اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

إيقاظ القطن من السبات
يرتبط اسم (الندّاف) في الذاكرة الشعبية بذاك الحرفي الماهر الصبور، الذي كان يلبي نداء الفرح والدفء وتجدد الحياة.تطلبهُ ال...

الفرح الكامن في الجذور
تحرص الدول التي جعلت من فنونها الشعبيّة مادة ضمن مناهج الدّرس الأوليّة لأجيالها القادمة على أن تكون هذه المادة مفرحة وقر...

المعتقدات الشعبية أسسها وتجلياتها في الممارسة العملية
البحث في المعتقدات الشعبية العربية يقتضي العمل على بدايات تعرّف العربي على المظاهر الطبيعية التي تحيط به، وتؤثر فيه، من ...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
المرأة وصورتها في المثل الشّعبي في تونس: محاولة في قراءة أنتروبولوجيّة.
العدد 42 - أدب شعبي

أ. حسن بن سليمان، كاتب من تونس

 

تتردّد اليوم كثيرا على ألسنتنا كما تردّدت خاصّة على ألسنة أسلافنا أمثال عديدة ومتنوّعة طالت ميادين مختلفة من ميادين الحياة ومسّت أغراضا شتّى في معاشهم. ولم يكن استعمال هذه الأمثال استخداما مجازفا أو اعتباطيّا، بل كانت تتنزّل في إطار ثقافي مخصوص هو إطار الثّقافة التّقليدية أو الثّقافة الشّعبية التي كانت عنوان تلك الطّبقات ورمز هويّتها وأصالتها الثّقافية. ومن جهة أخرى، اضطلعت تلك الأمثال التي تناقلتها الأجيال مشافهة وعبر فترات تاريخيّة طويلة بوظائف نفسية إذ عبّرت عن آرائهم وصوّرت تجاربهم مع الحياة وخبراتهم عبر السّنين الطّويلة مع الإنسان والطّبيعة وذواتهم، وحملت تلك الأمثال رؤاهم وتصّوراتهم لعلاقاتهم بمحيطهم الطّبيعي والبشري. كما اضطلعت بوظائف اجتماعية تمثّلت خاصّة في رصد العلاقات الاجتماعيّة السّائدة بين الأفراد وما يعتريها من توتّر يكشف البنى الاجتماعيّة وطبيعة العلاقات داخل المجتمع.
بداية، وقبل المضيّ في ترصّد صورة المرأة في المثل الشّعبي، يجدر بنا أن نفكّك عناصر العنوان وأن نتوقّف عند عناصره الأساسيّة لنجلي مفاصله الكبرى ونضع إشكاليّاته الهامّة قبل أن نتناولها بالتّحليل، مع الإشارة إلى أنّ غايتنا التي نهدف إلى تحقيقها بالأساس من هذا العمل لا تعدو وضع الأسس المنهجيّة لمقاربة لهذا المبحث خاصّة أنّ الدّراسات المتعلّقة بالأمثال الشعبية بوصفها عنصرا هامّا من عناصر الثّقافة الشعبية تكاد تكون مفقودة – ما عدا بعض الإشارات الهامشيّة ضمن بعض المقالات المتعلّقة بالأدب الشّعبي(1).
أولا، اخترنا أن نتحدّث عن المثل «في تونس» ولا في البلاد التونسية لإدراكنا أنّ البلاد التونسية بإطلاق مزيج ثقافيّ غير متجانس اجتماعيّا أو أنثروبولوجيّا، فضلا عن الفوارق اللّهجية بين المناطق وما ينتج عنها من تغيير في دلالات الأمثال ومعانيها والمتغيّرات التي تعتريها بحكم تناقلها مشافهة وما يحفّ بسياق التّلفّظ الشّفوي من ظروف. وقد عبّر جامع الأمثال الطاهر الخميري عن هذه الخصائص في مقدّمة تأليفيّة إذ قال: «يختلف معنى المثل باختلاف المتكلّم والمخاطب والظّروف التي يقال فيها وأنواع الحذف والتقدير والأمر والنّهي والتهكّم والمداعبة وغير ذلك ممّا يفهم من الكلام المسموع ولا يفهم من النّص المكتوب»(2). فسياق التّخاطب contexte d’énonciation وأحوال المتكلّم والمخاطَب واعتماد المشافهة...كلّها عوامل تؤثّر في دلالة الأمثال وتكيّفها، لذلك كان من الضّروريّ اعتبارها عند البحث في المثال. بعد تحديد الفضاء الجغرافيّ موضوع الدّراسة، نأتي إلى مفهوم المثل لنـتناوله بالبحث والتّعريف. فما هو المثل ؟
أحد تعريفاته يرى أنّ «المثل يعبّر في شكله الأساسيّ عن حقيقة مألوفة صيغت في أسلوب مختصر سهل، حتّى يتداوله جمهور واسع من النّاس، فهو يعبّر عن حقيقة عامّة أو صدق عامّ»(3).
وعن هذا التّعريف نشأت عدّة تعريفات أخرى نحت منحاه. من ذلك قول من قال «الذي أعتقده أنّ المثل خلاصةُ حكاية قيلت أو حادثة وقعت في وقت من الأوقات، وبقي المثل رمزا لتلك الحكاية أو موجزا لحوادثها. وقد يكون المثل تعليميّا أو وعظيّا أو إرشاديّا، ولم يرتبط بقصّة أو حكاية»(4). وفيما اقتصرت هذه التّعاريف على مضمون الأمثال وشكلها، نظر إليها بعضهم على أنّها «من أكثر الأنواع الفولكلوريّة ارتباطا بالعادات والتّقاليد والمعتقدات» واعتبر أنّ «مضمونها يمتدّ ليشمل كلّ جوانب الحياة الإنسانيّة، ويعبّر عن خبرة الجماعة في مواجهة المواقف المتعدّدة التي يواجهها كلّ منهما، وهي من حيث شكلها سهلة الحفظ والانتشار، ومن ثمّ يسهل الاستشهاد بها عندما يقتضي الأمر أو الموقف ذلك»(5).
أمّا في تونس، فقد عرّف المرحوم محمّد المر زوقي الأمثال بأنّها «عبارة عن حِكَم جُمعت في تعابير تمتاز بالإيجاز والبلاغة والتّذوّق، وهي تدخل في جميع مظاهر الحياة. فهناك أمثال تخصّ التّعامل اليومي بين النّاس، وأخرى تخصّ التربية والأخلاق التي تواضع عليها المجتمع، ومن بلاغتها وحسن صوغها يسهل على الإنسان حفظها وتتعلّق بالذّهن بمجرّد سماعها لأنّها تدلّ على حقيقة من حقائق الحياة الثّابتة التي لا تتغيّر، فهي صالحة لكلّ زمان ومكان لأنّها نتيجة تجارب اجتماعيّة أو فرديّة، وهي خلاصة حقائق حضارة المجتمع الإنساني، أي أنّها تكاد تكون حقائق إنسانيّة شاملة»(6).
كما عرّفها الباحث النّاصر البقلوطي بأنّها «ملاحظات متألّفة من عدد من الكلمات التي تكوّن جملا قصيرة تتضمّن في محتواها مختصرا لتجربة بشريّة متراكمة في المجالات الحياتيّة المختلفة وتشير إلى أنماط من السّلوك لها دلالات أوسع من الخبرة أو المعنى المتضمّن بالألفاظ فيرقى بذلك المثل إلى مفهوم مجرّد ليصبح حكمةً أو نصيحة أو يفسّر سلوكا معيّنا أو يبرّره أ يضع شروطا مسبقة للحصول على سلوك مثاليّ يوافق قيم المجموعة، وكثيرا ما يقترن المثل بقصّة يتفرّع عنها كخلاصة أو موعظة لها وقد تلفّق لعدد من المثال قصص تفسّرها وتشرحها»(7).
تتّفق تعريفات الأمثال حول مجموعة من النّقاط يجدر التّذكير بها وهي:
1 .المثل من حيث مضمونه، وإن كان من نحت الفرد، إلاّ أنّه تعبير عن روح الجماعة وكيانها المشترك. فهو يتضمن صورة المجموعة التي نشأ ضمنها وأنتجته في سياق اجتماعي وثقافي معيّنين.
2.الأمثال مستودع تجارب المجموعة وخلاصة خبراتها وعلاقتها بمحيطها وبيئتها الطبيعية والثقافية. ولذلك فالأمثال حكمتها في حياتها تكتنز خبراتها بها كما أنّها دليل ثراء تجربتها.
3.الأمثال وظيفتها تعليميّة تعنى بتهذيب الأفراد من خلال نقد التصرّفات المعيبة وكشف سيّئاتهم، وهي ترمي من وراء ذلك إلى تقويم السّلوك وتهذيب الأخلاق والمعاملات ومواجهة الشّذوذ والانحرافات الاجتماعيّة، ووسيلتها التي تتوسّل بها السخرية أحيانا على غرار المثل الذي يقول:«اللّي ما تعرفش تندب، علاش يموت راجلها» والقصد منه – أوّلا بالنّسبة إلى المرأة – فضح عجزها عن ندب زوجها وحيرتها عند موته، وهو المعنى الأول والظّاهر للمثل الذي يعني – بصفة مطلقة عند الإنسان عموما – كشف العجز عن مواجهة المواقف التي تستدعي رباطة جأش وقدرةً على التصرّف والحركة. كما قد يستخدم المثل علاوة على السّخرية أدوات أخرى منها الكشف والتعرية والدّهشة والاستنكار(8).
4. الأمثال سريعة الانتشار داخل طبقة العامّة نتيجة قربها من وجدانها وعاطفتها وتوسّلها بألفاظ سهلة المأخذ بعيدة عن التّعقيد ذات تراكيب تعتمد إيقاعا مخصوصا ونغما يسمح للذّاكرة بحفظ تلك الأمثال واستدعائها عند ضرورة الاستشهاد بها وتوارثها بين الأجيال.
5. إنّ الأمثال من إبداع الأفراد(9). لكنّ توارثُها عبر الزّمن وانتقالها مشافهة بين أفراد الشّعب يجعل منها إنتاجا شعبيّا محضا، وهو ما يؤهّلها للبقاء والاستمرار(10) ويمنحها قوّة الوجود. لكنّ سمة المشافهة يجعلها مع ذلك عرضة للتحوّل في شكلها وصيغتها كما في دلالاتها حتّى أنّنا نجد أحيانا أكثر من صيغة للمثل الواحد. وفي ذلك دليل على قدرة المثل على دوام الاستمرار من خلال التكيّف مع البيئة التي تجدّد إحياءه عبر الاستعمال المتواصل.
5. يستأثر الاجتماعيّ خاصّة باهتمام الأمثال. ويبدو الاهتمام واضحا من خلال ما يخصّص لبعض الأصناف الاجتماعيّة كالمرأة مثلا. وتتأكّد هذه الملاحظة عندما نرى عدد الأمثال المتعلّقة بالمرأة في مدوّنة المثال التونسية الكبرى(11). فالمساحة المخصّصة لها مساحة جدّ هامّة وتدلّ على ما للمرأة من مكانة اجتماعيّة في التمثّل الجماعيّ المشترك لدورها. ولسنا في سياق إحصاءٍ أو دراسةٍ كمّية للتّدليل على ذلك. حسبنا أن نقول إنّ صورة المرأة في الأمثال التونسيّة صورة تستدعي أكثر من دراسة إن على صعيد الحضور بوصفها صنفا اجتماعيّا متميّزا – وليس مستقلاّ -، أو على صعيد المكانة، أو على صعيد حضورها في المخيال الجماعيّ Imaginaire collectif وكيفيّة تمثّل حضورها في المجتمع والحياة والكون عموما...
المدوّنة النّصيّة: قمنا بجرد منتخبات من الأمثال التونسيّة العامية للطّاهر الخميري، وستّة آلاف من الأمثال الشعبيّة التونسية لحسن ابراهم، والأمثال العامية التونسية وما جرى مجراها للصّادق الرّزقي. واستخرجنا منهما ما يربو على 253 مثلا تتعلّق بالمرأة، علما أنّ الأمثال مرتّبة وفق التّرتيب الأبجديّ. لذلك كان من الضّروريّ إعادة ترتيبها وتصنيفها وفق المواضيع أو المحاور على أساس تجميع الأمثال المتشابهة أو المتجانسة. وهو ترتيب لا يخلو بدوره من مزالق وهنات على غرار التّرتيب الأبجديّ. فظاهر ألفاظ المثل يتعلّق أحيانا بالمرأة، لكنّ معناه أو دلالته تتجاوز ظاهر اللّفظ إلى معنى أعمّ وأشمل هو المعنى المستخلص من السّياق الأول الذي قيل فيه المثل. وإلى هذا المعنى ذهب القدامى في تعريفهم للمثل عندما قالوا المبرّد (ت. 286 ه) «المثل مأخوذ من المثال، وهو قول سائر يشبه به حال الثّاني بالأول، والأصل فيه التّشبيه... فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتّشبيه بحال الأول»(12)، أو قول ابن السّكيت (ت. 244 ه): «المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له، ويوافق معناه معنى ذلك اللّفظ، شبّهوه بالمثال يعمل عليه غيره»(13).
إنّ هذه التّعاريف تتّفق مع ما تقرّه اللّسانيّات الحديثة في دراستها للسّياق contexte أو الوضعيّة situation. فالنصّ (المثل) الذي يقع إنتاجه في وضعيّة ما (يختصّ بها المتكلّم والمتقبّل) لآداء وظيفة معيّنة (تعبيريّة، إبلاغيّة...) يُعاد إنتاجُه مشافهة في وضعيّة أخرى مشابهة للأولى وتستدعي استخدام نفس الملفوظ المستخدم سابقا لتشابه الموقفين. إنّ بعض الأمثال تحيل إلى سياقات أو أوضاع بعينها شهدت ولادة المثل وصارت جزءا من ذاكرة المثل وعنصرا من عناصر دلالته، تُستحضر عندما يستدعى المثل، غير أنّ المثل ينفصل عن سياقه الأول و أعيد إنتاجه شفويّا، لكنّه يبقى مع ذلك مشدودا إليه ببعض الرّوابط. فالأمثال دوالّ أو علامات لغويّة Signifiant (شبه مفرغة) يشحنها المتكلّم بمدلولات Signifié كلّ مرّة أعاد استخدام تلك الدّوالّ.
إنّ هذه السّمة Trait الملازمة للمثل هي التي تجعل استخدامه ممكنا كلّما وجد المتكلّم نفسه في الوضع «الأصليّ» للمتكلّم الأوّل الذي أنشأ المثل. وعلى سبيل المثال، عندما نستعمل مثل «اللّي ما تعرفش تندب علاش يموت راجلها»، فهذا مثل أو دالّ ذو مدلولين: مدلول أول يتّصل بسياق المثل (امرأة فقدت زوجها ولم تكن تعلم كيف تندبه أو كيف ترثيه وأنكر منها هذا الموقف)، ومدلول ثان هو نتيجة للمدلول الأول ويتّصل بوضعيّة إعادة إنتاج المثل بصفة مطلقة (إنكار عجز المرأة عن مواجهة المواقف التي تستدعي رباطة الجأش والصّلابة على غرار الموت)، وقد يخرج هذا المثل أحيانا عن دلالته المرجعيّة (الإحالة إلى المرأة) ليتعلّق بالإنسان في موقف العجز عموما وليشهد بذاك المثل تحوّلا دلاليّا ناتجا عن انفصام العلاقة، بمفعول الزّمن والاستعمال، بين سياق تلفّظه الأوّل وسياق التّمثّل به في موقف شبيه بالأوّل.
إنّ إعادة قراءة الأمثال من هذا المنظور (الإحالة إلى سياق التّلفظ الأول) أمر مفيد في إعادة تصنيفها خاصّة إذا ما علمنا أنّ محاولات جمع الأمثال – في تونس وخارجها – نهجت منهج التّصنيف الأبجديّ أو الألفبائيّ، ولم تستند إلى منهج يتعامل معها تعاملا ينزّل سياق التلفّظ منزلته الأساسيّة باعتبار أنّ الأمثال نصوص تقوم على المشافهة. وحسبنا في هذا السّياق أن نستدلّ على هذا التوجّه بمثال أول مقتبس من الأمثال العامية التونسية للصّادق الرّزقي(14) (ت. 1939) حيث اقتصر الجامع على عمل الجمع الاتنوغرافيّ للأمثال الشّعبيّة واكتفى بترتيبها ترتبها ألفبائيّا (1457 مثلا).
أمّا الباحث التّونسي قاسم عيسى، فقد نهج نهجا آخر مغايرا في كتابه الأمثال الشّعبية في تونس(15) إذ قسّم الأمثال التي أوردها في الكتاب إلى أقسام، بحسب المواضيع التي تتضمّنها(16)، فقسّم مدوّنة الأمثال التي اعتمد (تضمّ 802 مثلا) إلى 20 موضوعا منها: تجارب الحياة وكفاحها، محبّة الوطن، النّشاط والهمّة في طلب العلم والمعرفة، الاستمتاع بملذّات الحياة، ارتباط الإنسان بصلة الرّحم، ما قيل في الرّجل والمرأة ونوادر الحبّ، الصّداقة، العمل، شرف الإنسان وسعادته وتحلّيه بالأخلاق الفاضلة، الجود والكرم، النّظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان، ما قيل عن الذّكاء والفطنة، اللّسان والكلام، الغنى والفقر، الأمثال الدّينيّة، ما قيل في سوء الأخلاق وما ينشأ عن ذلك من أعمال منكرة، التّعبير الشّعبيّ عن الوسط الطّبيعي، ما قيل عن تونس ومدنها، الأمثال في تغيّر مستمرّ،أمثال ذات طابع خاصّ.
ومن البديهيّ أنّ الأمثال لم تستوف المواضيع والأغراض الممكنة، إذ نجد أمثالا أخرى كثيرة يمكن أن تدرج في مواضيع غير التي ذُكرت. كما نجد أمثالا يمكن أن تدرج في موضوع غير الذي أدرجت ضمنه على غرار مثل: «يا اللّي مزيّن من برّه اشنوة حالك من الدّاخل»، فقد أدرج تحت موضوع «ضرف الإنسان وسعادته تحلّيه بالأخلاق الفاضلة»، في حين أنّ المثل يُضرب في سياق الحثّ على عدم الاغترار بظاهر جمال الأشياء والدّعوة إلى النّظر في باطنها لإصدار الأحكام الصّائبة. والأمر نفسه ينطبق على مثل «للاّ في دار النّاس والنّاس في دارها»، فقد وُضع في محور «الجود والكرم»، وكان من الأولى أن يُدرج في محور انقلاب سلّم القيم والمفاهيم لدى المرأة. ويمكن أن نضرب عديد الأمثلة على قصور مثل هذا التّصنيف على الإيفاء بالحاجة المنهجيّة أو المعرفيّة وضرورة العودة إلى سياق المثل الأوّل.
إلاّ أنّ الباحثة وفاء الخناجري(17) تنهج منهجا آخر في تصنيف الأمثال المصريّة، إذ تعتمد السّياق مدخلا أول للتّصنيف، ثمّ تضع بعد ذلك محاور أو أغراضا صغرى. ففي سياق الأسرة وحقوق الجيرة تدمج خمسة عشر غرضا جزئيّا منها: الأمّ، الأب، البنت، الولد، الخطبة...وفي حين تُدمِج في سياق الاجتماعيّات تسعة عشر محورا جزئيّا منها: المظهر والتّفاخر، عادات وطباع، الحظّ، التّناسب، الخوف والحذر، التّعاون، الاعتماد على النّفس...فإنّها تدمج في سياق الاقتصاديّات تسعة محاور منها: الإسراف والتّبذير، الادّخار وعدم التّبذير، البخل، الطّمع... كما تدمج في سياق الأخلاقيّات ثمانية محاور. ومن الواضح أنّ الطّبعة الثّانية التي بين أيدينا اعتمدت أساسا موضوعيّا(18) كما اعترفت بذلك المؤلّفة لتتجاوز ثغرة الطّبعة الأولى التي اعتمدت ترتيب الأمثال ترتيبا أبجديّا. إنّ ترتيب المثال حسب سياقها باعتبارها إنتاجا شفويّا في مقام المشافهة وعلى أساس محاور جزئيّة هو ما سنحاول اتّباعه قدر الإمكان عند تعاملنا مع مدوّنة المثال الشّعبية المتعلّقة بالمرأة.
السّياق الاجتماعي:
- المرأة بنتا.
- المرأة زوجة.
-المرأة أمّا.
السّياق الأخلاقي:
- عيوبها الأخلاقيّة.
- المرأة العاجزة أو «الحايرة».

السّياق الاجتماعي
1 - المرأة بنتا:
تستأثر هذه المرحلة من سنّ المرأة باهتمام خاصّ في الأمثال الشّعبيّة. ذلك أنّ هذه المرحلة دقيقةٌ، فهي التي تهيّئها لباقي فترات حياتها كما أنّها مرحلة هامّة في إطار دورات الحياة. فإعداد البنت يبدأ مبكّرا أي منذ أن تحبو وتتدرّب على المشي، إذ كانت الفتاة تتزوّج باكرا: «إذا الطّفلة حبات شوف أمّها آش خبّات». فإعداد جهاز الفتاة ينطلق خاصّة لدى العائلات الوجيهة منذ الولادة، وهو أمر موكول إلى الأمّ فهي التي تعتني باقتناء ما يلزمها من ملابس وأغطية وأدوات منزليّة. ويعود إيلاء الجهاز كلّ هذه العناية إلى كونه مصدرا لتباهي والديها بذلك عند عرضه قبل الزّواج، فالجهاز عنوان الوجاهة لمن انفق من أجله الأموال الطّائلة أو الخمول لمن لم تسمح له وضعيّته الاجتماعيّة بالإنفاق. وهذا التعجّل في إعداد البنت للزّواج مأتاه فكرة سائدة في المجتمع يعبّر عنها المثل «البنت زرّيعة إبليس فيسع تكبر»، كما يتّصل سرعة نموّ البنت – مقارنةً بنموّ الذّكر – بإبليس نظرا للعجز عن السّيطرة على هذا النّموّ وإنكاره من جهة أخرى.
وتستعير الأمثال كوكبةً منتقاة من الرّموز «الوثنيّة» لتصوير البنت الصّغيرة، هذا الكائن مصدر الخوف للمجتمع ومبعث الفزع كما تصوّره الأمثال: «اللّي عنده طفلة في الدّار عنده كوشة من نار»، وهي أيضا أفعى كما في مثل «لفعتين في غار ولابنتين في دار».فالنّار والثّعبان من العناصر المقدّسة في الحضارات القديمة يرمزان تباعا للمعرفة والتّطهير والخطيئة، فرمزيّتها متعدّدة الدّلالات ومتناقضة(19). ولعلّ التمثّلات الاجتماعيّة المتعلّقة بالمرأة من خلال الأمثال صدى أو انعكاس مباشر لازدواجيّة وضعها وتناقض المواقف المتّخذة منها. ويكفي أن نستحضر مدوّنة الأمثال لنتأكّد من ذلك. فموقف المجموعة من تعليم البنت غير ثابت: إذ نجد تارة دعوة صريحة إلى ذلك كما في مثل«أعط بنتك لمؤدّب حتّى تلقالها راجل»، وطورا نجد تحذيرا من مغبّة تعليم البنت كما في مثل «لا تقرّي بنتك ولاتندم على العاقبة». ولعلّ هذا الاضطراب في الموقف من تعليم المرأة هو الذي حرّك همّة النّخبة الفكريّة التي جعلت من تعليمها قضيّة مركزيّة في برامجها الإصلاحيّة، بل لعلّ تعليم البنت كان المسألة الكبرى التي اتّخذت منها النّخب الفكريّة والسّياسيّة مشرقا ومغربا رهانا طرحت على نفسها كسبه. فهذا الطاهر الحدّاد، في تونس، في الرّبع الأول من القرن XX يعلن أنّه من واجبنا أن نصلح الخلل الذي لا سبب له أصليّا سوى الجهل الذي يغمر حياتها حتّى كاد يجعلها جسما بلا روح، ولا يتمّ هذا الإصلاح إلاّ ببثّ أنوار المعرفة فيها وأن نهتمّ بإعدادها لذلك حتّى نطمئنّ لوضع الجيل بين يديها تهيئة لمستقبل حياتنا المكتظّ بآلام الخيبة(20) . وهذا قاسم أمين في مصر يدعو بصوت مسموع إلى أنّ المرأة لا يمكنها أن تدبّر منزلها إلاّ بعد تحصيل مقدار معلوم من المعارف العقليّة والأدبيّة(21).
أمّا المحور الآخر المتّصل بالبنت فهو أصلها وعائلتها التي تنحدر منها. والسّمة الغالبة في الأمثال تمجيد أصل البنت. فالأمثال التي جمعناها تحت هذا المحور تدعو إلى الزّواج من البنت «ذات الأصل» والمقصود بذلك بنت الحسب والنّسب، وهذا الأمر مطلوب مرغوب فيه لما للمرأة في مستقبل حياتها من دور في تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئةً حسنة، بل لقد كان هذا شرطا به ترتهن تربية الأبناء لاحقا. لذلك كان التّأكيد دوما على شرط النّسب بصيغ مختلفة متعددة، لكنّها كانت تصبّ كلّها في الحرص المفرط فيه أحيانا على حسن النّسب: «إذا خذيت أصّل». فالأصل ضمان حسن السّلوك لدى المرأة الزّوجة وهو كذلك ضمان سلامة تربية الأبناء. إنّ الأصل في الأمثال الشّعبية وازع للاستقامة السّلوكيّة، وهو المانع من الانحراف «بنت الأصل ما تحيدش»، والأصل الجيّد هو ما تعارف النّاس على جودته وهو محلّ اتّفاق الجميع وتواضعهم، وهو ليس أمرا ثابتا أو معطى سابقا للوجود بل هو أمر ينال استحقاقا داخل المجموعة البشريّة «اخطب على وذنك موش على عينك».فالمثل يحذّر من الاطمئنان إلى ما تراه العين من جمال خارجيّ باهر ومن الاغترار بظاهر الأشياء، بل لا بدّ من الاحتكام إلى ما يسمعه المرء (وخاصّة المقدم على الزّواج) من أحكام تتعلّق بسلوك الفتاة وأصلها.كما يحذّر المثل من مغبّة عدم الاحتكام إلى الأصل والنّسب، فالحياة مليئة بالمغامرات السّيئة التي قد يتعرّض لها الإنسان «خذ بنت الأصول لازم الزّمان يطول»، فأصل البنت هو الكفيل بتفادي العثرات والنّكسات التي تحيق بالرّجل والأسرة. ولا يرتبط الأصل في الأمثال بوجاهة والدها الاجتماعيّة أو بثرائه، بل قد يكون حتّى في الطّبقات الاجتماعيّة الأقلّ حظّا مالا أو جاها، فالمتواضعة اجتماعيّا تقبل بزواج متكافئ، ولا تشترط مهرا مشطّا، بل حسبها ما يقدّم لها ولو كان شديد التّواضع «خذ الأصيلة ولو على حصيرة». من أين يأتي الأصل الطّيب ؟ من جهة الأمّ ؟ أم من جهة الأب ؟ يجيب المثل الشّعبيّ عن هذا التّساؤل في وضوح ودون قناع «خوذ البنات من صدور العمّات»، فالبنات المرغوب تزويجهنّ هنّ البنات من جهة الأب بحكم علاقته بالعمّة (أخته). فهذا الضّرب من الزّواج محكوم، في منطق الأمثال، بالنّجاح المحقّق.وفي إطار الحرص على ضمان أخلاق البنت واستقامتها كزوجة، تتغنّى الأمثال بأصل الفتيات «بنات الزّوايا» أو بنات الأولياء الصّالحين وتمجّد أصلهنّ، فهنّ ينتسبن إلى «جدّهنّ» انتسابا حقيقيّا أو رمزيّا الوليّ الشّاذليّ، أو محرز بن خلف، أو الوليّ سيدي البشير(22) ، أو الوليّة عائشة المنّوبيّة(23). فأخلاقهنّ من أخلاق الوليّ الذي ينتسبن إليه وينحدرن من سلالته «أنا بنت السّلاسل والسّبح، واللّي يدور بي ما يربح»، فالسّلاسل والسبح كناية عن الوليّ وزاويته والتّسبيح والأذكار وتلاوة الأحزاب والوظائف، والمثل تحذير من الاقتراب، إلاّ من أجل زواج شرعيّ، من هؤلاء الفتيات حتّى لا يتعرّض صاحب النيّة السّيئة إلى مكروه أو شرّ يرميه به الوليّ جدّ البنت خاصّة في المجتمع الرّيفي حيث يشيع الاعتقاد في قدرة الأولياء Culte des Saints وحيث يطغى الإيمان الشّعبي والرّؤية الخوارقيّة. إنّ النّسب الرّفيع شرط مطلوب خاصّة عند خطبة البنت للزّواج، ويكفي أن نتذكّر في هذا السّياق صيغة طلب يد البنت المتعارف عليها والشّائعة حتّى صارت مضرب الأمثال«جينا خاطبين بنت الحسب والنّسب» لابننا.كما تدعو الأمثال بل تؤكّد على ضرورة الإسراع بتزويج البنت وعدم الإبطاء في ذلك، متى لم يكن هناك داع للإبطاء، بل إنّها ترى في ذلك تخلّصا من علّة، كما في مثل «إذا وجعتك ضرستك نحّيها، وإذا كبرت بنتك أعطيها»، فالمقارنة تجري بين ضرس يتحتّم قلعها بحكم ما أصابها من تآكل وبنت حان وقت زواجها فتحتّم تزويجها دون إبطاء. كما يدعو مثل آخر إلى تزويج البنت حتّى وإن لم يكن للرّجل من ذكر يرثه، فزواجها أوكد من إبقائها لترث أباها وضياع الإرث أفضل من بقائها دون زواج «بنتك قبل البلوغ أعطيها ولو تقعد في الرّسوم فريد». لقد كان زواج البنت هاجسا تعيشه المجموعة، حتّى صوّرت الأمثال الرّجل أب البنات خاصّة في وضع تعدّدهنّ شقيّا لا يعرف للرّاحة طعما «بو البنات ما يبات هاني»، أي أنّه لا يعرف الهناء أو السّعادة ما لم يزوّج بناته. وبالمقابل، فإنّ عدم العثور على زوج للبنت كارثة لا يضاهيها إلاّ موتها «البنت إذا كبرت ما لها ذكر وإلاّ قبر». وليس لها من حلّ ثالث.
فما سبب هذا الموقف الذي تتّخذه الأمثال الشّعبية من المرأة – بنتا ؟
نقف في مدوّنة الأمثال على أجوبة لهذا السّؤال. فالبنات مصدر همّ للأب، وعناء وشقاء «أب البنات ما يبات هاني»، «اللّي عندو البنات عندو الهمّ بالحفنات»، «اللّي عندو طفلة في الدّار عندو كوشة من نار». إنّ غاية هذا الإشباع تأكيد موقف اجتماعي وسلوك إزاء المرأة – البنت. كما نجد موقفا يسير في نفس التّوجه، غير أنّه يتّخذ دلالة أنثروبولوجيّة بالغة الأهميّة كما في مثل «البنت سلعة ذلّ». وما يهمّ في المثل اعتبار البنت سلعة تبادل، وهي ليست سلعة ذات قيمة تجاريّة. إنّ هذه الرّؤية تتطابق مع التّفكير الأنثروبولوجي الذي يعتبر المرأة عملة تبادل monnaie d’échange داخل المجتمع أو القبيلة وفي إطار نظام ثقافيّ لتبادل النّساء circulation des femmes. يقول كلود – ليفي ستراوس «إنّ قواعد الزّواج وأنظمة القرابة تشابه الكلام Langage أيّ أنّها مجموعة عمليّات تهدف إلى تأمين ضرب من التّواصل بين الأفراد والمجموعات. وسواء تمثّلت (الرّسالة) في هذه الحالة في نساء المجموعة اللّواتي يتمّ تبادلهنّ بين العشائر والأنساب أو العائلات (ولا كما في حالة الكلام في ألفاظ المجموعة التي يتبادلها الأفراد )، فذلك لا يغيّر ما هيّة الظّاهرة في كلتا الحالتين»(24).إنّ هذا المثل لا يمكن أن يفهم خارج سياقه الثّقافي والاجتماعيّ الذي نشأ فيه: ففي المجتمع الرّيفي أو القبليّ، تمثّل المرأة «عملة تبادل» بين العشائر المتنافرة والتي تعيش دوما في حالة اتّحاد أو تناحر Fusion-Fission حيث يقع تبادل النّساء وتداولهنّ – على غرار العملة والسّلع واللّغة – وتعقد الأحلاف القبليّة بمناسبة التّبادل والزّواج خاصّة الزّواج من خارج القبيلة Exogamie. لذلك، لا يجب تحميل هذا المثل شحنة أخلاقيّة للتّدليل على سلبيّة الموقف الاجتماعيّ من المرأة، فهو مثل يكتسي دلالة سياسيّة أكثر من الدّلالة الأخلاقيّة، ويجب فهمه في هذا السّياق.
وغير بعيد عن هذا السّياق، نجد مثل «البنات لا ترد الوارث لا تشدّ المحراث»، فالبنات خاصّة في الوسط الرّيفيّ ذي البنية التّقليديّة المحافظة لا يرى في البنت الصّغيرة التي لم تبلغ سنّ الزّواج الأهليّة الاجتماعيّة للحصول على نصيبها من الإرث، فعائلها يحجب عنها الإرث مخافة سوء التّصرّف وتشتيته وهو رصيد القبيلة الهامّ الذي لا يمكن أن تتخلّى عنه مهما كانت الدّواعي، فهو رهان هامّ في المجتمع القبليّ به يرتهن مصير القبيلة.
2 - المرأة زوجة:
يستأثر هذا المحور باهتمام الأمثال الشّعبيّة البالغ، والأمثال تحاكي في هذا الاهتمام ما يبديه المجتمع من عناية بقضيّة الزّواج هذا الرّهان الكبير في حياة الفرد والمجموعة. وهو كذلك لأنّه يقع على تخوم الدّينيّ والمجتمعيّ. فالإسلام يدعو إلى الزّواج بوصفة أساس بناء المجتمع وأساس حصانة الفرد من الفساد، كما أنّ الأمثال تعتبر الزّواجَ نصف الدِّين»اللّي تزوّج ملك نصف دينه». ونظرا لأهمّيته وما يستدعيه من ترتيبات واستعدادات على جميع الأصعدة قيل»زواج العمر يحب له تدبير سنين» في إشارة إلى ضرورة التّخطيط المحكم له. ومن المحاور التي أضحت تقليديّة في ميدان الأنتروبولوجيا الكلاسيكيّة محور الزّواج من ابنة العمّ(26) وهو موضوع حفلت به الأمثال الشّعبيّة إذ نجد أكثر من مثل يحضّ على هذا الزّواج «بنت العمّ تتفك من الجحفة»، «خوذ الطّريق ولو دارت وبنت عمّك ولو بارت»، «بنت العم اضرب ورد للتّركينة». ونظرا لشيوع هذا الضّرب من الزّواج في المجتمع التّقليديّ عرف في أدبيّات الأنتروبولوجيا بالزّواج العربيّ mariage arabe. ومن أسباب شيوعه في الأدب الاثنوغرافيّ والانتروبولوجيّ ما لاحظوه من عدم استجابته لما افترضوه من ميل المجتمعات التّقليديّة إلى الزّواج بين العشائر Exogamie لتوسيع دائرة أحلافها خاصّة في ظلّ الحروب التي تعيشها. وقد افترض رائد البحث البنيويّ كلود ليفي-ستراوس أنّ تبادل النّساء بين القبائل يشكّل ضربا من التّواصل(27) مستبعدا بذلك تبادل النّساء بين أفراد القبيلة الواحدة. وقد فسّر البعض انتهاك الزّواج العربيّ هذه القاعدة الكليّة règle universelle بمجموعة أسباب تعود إلى طبيعة المجتمعات العربيّة إذ يعمل هذا الزّواج على خلق كيانات تابعة وشبه مغلقة على نفسها في إطار قرابة تتضمّن العرب، في حين يرى البعض الآخر فيه وسيلة لتعزيز القبيلة في صراعاتها ضدّ قبائل أخرى ولتضييق النّزعة نحو التّجزئة. أمّا شلحد، فيعتبر النّساء في المجتمعات القرويّة جزءا من الرّصيد العائليّ، وبهذه الصّفة، يجب المحافظة عليه من قبل ابن العمّ(28). كما رأى بعض الباحثين أنّه وقع تضخيم هذا الضّرب من الزّواج إذ لم يكن الزّواج من ابن العمّ الصّيغة الوحيدة خاصّة في الأوساط الحضريّة واعتبروه في النّهاية أحد عناصر السّياسة الزّواجيّة politique matrimoniale لا تختلف عن غيرها. وممّا يؤكّد هذا الرّأي وجود الزّواج من ابنة الخال. وقد تحدّثت الأمثال الشّعبيّة عن هذا الزّواج «بنت الخال ما تتشراش بالمال». غير أنّ المميّز في هذا الضّرب من الزّواج من وجهة نظر المثل الشّعبيّ تنزيه ابنة الخال عن أن تكون سلعةً تباع وتشترى مقابل المهر الذي يمنحه إيّاها ابن عمّتها. ففي الزّواج من ابنة الخال، يتغلّب الاعتبار الوجدانيّ العاطفيّ أكثر من الاعتيارات الاقتصاديّة المتّصلة بالمحافظة على الإرث من التّشتّت أو الاعتبارات الهيكليّة المتّصلة بتدعيم مكانة القبيلة. فهل يعني ذلك في النّهاية تفضيل الزّواج من ابنة الخال؟ وهل ساد هذا النّوع من الزّواج في المجتمع التّقليديّ أكثر من شيوع الزّواج من ابنة العمّ؟ وهل ساد أحد الضّربين وفقا لمصالح العائلات المتصاهرة وما ترتئيه من منافع قد لا يكون للاعتبارات الوجدانيّة والعاطفيّة دخل فيها؟
3 - المرأة أمّا:
يحظى محور المرأة أمّا باهتمام الأمثال الشّعبيّة.ولئن لم يخصّص لها حضور كميّ بارز في الأمثال، إلاّ أنّ مكانتها ودورها يغطّيان النّقص الكمّي. إذ لم تشتمل المدوّنة المنتقاة إلاّ على عشرين مثلا تقريبا. وهي أمثال تؤكّد جميعها على دور الأمّ ومكانتها في حياة الفرد ومنزلتها.
وتدور الصّفات التي ترسم صورة الأمّ حول محاور:
منزلتها في حياة الفرد الذّكر والأنثى.
تربيته وأسس التّربية.
الشّعور بفقدها بعد الموت.
في المحور الأوّل، يبرز دورها خاصّة في سنيّ حياة الطّفل الأولى حيث يشعر بحاجة ماسّة لها. فهي التي ترضعه وتسهر على تنشئته وبها يرتهن وجوده ونموّه وبالتّالي حياته«الولد اذا بكى ما ترضعه كان أمّه».فبكاء الرّضيع وهو يرمز في المثل إلى حاجته للرّضاعة أي داعي البقاء لا يستجيب له سوى أمّه ولا يلبّي حاجته للغذاء سواها. وفي هذا الإطار، تجلي الأنتروبولوجيا خفايا العلاقة بين الأمّ والرّضيع من خلال الأنموذج الأعلى ومثله الأمّ(30). ولئن كان إرضاع الأمّ ابنها حدثا اجتماعيّا غايته تغذيته ليشبّ وينمو، فهو لا يخلو من أبعاد مثقلة بالرّمزيّة: فاللّبن رمز الوحدة العضويّة(31).
ويبرز دورها خاصّة في تربية ابنتها، فهي تنقل لها صفاتها عبر التّربية والتّلقين والعناية المتواصلة في الفضاء الخاص فضاء البيت سيّما وأنّ البنت لم تكن تتلقّى في المجتمع التّقليديّ إلاّ تعليما عمليّا (الطّبخ، الطّريزة، تربية الأطفال، شؤون العائلة...). فمثل«كب الجرّة على فمها، تطلع البنيّة لامّها» مثل يرصد عمليّة التّنشئة التي يخضع لها الفرد في إطار المجتمع التّقليديّ. وإذا كانت الأمّ هي القيّمة على قيم المجموعة والحافظة الأمينة لها والنّاقلة إيّاها إلى ابنتها عبر التّنشئة socialisation، فإنّ الأمثال تدعو، بل تحثّ بإلحاح، إلى الزّواج من البنت - الأمّ أي تلك التي استوعبت تربية أمّها استيعابا جيّدا وتمثّلت صورتها فأعادت إنتاجها لتظلّ صورة الأمّ طاغية مهيمنة بوصفها نموذجاarchétype يسكن ذاكرة الفرد ويستلبها. وفي إطار هذه العلاقة الوجدانيّة بين الأمّ والابن والتي تكيّف سلوكها وتوجّهه نحوها، فإنّ شعور الأمّ ثابت مستقرّ لا يعرف التّحوّل أو التّغيير، لا بل إنّه يتغيّر تصاعديّا.فحتّى القيم الجماليّة المتعارف عليها والتي هي محلّ اتّفاق وإجماع في الفضاء الاجتماعيّ تشهد تحوّلا في ذهن الأمّ «مسعود في عين أمّه قمر» (الابن الأسود يكنّى عنه بمسعود ليجلب السّعد لوالديه).
وتعطي الأمثال الشّعبيّة مكانة متميّزة لما تقوم به الأمّ من «تدليل» وإفراط في حسن المعاملة وإظهار المحبّة، فيقول «اللّي أمّه في البيت ياكل بالزّيت»، فوجودها في البيت كناية على حياتها مع ابنها في منزل واحد، لذلك فهو يأكل بالزّيت كناية عمّا يرمز له الزّيت من خير وبركة خاصّة في المجتمع التّقليديّ. وفي نفس المعنى، نجد مثل «اللّي عنده أمّه، ما تحمل همّه»، فحياة الابن في كنف أمّه عنوان الخير والسّعادة والتّنعّم بملذّات الحياة ونعيمها تغدق عليه عطفها وحنانها وتعتني بتغذيته تغذية صحية جيّدة.
وتقدّم الأمثال الشّعبيّة المرأة - الأمّ في صورة ناصعة خاصّة في موقف الأمّ - الوالدة والأمّ - المرضعة، ففي هذه الوضعيّة أكثر من غيرها من الوضعيّات، تقترب صورة الأمّ من الكمال والأنموذج الكامل، ويتمثّلها الضّمير الجمعيّ من خلال الأمثال، رمز التّضحية والفداء: إنّها صورة من الآلهة في الدّيانات القديمة(32) حيث كانت الآلهة الأنثى تعبد وتقدّس.
فكيف صوّرت الأمثال الشّعبيّة فقد الأمّ؟
جعلت الأمثال من فقد الأمّ فاجعة كبرى، بل إنّها فاجعة أدهى من فقد الأب. كما جعلت من اليتيم يتيم الأمّ «ما يتيم كان يتيم الأمّ» لتضخّم من هول الفجيعة بفقدها (تركيب الحصر يفيد معنى التّضخيم). ولعلّ ما تحمله الأمّ من قيمة رمزيّة فضلا عن قيمتها الفعليّة ما يدفع لاتّخاذ هذا الموقف: فالأمّ هي الأرض بعطائها وخصوبتها وهي الطّبيعة بمتناقضاتها وعناصرها المختلفة والثريّة، وهي الآلهة الأنثى في الدّيانات القديمة بمعانيها الكونيّة الخالدة(33).
ويترتّب عن فقد الأمّ أوضاع مناقضة لتلك التي يعيشها المرء في حال وجودها «إذا ماتت أمّك ما عاد حدّ يلمّك»، «من بعد الأمّ، احفر واردم»، « اللّي ماتت أمّه تهد فمه»، «اللّي أمّه في الجبّانة، ياكل على الزّبالة». إنّ استقصاء الأمثال لمختلف الأوضاع والحالات التي تتعاقب على الانسان دليل على فداحة ما يصيبه بفقد الأمّ وشمول الخراب وفقد الرّاحة والطمأنينة ونذير شؤم.
لقد صوّرت الأمثال الشّعبيّة المرأة-الأمّ قيمة جامعة لمعاني العطاء والحبّ والفداء وفضيلة تقي – في حال حياتها – الفرد ومن ورائه المجموعة من الآفات والنّكبات وفي حال فقدها ضياع الفرد وتلاشي القيم التي تمثّلتها فيها المجموعة وجعلتها مستودعا وحافظا لها.

السّياق الأخلاقيّ
1 - مساوئ المرأة:
تتعدّد الأمثال الشّعبيّة التي تصوّر مساوئ المرأة في ذاتها وفي صفاتها وفي معاملاتها وفي العائلة وضمن المجموعة وفي أوضاع اجتماعيّة مختلفة(متزوّجة وأرملة ومطلّقة).
لقد حذّرت الأمثال الشّعبيّة في صيغة مطلقة من الاقتراب من المرأة (في صيغة الجمع للدّلالة على الجنس) «ابعد على النّساء ما ترى بلاء». كما حذّرت من الاتّجار في سوقها(بالمعنى الاقتصادي والعام أي جميع أنواع المعاملات) «إذا دخلت بير طوّل حبالك، وإذا دخلت التّجارة طوّل بالك، وإذا دخلت سوق النّساء رد بالك». فالمثل يحذّر من المغامرة في البئر ويوصي بالصّبر عند الاتّجار ويحذّر من التّعامل مع المرأة: البئر والتّجارة والبيع والشّراء مع المرأة(أو كلّ تعامل معها) مغامرات لا تؤمن عواقبها على الرّجل. فسياسة المرأة على الرّجل غير مأمونة، ولا يقدر عليها حتّى السّلطان نفسه «آش كون يغلب السّلطان كان مرته». ولسنا ندري إن كان هذا المثل يستدلّ به على محاسن المرأة أم على مساوئها: فظاهره أريد به ذمّ المرأة، أمّا باطنه، فيراد به بناء توازن بين سياسة السّلطان الجائر في رعيّته(السّياسة العامّة) والمغلوب من قبل زوجته(السّياسة الخاصّة).كما في مثل «اللّي رأيه بيد النّساء قيلك من بلاه». فالمثل يحذّر – في ظاهره – من الاطمئنان إلى من أسلم مقاليد أموره وسياسته إلى المرأة. بل إنّنا نرى في المثل صدى حديث نبويّ(34) ينفي عن المجموعة فلاحها إذا أمّرت على شؤونها امرأة. بل إنّ الأمثال تخوّف الرّجل والمجموعة من سياسة المرأة (العامّة والخاصّة) وترى أنّ الجلد بالعصا ألف جلدة أفضل من تغلّب المرأة والخضوع لسياستها وإمارتها «ألف عصا ولا غلب امرأة». وإذا كان الخضوع لسياسة المرأة مدعاة للخوف ومبعثا للشّكّ، فإنّ الوثوق بجدّيتها، وهو من باب السّياسة، غير مأمون العواقب أيضا، بل إنّه خطر على الرّجل «اللّي ياخذ حديث النّساء يمشي للخلاء» أي يخرج عن مجتمع الانسان ونواميسه المنظّمة له وأعرافه وتقاليده ليعود إلى فوضى العالم. ويبلغ التّحذير قمّته في مثل «طاعة النّساء تدخل للنّار» باستخدام المثل المعجم الدّيني(الطّاعة، النّار) مقتبسا حديثا نبويّا(35) يرى في طاعة الرّجل للمرأة هلاكه. ومواصلة للتّحذير من التّعامل مع «دولة النّساء» و«سوق النّساء» و«حديث النّساء» و«طاعة النّساء» تواصل الأمثال الشّعبيّة استنفاذ المحاور والأغراض المتعلّقة بالمرأة لتحذّر ممّا يغترّ به الإنسان من خصوبة ظاهرة تخفي جدبا وقحطا «بلاد النّساء جدبة ولو فيها الحشيش ركبة». فما يبدو خيرا وبركة (يرمز إليه بالعشب في المجتمع الزّراعي) هو في الواقع جدب حتّى إن نما العشب وبلغ مرحلة متقدّمة من نموّه.
وفي إطار تعقّب الأمثال لمختلف الأحوال والأوضاع التي تتعاقب في مراحل عمرها من أجل تقديم صورة مكتملة عنها، تصوّر الأمثال المرأة-الأرملة تارة في ذاتها «لا تاخذ هجّالة ولو يكون خدّها مشموم»، فجمالها لا يشفع لها ولا يعطيها حقّ الزّواج ثانية ،كما أنّ مالها لا يشفع لها بدوره في الحصول على زوج ثان بعد موت زوجها الأوّل وستظلّ أرملة رغم ثرائها المفرط «الهجّالة هجّالة ولو تكون حلق باب دارها من ذهب». وقد يمسّ المثل أخلاق الأرملة وسلوكها كما في مثل «الهجّالة في القبيل عملوها للسّبيل» كناية عن انحرافها مع جميع أفراد المجموعة التي تنتسب لها. وقد تتّخذ الأمثال الشّعبيّة تربية الأرامل لأبنائهنّ أمثولة سيّئة يستدلّ بها على فساد التّربية كما في «تربية هجاجل» كناية عمّا ترمز له هذه التّربية من سوء وانحراف ينسجمان مع سوء أخلاق الأرملة وانحرافها كما في المثل السّابق أو في مثل» أولاد الهجاجل قليل اللّي يجي منهم راجل».
كما تصوّر الأمثال المرأة في وضع من تزوّج عليها زوجها ثانية وما ينشأ بين الزّوجتين من مشاحنات وسوء تفاهم ومكائد تحيكها الزّوجة لضرّتها لاستبعادها من طريق الزّوج أو ما تتمنّاه إحداهنّ للأخرى من مصائب لتفوز برضا زوجها بعد إثبات جدارتها واستحقاقها بأن تكون الزّوجة الوحيدة لا تنافسها في مكانتها امرأة مهما كانت الإغراءات «اش تحب الضرّة لضرّتها فار في برمتها» أو مثل«اش تحب الضرّة لضرّتها مصيبة وقطع جرّتها»(36) ممّا ينفي إمكانيّة التّعايش بينهما أو قبول إحداهما بالأخرى مشاركة لها في الزّوج. ويعطينا المثل صورة ساخرة عن الأسباب التي تؤدّي أحيانا إلى طلاق المرأة من زوجها على غرار تقصيرها الفاضح في العناية بالطّبخ وأوانيها إلى درجة تسلّل فأر إلى قدر الطّعام. لذلك، فإنّ الضّرة تتمنّى – وأحيانا تسعى – أن تعيش منافستها هذا الوضع فيكون سبب طلاقها وانفرادها هي بالزّوج.
ولئن اعتنت الأمثال الشّعبيّة بتصوير مختلف أحوال المرأة وأقوالها وتابعتها في مراحل عمرها ودوراته المتعاقبة، فإنّها صوّرتها أيضا في بعض المناسبات الاجتماعيّة التي تحياها الأسرة والمجموعة وعبّرت عن سخرية لاذعة تجاه المرأة نتيجة سلوكها الذي لا يتلاءم وطبيعة المناسبة على غرار مثل«عيشة مشات للحمّام جابت حكاية عام».فالذّهاب إلى الحمّام للاغتسال والتّطهّر لا يستغرق وقتا طويلا عكس ما جلبته المرأة معها إثر عودتها من أحاديث وروايات قد يستغرق الحصول عليها مدّة أطول بكثير من فترة الاغتسال. وقد يعني المثل متجاوزا سياقه الأصليّ وضعيّتين غير متوازيتين ينعدم بينهما إلىحدّ تحوّل الموقف إلى موقف كاريكاتوريّ- التّناسب الزّمنيّ أي مدّة استغراق الوضعيّتين. ومن جهة أخرى، يكشف المثل بداية تحوّل في وظائف الفضاءات العامّة على غرار الحمّام(37)الذي أصبح فضاءا اجتماعيّا lieu de sociabilité تؤمّه المرأة لا فقط للتّطهّر بل للقاء النّسوة والاستمتاع بالحديث إليهنّ وتبليغهنّ ما يجيش بصدرها. وقد يكون هذا الفضاء العامّ أحيانا مناسبة لمصاهرة العائلات. وينسحب مبدأ عدم التّناسب المستخلص من المثل السّابق- وهو مدعاة للسّخرية والتّندّر - على مناسبة اجتماعيّة أخرى تعيشها المرأة ويصوّرها المثل «كيف ماشطة أريانة تمشي بالعزّ وتروّح بالدزّ»: فالماشطة (التي تشارك في الأفراح بالغناء ضمن جوقة نسائيّة) تحضر بعد تمنّع ومماطلة، لكنّها تغادر منزل العروس مطرودة. فالمثل يلعب على تصوير موقفين متناقضين يصوّرهما الطّباق في مستوى البلاغة (العزّ vs الدزّ) ليكشف انخرام التّوازن بين موقف المرأة الأوّل(الحضور) وموقفها الثّاني(الانصراف). ولئن صوّرت الأمثال الشّعبيّة المرأة كائنا اجتماعيّا يتفاعل مع المناسبات والظّروف الاجتماعيّة، إلاّ أنّ هذا التّفاعل يتحوّل أحيانا – في متن المثل – إلى سلوك تعيبه الأعراف والتّقاليد»مشات تترحّم جات تتوحّم»(38) ليصوّر اختلال التّوازن مرّة أخرى بين الخروج للتّرحّم على الميّت وما تستوجبه هذه المناسبة من معان دينيّة وتصرّف المرأة بما يجعله معيبا في العرف الاجتماعيّ والدّين. ولعلّ المثل الشّعبيّ وما يمثّله من أفكار اجتماعيّة وتمثّلات مشتركة لم يستوعب بعد خروج المرأة للفضاء العامّ (لا يرى للمرأة إلاّ فضاءها الخاصّ وهو المنزل)، فصاغ هذه الرّؤية ليتّخذ من خروجها للفضاء تعلّة لتهميش وجودها وانتقالها من الخاصّ إلى العامّ.
ويقترب من هذه البنية (بنية انخرام التّوازن) بنية شبيهة بها معنى ومبنى، هي مبنى انقلاب سلّم القيم كما في مثل «العجوزة مدّيها الواد وهي تقول العام طاهمة»(39). أو في مثل «عيشة في دار النّاس والنّاس في دارها» أو «خوف سالمة خافت من القمرة هربت للظّلمة»، أو «شافت الضّيف طلّقت مولى البيت» أو مثل « خلاّت راجلها ممدود ومشات تنوح على عبّاد» وغيرها من الأمثال التي تفضح عالم المرأة التي انقلب سلّم القيم لديها فأضحى عالما متوتّرا بين رؤيتين: رؤية الفرد ورؤية المجموعة، رؤيتها وما تنطوي عليها من أحلام مكبوتة وتوق إلى الانعتاق من إسار قيود التّقاليد والعادات التي كبّلتها بها رؤية المجموعة التي تريد منها الاعتناء بالزّوج والإنجاب والبقاء حبيسة المنزل.
2 - المرأة الحائرة
يستأثر هذا الصّنف من النّساء بأهميّة كبرى في متن الأمثال الشّعبيّة الخاصّة بالمرأة لما يكتسيه من دلالات اجتماعيّة وثقافيّة إذ يفهم على أنّه موقف في سياق ردّ فعل ثقافيّ من جانب المرأة تجاه موقف المجتمع الذّكوري منها ومن دورها الذي رسمه لها وسجنها في إطاره الضيّق. فمن هي المرأة الحائرة في المثل الشّعبيّ؟
هي البنت (المرأة) ذات البخل والتّقاعس عن شؤونها المنزليّة. وتسمّى من كانت على هذا الشّكل «حائرة» أي ذات الحيرة في أعمالها(40). ولعلّ ما يعطي هذا الصّنف من النّساء معنى خاصّا في متن المثل وفي الواقع الاجتماعيّ ما تبديه المرأة من بخل وتقاعس عن آداء أدوراها في - نطاق الأسرة – في حين أنّ ما يطلب منها هو النّشاط والحركة، وتأكيد الوظيفة المنزليّة العائليّة ضمن تقاسم الأدوار بينها وبين الرّجل: للرّجل فضاءه العامّ وأدوراه، وللمرأة فضاؤها الخاصّ وأدوارها. وتبدو هذه الرّؤية مجسّمة أفضل تجسيم في مثل «الدّار يحب لها مرا مشمّرة وكيس معمّرة»(41)، وما خرج عن هذا الإطار فهو معيب من المرأة. فحتّى المرأة ذات الخدم والمعينات لم تكن لتتنصّل من متابعتهنّ والإشراف على ما يقمن به وتحميلها مسؤوليّة تقصيرهم في حالة عجزهنّ عن الإيفاء بما تقتضيها مهمّتها تجاه العائلة والمجتمع واتّخاذها سخريّة – وهي المؤتمنة على بقاء العائلة وتوازنها بما تبديه من حيويّة وعناية بالزّوج والأبناء والبنات ومثلا يتندّر به في الثّقافة الشّعبيّة(الأغاني، الأمثال) وهي أقرب التّعابير إلى وجدان العامّة والطّبقات الشّعبيّة. فصورة الحائرة سواء في الأمثال التي عنتها بهذا اللّفظ أو بألفاظ شبيهة به قريبة منه تؤدّي معناه صورة قارّة متواترة في متن المثل الشّعبيّ الخاصّ بالمرأة. فهي العاجزة عن الحركة والنّشاط كليّا- لا بعجز بدنيّ- أو القاصرة جزئيّا عن التّفرّغ لشؤون البيت، كما قد تكون أحيانا صاحبة نشاط وحركة، إلاّ أنّ ذلك غير كاف خاصّة إذا ما قورنت بنظيرتها من النّساء اللّواتي استحققن لقب «الحرّة» أي ذات الإتقان في العمل المنزليّ. «اللّي حطبته الحائرة تشيّح بيد حرامها» مثل ينطق لفظا ومعنى عن هذا الصّنف من النّساء اللّواتي يدّخرن الجهد فلا يقمن إلاّ بما يحقّق لهنّ الكفاف: فالحطب الذي احتطبته المرأة في المثل يكفي فقط لسدّ حاجتها الشّخصيّة وهي تجفيف (حرامها أي ثيابها).وقد تكون الحائرة في موقف عجز بالقياس إلى الصّنف الآخر من النّساء «كيف تجي الحرّة تذوّب تمشي الحائرة تروّب»، فتقاعس هذه المرأة لا يلاحظ إلاّ من خلال مقارنتها بنظيرتها الحرّة من النّساء أي صاحبة العمل المتقن، والمقارنة تدور بين فعلين أو فعل تنشئه المرأة الأولى ونفي للفعل تتحمّله الثّانية. وغير بعيد عن هذا السّياق، نجد مثل»قمح النّاس ترحيه وشعيرها تكري عليه» ليبني المثل موقفه من الحائرة من خلال مقارنة بين وضعين معكوسين تعيشهما المرأة: فهي حائرة لنفسها، لكنّها قادرة لغيرها. وأحيانا تكون حيرتها جزئيّة أي تتقاعس عن آداء بعض الواجبات المنزليّة ذات المرتبة الدّنيا «يا قداها يا رتبتها يا زبلتها في عتبتها».فالعجز عن العناية بنظافة المنزل يتعايش مع خصلتين إيجابيّتين هما النّظام والإتقان، وكيف يستقيم الأمران في متن المثل؟
لكنّ الحيرة والعجز يكونان أحيانا مدعاة لإنكار حقّ المرأة في الزّواج، بل إنّ زواج الحائرة خسارة «اللّي ما تعرف تغسل الدّوارة، وتغربل الكشكارة، لواش تاخذ في ولد النّاس خسارة». فالحائرة في سياق المثل غير قادرة على تنظيف أحشاء الخروف لطبخ الكسكسي بالعصبان(42) وغير قادرة على غربلة الكشكارة (نوع من الدّقيق)، ومن كانت على هذه الصّفة من الحيرة والعجز، فأولى بها ألاّ تتزوّج، لا بل إنّ زواجها – في حال وقوعه – خسران له ولها وللمجموعة. وفي إطار السّخرية من الحائرة عن الإيفاء بما تتطلبّه منها وظيفتها المنزليّة من غسل وطبخ وترتيب البيت وتنظيف وعناية بفضاء المنزل، نجد صورة خاصّة مركّبة من عناصر متنافرة: فالمرأة مطلوب منها أن تتزيّن وتتجمّل وتعتني بزينتها وجمالها من أجل إسعاد زوجها وإدخال البهجة عليه، في توازن وانسجام مع وظائفها المنزليّة دون إخلال بهذه الوظيفة أو تلك «في النّهار دابّة، وفي اللّيل شابّة»(43).إلاّ أنّه مطلوب منها – مع ذلك – أن تصرف عنايتها إلى تصريف شؤون عائلتها دون إهمال أو تفريط: وقوّتها – في متن المثل – ومن زاويته إحداث التّعادل بين جمال الذّات وجمال الأفعال، والإخلال بهذا التّعادل خاصّة لفائدة جمال الذّات معيب بل مستهجن يستقبحه المثل «المرا بالحرقوص، والتراكن بالخنفوس».
وتمضي مدوّنة الأمثال في ترصّد عجز المرأة وحيرتها ليصل الإنكار أقصاه: فالحائرة العاجزة عن ندب زوجها – في حال وفاته – ليس من حقّها أن تفقد زوجها، بل لا يجب على زوجها أن يموت، فموته رزء لها، وعجزها عن ندبه رزء وأعظم به من رزء «اللّي ما تعرفش تندب، علاش يموت راجلها، يمشي باردات الجنائز».
إنّ الحائرة موضوع اجتماعيّ خرج عن حدّ المثل حتّى أضحى موضوعا متداولا في التّعابير الثّقافيّة الشّعبيّة على غرار الأغاني، وفي ذلك أكثر من دليل على تحوّله مشغلا اجتماعيّا عامّا لم يعد يقتصر على حالات مفردة: وقد أكّد الجامع الاثنوغرافيّ الصّادق الرّزقي ذلك من خلال إيراده «ترنيمة» حلوة مضحكة تتغنّى بها البنات بالحاضرة وبعض مدن القطر التّونسيّة على البنت ذات البخل والتّقاعس عن شؤونها المنزليّة(44). وتبدو صورة الحائرة من خلال هذه التّرنيمة صورة ممجوجة في متن المثل وفي العُرف الاجتماعيّ السّائد: فهي مثارُ سخريةٍ واستهزاء لصفاتها الخلقيّة(قبح الوجه ودمامته، انتفاخ العينين، تشوّش الشّـعر، اتّساخ عينيها...)، أو السّلـوكيّة( اتّساخ منزلها وثيابها، اتّساخ أواني الطّبخ، كثرة النّوم، الإكثار من الوقوف في عتبة المنزل، كثرة الاعتناء بجمالها إلى حدّ مفرط،...) لينتهي المغْنى بالدّعاء عليها وتمنّي الموت لها أو – وهو أسوأ من الموت – تزويجها من رجل يمتهن أوضع المهن(بيع الفحم)(45).
إنّ هذا الصّنف من النّساء يظلّ – من زاوية علم اجتماعيّة- محلّ مساءلة ونقد ويفرض طرح التّساؤل التّالي: ما مدى وجاهة هذا التّوصيف»الحائرة»، وهل إنّه توصيف يخلو من شحنة إيديولوجيّة تشي بموقف من المرأة عموما ومن دورها كفاعل اجتماعيّ يفترض تكليفه بوظائف اجتماعيّة ذات خصوصيّة مميّزة عن وظائف الرّجل؟
ألا يرصد فيه ضرب من الصّراع بين عالمين: عالم التّقليد tradition بما ينطوي عليه من نزعة إلى الاستقرار والمحافظة على قيم الذّكورة السّائدة في المجتمع وتكريس لغلبة النّوع الرّجالي، وعالم يجهد أن يكون حديثا أو ينزع إلى الحداثة وما تبشّر به من خلخلة لقيم التّقليد والمحافظة والاستقرار وما يتّصل بها من أفكار وتصوّرات ومواقف(46). إنّ متن الأمثال الشّعبيّة المتعلّقة بالمرأة يكشف التّوتّرات والصّراعات في صيغتها المعلنة والخفيّة كما يكشف الرّهانات التي تتّصل بالبحث عن هويّة النّوع ووعي المرأة بقضيّتها في مرحلة مبكّرة كما أنّها تمثّل صورة لمشروع مجتمعيّ توجّهه فكرة العلاقة البنّاءة بين الجنسين في إطار معادلة بين دورهما(47)وتوازن في مكانتهما. فهل كان المجتمع، وهو ينكر على المرأة عجزها وكسلها، يثمّن قيمة العمل والحركة وسعي الأفراد إلى العمل والكدّ أم أنّه يدرك «حيرة المرأة» على أنّها «موقف» من نواميسه المفروضة عليها فرضا؟
تميل التّفسيرات الاجتماعيّة إلى اعتبار موقف المرأة وغيرها من الطّبقات الاجتماعيّة لا سيّما المهمّشة منها علامة مقاومة résistance وشعارا صامتا للرّفض ترفعه في وجه الاستلاب الاجتماعي والثّقافيّ الذي تتعرّض له من جانب المجتمع وخاصّة الرّجل.والأمثال الشّعبيّة التي تنتجها المرأة هي صوتها الرّافض وسلاح مقاومتها الحيّة والفاعلة، تواجه بها ثقافة الرّجل التي تنطوي على مفاهيم الهيمنة والسّيادة والنّفوذ والبقاء حبيسة الفضاء الخاصّ في البيت.وهي، على قلّتها، فضاء المواجهة المعلنة ومدخلا اتّخذته المرأة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعيّة بناء متوازنا يحتلّ ضمنه النّوع المكانة المستحقّة، كما أنّها تعلّة لمراجعة المقولات وتقويضها التي تكرّس الهيمنة وإخضاعها لسلطة الرّجل على غرار «الزّمن الاجتماعيّ» الذي قسّم وفق ميزان قوى يخدم مصلحة مجموعة دون أخرى ويكرّس تفوّق هذه دون تلك.فمن خلال المثل الشّعبي، تعيد المرأة توزيع أيّام الأسبوع توزيعا جديدا يستجيب لمنطق مخصوص بها لا شأن فيه لقوى الهيمنة والاستلاب التّقليديّة «السّبت سبت نفسه، الأحد ما نمسّه، الاثنين دار يمّا، الثّلاثاء نخرج من ثمّة، الأربعاء نغسل الصّابون، الخميس نمشي للحمّام، الجمعة ما فيها كلام». فأين نصيب العائلة ونصيب الرّجل في هذه الرّزنامة الجديدة التي تضعها المرأة دون اعتبار ما يطلب منها من آداء الأعباء المنزليّة؟ إنّ هذا المثل وُضع في مواجهة مثلٍ آخر يرسم صورة لما يراد لها من مرتبة اجتماعيّة «في النّهار دابّة وفي اللّيل شابّة» يتعاقب فيها دورها في العناية بالعائلة نهارا (دابّة كناية عن كثرة الحركة والنّشاط) و بالرّجل (ليلا من خلال التّجمّل له). لقد انتبه إلى هذه الظّاهرة أحد المؤرّخين الذي تحدّث عن سعي النّوع (الجندر) إلى تكفّله بالزّمن الموسوم بديناميكيّة تسمح للمجموعات بإعادة توصيف،من أجل استعمال جديد، الأشياء والمؤسّسات والقواعد التي ترسم مع بعضها فضاء التّجربة الذي يتوفّر لها(48).
وفي سياق تكسير خطّ الزّمان المدنّس le temps profane، زمان الحياة اليوميّة التي تحياه المرأة في الفضاء العامّ والخاصّ من أجل إعادة تنظيمه وفق استراتيجيّتها الخاصّة بها، تعمل أيضا على صعيد آخر في أطار مغاير للأوّل أي الزّمان المقدّس le temps sacré كما يحدث في فضاء الزّاوية(49)، هذا الفضاء النّسائيّ بامتياز حيث لا يشاركها أحد ملكيّته(50)، ولا ينازعها داخله منازع حقّ تطويع الزّمن وجعله زمنا احتفاليّا دائما، هو زمن البدايات والخلق البكر لتدمّر خطيّة الزّمن الاجتماعي المشحون بالمواقف والأفكار المسبقة وتعلي من شأن الزّمن الفرديّ هذه اللّحظة الاحتفاليّة واللَّعِبيّة والشّعريّة(51)، لحظتها هي.
لقد أفضى حبُّ تملّك المرأة للزّمن والتّحكّمُ فيه إلى اعتباره «زمن الأنثى»لدى بعض الباحثين(52)الذين توقّفوا عند تجربة المرأة مع المقدّس داخل فضاء الزّاوية وانبهروا بما تبديه من قدرة على تطويع الزّمن لتجعل منه زمنا لها في مقابل زمن المجموعة التي تعيشه خارج الزّاوية.أليست الزّيارة(53) (مقدار من الزّمن تقتطعه المرأة لتقضّيه داخل زاوية الوليّ) محاولة من المرأة لكسر خطّ الزّمن اليوميّ بتفاهاته وأعبائه وإحباطاته من أجل إعادة شحنه معنى متجدّدا و أملا دافقا في الخلاص والحلم بالانعتاق...وسواء تجسّم عالم المرأة في معتقداتها أو في أمثالها الشّعبيّة، فقد كان عالما متماسِكا تتضامن فيه مختلف التّعابير والرّؤى المصوّرة فيها.

خاتمة
رأينا المثل يتابع المرأة في أدقّ تفاصيل حياتها ويترصّدها عبر مختلف دورات الحياة التي تتعاقب عليها(بنتا، امرأة، أمّا، زوجة..)، وفي أوضاع اجتماعيّة مختلفة، كما رأيناه يصوّر مواقفها ممّا تحياه داخل الأسرة والمجتمع، فكان لسان حالها سيّما الأمثال التي جاءت مباشرة على لسانها وبألفاظها.إنّ عالم المرأة عبر الأمثال عالم يحمل توتّر البنى الاجتماعيّة التّقليديّة والصّراعات التي تخترقها، كما يحمل آمال المرأة وتطلّعاتها إلى الخلاص من الاستلاب وثقافته.كما رأينا مواقف اجتماعيّة مزدوجة من المرأة، خليط من الاستحسان والاستهجان.وفي كلّ ذلك، كان للمرأة حضور بارز يستحقّ الدّراسة كما يستحقّ حضورها في التّعابير الشّعبيّة الأخرى (الشّعر الشّعبي(54)، الملاحم، الحكايات الشّعبيّة،...) دراسة.