواصف، ولمع وما يرافقه من أصوات غريبة تُدخل الرعب إلى النفوس. هذا طبعاً، بالاضافة إلى الحيوانات التي تسرح حوله وتخيفه في أكثرها لأنها تحاول النيل منه، كما من بعضها، على قاعدة الآكل والمأكول.

الظواهر الطبيعية والمخيّلة الانسانية
كل هذه المظاهر المحسوسة، منذ بدايات التفتح الانساني على الطبيعة، شغلت حواس الانسان في كل مكان من العالم، ومن هؤلاء الانسان العربي. وهذه الأحاسيس وصلت إلى الباطن، ولعبت لعبتها في المخيّلة، ودفعت الانسان إلى محاولة تفسير هذه الظواهر على موجتين متقاطعتين؛ موجة الحماية والدفاع ضد ما يمكن أن يضرّه من هذه الظواهر والموجودات؛ وموجة التكيّف والتفاعل مع ما يمكن أن يشكّل الدفعَ للانسان ليعمل على تثبيت أوضاعه ومساعدته على الاستمرار، ومن هذه: الماء والنبات والطقس المعتدل والحيوانات التي يمكن أن تكون، في البدء، تحت سيطرة الانسان.
وفي اللحظات التي كان الانسان يعمل على تأمين سلامته، وسلامة المجموعة، باعتباره عضواً في رهط؛ وهو وحدة قرابية أولية أو عائلة أو عشيرة، كان يعمل على محاولة فهم وتفسير ما يحيط به، وابتداع الوسائل التي تحمي من الضرر، وتزيد من جلب الخير له وللجماعة. من هنا، كانت الأهمية الكبرى في هذه التجمعات المغرقة في القدم، للشخص العارف والمفسّر. وأطلق عليه منذ تلك الأزمنة لقب العرّاف والساحر؛ وهما اللقبان اللذان يؤشّران على مصدرَي المعرفة في أحوال العالم المحيط، ومن ثم انتشارها بين الناس العاديين. ومن هنا أيضاً، ظهرت صنوف التبجيل والاحترام للعرّاف والساحر، لأن المصير متعلّق بهما، وما يقولانه، أو يأمران بفعله، يمثّل الحقيقة المطلقة، والأمر الذي لا يُردّ.
ومن المعرفة الصادرة عن عارفي العشيرة أو القبيلة، أو ساحريها، ولترسّخ هذه المعارف في أذهان الناس، وانتقالها من جيل إلى جيل عبر الزمن، تحوّل ما هو مركزي في نظر هؤلاء، باعتباره المؤثّر المباشر في مسيرة حياتهم اليومية؛ تحوّل.. إلى معتقدات راسخة إن كان باعتبارها حقائق ثابتة، ينبغي حفظها جيداً، أو تداولها باستمرار وتناقلها بين الأجيال، لما للمعرفة من أهمية في تقليل الخوف مما تدلّ عليه، والاطمئنان إلى مساكنتها والتكيّف معها. ولأن المعرفة وحدها لا تكفي، فإن وسائل أخرى اعتمدها الانسان البِدْئي في علاقته مع الطبيعة، وهي التي تساعد عملياً في دفع الأخطار، والحماية من الضرر، ومواجهة الشرور، وجلب الخير والسعد، واستعمال وسائط الدفاع ضد ما يمكن أن يصدر عن الآخرين من ضروب السحر والحسد وصيبة العين، وغيرها من الأمور الناشئة، إما عن قوى خفيّة تغلغلت في ذهن الانسان، أو عن علاقات بشرية يمكن أن ينشأ عنها شتى ضروب الصراع والمنافسة والغلبة.
يفيد هذا الكلام أن المعتقدات الشعبية نشأت منذ عهود مغرقة في القدم. منها ما نشأ عن الظواهر الطبيعية التي ما كان الانسان العربي، أو غيره، يدرك أنها كذلك، إذ لا شيء باعتبارهم يتحرك من ذاته ولذاته. ولا بدّ لهذه الظواهر أن تعمل وتتحرك بموجب قوى تحرّكها. وبالتالي، لكل من هذه المظاهر الطبيعية روح، ولكل مظهر منها عمل تقوده روح هذا المظهر. وما على الانسان إلا الخضوع لهذه الأرواح، ومجاراتها، وإظهار الطاعة لها، وتقديم كل ما يلزم لمرضاتها. فتلازمت منذ تلك الأوقات، العلاقة بين المعتقد والطقوس المرافقة التي تعني تقديم الأضحيات والقرابين بآليات وخطوات محدّدة ومدروسة بدقّة، بقيادة وإشراف الساحر أو العرّاف(1)، ومن يساعده ممن ينتقيه من المحيط الذي ينتمي إليه.
وعليه، يمكن تصنيف المعتقدات الشعبية في صنفين إثنين: المعتقدات التي بقيت كذلك باعتبارها فهماً لظواهر طبيعية، مثل عملية خلق العالم، والجبل والشجرة، والحجر، والشمس والقمر، والماء، والحيّة. هذا طبعاً، بالاضافة إلى إيمانهم بالمخلوقات الحيّة من غير الانسان، وبموازاته، وعلى علاقة وطيدة معه، قريبة وبعيدة، منها ما هو خيّر ومنها ما هو شرير. وقد شملت المعتقدات المتعلقة بهذه المخلوقات الحية منها وغير الحية، الأهمية والدور في علاقاتها بالبشر. كما فهم هؤلاء هذه العلاقات منذ بدايات تفتّحتهم على أمور الحياة ومظاهرها.
أما المعتقدات المبنيّة على فعل الانسان، فقد جاءت بما يمكن أن يساعده على معرفة العالم المحيط به، باعتبار أن المعرفة تعطيه المقدرة على التكيّف والتفاعل والمواجهة. والفعل يؤمّن له الحماية والتخلّص من المصاعب والشرور التي يمكن أن تلحق به، أو لإحاقة الضرر بمن يعتبر أنه مصدر شقائه وعذابه. هذا طبعاً، بالاضافة إلى إقامة كل ما يلزم من طقوس للحماية من الأمراض أو الشفاء منها، وجلب السعادة وزيادة موارد العيش والتمتّع بأمور الدنيا. وذلك كله يتطلّب علاقات خاصة ومرسومة بالدقة اللازمة بين الناس، فرادى ومجتمعين، مع الإله أو الآلهة الموصوفة بقدراتها الخاصة والعامة.
لذلك، علينا أن نبحث في المعتقدات المتعلّقة بالظواهر الطبيعية لمعرفة أصولها ومنزلتها في معارف الناس، وما يمكن أن تقدّمه هذه المعارف والمعتقدات من زاد فكري جدير بالاستمرار والانتقال، وإن كانت هذه خليقة بالتغيّر والتبدّل نتيجة تطور الفكر البشري، أو نتيجة ظهور معتقدات جديدة مستمدة من هذه، أو مطوّرة لها أو ناقضة. ولكن يبقى، كما سنرى، بعضٌ منها في محتويات المعتقد الديني، أياً كان، حسب ترسّخه في لاوعي الانسان، باعتبار أن كل إنسان، مهما كان زمن وجوده، يحمل في لاوعيه شيئاً من إنسان ما قبل التاريخ، على ما يقول مرسيا إلياد(2)؛ وحسب أهميته في مجريات حياته، فرداً وجماعة؛ وخصوصاً ما يكون منها خارج الاطار التجريبي. ذلك أن ما يشكّل المقدّس، مهما كان شأنه، أو زمنه، يدخل في وعي الانسان ويترسّخ في لاوعيه ويبقى ملازماً له كعنصر من عناصر بنيته الذهنية، وليس كمرحلة من مراحل التطور المعرفي لهذه الذهنية. ويقول إلياد في هذا الخصوص: «المقدس عنصر من عناصر بنية الوعي، وليس مرحلة من مراحل تاريخ هذا الوعي»(3).
المعتقدات بالظواهر الطبيعية
ما علينا البحث فيه ضمن هذا الاطار، النظر إلى المعتقدات التي نشأت عن تعرّف العرب على بعض الظواهر الطبيعية التي شكّلت معارفهم البدئية قبل ظهور الإسلام. ذلك أن هذه المعتقدات كانت مفتاح علاقاتهم مع المحيط الذي يعيشون فيه؛ وهو المحيط المتّصف بقساوة العيش وشظفه الصحراوي البعيد عن اعتدال المناخ، والفقير في موارده المائية، وبالتالي النباتية والحيوانية. هذا بالاضافة إلى ما كان يسود في منطقة مشرقية مجاورة اتصفت بمواردها الطبيعية الغزيرة لدرجة الشكوى من الطوفان الذي دخل في صلب معتقداتهم، وشكّل إرثاً خالداً من الأساطير المتعلقة بالخصب ووفرة الغلال، والتقلبات الطبيعية التي تحوّل الوفرة إلى قحط، والحياة الخصبة إلى جفاف وموت. وهذا ما يدل على أهمية البيئة الطبيعية في توليد المعتقدات، ومن ثم تدوينها لتوريثها إلى الأجيال اللاحقة.
1 - خلق العالم:
استأثرت فكرة الخلق على اهتمام كل شعوب العالم. وظهر لديهم تعليلات متعددة تطول فكرة الخلق والمآل والمصير المحتوم. وقد ظهر من ضمن ذلك، العلاقة بين الآلهة من جهة، والعلاقة بين هؤلاء والبشر، من جهة ثانية.
قدّم لنا السومريون قصة الخلق، إبتداء من انبلاج الحياة من الغمر والعماء، من قبل خالق واحد. وهذا ما يدل على انبثاق الكل من الواحد منذ بدايات التكوين الحضاري الانساني. ويدبّر شؤون العالم آلهة يعملون مجتمعين برئاسة أربعة من الآلهة الكبار الذين يمثّلون المواد الأربع ( الإسطقسات)، أي النار والتراب والهواء والماء. وهؤلاء هم المسيطرون على العالم وضامنو استمراريّة الحياة فيه. وهم، أيضاً، الذين يشرفون على مسيرة الحياة من خلال تكليف آلهة صغار للقيام بما يؤمّن ذلك، إلى أن خلق الإلهُ الأكبر الإنسانَ ليكون سيداً على المخلوقات جميعاً.
أطلقت المعتقدات السومرية على الغمر المائي الذي هو مبتدأ كل شيء، إسم الإلهة «نامو» الوحيدة. وبموجب قدرتها الإلهية ولدت إبناً وإبنة، ما يعني أن الأنثى هي مصدر الحياة الإنسانية. وكان أن ظهر إله السماء وإلهة الأرض، ومن ثم جاء إله الهواء، أنليل، نتيجة التزاوج بين إله السماء وإلهة الأرض، وإن كانا شقيقين، وذلك لتمكين الحياة من الاستمرار. وإله الهواء، لكي يعمل بالقدرة اللازمة، لا بد له من فصل إله السماء عن إلهة الأرض، فكان له أن أوجد السماء لتكون مملكة أبيه، والأرض لتكون مملكة الأم. ولم يكتف بذلك، بل وجد أن الظلام يلفّ الكون فخلق ابنه القمر لينير له مسيرته الدائمة بين الأرض والسماء. ولضعف نور القمر، وجد هذا أن لا مناص من خلق قوة نورانية أعظم، فكانت الشمس. ومن ثم تهيأ العالم لاستقبال الإنسان، سيد المخلوقات الأرضية جميعاً. وكان خلق الانسان، على ما يقول الشواف، ليس حباً به، ولذاته، بل من أجل أن يهيَّأ لخدمة الآلهة، ولتقديم القرابين والأضحيات لهم لضمان بقاء استمرارهم(4). وفي هذا التحليل ما يبيّن العلاقة التبادلية، منذ بدء الحضارة الانسانية، بين الانسان والآلهة، عن طريق ترسيخ المعتقدات وتأمين ديمومتها بالطقوس اللازمة والأضحيات المحددة بما يقرره الكهّان والعرافون.
يقول فراس السواح، في هذا المجال، إن المعتقدات السومرية في خلق الانسان هي أول إنتاج تقوم به حضارة إنسانية، ومنه أخذ اللاحقون فكرة خلق الإنسان من طين، وعلى صورة الآلهة(5). وهذا ما دعا «كريمر» Kramer إلى اعتبار الحضارة السومرية مهد الحضارة(6). وإن التاريخ يبدأ من سومر حيث «ازدهرت أول حضارة راقية شيّدها الإنسان، حضارة تضرب جذورها في عمق ما قبل التاريخ، دامت بشكل أو بآخر، حتى قاربت بداية العهد المسيحي»(7).
اعتبر العرب، منذ بني إسماعيل، على ما يقول محمد عبد المعين خان، أن الخلق كان في أصله ماء. واستند في ذلك إلى ما يقول كعب الأحبار في أخبار مكة: «كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى السموات والأرض بأربعين سنة ومنها دحيت الأرض»(8). وقد اعتبر خان أن هذا الكلام جاء في فترة متأخرة، والغاية منه إدخال معتقدات يهودية في الاسلام، وكذلك الحال بالنسبة لإدخال بعض المعتقدات البابلية والفارسية، ومنها المعتقدات المتعلقة بالخلق والمذكورة في قصص الأنبياء(9). ومن هذه المعتقدات قصة الخلق التي تقول إن الله عندما خلق السموات والأرض، خلق جوهرة خضراء وهي أضعافهما مساحة. ونظر إليها نظرة هيبة فتحولت إلى ماء، ثم نظر إلى الماء فصار يغلي مع ارتفاع الزبد منه مع الدخان والبخار، وارتعب من خشية الله، وما زال الرعد قائماً وسيبقى. «ثم بعث الله من تحت العرش ملكاً فهبط تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، وإحدى يديه في المشرق والأخرى في المغرب باسطتين قابضتين على قرار الأرضين السبع، حتى ضبطها، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من أعلى الفردوس ثوراً له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدَمَي الملك على سنامه فلم تستقر قدماه فأحضر الله ياقوتة خضراء من أعلى درجات الفردوس، غلظها مسيرة خمسمائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار هذه الأرض وهي كالحسكة تحت العرش. ومنخر ذلك الثور في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفساً، فإذا تنفس مدّ البحر، وإذا ردّ نَفَسه جزَر، ولم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة خضراء، غلظها كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها... فلم يكن للصخرة مستقر فخلق الله تعالى نوناً، وهو الحوت العظيم اسمه لوتيا وكنيته بلهوت، ولقبه بهموت، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، قال والحوت على البحر..»(10).
وهنا يدخل الدسّ اليهودي ليقول، حسب خان، إن إبليس دخل إلى بطن الحوت ووسوس إليه ليُعلِمه عمّا يحمل من أثقال، وسيرتاح لو نفضها عن ظهره. فتحرّك ليفعل ذلك فأوجد الزلازل، ولكن، بأمر إلهي، لا تصل إلى حد الدمار الشامل رأفة بالانسان. والسماء سبع طبقات بدءاً من الموج المكفوف، مروراً بطبقة الصخرة، ثم طبقة الحديد فالنحاس وصولاً إلى طبقتي الفضة والذهب، وانتهاء بالياقوتة البيضاء، بالاضافة إلى الكواكب المعلقة في السماء كالقناديل(11).
في هذا السياق الذي يتناول المعتقدات الشعبية التي لا تزال في بطون الكتب التراثية، تبيّن لنا، من ناحية أولى، تشابك المعتقدات الشعبية التي عليها أن توجد شرحاً وتفسيراً لخلق الكون في كل موجوداته، وإلى تقديم معرفة تجيب عن التساؤلات التي توحي بها الطبيعة، أو تدفع بها، من ناحية ثانية. وعلى هذه المعرفة أن تصوغ أجوبة تتناسب مع قدرة هؤلاء على الاستيعاب، وتخفّف لديهم حس التساؤل والفضول، وتشغل فراغاً معرفياً في أذهان عمومهم.
ولأن ثمة معارف ومعتقدات متأتّية من حضارات سادت في المشرق، وخصوصاً في بلاد الشام وما بين النهرين، فقد امتزجت الأجوبة القادمة منها، مع الأجوبة التي ابتدعتها البيئة الصحراوية لتقدّم هذه المعتقدات عن الخلق وتركيب الأرض والسموات والمبنيّة في أكثرها على التصوّر المادي للوجود، لأن ذهنية العربي الصحراوية لم تصل إلى أكثر من هذا التصوّر، على خلاف ما كان سائداً في بلاد الرافدين والشام(12). وبذلك، كان انتاجهم يقتصر على ما هو مادي في الكون بكل موجوداته(13). وما يزيد من قوّة إقناع هذا الرأي، الآية القرآنية التي تقول: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش}(14). وهي الآية التي من ضمن آيات كثيرة غيرها، عملت على حصر أي فعل بالإرادة الإلهية ولو كان يوحي بصورته المادية، للتقريب من الأذهان. وبالتالي، أكدت على دحض الأفكار التي كانت سائدة قبل الإسلام، واستمرت بعده. ولنا عودة إلى ذلك لاحقاً.
وللعرب، بالاضافة إلى ذلك، ما يميّزهم عن غيرهم من شعوب المنطقة في مسألة خلق الانسان. ذلك أن خلـْقَ الانسان من تراب فحسب، فكرة تعود إلى عرب الجزيرة. وهي فكرة مادية تنسجم مع ما سبق. وجسد الانسان لا يتألف من طين خاص، ممزوج بدم إلهي، حسب المعتقدات السومرية البابلية، ولا هو على الصورة اليهودية التي تبيّن أن الانسان هبط من الجنة بتنكّبه الخطيئة بعد أن كان خالداً، علماً أن هذه الحكاية اليهودية مقتبسة من التراث البابلي الذي يبيّن أن أول زوجين خلقهما الإله آيا: «قام آيا بخلق زوجين شابين وأعلا من شأنهما فوق جميع المخلوقات»(15)، وهما بمثابة آدم وحواء، لأن أسبقية الخلق تغلب التسمية. إلا أن أمومة الأرض للانسان بقيت مرافقة للذهنية العربية المشرقية، ومترسّخة في أدبه وتاريخه(16)، كما في آداب وتواريخ شعوب كثيرة في العالم، تثبّتها المقولة الراسخة: «تذكّر يا إنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود».
2 - الحجر:
يستند محمد عبد المعين خان في كتابه «الأساطير والخرافات عند العرب» إلى مصادر عديدة من التراث العربي ليبيّن أهمية الحجر عند العرب قبل الاسلام، وما بقي من هذا الإرث بعد الاسلام(17). ومجمل ما ذكره يدلّ على أن عبادة الحجارة بدأت أولاً، حسب الأزرقي في أخبار مكة، عندما كان يرتحل جمع من بني اسماعيل من مكة، فيأخذ معه حجراً من حجارتها، باعتباره مقدساً من مدينة مقدسة، فيكون النظر إليه على أنه النظر إلى مكة والكعبة فيها. ومع مرور الزمن حل الحجر مكان المدينة والكعبة اللتين يرمز إليهما. فحلّت بذلك، الوثنية بدل دين ابراهيم واسماعيل التوحيدي، ودخل الراحلون مع أحجارهم، كما غيرهم من الشعوب المجاورة، في الضلال(18).
إلا أن هذا التأسيس الإيديولوجي للأزرقي الذي يُعيد كل شيء إلى أصله في أم القرى والكعبة، لم يمنع من انتشار عبادة الحجارة في الجزيرة العربية كلها. وكانت العبادة على هذا النحو معروفة. وإذا وجد عابدو الحجر أن ثمة حجراً أحسن مما يعبدون، يتخلّون عن الأول بكل سهولة، ليأخذوا من الثاني إلهاً لهم. وكانوا يستحسنون اللون الأبيض. وإذا لم يجدوا حجراً أوجدوه بعد أن يأتوا بحفنة من تراب ويعجنونها بحليب الغنم والصبغة البيضاء، لتصير وكأنها حجر ليعبدوه(19).
لم تقتصر عبادة الحجر على العرب في الأزمنة القديمة، بل شملت الكثير من شعوب العالم. ذلك أن الحجر في نظر هؤلاء يمثل القساوة والقوة والاستمرارية. ولهذه المواصفات كانت تتوجه العبادة لا للحجر بذاته(20).
وكان العربي الحجازي، على ما يقول خان، يبحث عن ربّه في كل مكان، «وكان يرى صورة ربّه في الأحجار التي تسترعي نظره، ويرسم صوراً خيالية في الأحجار التي يبحث عنها في كل واد»(21). وهذا لم يكن نهج العرب فحسب، بل كان نهج كل الشعوب المنتشرة في المشرق والمغرب، قبل أن يهتدوا إلى فكرة التوحيد الإلهي.
هكذا انتشرت الأحجار على صور أصنام منها ما يشبه وجه الانسان ومنها ما يشبه وجه الحيوان، وكانت جميعها موضوعاً للعبادة والتقرّب، باعتبارها آلهة يرجون شفاعتها للحماية والمساعدة. وقد اعتبرها العرب كذلك، وعبدوها على هذا الأساس. ومن هنا، بسبب الشفاعة، وبسبب القوة، تقرّب العرب، كما غيرهم من شعوب المشرق، من الحجر وحوّلوه إلى أصنام بأسماء متعدّدة. ذلك أنهم وجدوا فيه، بالاضافة إلى شفاعته المتأتية من صلابته وثباته، المقدرة السحرية العصيّة على الاحتراق بالنار. ولأن النار تموت بالماء أو بعدم وجود ما تأكله، يبقى الحجر، العصيّ على كل شيء، ثابتاً لا يتغير ولا يفنى. ولأنه كذلك، فهو الجدير قبل أي موجود آخر، بالتعظيم والعبادة(22).
لا يقتصر الأمر على قساوة الحجر وقوّته، ليكون جديراً بالتقديس والعبادة، بل امتاز أيضاً، حسب أنواعه، بفوائده الكبيرة والمتعدّدة للانسان، وبتلبيته لحاجاته على الأوجه المختلفة. ومن الأحجار التي قدّسها العرب، باعتبارها أحجاراً سماوية، الكعبة والحجر الأسود. وقد ورث الإسلام هذه النظرة، نظراً لما كانت تحوز عليه من قداسة سابقة على الاسلام، ما حدا بالرسول العودة إلى تقديسها بعد أن أهملها فترة، لأنها من مخلفات قبل الاسلام. يقول شلحد في هذا الخصوص: «إن شعيرة الحجر الأسود في الكعبة تبدو مستوحاة من الاعتقاد السابق للإسلام نفسه، الذي يحاربه القرآن. وهو الاعتقاد بوجود الألوهة في الأوثان»(23). ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل أعاد الرسول الاعتبار إلى الكعبة بعد مقاطعته لها بالتوجه في الصلاة إلى القدس. ولم يفعل الرسول ذلك إلا بعد التأكد من رسوخ قدسيّة مكة باعتبارها بيت الله، في البنية الذهنية العربية الاسلامية. لذلك أمر المسلمين «بإقامة الصلاة والوجوه مستديرة نحو قبلة مكة. وعلى هذا النحو أعيد دمج الكعبة في المنظومة الاسلامية، مع دورها القديم بوصفها بيت الله. والحجر الأسود... استرجع بدوره مكانته القديمة في العبادة»(24).
انتقل الاعتقاد الديني بقدسيّة الحجر، إلى الاعتقاد بفوائده الإنسانية عند العرب. وهي الفوائد المتعدّدة بتعدّد أصنافه وألوانه. من هذه المعتقدات ما ربطت بين الحجر والأبراج السماوية وأجزاء من جسم الانسان. ومنها ما يعتبر أن أصل الجواهر هو الدرّ القادم من السماء على هيئة حبات مطر تنضج في أذن الحوت المغلقة، وتتحوّل بعد حين إلى درّ. والدرّ حجر يُفرح القلب ويُصفّي دم القلب ويُضفي الجمال على الوجه. والياقوت سيد الأحجار، وإذا اختلط مع الدر، شدّا عصب العين. والياقوت ألوان متعددة لا تدنّسه النار، ويُضفي على لابسه المهابة والوقار، ويُسهّل قضاء الحاجات، ويدرّ الريق في الفم، ويدفع العطش ويقوّي القلب. أما حجر الفيروز فيُحدّ النظر ويقوّيه وينشّط النفس. وحجر العقيق يبعث الحلم والأناة وتصويب الرأي، ويكسب حامله وقاراً، ويسكّن الحدّة عند الخصومة. والنظر في المرجان يشرح الصدر ويبسط النفس ويفرح القلب ويسكّن الرمد ويمنع الجرح من الالتهاب، وغيرها الكثير(25).
-3 الشجرة:
تشكل الشجرة محوراً أساسياً في معتقدات الانسان القديم. فهي رمز الحياة والشباب والخلود. وقد كانت موضوع الخيال الانساني منذ وجوده، باعتبارها مبعث الحياة للانسان والحيوان معاً. وتوصلت الشجرة من خلال وعي أهميتها، إلى أن تكون مركز التبجيل والتقديس منذ بدء الخليقة، فهي شجرة الحياة وشجرة الحكمة وشجرة المعرفة، وشجرة الاستمرار الانساني(26).
ولأن الشجرة مصدر الخضرة ورمز الحياة الدائمة والدالّة على الخلود، فقد حظيت بالتبجيل والتقديس. وصارت خضرة الشجرة خضرة الحياة ذاتها. وظهرت أهمية الشجرة منذ بدايات الحضارة الانسانية، على أنها من محتويات العالم الإلهي، ورمز الحياة الأبدية منذ قصة الخلق، باعتبارها رمز الخصب والحياة منذ أيام عشتروت، وجلكامش، وأساطير الحياة والموت في بلاد الرافدين. ولأنها بهذه الأهمية، كانت منطلقاً لبدء الخليقة الانسانية، بعد خروج آدم من الجنة، بإغواء الحية وحواء، بعد أن أكل من شجرة المعرفة. فظهرت الشجرة، هنا، باعتبارها في الوجود قبل الانسان، ومبعث تمرّده على الإرادة الإلهية، كما وصلتنا من القصص الأسطوري القديم. ولأن الشجرة كذلك، ظهرت عشتروت على هيئة شجرة خصيبة ترمز إلى الحب والعطاء، كما ترمز إلى المناصرة بالقدرة الإلهية، باعتبارها النخلة المعطاءة وشجرة الميلاد المبشّرة بولادة المسيح.
ولندرة الأشجار في الجزيرة العربية الصحراوية، كان لوجود الشجرة لدى أهلها الأهمية الكبرى، باعتبارها دليلاً على الحياة، ومبعثها في الوقت نفسه. وقد خصّها العرب بمجموعة من المعتقدات التي تقدّس وجودها، وتحرّم الاعتداء عليها، على أي وجه كان. وقد كان لبعض هذه الأشجار صبغات مقدسة تصل إلى حد العبادة؛ ومن هذه الشجرات نخلة نجران، ونخلة ذات أنواط. وقد أجمعت كتب التراث، وفي شتى الحضارت، على اعتبار الشجرة رمز الحياة ورمز الخير والخضرة(27).
ويتمثل البعد الديني للشجرة بأنها ذات قدرة كونيّة لأنها تحمل بعداً روحياً. فهي تنمو بذاتها، وتتغير من حال إلى حال دون أي تدخل خارجي، إلا الاستجابة للتغيرات الكونيّة ، فتذبل وتتعرى ومن ثم تورق وتخضرّ. فتمثل، بذلك، ثنائية الموت والقيامة. لذلك اعتبرتها الميتولوجيا القديمة في المشرق رمزاً للكون وممثلة لدورة الحياة منذ بدء الخليقة، إلى نهاية الدهر. وفي الحضارة البابلية القديمة تمثّل الشجرة كل ما يمكن أن يدلّ على الخصب والتكاثر في كل الأنواع، من زراعة إلى ماشية، وإلى بشر أيضاً. وعلى هذا، فهي مبعث الطمأنينة والاستقرار، وموئل الراحة من تعب الأيام، ومقر الآلهة(28).
لا تبتعد الحضارة الفرعونية المصرية عن مثيلاتها من حضارات المشرق في النظر إلى الشجرة. فشجرة الحياة لدى المصريين القدماء منبع الأيادي الإلهية التي تخرج منها مبشّرة بالخصب ومحمّلة بالعطاء، وتسكب ماء الحياة من إناء. كما أن هاتور الإلهة المصرية المسؤولة عن استمرارية الحياة تسكن في شجرة سماوية(29).
على أي حال، كانت الشجرة من ضمن المظاهر الطبيعية التي لفتت نظر الأنسان العربي البدئي. فتوجّه إليها بآماله لتكون، مع المظاهر الأخرى، مبعث رجائه في الاستقرار المرجو. ذلك أن هذه المظاهر هي الوحيدة المنظورة والمحسوسة في مجريات حياته اليومية. ويرى نفسه على تماس مباشر بها، وعلى علاقة تقوى وتترسخ معها باعتبارها العناصر الوحيدة التي يمكن أن تشكّل حلقة التواصل مع عالم علوي لا يدري كنهه ولا نهايته. لذلك علّق العربي نظره فيها وحاول أن يفهمها على قدر استيعابه، وعلى قياس ذهنيته التي عليها أن تسلك مسافات طويلة لتنتقل من عالم المادة الذي يقدّم له إمكانيات المدارك، إلى عالم التجريد العقلاني، ووعي ما هو مجرّد مستخلص من العالم المادي، أو باستقلال عنه.
إن أهم ما عرفه العرب من عبادة الأشجار، عبادة شجرة «ذات أنواط»؛ وهي شجرة خضراء ضخمة، قرب مكة، يأتي إليها العرب كل سنة فيعلّقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها، ويعتكفون يوماً تحت ظلها(30). أما «نخلة نجران»، فقد عبدها عرب الجنوب. وكانوا يأتونها كل سنة في يوم معيّن اتخذوه عيداً، فيعلّقون عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلي النساء، ويعكفون عليها طيلة يومهم(31).ومن الدراسات الميدانية الهامة التي أظهرت استمرارية تقديس الشجرة وإجلالها وإحاطتها بكل الاهتمام، تلك التي قام بها الباحث محمد الناصر صدّيقي في منطقة السباسب بتونس(32). وهي مرتبطة بالدراسات التي أظهرت بقاء ما كان قائماً من العبادات ومظاهر التقديس قبل الاسلام، وفي الإسلام، ومنها تقديس الشجرة، وإن كان المقدِّسون يعتبرون أن القدرة الإلهية متجلّية فيها، وليس باعتبارها الشجرة، فحسب. والحال هذه هي نفسها بالنسبة للأولياء الصالحين، وأصحاب الكرامات. ذلك أن هؤلاء، وبالاعتبار نفسه للمؤمنين، يقومون بخوارقهم ومعجزاتهم بمعونة من الله وكرم منه. وعلى هذه الحال، يبقى الجميع تحت عباءة التشريع الديني، علماً ان الإسلام الرسمي (الشرعي) لا يقبل أي وساطة أو شفاعة بين المؤمن والله.
يبيّن صدّيقي كيف تكيّفت الطقوس الموروثة عن الأجداد مع المعتقدات الاسلامية وشعائرها عند بعض القبائل البربرية والعربية في تونس. وهو ما قوبل برفض ومعارضة فقهاء الدين، باعتبار أن ذلك يؤثّر في سلوك المؤمن التعبّدي. وما نتج عن ذلك، ظهور ما يمكن أن يكون سلوكاً صوفياً متناسباً مع مسالك حياتهم اليومية التي ترتبط «بعقيدة الإنسان الأول في عناصر الطبيعة وعقيدته في الروح الكامنة في الأشجار»(33).
لاحظ الباحث أن منطقة المغرب الأقصى، وريفها على الخصوص، ما زالت تمارس طقوس معتقداتها الشعبية التي تضرب في عمق التاريخ، ومنها على سبيل المثال تقديس شجرة العرعار عموماً(34)، وشجرة بعينها خصوصاً. فحافظوا، لذلك، على كل شجرة من هذا النوع، وجعلوا من الشجرة المخصوصة (شجرة أركان) محجّاً لإقامة الاحتفالات وممارسة طقوس الزواج والختان وتقاليدهما، للتدليل على المكانة المقدسة لهذه الشجرة في مخيالهم الشعبي، ولزيادة ترسيخها في أذهان الناس. أظهر الباحث صدّيقي ارتباط الشجرة المقدسة بولي مبجل ومقدس لحمايتها باعتبارها حراماً مقدساً، فكان أن زادت على قدسيتها ما أضفاه الولي من قدسيته عليها. وقد أضفت هذه القدسيّة على الشجرة حماية مستدامة جعلتها تستمر وتعمّر لأنها محمية بذاتها. ويصير من تحصيل الحاصل أن من يعتدي عليها، أو يقطع غصناً منها معرّض للعقوبة الربانية(35).
ومن الأشجار المقدسة مع كل ما يتعلق بها من صنوف المعتقدات والطقوس الحامية لها، ينتقل التقديس إلى أشجار العرعار بجملتها ليتحول إلى إيمان بقدرتها على الشفاء من المرض والتخلص من أنواع السحر والحسد، وإضفاء البركة على المساكن والناس وتشكيل العطور وأنواع البخور المستعمل في احتفالات الزواج والولادة والختان، واحتفالات الأعياد أيضاً، بعد الاستناد إلى ما يمكن أن يؤيّد ذلك من التقاليد الدينية، لتبقى مؤتلفة مع ما يقرّه الشرع(36). ويقول محمد الجوهري في هذا المجال: «إذا بدا لنا أن بعض هذه المعتقدات يتّفق مع مبادئ الدين، فإن هذا الاتفاق إنما هو ثمرة عملية تكيّف أو مواءمة متعمّدة لجأت إليها العقلية الشعبية كي تضمن للمعتقد الشعبي... البقاء وسط بيئة الدين الجديد، وتضمن له إقرار رجال هذا الدين»(37).
وهكذا يظهر مدى تأثير المعتقدات المغرقة في القدم واستمرارها عبر الزمن، متّخذة من التغيرات المُحَدثِنة للمجتمع والانسان وسائل للمواءمة والملاءمة والائتلاف مع الجديد، لتبقى وتستمر لمرونتها الفائقة التي تستبطن صلابة في النواة عصيّة على الاندثار.
-4 الحيوان:
منذ بدايات الوجود الانساني، عاش الحيوان مع الإنسان وارتبط وجوده بوجوده، برياً وأليفاً، أو خطراً ومفترساً. ومنذ ذلك الزمان، ارتبطت أحاسيس الانسان بما يراه ويلاحظه من حركة الحيوان حوله، واستخلص من ذلك ما أوصله إلى تدجين بعضها القابل للتدجين، وإلى اصطياد غيرها، حسب سهولة الوصول إليها، وبالوسائل اللازمة، والحماية من تلك التي تشكل خطورة على حياته. ومن خلال علاقاته المتنوعة هذه، استطاع أن يستخلص منها، بالخبرة والتجربة، أفكاراً وتخيّلات أوصلته في مجرى تاريخه إلى تكوين معتقدات أعطت لهذا الحيوان صفة البشارة، ولذاك صفة الشؤم، ولغيرهما صفة القوة، وكذلك الصبر والاحتيال والوفاء، وغيرها من المواصفات التي حاول الافادة منها ليبني ما يمكن أن يتناسب معها لخدمة توجهه في علاقاته معها، إما للمساعدة على العيش، والاستمرار؛ أو للحماية منها في حال كانت تشكّل تهديداً لحياته، أو تجلب، في تخيّله، المصائب والشؤم والخراب.
هذه العلاقة المغرقة في القدم مع الحيوان، والنبات أيضاً، باعتبارهما مصادر عيشه، ومبعث أمله وخوفه أيضاً، وطّد علاقته بهما، ووصلت إلى حد العبادة. وتعتبر هذه العبادة أقدم عبادة عرفها الانسان. أطلق عليها الباحثون في علم الأديان والأنتربولوجيون اسم الديانة الطوطمية. والديانة هذه لا تعنينا هنا إلا بقدر تدليلها على عمق العلاقة بين الإنسان والحيوان والنبات، وحتى الحجر أحياناً. إلا أن ما شاع من صنوف هذه العبادات ما يتعلق بالحيوان على أنواعه، ربما لأن الحيوان مبعث الرجاء والأمل، ومصدر الخطورة، في الوقت نفسه. ذلك أن أعضاء القبيلة الطوطمية توجهوا في عبادتهم إلى حيوان بعينه، لاعتقادهم الراسخ بأن القبيلة على علاقة نسب به، وهو يحميها ويبعث فيها الرجاء والأمل بالاستمرار وردّ الأخطار، مقابل التبجيل الذي تقدّمه القبيلة له باعتباره مقدساً ومعبوداً. وفي حالة التبادل هذه بين القبيلة وطوطمها، يصير محرّماً قتلُ الحيوان أو أكله، إلا في أزمات الجوع الشديدة. ووصل الأمر في الديانة الطوطمية إلى وحدة حال بين القبيلة وطوطمها، وظهر ذلك من خلال تسمية قبائل متعددة، بأسماء طواطمها، وفي أمكنة كثيرة من العالم(38). ويذكر شلحت، بالاستناد إلى ما ذكره لوروا، وهو أحد الباحثين في علم الأديان، أن الحاجة إلى الأعوان هي التي أوجدت الطوطمية. ذلك أن صعوبة العيش دفعت رأس القبيلة إلى التعاقد مع الحيوان ليفوز بحمايته، من جهة؛ وليأمن شره، من جهة ثانية. فالانسان «يرمي خاصة إلى الأسرة الحيوانية، وقد شد أزرها وجود روح فيها تمدّها بالمساعدة وتعطف عليها. وقد تكون هذه الروح روح الحيوان نفسه، أو روح أجداده... فما الاتفاق مع الحيوان إلا اتفاق مع العالم غير المنظور بواسطة مخلوق منظور»(39).
على كل حال، ما يخصنا من الطوطمية، هو إظهار تلك العلاقة الوطيدة مع الحيوان التي وصلت إلى مرحلة العبادة والتقديس لدى شعوب كثيرة في الأزمنة الموغلة في القدم، لنصل، من بعد، إلى العلاقة التي ربطت العرب بالحيوان.
من المهم التأكيد على أن المنحى الذي نحاه عرب الجزيرة في دياناتهم، يختلف نوعاً ما عن منحى المناطق المتاخمة في الهلال الخصيب: بلاد الشام وما بين النهرين. في منطقة الهلال الخصيب، كان الهم الأساسي للناس مرضاة العوامل الطبيعية التي تساعدهم في تحسين أحوالهم المعيشية، إن كان في جلب المطر، أو منع الطوفان، أو إحلال الخصب في الأرض الزراعية، أو المستعملة كمراع للحيوانات الداجنة. لذلك كان لديهم آلهة على صورة الإنسان، منها للسماء، ومنها للأرض، ومنها للمطر والرياح، ومنها للخصوبة، وغيرها. فكانت المعتقدات، بذلك، تختلف عن معتقدات البيئة الصحراوية التي عليها أن تنتج معتقداتها حسب ما تمليه عليها الطبيعة. ولكن في كل حال، كان على جميع هذه المناطق، أن تمارس الطقوس المتشابهة التي عليها أن تترجم عملياً معتقداتها؛ وهي المعتقدات التي تجتمع على تأمين حماية الناس وعلى رجاء استمراريتهم، بالطقوس اللازمة في معابد تقام على شكل دوائر مبنيّة من الحجر في العراء، أو تستظل أشجاراً مقدسة، وقد تكون الشجرة نفسها موضوع التقديس. وعادة ما تكون الأضاحي من النبات والحيوان، كما يمكن أن تشمل البشر أيضا، وخصوصاً المواليد الجدد والأطفال، كما كان يحصل في الأزمنة المغرقة في القدم، عند العرب، وعند غيرهم من الشعوب(40).
على الطرف الموازي، كان عرب الجزيرة يولون أهتماماً كبيراً بالحيوان في حياتهم اليومية، منذ أزمنة قديمة، باعتبار بيئتهم الصحراوية. فوطّدوا علاقاتهم مع بعضها، حتى وصلت إلى مرحلة العبادة الطوطمية، وإن كان ثمة خلاف حول ممارسة العرب للديانة الطوطمية(41). ولكن وثوق علاقتهم بالجمل والحصان، ومعارفهم العميقة بأنواع الحيوانات التي تسرح في بيئاتهم؛ بالاضافة إلى تكنّي قبائل عربية كثيرة بأسماء حيوانات؛ تدل على أرجحية عباداتهم الطوطمية، وذلك منذ فجر الحضارة العربية التي تعود إلى آلاف السنين، وصولاً إلى فجر الاسلام. ورأينا في دراستنا لبنى السرد الحكائي العربي، مركزية الدور المعطى للحيوان في الأسطورة والسيرة الشعبية والحكاية الشعبية(42).
وعليه، يمكن القول إن العرب كان لهم آراؤهم في صنوف الحيوان وأنواعه. وقد وصل الأمر إلى اعتبار أفراد بعض القبائل أن أصولهم تعود إلى حيوان بعينه، وليس فقط أنهم على علاقة وطيدة مع هذا الحيوان أو ذاك. ويروي الجاحظ حكاية طريفة حصلت معه، وهي أن أعرابياً من قبيلة بني كلب، وهنا يمكن ملاحظة انتماء قبيلة بكاملها إلى حيوان، أظهر افتتانه الشديد بالجمل وأطنب في تعداد مزاياه، ما دعا الجاحظ إلى سؤاله إن كان بين قبيلته وبين الإبل قرابة. فأجابه بجدّية ظاهرة: نعم، تربطنا بها علاقة خؤولة، بمعنى أن القبيلة خرجت، في أصلها من الناقة، أنثى الجمل. فكان أن ردّ عليه الجاحظ باستهجان: «مسخك الله تعالى بعيراً، قال: الله لا يمسخ الانسانَ على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم، مثل الخنزير ثم القرد»(43). ويدلّ الردّ على هذا التمني أن الجمل أعلى كعباً من رجل القبيلة، أو يطمح رجل القبيلة إلى أن يكون مساوياً للجمل في الاعتبار، كونه حفيداً له.
إذا كانت هذه الطرفة لا تثبت وحدها العبادة الطوطمية عند العرب، فإنها تدل على متانة العلاقة مع الحيوان، بل مع كل أصناف الحيوان التي كانت معروفة في عالم العرب. ويكفي أن نلقي نظرة على كتاب الحيوان للجاحظ لنتبيّن المعرفة العربية العميقة، منذ ما قبل الإسلام، بالحيوانات في أصلها وفصلها وطباعها وما يتميّز به كل نوع فيها، وما أبقى الإسلام عليه في تعاطي المسلم معها، من ناحية الحلال والحرام، وما يُستحسن أكله وما يُكره، وغير ذلك(44).
يفيدنا خان، بناء على ما تقدم، أن العرب كانوا يتسمّون بأسماء الحيوانات، وقدّم لنا أمثلة عن قبائل وصلت إلى أكثر من ثلاثين قبيلة عرفت بأسماء الحيوانات الصريحة، مثل: بنو أسد، بنو فهد، بنو ضب، بنو كلب، بنو نعامة، بنو حمامة، بنو عنز، بنو ثعلب، بنو غراب، بنو جحش، بنو كلب، وغيرها(45).
لا شك في أن كثرة هذه التسميات على أسماء الحيوانات لها أسبابها في علاقة العربي مع الإسم. فإما كانت ألقاباً تلقى على المواليد الجدد تيمّناً بحيوانات لها مواصفات محددة، كالشجاعة والقوة والصبر والوفاء والجمال، أو كانت لحماية المواليد لإيمانهم أن الأسماء التي يعتمدونها كفيلة بذلك، إما لأن الحيوان شفيع لهم أو معبود، أو لأنه يبعد العين الشريرة عن إيقاع الضرر بالمولود. وفي هذا الإطار سئل أعرابي، على ما يقول خان، «لمَ تسمّون أبناءكم بشرّ الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح، فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا»(46).
ولكن من المؤكد أن أسماء الحيوانات لا تزال تعطى للمواليد الجدد في العالم العربي، وفي بلدان العالم، إلى اليوم، وإن كانت تقتصر على الحيوانات البرية التي تتميز بالقوة والبأس مثل: أسد، نمر، فهد، ديب (ذئب)، مها، نعامة، ظبية، وغيرها. وانعدمت الأسماء التي تدل على الحيوانات الأليفة التي تلازم الانسان(47). إلا أن أسماء الشهرة (العائلة) ما زالت موجودة بحكم الاستمرار، أو بغلبة اللقب الذي يرفض المنتمين إليه تبديله، مثل كليب والعجل، النسناس، الديك، الغزال، وغيرها. وكل ذلك يدل على عمق ومتانة العلاقة بين العرب والحيوان وصلت في عصور مغرقة في القدم إلى حالة التقديس، ولم تخفّ هذه الحالة إلا مع تقدم العرب حضارياً، وصولاً إلى الاسلام وعبادة الإله الواحد.
اعتقد العرب بوجود علاقة وطيدة بين بعض الحيوانات والجن. وكان إذا قتل أحدهم حيواناً ويعتقد أن له علاقة بالجن، استحوذ عليه الرعب لخوفه من الانتقام، ما يدعوه إلى القيام بطقوس موصوفة ليأمن شر الجنّي وليبعده عنه. أما بالنسبة لعلاقاتهم مع حيوانات بعينها، فكانوا، بالاضافة إلى تبجيلها، وتقديم كل ما يلزم لمرضاتها، يخشون التلفظ باسمائها، ويستعيضون عن أسمائها المعروفة بالألقاب: فالأسد هو أبو الحارث، والثعلب إبن آوى، والضبع أم عامر.. بالاضافة إلى ذلك، كان العربي يدفن ميّته من الحيوان مثلما يدفن الانسان. وكان يحزن عليه حزنه على الانسان. ذلك أن العربي كان يؤمن بأن الحيوان المبجّل لديه والمعبود هو الحامي الأول للقبيلة، والعامل على استمرارها وباعث القوة فيها(48).
نحا شلحد منحى مغايراً في تحليل العلاقة بين العربي والحيوان التي تعود إلى زمن بعيد في التاريخ، في منهجية استرجاعية إنطلاقاً من نشوء الدعوة الإسلامية، لمعرفة ما استقر عليه الاسلام في نظرته إلى معتقدات العرب قبل الاسلام في ما يخص الحيوان. فالاسلام حرّم أكل لحم الخنزير. واعتبر أن القرد والكلب من الحيوانات الرجسة بالاضافة إلى الحيوانات الكاسرة والمفترسة. إلا أن ممارسات العرب قبل الاسلام في ما يتعلق بالحيوانات، كانت تظهر أن ثمة تقديساً وعبادة لأنواع من الحيوان، كما تبيّن معنا سابقاً، ومنها على الخصوص الجمل والحصان والحمام. في هذه الفترة، كان الجمل، على سبيل المثال، يتمتع بامتيازات خاصة باعتباره رفيق البدوي في الصحراء، والمفيد الأول له بصبره على الجوع والعطش، وبفوائده الجمة من وبره ولبنه ولحمه. لذلك كان يعتبر صديق العربي قبل الاسلام والمرافق له في حلّه وترحاله. ومما لا شك فيه أنه وصل إلى مرحلة التقديس. أما بعد الاسلام، فقد تغيّرت النظرة إليه، ويُنسب إلى النبي محمد قوله: «لا تصلّوا في مرابض الجمال لأنها مرابض الشيطان»، ووصل الأمر إلى أنّ مجرّد لمس أو أكل لحم الجمل، أو شرب لبنه، يؤدي إلى إبطال الوضوء. ويرى ابن تيمية بضرورة التوضؤ عندما يؤكل لحم الجمل أو يُلمس، لأن القوة الشيطانية ملازمة له، ولأنه يعود في أصله إلى الجن(49). وهذا كله، على ما يقول شلحد، الدليل الذي لا يمكن ردّه، على أن الجمل يتمتع بطابع قدسي(50) استمده من علاقة العرب به طيلة فترة ما قبل الاسلام.
إلا أن ما يمكن قوله في هذا المجال، للتدليل على موقع الجمل في ذهنية العرب القدامى هو أن الاسلام، ومن خلال علاقته مع الواقع، دفع باتجاه التخفيف من حدّة تعلّق العربي بالجمل، خدمة للعقيدة الجديدة التي لا تقبل أن يتشارك معها أي مخلوق في التقديس أو العبادة، لا على المستوى الانساني، ولا على المستوى الذي يمكن أن ينسب إلى الطوطمية، باعتبارها تمثّل حيوانات قدسية ومعبودة بذاتها، دون أن يعني ذلك كل ممثلي النوع؛ أو يُنسب إلى الأوثان بما توحي به من عناصر القوة والدهاء.
وما يدفع في هذا الاتجاه، مسألة تكريس الحيوانات في الجزيرة العربية قبل الإسلام، بمعنى وقفها على الآلهة، دون إمكانية الافادة منها، إلا لتقديم لبنها، دون غيره، إلى الضيوف والفقراء. لذلك كانت ترعى بحريّة، ويُمنع امتطاؤها وتحميلها الأثقال. ولإظهار طابعها القدسي، كانت توسم بعلامات فارقة وتُشقّ آذانها. فجاء القرآن ليدين هذه الأعراف، وتبعه كلام النبي في تحريم تقديم الأضاحي منها(51). هذا كلّه يدل على العمل للتخفيف من تعلّق العربي المسلم بالجمل، وذلك بإبطال كل صنوف المعتقدات والطقوس المرافقة لها في العلاقة معه. وذلك، لينصرف إلى التعبّد للإله الواحد، حسب ما يمليه عليه الدين الجديد: الاسلام. هذا طبعاً مثال من أمثلة متعدّدة يمكن أن تظهر كيفية تغيير العلاقة بين العرب، في الجزيرة على الخصوص، والحيوانات التي كانت تعيش بينهم أو على مقربة منهم.
وإذا أحال شلحد هذه المسألة إلى ارتباط الحيوان بالعالم الجهنمي الشيطاني، أو بالجن، مهما كانت درجة قربه من الانسان المجتمعي، فإن هذا الارتباط الذي تذيعه الممارسة العملية للإسلام باعتباره خارجاً على العقيدة، ومناقضاً لدستور المسلمين، تعطي المبرّر للعرب المسلمين ليبتعدوا عن كل ما يربطهم بعالم الشرك، والإلتفات بالكليّة إلى الإله الواحد الأحد الذي يجمع في إرادته كل أصناف الفعل. وبهذا، حل القرآن في النفس العربية الاسلامية باعتباره المقدس الأعظم على الأرض الذي يلغي الحاجة إلى أي وسيلة يمكن أن تفيد المؤمن؛ فهو الشافي من الأمراض، والباعث إلى السعادة، والحامي من العين الشريرة، ومُطمئِن النفوس القلقة(52).
ولأن ثمة ارتباطا بين الجن والحيوان؛ وهو الارتباط الذي أوصل إلى المخافة والمهابة من الكثير من الحيوانات المسكونة من هذا المخلوق العجيب، كان لا بد من البحث في مخلوقات الجن وموقعها في المعتقدات الشعبية والدينية على السواء.
-5 الجن:
من الأبحاث المستفيضة حول الجن في الانتروبولوجيا العربية وسوسيولوجيتها ما قدمه محمد الجوهري في الجزء الثاني من مؤلفه الضخم «علم الفولكلور»(53).
يبدأ الجوهري بالبحث في الخطوط العامة للمعتقدات الشعبية العربية حول الجن بالقول إنها أشكال كثيرة، ولا يستطيع البشر رؤيتها، مع أنها تأكل وتشرب وتتزاوج وتلد كالبشر، وتموت أيضاً، وإن كانت تعمّر أكثر من عمر الانسان بكثير. وما يترسّخ في الذاكرة الشعبية، وما يتشكّل من جملة معتقداتهم أنها تعيش تحت الأرض، وفي الأماكن التي يمكن أن تؤدّي إلى ما تحت الأرض كالينابيع والوديان والكهوف والأماكن الخربة. وتسكن في النار لأنها من طبيعتها. وما يخيف الناس اعتقادهم بأن الجن يوجدون في الظلمة والطرقات المهجورة ليلاً والمقابر، فيتحاشون المرور فيها، أو بالقرب منها، مخافة الالتقاء بهم أو تعرّضهم لأذيتهم. وإذا كان للجن أنواع متعددة مثل الغيلان والعفاريت والشياطين والأسياد والمردان، فإن هؤلاء يلتقون في عداوتهم الشديدة للإنسان، إلا في ما ندر؛ والندرة هنا مرتبطة بما يمكن أن يقوم به الانسان لمرضاتهم، ودفع شرورهم عنه.
على أي حال، حفل التراث العربي قبل الاسلام، كما التراث البابلي والكلداني والكنعاني بتسجيل علاقات الانسان بالجن والأرواح، وذلك منذ الأزمنة القديمة. ويحدّثنا الجوهري عن موقع الأرواح والجن في المعتقد البابلي القديم، باعتبارها كائنات وسيطة بين الآلهة والبشر، وتعتبر أبناء للآلهة السومرية والبابلية ومعاونة لهم. ولهذا، كان هؤلاء ضعيفي التأثير لأن عمل الآلهة يكسف نشاطها ويضعفه، وبالتالي تكون الخطورة في ما يمكن أن تفعله الأرواح الشريرة. وما على الآلهة إلا العمل على كبح جماح الأرواح الشريرة، هذه، وكف أذاها عن بني البشر بتوسّل هؤلاء، الطقوس اللازمة والأضحيات المرافقة. وغالباً ما كان الآلهة يفعلون ما يمنع الأرواح الشريرة من الأذيّة، وبحراسة بعض الأرواح الطيبة، مع الطقوس السحرية التي يقوم بها بنو البشر. وما هو مشترك بين المعتقدات البابلية والكنعانية والمصرية: «القرينة». وهي الجانب الشرير من الانسان الطيب الملازم له، والعامل على إضعافه وتدميره، كما سنرى لاحقاً. كما أن الأرواح الشريرة في المعتقد البابلي مصدر الكوارث والمصائب والأمراض. وتفعل فعلها في الخلاف بين الناس، وفي نشر الكراهية والحسد.
وخطورة هذه الأرواح البالغة تكمن في تلبّسها صوراً شتى من الحيوانات التي لا يمكن للإنسان التعرف عليها، باعتبارها تجسيداً لهذه الأرواح. لذلك من السهولة الوقوع في شركها. ولا سبيل إلى مقاومتها إلا بالسحر. والبابليون مشهورون بهذه الطقوس. وقد انتقلت منهم إلى سائر العرب في الجزيرة ومصر وسائر أفريقيا. وكان هؤلاء يستخدمون الماء في مقاومة الأرواح الشريرة والجن بالاضافة إلى النار التي تشكّل الوسيلة الأنجع لمقاومة شرور الأرواح، لأن النار، باعتقاد البابليين وشعوب ما بين النهرين وبلاد الشام، تُعتبر مادة مطهّرة. وعليه، لا يمكن أن تكون النار أصل الأرواح الشريرة. وهذا يأتي على عكس معتقدات عرب الجزيرة الذين اعتبروا أن النار نجسة لأن الجان مخلوقة منها(54).
في هذا المجال، مارس البابليون الطقوس المرسومة بدقّة، للحماية من الأرواح الشريرة، وصنعوا التمائم والأحجبة للتخلص من شرورها. ولا تزال هذه الطقوس معروفة ومستمرة حتى هذه الأيام بعد أن انتقلت، بالتفاعل، إلى المناطق المحيطة، ودخلت عليها بعض التعديلات والزيادات، بحكم الزمن وتغيّر الظروف والأحوال.
لم تختلف معتقدات المصريين القدماء عن مثيلاتها لدى البابليين إلا في التفاصيل. ومنها ملازمة القرين للإنسان، وحتى الحيوان، إذ لكل إنسان عفريته وكذلك للحيوان. ولا يزال المعتقد المصري حول أصل الجن وفصلهم وطبيعتهم ومميزاتهم التي تعود إلى آلاف السنين، حيّة في ذهنية المصري الحديث. ويؤمن المصريون منذ الفراعنة بأن أرواح الآلهة تسكن في الحيّات التي تحرس كنوزهم. والأرواح، هنا، بمثابة الجن الذين يتصفون بالقدرة على الظهور بأجساد الحيوانات، ومنهم الأرواح الشريرة التي تسكن الأجساد الضارة منها والمفترسة. ولا تزال هذه الأفكار سائدة في المجتمع المصري الشعبي حتى اليوم، ومنها ما يتعلق «بملك الجن الأحمر»(55).
لا يختلف الأمر في التعامل مع الجن، أو في النظر إليهم، في معتقدات عرب الجزيرة. فالجن بالإجمال أصحاب ضرر ولا يمكن الوثوق بهم ، وبالتالي لا بد من التحوّط لمداراتهم ورفع أذيّتهم، علماً أن التأكيد على وجودهم، ومعرفة كل ما يتعلق بهم، مبثوثة في كتب التراث، والقول فيها مفصّل حول أصلهم وفصلهم وعلاقتهم بالملائكة، وانتمائهم إلى النار بعكس الملائكة الذين ينتمون إلى النور، والانسان الذي يعود في أصله إلى التراب. والضربة القاضية لإمكانية إئتلاف الجن مع الإنسان هي نسبة إبليس إلى الجن، وليس إلى الملائكة، في المعتقد الديني الإسلامي الذي يعود في أصله، هنا، إلى مسألة رفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم، إذ كيف يسجد إبليس له، وهو من نار بينما آدم من طين(56)؟
والمعتقد الديني للعرب قبل الاسلام يزخر بالطرق التي عليهم اتباعها للتخلص من أذى الجن بقيادة إبليس. إذ يتطلب هذا الأمر التحرّز من الضرر بالرقى والتعاويذ والأحجبة التي على الناس أن يتقلدوها، بالاضافة طبعاً إلى ما عليهم تقديمه من الأضحيات للسبب عينه، وهذا ما تم ذكره سابقاً. والأهم من ذلك كلّه، تميّز هذه المعتقدات بالإستمرارية حتى وصلت إلى أيامنا هذه، وبمساهمة مباشرة من المعتقد الديني، المسيحي والإسلامي، على السواء.
وإذا كان لكل قاعدة شواذ، فإن شواذ العلاقة السلبية مع الجن عند عرب الجزيرة ظهرت على وجه بعض الإيجابيات التي وصلت إلى حد التزاوج، كما تخبرنا قصص التراث العربي قبل الإسلام. منها حكاية زواج أحد الملوك بإحدى الجنيات وأثمر بلقيس التي أصبحت فيما بعد ملكة الجن وملكة سبأ(57). كما يحمل الميراث الشعبي العربي قبل الاسلام أخبار نسب قبيلة بني تميم إلى الجن، بالاضافة إلى أخبار عديدة قديمة وحديثة عن العلاقات الطيبة التي تربط بعض الإنس بالجن(58)؛ وتعبير الإنس والجن لا يزال سائداً إلى اليوم.
أما عن مواصفات الجن وطرق تشكّلهم فهي مبثوثة بكثرة في كتب التراث الشعبي، منها أنهم سود حفاة، يغطي الشعر أجسامهم، وقادرون على لبس أجسام كثيرة من الحيوانات، ومن أكثرها، أجسام الكلاب والقطط. كما أن الغول، وهو من الجن، يمكن أن يلبس صورة إنسان، ويعيش بين الناس، وكذلك العفريت. أما المخلوقات الأخرى(59) التي تنتسب إلى عائلة الجن، والمصنّفة حسب الوظائف التي تقوم بها، وأماكن سكنها، فهي كثيرة، منها بالاضافة إلى الغول والعفريت، الشيطان والمارد والأسياد والقرينة والأخت وأرواح الموتى، وغيرها.
ومن المهم في هذا المقام أن نلحظ ما للشيطان من أهمية في الكتاب المقدس. إذ تظهر له أسماء متعددة، منها الروح الشريرة والملاك المهلك وإبليس والملاك الساقط والأرواح النجسة والساقطة، وغيرها(60). وهو لذلك، وحسب الكتاب المقدس، كائن حقيقي، روحي، أعلى شأناً من الانسان. كان ملاكاً ثم سقط، وهو يمتاز بالإدراك وقوة الذاكرة والعواطف والشهوات، يعمل ضد وصايا الله، ويدعو الناس إلى الخطيئة. أما في العهد الجديد، فقوام الصراع هو بين المسيح والشيطان الذي هو إبليس بذاته، ويرتهن بهذا الصراع في نهاية الأمر خلاص الإنسان. وفي نهاية الصراع ينتصر المسيح على إبليس، كما يواجه الأرواح الشريرة ذات السلطان على البشرية الخاطئة، ويهزمها في عقر دارها(61).
يسرد خان من التراث العربي قصصاً تدل على نسبة الجن إلى النار. إلا أن الجنّي الأول غشي حواء فحملت منه وباضت إحدى وثلاثين بيضة، خرج من كل منها نوع من أنواع الجن، ما يعني أن هؤلاء من أصناف الحيوان. وكذلك ينسب النسّابون كثيراً من الحيوانات إلى الجن، أو إلى قرابة معهم. ومن هؤلاء المسعودي صاحب «مروج الذهب»، والألّوسي صاحب كتاب «بلوغ الأرب». وفي هذا الأخير أستفاضة في أخبار الجن وعلاقاتهم بالبشر، سلباً وإيجاباً، وأقوال الشعراء فيهم، وفي قدرة الغيلان العجيبة على التحول، والعلاقة الحميمة بين الشعراء والجن، باعتبار أن هؤلاء يلقون الشعر على ألسنة أولئك(62).
لقد ظهر لنا في دراسة بنى السرد الحكائي في الأدب الشعبي العربي، الموقع المركزي للجن في السيرة الشعبية العربية، وفي الحكاية الشعبية. وتبين فيهما الأدوار المختلفة التي تقمصها الجن في علاقتهم مع الإنسان، ورأينا أهمية ظهورهم، وكيفية العمل على إخراج بطل السيرة أو الحكاية من المآزق الحرجة التي تواجههه وكيفية تخليصه من موت محتم. كما ظهرت لنا تجليات الذهنية العربية في نظرتها الإيجابية إلى الجن باعتبارهم يقومون بمساعدة الإنسان، والموقف المحايد تجاه الذين يقومون بالأذية، فقط لأنهم عبيد مأمورون، بالاضافة إلى الموقف المعادي للغيلان والعفاريت التي تقدم الوجه السلبي والمكروه من هذه المخلوقات(63).
وخلاصة ما توصل إليه خان في تحليله لنظرة العرب إلى الجن، أنهم اعتبروهم من الحيوانات، وإن كان أبوهم الأول مخلوقاً من النار. كما أن قدرتهم على التحوّل يمكن ان تظهر في لبس جسم المرأة أو الرجل، أو جسم خليط من إنسان وحيوان، وغير ذلك(64).
من المهم القول هنا إن المعتقدات المتعلقة بالجن، على أنواعهم، بقيت مستمرة في تأثيرها ضمن المعتقدات الدينية التوحيدية. ففي المسيحية تلازم ثنائي، على تضاد، بين الله والشيطان، مثلما التضاد بين الإيمان والضلال، أو بين الخير والشر. وفي قصة إنقاذ الشيطان من قبل كاهن مسيحي وتضميد جروحه ورعايته، لخطورة خلو الدنيا من الشيطان، وتأثير ذلك على الإيمان والتقرب من الله(65)، مثال على ذلك؛ وأسبقية التعوّذ بالله من الشيطان التي تسبق البسملة أحياناً في التجويد القرآني، دليل أيضاً، على مركزية الشيطان ودلالته الشريرة في الإسلام(66).
من جهته، أظهر شلحد أن الإسلام تقبّل المواصفات الأساسية للجن كما تصورتها الذهنية العربية قبل الإسلام. فهي كائنات مستورة ومخيفة، وقادرة على السيطرة على الانسان، ولها ما له من القدرة على الأكل والشرب والتزاوج، والموت أيضاً. ويعتبر الإسلام أن الجن ليسوا بكليّتهم أشراراً ورافضين وجاحدين، بل منهم أيضاً، المؤمنون بالإسلام وبرسالة النبي ولا تشرك مع الله أحداً(67). وقد أوجدهم الله، كما أوجد الإنس، لعبادته(68). ويثابون ويعاقبون كما الإنس. إلا أن الشيطان شيخ الجن وقائدهم في الإسلام، وهدف حرب الخير على الشر، ما هو إلا الملاك الشرير في اليهودية والمسيحية، على ما يقول شلحد. وتأثيره أعطى للمدونين العرب القدامى القدرة على نسج الحكايات التي تدور حوله، وتبيّن ما يمكن أن يفعله في حياة الناس، وفي توجيهها على غير ما يريده الخير والإيمان. وفي هذا المجال، كان على الانسان في الاسلام أن يمارس حياته بين خيارين، وتُسجَّل عليه أعماله للموازنة بينها يوم الحساب، ومن الطبيعي أن يكون أحد هذين الخيارين من أعمال الشيطان، الجني الأول، وبتوجيهه(69). وفي هذه الحال يضع الإسلامُ المؤمنَ بين جهتين مضادتين. في الجهة الأولى القوى الصديقة التي توجه الانسان وتدلّه على الخير؛ وفي الجهة الثانية، القوى التي تضلّله وتدفعه إلى ارتكاب الأفعال الشريرة. وهذا ما يدفع الإنسان إلى المجاهدة والفعل المتوازن، بين هذين الجانبين: «الأرواح الخيرة، الحسنة الاطلاع، المتميزة تقريباً بامتياز العلم الكلي بسبب علاقتها مع العالم العلوي(الإلهي)... وأرواح شريرة، ذات علم محدود منتمية إلى العالم السفلي. ولكنها (جميعاً) من طبيعة واحدة على الرغم من تعارض صفاتها وأدوارها(ثنائية التضاد): في الحقيقة لا ضوء (مصدر الملائكة = الخير) بلا نار ( مصدر الشياطين = الشر). والصحيح أن الإسلام يرى أن بعضهم أطهار، وأن بعضهم الآخر أنجاس. ولكن، هذان هما قطبا القدسي، بعد كل الطواف»(70).
في آخر هذا الكلام، يجدر بنا التأكيد على أن أصل المعتقدات وتجلياتها هي انتاج إنساني منذ بدأ الإنسان. وهي تستجيب لحاجاته وتحاول أن تهدّئ من اضطرابه وتخفف من قلقه من خلال تقديم أجوبة عن تساؤلاته، وحثّه على القيام بالعمل على تأمين استمرارية حياته بما يمكن من الاطمئنان وهدوء البال. فكان أن أوجد ما يشكل صلة وصله مع المحيط الذي يعيش فيه، وبما يتناسب مع مخيّلته وأحاسيسه، ومن ثم مع عقله الذي بدأ يربط بين العوالم والأشياء؛ ومن ثم امتلك القدرة على التحليل والتفسير. فتدرّج، لذلك، في معتقداته، من المادي والمحسوس، إلى المتخيّل والمعقول. وبدأ من عبادة آلهة مخصوصة، ومن ثم عامة، وانتهى إلى عبادة الإله الواحد الأحد. وفي كل هذه الحالات كانت المعتقدات تتدرّج من البسيط إلى المعقّد، ومن ثم الأكثر تعقيداً، وصولاً إلى المعتقدات الأكثر حداثة التي لم تفقد صلاتها بما هو قديم، بل والأكثر قدماً في تاريخ الحضارة الإنسانية، والعربية على الخصوص.
ما يمكن استخلاصه من ذلك كله، هو أن هذه المعتقدات قد تناولت الأسس المادية في حياة الإنسان. ولكنها ارتقت إلى أن وصلت إلى تصوّر ما هو غير مادي، وإن وُصف بالأجسام المادية، لتسهيل فهمه واستيعاب ما يمكن أن يدلّ عليه. هكذا هي الحال مع مخلوقات الجن، باعتبارها مرافقة للإنسان في حلّه وترحاله، وفي علاقاتها السلبية والإيجابية معه. وهنا، لا بد من التساؤل: ما هي ردة فعل الإنسان في علاقاته مع معتقداته، وكيف أوتي له أن يتصرّف في علاقاته مع عالم الغيب، وعالم الواقع، إنطلاقاً من هذه المعتقدات؟
في الإجابة عن هذه التساؤلات شأن آخر.