اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الثقافة الشعبية ومجلتها
الثقافة الشعبية اسم هذه المجلة، وهو اسم اختاره من قاموا على إصدارها عن قصد، لا باعتباره مجرد عنوان لمطبوعة، ولا لمجرد ال...

أرواح التوائم معتقد شعبى فى صعيد مصر
يقدم المعتقد الشعبي شبكة من المفاهيم والممارسات للتعامل مع الواقع المتاح والمجهول في محاولة إما لفهمهما أو للسيطرة عليهم...

التراث الشعبي الموريتاني مخزون ثري من الحكم والتجارب والتصورات
لا زلت أجد صعوبة حقيقية في الحصول على إصدارات متعلقة بالثقافة الشعبية الموريتانية، وقد حاولت مرارًا التواصل مع دور النشر...
42
Issue 42
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
من أجل منظومة تربويّة عربيّة مشتركة للتراث الثقافي اللامادي
العدد 42 - أدب شعبي

أ.عبد الرحمان سالم أيّـوب - كاتب من تونس

بإلقاء نظرة على ما يصدر من قبل اليونسكو، من مبادرات وقرارات وتوصيات بشأن التراث الثقافي اللامادي للشعوب، وهي معتمدة في أغلب الأحيان من الدول التي اعتمدت اتفاقية 2003 لصون هذا التراث، نرى أنّه يوجد إجماعٌ، أو قل لمزيد الدقّة، شبهُ إجماعٍ حول ضرورة إدماج التراث الثقافي اللامادي في مختلف مستويات المنظومة التربويّة (التعليميّة)، بهدف اكتساب المعرفة حول العناصر المكوّنة لهذا التراث في بلادها، وممارسة مضامينها ذات الجدوى، أوما يمكن تطبيقها للمردوديّة التي قد تنتج عنها على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
ويبدو أنّ الوازع الأهمّ لاكتساب المعرفة التراثية، أنّها تحدّ من سلطة العولمة التي، بقدرتها على الانتشار السريع، وتحكّمها في الوسائل التواصلية، تشذب إلى أن تمحي، أغلب مكوّنات الذات الثقافية للمجموعات، أي تلك مكوّنات، بما فيها اللغة، التي تحدّد هويتها الثقافية وتميّزها عن غيرها من المجموعات البشريّة. وعلاوة على دور معرفة الشعوب بتراثها في تكريس هويتها، هناك هدف آخر لا يبدو أقل أهميّة، وهو أنّ هذا التراث يشتمل في الغالب على معارفَ تتناقلُها الأجيال، ثبُتت نجاعتُها في تحقيق التنمية المستديمة التقليديّة، ومن ثمّة من شأنها، إذا حيّنتها الطاقات الإبداعية لحملتها و«طوّرتها»، أن تجدّد تلك التنمية بشكل يحدّ من العسر الاقتصادي الذي تعيشه المجموعات البشريّة المصنفة في خانة «الدول النامية».
ومنذ عدّة سنوات، قد شرعت بعض الدول الآسيويّة، والاسكندينافية، والإفريقيّة، والجنوب أمريكية(2)، في تنفيذ هذه السياسة التربوية، أي في وضع برامج تعليميّة، تنطلق من التعريف بتراثها الثقافي اللامادي ومكوّنات عناصره، وتدمج بعضها، على مستويي التدريس والممارسة، في المنظومة التربوية الشاملة في مختلف مراحل التعليم.
لم نطّلع بعد على نتائج هذه التجارب، ومعظم ما اطّلعنا عليه يتمثّل في تقارير وصفيّة للتجارب التي شرعت فيها تلك الدول، وهي لا تشتمل على استنتاجات تقييميّة علميّة، قد تزيل الشكّ في المناهج المعتمدة، من جهة، وفي جدوى الارتكان، من جهة ثانية، إلى التراث الثقافي كزاد معرفي في زمن تتسابق فيه الشعوب في مجالات التنمية والاكتشافات والهيمنة على الأسواق وغيرها من الأوضاع التي نعاينها اليوم.
ولا نقصد مما سبق الشكَّ في أهميّة تراث الشعوب، المادي واللامادي. فالمجموعة الإنسانية التي ليس لها ماض وليس لها تراث، لا مستقبل لها، بل أعتقد أنّه لا وجود لها لا في الماضي ولا في الحاضر. إذ في طبيعة الإنسان الحيويّة (biologique) الاستمراريّة وإفراز الذاكرة، ومن ثمّة إنتاج التراث، إن صحّ التعبير.
وبقدر ما أنّه بديهيّ أنّ لكلّ مجموعة بشريّة تراثا،بقدر ما أنّه بديهيٌ أنّ تكون جميع الشعوب، بما فيها تلك التي يحقّ لنا نعتها بأنّها رائدة العولمة والساعية دوما إلى التحكّم في آلياتها المهيمنة، حريصة على صون تراثها الثقافي اللامادي وتثمينه، واتخاذه رافدا من روافد الإبداع والتنمية. بل، الحقيقة، أنّ ما يطلق عليها بالدولّ المتقدّمة، ما انفكت تصون تراثها الثقافي اللامادي وتثمنه وتستغله استغلالها اقتصاديا موجّها، منذ عقود طويلة، وتحت مسمّى الدراسات الأنثربولوجيّة أو دراسات فلكلور الشعوب، تدرّس مواده بل ومواد غيره من تراث الشعوب الأخرى. وأعني أنّ هذه العمليّة ذات البعد الاستراتيجي قد وُضعت آلياتها قبل أن ترى النور اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي اللامادي. وكما يعلم جميعنا جاءت هذه الاتفاقية كصرخة معارضة ضد اكتساح العولمة لثقافات الشعوب وللأقليات، وكان أغلب روّادها الأساسيّين أصيلي الشعوب الإفريقيّة. ولأقل، عرضا، إنّ كان يحدو الدولّ المتقدّمة في دراسة تراث الشعوب الأخرى إنّما هو فكرُ الهيمنة على الآخر حتّى يسود حكمّها فيه. وواقع الحال هذا ما زال مستمرّا في مجالاتنا بينما ينذر أن نعثر على مثيله بشأن ثقافات تلك الشعوب (المتقدمة والنامية) من قبل باحثين ينتمون إلى أوطاننا.
ما جدوى إرساءمنظومة تربويّة عربيّة مشتركة للتراث الثقافي اللامادي ؟
وعلى عكس ما تدعو إليه اتفاقية 2003 لليونسكو، لم يراود الدول المتقدمة الذكر أن تهتمّ بالمشترك بين تراث مجموعتها، أو مجموعاتها، البشرية، وتراث الشعوب الأخرى. بل كانت تحرص على إبراز المختلف بينها، وتبرز خاصّة منه – وتقيم من أجله المعارض – ما يبدو بدائيا وحوشيّا (sauvage) في تراث الآخر. والأمثلة عديدة على هذا ولا نحتاج إلى التذكير بها. وأسباب ذلك معروفة أيضا، ولم تتقلّص بشاعتها إلاّ إثر المحاضرة المتميّزة التي ألقاها لفي-شتراوس (Lévi-Strauss) على منبر الأمم المتحدة سنة 1948حيث أعلن أنّ ثقافات الشعوب البدائية قد تكون أكثر ثراء من ثقافات الشعوب المتقدمة، وأنّ أبنيتها (structures) أكثر تعقيدا مما قد يظهر للبصيرة العابرة، وأنّه قد حان الوقت لاستقرائها من منطلق منهجيّة أنثربولوجية جديدة.
وبالإضافة إلى الاعتناء بالمشترك بين الثقافات، خاصة على مستوى الأبنية الاجتماعية اهتمّت المدرسة أنثربولوجية الجديدة بالمختلف، المتباين، بينها، لما يتضمّن من فوائد حول الأبنية الذهنية التي تحدّد ممارسات المجموعات البشريّة وتصرفاتها الاجتماعيّة، وحذق معارفها الحرفيّة، وطقوسها ومعتقداتها، ورؤيتها للوجود (من حيث الحياة والموت).
ولعل هذا التوجّه الجديد هو الذي دفع على البحث من وجهة نظر مقارنة، وعلى نطاق واسع، على المشترك بين الثقافات الإنسانية في مختلف أنحاء المعمورة، وعلى ثباتها واستمراريتها عبر الأجيال وكذلك على التحّولات التي تلحقها بفعل طبيعة السياقات المختلفة والمستحدثات التي يفرزها التطور الحتمي. وعلى صعيد مواز، أدى البحث في حقول المكوّنات الثقافية المختلفة، أي ما نسميه اختصارا المختلف، إلى إعادة النظر في الفهم السائد لمفهوم المختلف. فلم يعد الحكم على الظاهر منه، بقدر ما أصبح يحدّد المختلف باختلاف البنية المكوّنة للمعطى الثقافي التراثي والتي تجعل منه معطى ثقافيا تراثيا مختلفا زمن معاينته ميدانيا، أي ظاهرة ثقافية قائمة الذات، بالمعني الدقيق للكلمة. ويقوم هذا النظر الجديد للمختلف على اعتبار هام وهو أنّ التراث الثقافي اللامادي، هو البناء التذكري للإنسان، ومن حيث هو كذلك فهو مموّن حيّ يلحقه التحوّل والتطور والتلف. وكما يعلم جميعنا ما نعاينه من تراثنا اللامادي اليوم لا يعدو خلاصة ما وصل إليه تراث السلف بعد تحوّلات، تكون أحيانا عميقةً جدا.
ولهذا وجدتني، وأننا بصدد التفكير في المسألة المعروضة علينا في ملتقانا العلمي هذا :«التراث الثقافي غير المادي والتعليم : رؤية عربيّة»، أتساءل: أيّّ تراث لامادي نروم التباحث بشأنه؟ هل هو التراث الثقافي اللامادي العربي المشترك؟ وأقصد بذلك المكوّنات التراثيّة المتماثلة، ولو إلى حدّ ما – فالتماثل الكامل يكاد يكون منعدما-، إذن المكوّنات التراثيّة المتماثلة التي نعاينها في مختلف المجالات التي ننسبها للعالم العربي من مشارقه إلى مغاربه ؟ وفي هذه الحالة، ماذا سيكون مصير المكوّنات التراثيّة المتباينة، المختلفة، والتي تثبت لنا الدراسات الميدانية المتوفرة بين أيدينا، أنّها تزداد تفاقما، وكأنّ المختلف ينحو نحو أن يطغى على المشترك؟!
إن انفتاح المجالات العربية على غيرها من المجالات الإنسانية ليس بأمر مستحدث، بل هو أمر قديم متواصل. وانفتاحها اليوم يتميّز بصفة خاصة بإدماجها لفئات شعبيّة حاملة لثقافات مختلفة عن الثقافة المستقبلة لها، إلاّ في ما شذّ، أي لما يتعلق الأمر بالشأن الديني، فيكون الإسلام موضع المشترك بينها. ولا مندوحة من أن ييسّر التعايش في مجال مشترك من الأخذ والعطاء، ومن التبادل الثقافي، ومن الاندماج، أو ما قد نعّبر عنه، حسب ابن خلدون، « بالتطبع بطبائع الآخر».
لكنّ هذه الظاهرة الإيجابية في التواصل بين الشعوب لا ينبغي أن تُخفي عن بصيرتنا ظاهرةً لا يمكن أن نصفها بالسلبيّة طالما أخذنا بعين الاعتبار في قراءتنا للتراث الثقافي اللامادي في المجالات العربية (ما نواصل الاصطلاح عليه بالعالم العربي) أنّ هذه المجالات تضمّ مجموعات بشريّة تشكّل «وحدةً ثقافيّة تراثيّة» يغلب عليها التجانس أكثر من التباين. إنّ هذه القراءة ليست بالقراءة غير محايدة، على الأقل على المستوي السياسي (والإيديولوجي)، فهي تغفل عن قصد معطيات إنسانية ثابتة، تتأجّج احتجاجاتها حدّ العنف من حين إلى آخر، وأقصد بها الأقليات العرقية التي لا تخلو منها المجالات العربية، وكذلك الانتسابات الدينيّة المختلفة (عرب/ أمزيغ، مسيحية/ إسلام، شيعة/سنّة، وتفرّعاتها العديدة). فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه المعطيات، وغيرَها التي قد يطول الحديث عنها في هذا المقام، تُلزمنا الموضوعية بأن نُنسّب القول بشأن « الوحدةً الثقافيّة التراثيّة » لدي الشعوب المكوّنة لما يسمّى بالعالم العربي. وقد لا أتردّد في الاستنتاج، مقتديا بما أثبتته الدراسات التاريخية-الاجتماعيّة العديدة، بأنّ المجالات العربية تتشكّل، منذ أمد بعيد، من فسيفساء ثقافيّة - تراثيّة - وعلى غرار لوحة الفسيفساء، بلاطها متجانس، وحجارتها من أصناف وأحجام وألوان مختلفة. كما لا أتردّد في القول بأنّ ظاهرة «التحوّلات» التي تلحق أغلب مكونات عناصر التراث الثقافي اللامادي نتيجة التواصل بين الفئات البشريّة ذات الثقافات المتباينة، وتأثير العولمة، والاكتشافات الجديدة في الاختصاصات العلمية والتواصليّة المختلفة، وتفاوت مدى ما تجنيه هذه الفئات البشرية «العربية وغير العربية»، إنّ ظاهرة «التحوّلات» هذه، جعلت «الاختلافات» تتفاقم استفحالا. ومن ثمّة أعود وأطرح السؤال الذي سيحدّد منحى ما قد أقترحه بشأن إنشاء منظومة تربوية مشتركة للتراث الثقافي اللامادي بين المجالات العربية، ألا وهو : ما هي عناصر هذا التراث التي ينبغي أن نوليها أولويّة العناية ؟
مهما كان الأمر فسوف لا يخلو توجُّهنا هذا من الإسقاط الإيديولوجي والسياسي. لأنّه، بالدرجة الأولى، مطمح نرغب أن يتحقق ضمن وضعيّة ساد فيها الاختلاف وقلّص من المشترك، وبالتالي حتى تكون المنظومة التربوية المتضمّنة لعناصر مشتركة من التراث الثقافي اللامادي العربي، أو بصفة أدقّ العناصر مشتركة المنتشرة في المجالات العربية، ينبغي أن يوجد قرار سياسي يمكّن من ذلك، وهو قرار غائب إلى حدّ هذه الساعة. ولأنّه بالدرجة الثانية، سيُحيّد التراث الثقافي اللامادي للأقليات، لأنّه شذَّ أن وجدت، خارجَ المشترك العقائدي والديني، عناصرٌ تراثيةٌ مشتركةٌ. وهذه معضلة معقّدة، وحلّها لا يبدو، في نظري، متيّسرا في ظروف التوتر والمطالبة باستقلالية الأقليات التي نعيشها في الحاضر.
ونبرر قولنا بأنّ توجهنا هو في حقيقته مطمح يثيره في نفوسنا الإسقاط الإيديولوجي والسياسي، الذي يتمثّل في الإحساس بالانتماء إلى الأمّة الواحدة، ومن ثمّة إلى ضرورة صون المقومات الثقافية التي تشكّل هويّة شعوبها. والانتماء إلى الأمّة الواحدة المشار إليه هو إحساس شعبي ومعتقد شعبي وليس بالضرورة سلطوي.
العراقيل التي تقلّص من حظوظ تحقّق الطموح
غير أنّ هذا الطموح الذي يحدونا لإنشاء منظومة تربويّة « عربيّة » مشتركة للتراث الثقافي اللامادي تقوم إزاءه بعض العراقيل.
أوّلها : غياب قاعدات الجرد، وبصفة أدقّ وأشمل، قاعدة العمل المتكاملة للتراث الثقافي اللامادي لمختلف المجالات الوطنيّة العربيّة «ICHGI» فعلى ضوئها وانطلاقا منها تٌستنبط العناصر الثقافية المشتركة والأخرى المختلفة (التي تعكس الخصوصيات الثقافية المحليّة). ولعل أهم الأهداف من وراء توفّر مثل قاعدة العمل المتكاملة هذه أنها ستمكّن الإنسان العربي، بصفة عامة، والمربّي العربي، بصفة خاصّة، من التعرّف على التراث الثقافي اللامادي للأمّة التي ينتسب إليها، وأغلبنا نجهل عن بعضنا البعض الكثير، مما يجعل الحوار بيننا، في أغلب الأحيان، عسيرا.
أمّا الهدف الآخر الذي لا يقلّ أهميّة عن الأوّل لتوفّر قاعدة العمل المتكاملة «ICHGI» فيتمثّل في أنّها ستكون المكنز الأساسي الذي سينطلق منه المختصّون، من جهة، لاستنباط مناهج تدريس ما يسمّى إجمالا بالتراث الثقافي اللامادي العربي الغزير والمتنوّع، ومن جهة ثانية، لطرح الأسئلة الأساسية حول العناصر التراثية التي تستحق أولوية الاهتمام والتدريس، وكذلك العناية لأنّها قد تكون مهددّة بالتلاشي، واضمحلالها على المدى المتوسّط مفاده ضرب من «التفسّخ الثقافي» و«تصديع للذات الثقافية الجمعيّة (الهويّة العربية)».
وإذ لا يسعنا التبسّط في هذا المقام حول المناهج، نقول باختصار شديد أنّ المقارنة بين العناصر التراثية المتماثلة ستكون منهجيّة لازمة، وأنّنا سنكون أيضا ملزمين بالمنهجيّة التفكيكيّة (Deconstructive method) لتلك العناصر إلى مكوّناتها الظاهرة والخفيّة حتى نتبيّن آليات التحوّلات التي تلحق بالظواهر التراثيّة، فتثريها وتجعلها متطابقة وما يمليه السياق الراهن أو المحدث.
وأمّا ثاني العراقيل، فهو من طبيعة أبتسميّة (Epistémologique). فبطرحنا لمسألة موضع التراث الثقافي اللامادي في المجال العربي الكبير من بين الاهتمامات التربوية المستقبليّة، نحن نضع مجتمعاتنا في إحدى كفتي الميزان : من جهة، كفّة التمسّك (العاقل والمستنير) بتراث الأسلاف، وهو تصرّف، في حقيقته، لا يخلو من نرجسيّة سلبيّة– فبأيّ حقّ أسطّر الآن المنحي المعرفي للأجيال المقبلة؟، ومن جهة ثانية، كفّة السعي إلى التنمية والتقدّم العلمي والتكنولوجي الذي يتطوّر بشكل سريع ومبهت.
إنّ محتوى الكفّتين، في حقيقة الأمر، واقعُ حال مجتمعاتنا التي تُدرك أنّ قِوامَها تراثُها المتواصلُ والمتجدّدُ، وصيرورتَها الأخذُ بايجابيات التطوّر المعرفي والتكنولوجي. لكن هل تمكّنت مجتمعاتُنا من التوفيق بينهما، مما سيجعل إدماجَ التراث الثقافي اللامادي في المنظومة التربوية قادرا على تهيئة جيل مستقبلي، يمسك بمحتوي الكفّتين بشكل متوازن ومتّزن، يحقّق مواصلة الانتماء وعدم القطع مع المكتسبات التراثية التي سلّمها لها السلف،ويغنم، في ذات الوقت، بما يوفّره لها التقدّم حتّى تتحكّم في تسيير واقعها وآفاق مصيرها.

أي مضامين ننتخب للمنظومة التربويّة المشتركة ؟
ومما لابدّ من التأكيد عليه هو أنّ بما يوفّره لها التقدّم المعرفي والتكنولوجي أمر واجب وحتمي على مجتمعاتها، ولكنّه لا يبرّر لها جمعاء أو لجزء منها، وبأيّ شكل من الأشكال، التخلّي عن تراث السلف. لكننا ندرك جيّدا أنّه لا يرجى نفعا من صونه على علاّته. أي أنّ سياسات صون التراث الثقافي اللامادي العربي ينبغي أن تدون، منهجيّا وعلميّا، انتقائيّة، وتكون آليات الانتقاء قد أخذت في الحسبان هدفين أساسيين الجدوى والمردوديّة. فليست هناك من جدوى فعليّة إن لم تكن عمليّة، أي ذات مردودية على مستوى التنمية المستديمة، أو مستوى التوازن الاجتماعي والأخلاقي، أو مستوى تكريس الذات الثقافيّة الجمعيّة، والأفضل جميعها في نفس الوقت.
وحتّى يتحقّق هذا، لابدّ من أن يتحقق شرط أولي مرتبط بالهياكل المؤسساتية في الأقطار العربي التي يعود لها بالنظر مشروع صون التراث الثقافي اللامادي في أقطارها. وسأستأنس بمثال تونس لمعرفتي به، لأقترح المؤسسات التي أرى ضرورة انتسابها للمشروع والعمل على تحقيقه - ثمّ يُنظر في المؤسسات المماثلة في بقية الأقطار العربية التي ستصادق على ما يمكن أن نصطلح عليه بالاتفاقية العربية للمنظومة التربويّة المشتركة للتراث الثقافي اللامادّي.
أمّا المؤسسات، وما يتبعها من مراكز وهيئات مختصّة، التي نأمل أن تسهم في إرساء المنظومة، فهي: وزارة التربية (التعليم)، وزارة الثقافة، وزارة التجارة والصناعات التقليديّة، وزارة البيئة، وزارة الاقتصاد وزارة المرأة، وزارة الشباب والرياضة، بالإضافة إلى نخبة من مخابر البحوث المختصّة في التراث الثقافي اللامادي، زمن الجمعيات غير الحكومية المهتمة بشؤون التراث.
كما نأمل أن ينبثق عن الاتفاقية العربية للمنظومة التربويّة المشتركة للتراث الثقافي اللامادّي ديوان سيشرف على انجاز المنظومة، ويدعى:
«المجلس العربي الأعلى للمنظومة التربويّة المشتركة للتراث الثقافي اللامادّي»
وأمّا المنظومة فستشتمل على السجلاّت (الحقول) التراثية الخمسة التالية، مبوّبة حسب الأولويّة :
وقد أخذنا بعين الاعتبار أنّ المناهج التربويّةستوجّه تعليم المعارف والصناعات التقليديّة، بشكل يجعلها مطواعة لما يفرزه التطوّر التكنولوجي والرقمي.
وحتّى نبرّر صيغة المستقبل التي نستعملها، نشير، أننا لم نذكر نتائج التجربة التونسية، لأنّها لم تحدث بعد. فالتراث الثقافي اللامادي غير مدرج في برامج التعليم في تونس، إلاّ، وبشكل ثانوي ونسبي، في بعض أقسام التاريخ في بعض كليات العلومالإنسانيّة، وفي المعهد الوطني للتراث بشكل محدود كمّا وكيفا. بيد أنّه هناك تجارب واعدة تمارس بشأن الألعاب التراثية، في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية.
الخاتمة
إن إدماج التراث الثقافي في المنظومة التربويّة في مختلف الأقطار العربية، وتحت مظلّة المشترك أصبح أمرا عاجلا. فهويتنا الجمعية رهينة ذلك، وكذلك ذاتها التراثية الجمعية، من جهة، والكمّ الهائل من المعارف والبراعات المهدّدة بالتلاشي.
وينبغي أن يتكفّل بإدماج التراث الثقافي في المنظومة التربويّة القطرية أو الإقليمية المشتركة، بالإضافة إلى أولائك الذين تكوّنوا في مجال صون التراث وتفعيل اتفاقية 2003، خبراء في علم التربية، وفي فنون التنشيط الثقافي الشبابي، وخبراء في علم النفس والسلوك. هؤلاء، جميعهم، يكونون قد اكتسبوا تأهيلا في مجال صون التراث وتثمينه، فعلى عاتقهم ستكون مسؤوليّة وضع برامج التراث في المنظومة التربوية العربيّة الوطنيّة والمشتركة.