اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

قراءة في أوزان القصيدة الشعبية
عرف الإنسان الشعر بواسطة اللغة، وكما عرف الشعر اهتدى إلى الموسيقى لأنه «لا يوجد شعر بدون موسيقى يتجلى فيها جوهره و...

تجربتى في دراسة «علم الفلكلور»
منذ بداية توثيق فن العرضة الخاص بمملكة البحرين في أواخر شهر ديسمبر 2010م برعاية أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث و...

الفلكلور عند قبائل الإموهاغ ودوره في تنمية التراث
يعدّ جنوب الصحراء الجزائرية بمثابة رافد من روافد الثقافة الشّعبية الهامة فهي مجموع الحياة في صورها وأنماطها المادية والم...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
دراسات حول فولكلور البحرين عادات الزواج ومعتقدات شعبية وفنون الشعر والغزل وأطروحة حول توثيق السفن
العدد 41 - جديد النشر

أ. أحلام أبو زيد - كاتبة من مصر

 

نقدم في هذا العدد جولة متنوعة حول فولكلور البحرين.. سعينا وراء دراسة ميدانية في عادات الزواج والفنون المرتبطة به، ثم أبحرنا في عشرات العناصر الممثلة للمعتقدات الشعبية البحرينية، وعلى حين توقفنا قليلاً عند فنون الغزل في التراث البحريني، عدنا مرة أخرى لنغوص في أعماق واحد من الكنوز البشرية للمملكة والذي اختزن في ذاكرته تاريخ المنطقة وقدم نماذج من أجمل فنون الشعر الشعبي.. واختتمنا العدد بنموذج لشباب البحرين الذي يستكمل رحلة المحافظة على ذاكرة الوطن من خلال أطروحة نوقشت هذا العام حول توثيق المأثورات الشعبية المرتبطة بالسفن.
عادات الزواج فى المجتع البحرينى
صدرت الطبعة الأولى من كتاب «الزواج في المجتمع البحريني: عاداته- تقاليده- فنونه» لمؤلفه جاسم محمد بن حربان عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت عام 2000، في مجلد من الحجم المتوسط في حوالي 500 صفحة.. وقد آثرنا عرض هذا الكتاب نظرًا لنوعية وأهمية موضوعه، وجدير بالذكر أن موضوعات العادات والتقاليد عامة، وموضوع «الزواج» خاصة من الموضوعات التي تتصل بكافة عناصر الثقافة الشعبية في المجتمع. وقد التفت المؤلف لهذه النقطة التي تناولها في مطلع مقدمة الدراسة مشيرًا إلى قلة الدراسات والأبحاث التى تناولت تقديم التراث الشعبي البحريني، وإن وجدت فإنها عامة فى مجمل ما تحويه من موضوعات أضاءت جانبًا بسيطًا من لمحات هذا التراث وأهملت جوانب أخرى لم تطلها الأيدى فتركت للضياع والاندثار، وفى تقدير المؤلف أن هذه الجوانب تٌشكّل أهمية كبيرة من مجمل العادات والتقاليد فى البحرين. ولقد كان فى وسع من بحث وأعد دراسة أن يتطرّق أو يتبين الكثير من الجوانب المهملة الفنية والعلمية لاستكمال البحث والتقصى وإزاحة ما غمض من تلك الجوانب فى التراث الشعبي. ويضيف حربان قوله: لقد لمست الأهمية الكبيرة لفنوننا الشعبية وما تأتى فيه من قوالب تظاهرية، فجاءت فنون الزواج احتفالية وجاءت «فنون البحر» زاخرة بجانبها العملي القاسى بامتداد المعاناة أربعة شهور وعشرة أيام، وجاء «لفجرى» ليخفف تلك المعاناة التى كان يعيشها الإنسان البحرينى آنذاك، فعمدت إلى البحث والتنقيب فى فنون الزواج (النظام الاحتفالى) بمجتمع البحرين وكل ما يرتبط بهذا النظام.
وقد اتبع المؤلف منهج الاستبيان في جمع مادته من خلال إعداد إستمارة بيانات وزّعها على ثلاث مناطق هي: المحرق- المنامة- الرفاع الشرقى، واستوعبت عينة البحث مائتي شخص بنظام الاختيار العشوائي فى توزيع الاستمارات. واكتشف المؤلف أن 80 % من عينة البحث لا تعرف من فنون البحرين الشعبية سوى أنها جميلة، ولكن يكتنفها الغموض فى كثير من جوانبها، فمثلا الألحان جميلة ومحببة لكن غير مفهوم من قبل عينة البحث ما يدور بهذه الألحان من كلمات، كما لا تعي هذه الفئة الكبيرة مسميات الفنون ولا الطرق المتبعة فيها. وقد شرع المؤلف في جمع مادته مرة أخرى من خلال أدوات الجمع الميداني باستخدام دليل الجمع ومنهج المقابلة والتسجيل المباشر، ليتأكد مرة أخرى ما توقعته وما جاء فى الاستمارة الأولى. ثم شرع في توثيق مادة الكتاب بأسلوب آخر اعتمد على ما حفظه عن والده وما سمعه من كثير من الفنانات البحرينيات وبعض الفنانين الذين مارسوا تلك الفنون، ثم بدأ في التسجيل لعناصر الثقافة الشعبية للبحرينيين ولعاداتهم وتقاليدهم فى نظام الزواج باتباع المنهج التكاملى ابتداء بالعرس كنظام اجتماعى تكاملى، ثم الفريج ككيان جماعى، فالزواج ومراسمه، ثم التبعيات التى يضمها هذا النظام كالفرشة والطباخ والأزياء ومواد التزيين، والأمثلة التى جاءت فى الزواج، والنصوص الأدبية المرتبطة به.
وعلى هذا النحو اعتمدت مصادر الدراسة على بعض الكتب الاجتماعية والأدبية والمجلات والمراجع العربية، وكذا الأسلوب الشفهى من الرجال والنساء المتخصصين فى الكثير من جوانب هذا النظام عن طريق التسجيل والتدوين بأسلوب المقابلة. وقد آثر المؤلف تناول الفنون الشعبية والمتخصصة فى الزواج لإيجاد الدلائل على أن العرب النازحين من شبه الجزيرة العربية قد أتوا بأنماط ثقافية كثيرة ومنها فنونهم المرتبطة بالبيئة التى ينتمون إليها. وقد رصد ما توصل إليه من نصوص رواها بعض من الرعيل الأول علمًا بأن التغيير طرأ عليها وأخذ بعضها جانب التحريف أو الحذف وبقي بعضها حتى يومنا هذا دون حذف أو إضافة، كما اتخذ بعض من الشعراء البحرينيين نهج بعض الشعراء فى شبه الجزيرة العربية وبذلك جعلوا من هذه الفنون استمرارًا جيلاً بعد جيل.
ويورد جاسم حربان عدة أسباب دعته لاختياره موضوع الزواج في المجتمع البحريني وجمعه للنصوص المرتبطة به، مشيرًا لأهمية رصد النظم الاجتماعية والثقافية الوافدة من الدول الأجنبية، وملاحظته عدم التخاصب الصحى بينها وبين النظم الاجتماعية والثقافية فى هذا المجتمع الصغير، فضلاً عن التوزيع السكانى والتفكك الأسرى. كما لاحظ المؤلف أيضًا اقتراب الكثير من الدور الشعبية والفرق النسائية من الاندثار، وذلك بسبب الوفاة وعدم وجود امتداد للرعيل الأول. وفي إطار بحثه عن موضوع الزواج وجد أن هناك ندرة في المراجع التي تناولت الموضوع فضلاً عن الرواة الثقاة الذين يمكن جمع المادة منهم. كما أشار إلى عدم الاكتراث بالنشر السليم فى مؤسسات البحرين الإعلامية للتراث الشعبي، وعدم تبنٍ حقيقى من قبل الجمعيات المتخصصة بالتراث للدور الشعبية والفرق النسائية.. وطبيعي أن نلاحظ أن ما ذكره المؤلف يعود لعام 2000 مما يجعلنا في حاجة لبحث عما إذا كانت الأسباب نفسها لا زالت حتى الآن أم حدث بعض التغيير.
ويتساءل المؤلف في مقدمة كتابه: إلى أى مدى يمكن أن تكون هناك علاقة وطيدة بين الإنسان وتراث، ومسألة الإيصال والتواصل فى المجتمع ذى السمات العديدة والتى تكاد تكون مشتركة فى تكوين الشخصية للإنسان البحرينى؟ ويستطرد: لقد آثرت أيضًا أن أشمل فى موضوع الدراسة كل مستلزمات الزواج من أزياء ابتدع الإنسان البحرينى لها مسميات بيئية التصقت بها حتى وقتنا الحاضر، كما استطاعت المرأة مزاولة الكثير من المهن الخاصة بالزواج كالحنّاية والعجّافة وغيرها لتجعل أيضًا من الطيب خلطات، واستفادت من الزراعة الكثير من الأدوية والمحاليل لتزيين ما يكتنفه جسدها كالشعر والرجلين والقدمين وبقية أجزاء الجسم. كما أشار المؤلف إلى التبعات الكثيرة المرتبطة بهذا الطقس (الزواج) كالفرشة وكيفية عملها ومن يقوم بالعمل عليها وكذلك الطبخ والإفالة والإفطار وغداء العرس وقهوته الصباحية كل ذلك أضاف جمالاً وعبقاً لذلك الطقس الجميل. إن ما «للفريج» من تكامل إجتماعى أوجد الكثير من المهن دون مقابل.. فالحياة البسيطة التى يعيشها شعب البحرين قديمًا، وارتباطه بعاداته وتقاليده جعلت هذا الإنسان متطوعًا لخدمة مجتمعه، وأكدت على الارتباط الكبير الذى أنشأ هذا التكامل. أما بالنسبة للإيقاعات والرقص فقد قدم لها بشرح مبسط بعيدًا عن التكلفة والانزلاق إلى التنظير كي لا تفقد شكليتها البسيطة العفوية. كما رصد المؤلف العديد من الأمثال الشعبية وبعضًا من النصوص والإيقاعات التي لم تقتصر على الزواج فقط، فجاءت فى النذور وفى توديع المسافر وقدومه والأعياد والمناسبات السعيدة.
استهل المؤلف كتابه بباب خصصه حول أرض البحرين جغرافيًا وسكانيًا، ثم تناول البحرين عبر التاريخ، مفصلاً في دراسة مجتمع البحرين وتكوينه من حيث السلالات واللهجة البحرينية ومميزاتها. ثم تناول موضوع الزواج كنظام اجتماعي تكاملي، مشيرًا إلى أن الفريج الواحد كيان جماعي متكامل داخل المجتمع. ليسجل لنا مراسم الزواج بالبحرين بداية من اختيار العروس بواسطة «الخاطبة» مرورًا بكتابة عقد الزواج (الملجة) حتى زفاف العروسين. ثم عرج لمراسم الزواج القديمة بالبحرين، لينتقل بنا لبعض العناصر الرئيسية في الزواج كإعداد الحجرة المهيأة لعرس الزوجين (الفرشة) ومستلزماتها، ثم الأزياء الشعبية النسائية وأنواعها وألوانها: الثياب- الدراعة- السراويل- الدفة- الملفع- المداس- البطاطيل- القشوة. كما عرض للأزياء الرجالية التي بدأها بالوزار- القحفية- الغترة- الثوب- العقال- النعال- البشت- الصديري- الشطفة- العمامة- الزبون- الجوخ- المعصبة- الدقلة- المسباح. ويشرح بأسلوب مبسط لمكونات كل عنصر من هذه الأزياء مع الصور الموضحة له. ويستطرد المؤلف في كتابه الشيق ليعرض لنا في فصل مستقل لموضوع «التزين ومواد الطيب» كالذهب والكحل والصندل والعنبر، والنسوة اللاتي يقمن على تجهيز العروس كالعجافة والخضابة والداية والحراسة. أما الأمثال الشعبية المرتبطة بالزواج فهي كثيرة، غير أن المؤلف اختار منها بعض النماذج في سياق الاحتنفالية:
(تعلقي يا مرة لو تحت شجرة) ويضرب في حث المرأة على التمسك بالزوج، ويمكن مقارنة هذا المثل بالمثل الشعبي المصري: ضل راجل ولا ضل حيطة.
(منك المال ومنها العيال) يُقال للمعرس عند تقديم التهاني له في الفرشة، ويمكن أيضًا مقارنته بالمثل الشعبي المصري: أغلبها بالمال تغلبك بالعيال.
أما فنون الزواج فقد خصص لها المؤلف بابًا مستقلاً بدأها بمقدمة استعرض خلالها مناطق تواجد الفرق الشعبية، مقدمًا تعريفًا لمفهوم الغناء والرقص الذي تتوزعه ثلاث بيئات اجتماعية بالبحرين، هي البيئة الصحراوية (البدوية)، والبيئة البحرية، والبيئة الزراعية، ولكل بيئة رقصاتها الخاصة، حيث ارتبطت أغلب الرقصات بالغناء الشعبي ومصاحبة للعمل الشاق المضني. ثم ينتقل للحديث عن الفرقة النسائية والمعروفة عند العامة باسم «العدة» والمناسبات التي تعزف بها هذه الفرق، وأخيرًا «حق المولد على المولد وحق المولدة على المولدة» وهو قول يتردد عندما تتهيأ عضوات أي فرقة نسائية لتزويج ابنها أو ابنتها، فتقوم بدعوة الفرق النسائية جميعها لإحياء ليلة الزواج، فتلبي الفرق النسائية دون أن تتقاضى أي أجر. ويستطرد جاسم حربان في كتابه ليعرض لنا العديد من ألوان الفنون الشعبية المرتبطة بالزواج مشيرًا إلى أنه قد قام بترتيب هذه الفنون على النمط المتبع قديمًا في غناء الفنون الشعبية عند الفرق أو ما تسمى بالعامية «العديد» في البحرين. ففي الزواج مثلاً كانوا يقدمون «الدزة» أولاً ومن ثم «العاشوري» و«الترشيد أو الحفال» يليه «الخماري»، وبعدها تأتي الفنون الشعبية الأخرى مثل «اللعبوني- العربي- النجدي- البستة» دون تسلسل أو ترتيب «حسب الرغبة». ولقد كان هذا الترتيب أو التسلسل- كما يشير المؤلف- طقسًا من الطقوس المتبعة، يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل ولا زالت متبعة حتى الآن، ولا يقتصر هذا الترتيب على فنون الزواج فقط بل يشمل الكثير من الفنون، فالطنبورة لها طقوسها وكذا «الليوة» و«المراداة»، فلا يستطيع من أراد مزاولتها أن يقدم فنًا على آخر، إذ يعتبر هذا تخطيًا غير مقبول لدى مزاولي هذه الفنون، ويعد هذا المتطفل دخيلاً عليها فهو ليس بإبنها حتى يعرف أن لهذه الطقوس احترامًا وتقديرًا. وعلى هذا النحو قدم المؤلف «فن الدزة» ونصوص من هذا الفن وإيقاعه والنصوص الغنائية في النذور، ثم فن «الترشيد» والنصوص المرتبطة به والحفال، ثم «الخماري» والنصوص الشعرية المرتبطة.. به تلاه «نصوص فن النجدي» ثم «نصوص فن اللعبوني»، ثم «نصوص فن العربي» وأخيرًا «نصوص الجلوة»، واختتم قسم الفنون بعدة ملاحق شملت: نماذج المبدعات في فنون البحرين الشعبية- أغاني- الملابس البحرينية- أستبيانات –إحصائيات- الأكلات الشعبية.
وقد خلص المؤلف في نهاية الدراسة إلى أن أهل البحرين اشتهروا بوضع صيغ لحنية كثيرة، وصناعة الألحان ليست بالأمر الهين فالإحساس المتدفق والتعبير الذهنى الفياض أعطى لهذه الألحان شعبية كبيرة راصدة لهذا المجتمع خصوصيات جمة يبحر فيها من تغنى فأجاد ومن صاغ لحنًا فأحسن. كما أن العادات والتقاليد في المدينة والقرية تكاد تكون متشابهة إلى حد كبير، فإقامة الزفة والليالي للعروس وزفة العرس والمأكولات المقدمة في يوم العرس وغيرها كثير تشابهت وذلك لصغر أرض البحرين ووحدة شعبها وتقاربه.

المعتقدات الشعبية بالبحرين
صدر خلال عام 2016 الطبعة الأولى من كتاب «معتقداتنا الشعبية بين الماضي والحاضر» لمؤلفه يوسف أحمد بن ماجد النشابه، عن سلسلة صفحات من التراث رقم (10) التي تصدر بالبحرين، ويقع الكتاب في 115 صفحة من الحجم المتوسط. وقد سجل المؤلف في مقدمة كتابه بأسلوب مبسط ومنهجي وظيفة المعتقد الشعبي في المجتمع عامة والمجتمعات العربية خاصة، وقد رأينا أن ننقل للقارئ ما سجله المؤلف هنا حيث يكشف عن العديد من الأفكار المهمة حول نشأة المعتقد الشعبي ووظيفته، يقول النشابه: قال أحد الفلاسفة لو لم يكن لنا إله لخلقنا لنا إلاهًا.. إن الحاجة للمُخَلص والمنقذ في وقت الشدائد، والأزمات الصحية، والمرضية والخوف من المجهول يجعلنا نبحث عن المعجزات، والخوارق والدعاء والنذور لنيل الطمأنينة بتطبيق ما تمليه علينا مجموعة من المعتقدات بعضها قد ورثناه من أديان غير ديننا وبعضه قد وصل لنا من سلوكيات إجتماعية من شعوب عن طريق الهجرة والاستيطان والسفر والترحال؛ قد رسخت في حياتنا بصورة لا تقبل الرفض، ومعتقدات لم تكن لنا أي رابط معها في الأساس قد تبنيناها لتكون جزءً مما نؤمن به ونعتقد فيه من دون تشكيك، ومعتقدات قد إبتدعناها لتلبي مصالحنا الدنيوية. فكل ما ورثناه وما ابتدعناه من معتقد؛ قد أصبح جزءًا مهمًا من تراثنا الشعبي الذي يعبر عن مشاعرنا وعواطفنا وثقافتنا الدينية والأدبية وسلوكياتنا تجاه بعضنا في النطاق الأسري وكذلك علاقتنا مع الآخرين. إن معتقداتنا تُعَدْ ثوابت فكرية؛ البعض منها مبني على أسس دينية؛ الهدف منها ترسيخ الإيمان بصور لا تقبل المجادلة. وهناك معتقدات نطبقها لأهداف صحية لم نكن على علم بمردودها الصحي إلا مع تقدم العلم. والعديد من معتقداتنا مبني على الخزعبلات والجهل وهذا لا ينفي أنها جزء من ثقافتنا الشعبية التي لابد أن نوثقها لكونها رمزًا هامًا من رموز هويتنا. إن الممارسة الفعلية بنية صادقة للعقيدة تبث روح الإطمئنان والشعور بالرضى عن النفس وعدم تأنيب الضمير. إلا أن للمعتقدات الشعبية فوائد دينية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وعسكرية. ويفرض الجانب الديني علينا عبادة الله عز وجل وأن من أهم ما يعتقد به الإنسان المسلم هو اعتقاده بوجود الخالق، وهو الله عز وجل، والاعتقاد بوجود ثواب أو عقاب لكل سلوك نمارسه. أما الجانب الاجتماعي فالمعتقدات لها دور مهم في الترابط الأسري فالمسلم يعتقد إن زيارة الوالدين والأهل تطيل العمر وتكثر الرزق. وتبادل الأكلات الشعبية بين الجيران في شهر رمضان المبارك تكثر من الرزق وتجعل في الأكل البركة.
وتلعب المعتقدات الشعبية دورًا كبيرًا في نمو الاقتصاد؛ فكل يعرف إنه مع نهاية شهر ذي الحجة أي قبل حلول شهر محرم الحرام وشهر صفر تكثر القمصان السوداء التي تحمل شعارات ورسومات وكتابات تخص شعائر ومعتقدات الشيعة التي تصنع في الصين التي لا ترتبط حكومتها بالدين الإسلامي. وفي شهر شعبان تمتلئ الأسواق الشعبية في جمهورية مصر العربية بالفوانيس التي يحرص الأطفال على شرائها لحملها في ليالي شهر رمضان المبارك كنوع من المعتقد الشعبي لإحياء ليالي الشهر المبارك. الفوانيس الصينية غزت أسواق مصر وقضت على الصناعة الشعبية العريقة لما بها من تطور وصناعة جيدة وسعر معقول؛ متخذين من المعتقد كمصدر دخل إقتصادي. في الجانب السياسي (الدبلوماسي) التبادل الدبلوماسي المتمثل في تعيين السفراء بين الدول العربية الإسلامية والدول غير المسلمة لا يتم في شهر رمضان المبارك؛ وذلك احترامًا لمعتقدات المسلمين. أما الجانب العسكري فقد كانت حرب 6 أكتوبر قد اختارت يوم العبور في يوم السبت وهو يوم «الغفران» عند اليهود وقد استفاد الجيش المصري من هذه العقيدة اليهودية؛ لعبور قناة السويس عام 1973م.
والكتاب يحتوي علي عشرات العناصر الشعبية التي تعرض للباحث والقارئ الممارسات والمعتقدات الشعبية البحرينية، بدأها المؤلف بالإشارة إلى العلاقة بين المعتقد والفنون الشعبية في التراث، مستهلاً أولى النماذج بالرقص الديني ليعرف لنا السمات الخاصة برقصات الفرح بالفوز في المعارك، ورقصات الأعراس التي تتميز تتميز بسرعة الأداء وتأخذ حيزًا أكبر من المكان وعادة ما تكون هذه الرقصات مترابطة بين الراقصين، كرقصة الدبكة الشامية ورقصات الأكراد ورقصات القبائل في أفريقيا. أما رقصات العلاج والشفاء والمرتبطة عادة بطقس «الزار» فتتم في مناطق بعيدة عن الأحياء السكنية، منها منطقة «أم اصليم» بالبحرين، وتبدأ بدق الطبول والهمهمات حيث تتم على شكل دائري تتوسطه المرأة المريضة أو الرجل المريض المتلبس بالجان، ويكون لحفلات الزار مغنيها الخاص ذو صوت قوي يفوق صوت الطبول.. وفي هذا الإطار أيضًا يعرض المؤلف لقصة «لفجري» التي يؤديها البحارة على المركب، والمرتبطة ببعض المعتقدات الخاصة بالجان حسب الروايات الشفهية.
كما يعرض الكتاب لبعض النماذج المرتبطة بالسلوك اليومي والتي تتضمن بعض المعتقدات الشعبية كالاعتقاد بأن «رفة العين» اليسرى تشير إلى خبر مشئوم، وأن «تقليم الأظافر» غير مستحب وقت المغرب، ورميها في البيت يجلب الفقر. كما توجد عدة روايات حول اعتقادات أهل البحرين في رؤية «النعل المقلوب» فمنهم من يقول أن رؤيتها تجلب الشر، والبعض يعتقد أنها تفرق بين الأحباب في البيت، وثالث يقول أن رؤيتها مقلوبة أسفلها لأعلى في واجهة السماء، وهذا في نظر الناس في وجه الله عز وجل، ومن ثم هذا غير مقبول إذ يجب إعادتها إلى وضعها الصحيح.. وهكذا يسترسل المؤلف في رصد المعتقدات الشعبية الأخرى كالتشاؤم والتفاؤل وبناء البيوت الجديدة والأزياء والحلي..إلخ.
ثم ينتقل لرصد أنواع أخرى من المعتقدات الشعبية بالبحرين كتلك التي تتصل بالظواهر الطبيعية والنجوم، والأشهر الهجرية، وطقوس الحج، وأعضاء الجسم (مثال: أن طقطقة أصابع اليد يجلب الفقر، وأن شعور أحد أن بطن قدمه تحكه فهذا يعني أن أحدًا سيزوره).. كما يعرض لبعض المعتقدات حول المرأة، والزواج (مثال: الاعتقاد بأن ذبح دجاجة صفراء اللون أمام فرشة العروس أو دارها بعد إتمام مراسيم الزواج سيدخل السعادة الزوجية على العروسين)، ثم بعض المعتقدات حول الحمل والولادة (مثال: يٌعتقد أن أكل الحوامض في أثناء الحمل سيفقد رأس الجنين شعره)، والمعتقدات المرتبطة بالطفولة وفطام الطفل (مثال: الاعتقاد أن الطفل صاحب الأسنان المتباعدة والعيون الزرق سوف يكون غنيًا في كبره)، والمعتقدات المرتبطة بالعقم (يٌعتقد أن زيارة العروس الجديدة على عروس أخرى يسبب العقم للمعرس)، والمعتقدات المرتبطة بالحسد، وعدة المرأة، والأكل والشرب، والغوص، والزواحف والحيوانات والطيور والحشرات (مثال: من الحشرات الطائرة «أبو بشير» وقد أٌطلق عليها هذا الاسم اعتقادًا أنها تبشر بالخير، فحين تتواجد تٌبشر تواجدها بحدوث خبر يسر)، ويستطرد يوسف النشابه على هذا النحو في تسجيل وعرض عناصر المعتقدات الشعبية الأخرى المرتبطة بالأموات، والشياطين والجن، والقهوة، والنذور ومعتقداتها في البحرين، وأخيرًا الشخصيات الخرافية ومنها: أم حمار- أم الخضر والليف- حمارة القايلة- الغول- فرج الله- دعيدع- الحوحو- بو دربا- البرق والرعد- الجاثوم.

فنون الغزل فى التراث
وقد صدر عام 2016 كتاب آخر ليوسف النشابة أيضًا، بعنوان «الغزل في التراث»، عن سلسلة صفحات من التراث رقم (11) التي تصدر بالبحرين، ويقع الكتاب في 163 صفحة من الحجم المتوسط. ويبدأ الكتاب بتقديم محمد حسن كمال الدين الذي يشير إلى أن فلسفة جمع التراث من خلال الموروث الشعبى والموروث التاريخى ذلك التراث المتجذر فى كيان شعب البحرين، والمتمثل-فى جانب من جوانبه_ فى الشعر، والغناء، والأهازيج، والمواويل، والشعر الشعبى، هذه الفلسفة التفت إليها يوسف النشابه فى كتابه «الغزل فى التراث». ويريد لنا المؤلف أن نعيد التأمل فى «فيزياء القلوب» التى باتت تعانى فى هذا المتخاصم، من نضوب ينابيع العاطفة، حيث برودة آلات التقنيات من مكانة عالية، وقيمة جوهرية فى حياتنا وفى عمق الوجود البشرى. أما فى مسيرة البناء الإجتماعى، والرقى الحضارى، فهناك سجل حافل للأطر الأخلاقية للإنسان وقمة تلك الأطر كانت ولا تزال قيم المحبة، حيث أن الحب هو الممثل الحقيقى للعطاء الإنسانى، فى ماضى الإنسان وحاضره، لأن الماضى والحاضر كل منهما يضئ الآخر، فحمل الحب -بذلك المعنى- صفات الديمومة والخلود، ومن غير المشكوك فيه أن أصدق وأنبل المشاعر والتجارب العاطفية جاءت على ألسنة الشعراء، فكان معظم شعرهم يدخل القلوب دون إستئذان، متمثلاً فى التغنى بجمال المرأة، أو البكاءعلى رسوم منازلها، مما يعنى إرجاع الفضل للمرأة فى إشعال العواطف وتوهجها. فسلطان الحب على النفوس، حاول الأستاذ يوسف تأطير بعضه، ليرسله بصورة عفوية للأجيال القادمة، التى ربما تعود إليه فى ساعات الإستراحة، لتغسل قلوبها من تعب الحياة الصاخبة، والواقعة تحت وطأة الجفاف العاطفى.
ويعرف النشابة فن الغزل بأنه التغني بالجمال وإظهار الشوق إليه، والشكوى من فراق الحبيب. وقد يتمثل الجمال في عناصر مختلفة، فقد تكون الأطلال أو جمال الطبيعة بألوانها الزاهية أو البحر بأمواجه التي تداعب النفس عن بعد.. والغزل هو وصف للجمال الخارجي للمرأة، كجمال وجهها، ووصف محاسنها الجسدية. ويمتاز الغزل بالوصف تارة، وبالعتاب تارة أخرى، وألم الفراق وقلة التواصل، وينقسم غزل الرجل للمرأة إلى قسمين: الأول «الغزل العفيف» وهو التغني بجمال المرأة بصورة عامة دون الدخول في التفاصيل، والثاني «الغزل الصريح» وهو التغني بأدق تفاصيل أجزاء جسد المرأة مركزًا على مفاتنها. ويأتي الغزل بصورة غنائية واصفًا الشاعر أو المغني ما يعانيه من لواعج الهوى وحرقة النفس تجاه الجمال.. ولقد شغلت المرأة- بجمالها ورقتها ورومنسيتها- حياة الأدباء والشعراء، وحركت الخيال في أقلامهم ليسطروا أبياتًا غزلية تصف الجمال تارة، وما يعانيه المحب من الوجد والشوق تارة أخرى. وقسم النشابه موضوعات الغزل في التراث إلى عدة أقسام رئيسية جاءت على النحو التالي: شعر الغزل الذي أورده من خلال غزل الإمام علي لفاطمة الزهراء:
الحسن ما هو في الملامح والدقوق
الحسن حسن القلب لامنه وفاء
ما يغلي أسعار الهجن غير السبوق
وما يغلي أقدار البشر غير الوفاء
ثم يفرد المؤلف للعديد من النصوص الميدانية حول «تهويدات الأطفال» إذ تعد تهويدات الأم لطفلها تخفي في طياتها معاني الحب والغزل بصورة غير مباشرة تغزلها قد يكون لطفلها الذي سيكبر وتراه رجلاً يرعاها، وقد يكون التغزل في الرجل الذي أحبته وأصبح زوجًا لها، وكثيرًا ما تتغزل المرأة وهي تخاطب طفلها بذلك الحبيب الذي فرقته عنها القسمة والنصيب، فلم يصبح زوجًا ولكنه بقي الحبيب الذي ذكراه مخلدة في أغانيها. ومن هذه النصوص:
حبيبي يا حبيب الحبابات
حبيبي يا أنيس العزبات
اللي ما عتدها رجل
اتجي لحبي أتبات
أما الموضوعات الأخرى التي تناولها المؤلف في موضوع الغزل في التراث، فقد اتخذت عناوين: تحيات الصباح للحبيب – حلاوة كلام أول – غزل الفلاحين – غزل الزاجرة – غزل الرعاة – الموَّال – مواويل الغوص – أغانى الأعراس – الغزل فى الأغانى – الغزل فى الأبوذيات - غزل الشعراء البحرينيين، ويشير للنوع الأخير بأن جسور التراث امتدت لتربط غزل الماضي بغزل طرفة بن العبد، وغزل الحاضر ليتغنى به مجموعة من شعراء البحرين، لتربط جزيرة المنامة وجزيرة المحرق وجزيرة سترة بغزل التراث جسرًا للمحبة. أما نصوص مواويل الغوص التي جمعها المؤلف والتي يرددها النهام الذي يتغزل على لسان الغواصين، فقد أورد منها العديد من النماذج، ومنها موال بعنوان «يا زين لوصاف» تقول:
يا زين لوصاف جسمي من صدودك عود
كلما يصد القلب روحي تكله عود
لي صاحب قط محد قال به لولا
لا والذي بالمهد جبريل إله لولا
لو ما يقولون واسع بالحجي لولا
جنت احجي اوياك لكن بالزبيبه عود

حول الشاعر البحريني علي بن خليفة العمَاري
رغم صدور هذا الكتاب في وقت مبكر إلا أنه يحوي مادة علمية تستحق العرض وإلقاء الضوء عليها، وهو كتاب «علي بن خليفة العمَاري» جمع وإعداد وشرح مبارك عمرو العماري، ضمن سلسلة شعراء الموال في البحرين (المجموعة الثالثة) في طبعته الأولى عام 1997م، وقد صدر في 226 صفحة من الحجم المتوسط. وتعود أهمية الكتاب كونه يقدم سيرة ذاتية لواحد من المبدعين الشعبيين في فن الشعر بالبحرين، وهو يواكب الاهتمام العالمي بما يعرف بـ «الكنوز البشرية» أو «حملة التراث الشعبي». ويقدم لنا المؤلف في مقدمة الكتاب العديد من المعلومات حول سيرة الشاعر الذاتية مشيرًا إلى أنه عبر سني عمره عاصر مراحل التدهور والتطور في المجتمع الخليجي، وفتح عينيه علي مجتمع الغوص في عصره الذهبي وأوج اذدهاره ثم أزماته المتلاحقة التي عصفت به فتضعضع تدريجيًا حتى اضمحل مع بداية الخمسينيات. عاصر بزوغ العلم والثقافة قي مجتمع البحرين واغترف منه ما سمحت به ظروفه حتى تطور التعليم إلى أرقى المستويات. عاصر النفط منذ اكتشافه واستغلاله حتى غدا مصدر الإيراد الأول لدول الخليج. وغدا موضع صراع الدول الكبرى وأصبح مورد نعمة ونقمة على أصحابه. واكب شاعرنا مظاهر التطور المختلفة في مجتمعنا الخليجي وشارك بجهده مع الشركات العاملة في الخمسينيات في السعودية والبحرين. بإيجاز، تختزن ذاكرة شاعرنا، أحداث أكثر من ثلاثة أرباع القرن العشرين، ولد مع بداية نشوب الحرب العالمية الأولى، ومع قيام الاتحاد السوفيتي في العقد الثاني من القرن العشرين وشاهد تطوره ثم تفتته وذوبانه في بداية العقد الأخير من هذا القرن. مرت به أحداث الثورة العربية الكبرى، وشاهد كفاح العرب للتخلص من الحكم العثماني ليقعوا تحت براثن الاحتلال الانجليزي والفرنسي والثورات التي عصفت بأرجاء العالم العربي، تقاوم الاحتلال وتدعو إلى التحرر حتى تحررت جميع الدول العربية وأصبحت تملك زمام أمرها. واختزنت ذاكرته عبر عقود القرن كمًا كبيرًا من المعلومات المختلفة وخاصة عن مجتمعنا الخليجي، فقد سمع عن شعراء وتعرف إلى آخرين وطرقت أذنه الآشعار والمواويل المختلفة، وتشنفت بأصوات النهامة فوق السفن التي تمخر عباب مياه الخليج، وحفظ عقله الباطن ما لم يبده لسانه، حتى فاض الكيل وطفح المخزون فصار ينطقه مواويل جديدة يبتدعها رغم كبر سنه ويثري بها أيامه وينفس بها عن مشاعره.
إن جميع النصوص الواردة في الكتاب هي من رواية الشاعر نفسه وبخطه، وقد راجعه المؤلف في بعض الشروحات واسترشد به لتحليل ما يعنيه في بعض المفردات، ويضيف مبارك العماري قوله: وإني أرى أن إنجاز العمل بحضور صاحبه يكون أكمل وأوفى ويساعد في شرح المفردات شرحًا صحيحًا لا يعتمد على الاجتهاد والتخمين. ونهجت في ترتيب المواويل نفس النهج الذي اتبعته في المجموعات السابقة، وقد رقمت كل شطر في الموال ثم شرحت معاني مفرداته أسفل منه. وترتيب هذه المجموعة جاء حسب مواضيعها المختلفة، إلا أن هناك موضوعًا لم يرد في المجموعات السابقة لكونه من نتاج مشاكل العصر وهو موضوع (أزمة الخليج) التي عصفت بالمنطقة عام 1990 بعد وقوع الاحتلال العراقي للكويت في الثاني من أغسطس من ذلك العام. إن مواويل الشاعر على بن خليفة العماري بما تتضمنه من مواضيع وأغراض مختلفة تشكل مزيجًا بين مفردات الماضي والحاضر، وتعطي انعكاسًا فكريا لعقلية شاعر عاصر فترات مختلفة من تاريخ الخليج في القرن العشرين، عايش فترة الغوص كما عايش بروز الكيانات الجديدة وتطورها في المنطقة وتشكلها حتى أصبحت دولًا ذات سيادة وتقدم وحضارة، وبالإمكان استخلاص مادة ثرية من مواويل الشاعر تكشف عن جوانب متعددة للحياة الاجتماعية والأحداث التي عاصرها الشاعر عبر عمره المديد.
والشاعر علي بن خليفة بن علي بن خليفة العماري الدوسري، ولد عام 1913 في بيت والده في فريج العمامرة بمدينة المحرق. والده هو خليفة بن علي، أحد نواخذة الغوص في مدينة المحرق وكانت سفينته من نوع (الجالبرت) ولسبب ما سكن فترة في جزيرة (لنجه) وظل نوخذا هناك أيضًا، وقبل (الجالبوت) كانت لديه سفينة أخرى من نوع (البقاره)، وبعد فترة عاد إلى المحرق. وفي كل عام بعد موسم الغوص، يسافر إلى عمان لجلب السمك (المالح) للمتاجرة به، وفي أواخر عمره ذهب بصره فحاول علاجه بالسفر إلى الهند عدة مرات ولكنه لم يحصل على أية فائدة، فعمل دلالًا للقماش (اللؤلؤ) حتى أقعده المرض فتوفى عام 1921 ودفن بمقبرة مدينة المحرق. أما والدة الشاعر فهي «منيرة بنت محمد» من قبيلة بني هاجر وقد لحقت بزوجها بعد عامين من وفاته ودفنت بنفس المقبرة. ترك الزوجان ثلاثة أولاد وبنتًا واحدة فكفلهم ورباهم زوج عمتهم حسن بن مبارك بو حراقة العماري. وقبل افتتاح أول مدرسة نظامية في البحرين عام 1919، كان الأخ الأكبر للشاعر(محمد) يذهب لتعلم القرآن لدى (المطوع) عيسي بن أحمد بوجير، أما أخوه الأصغر (حسن) فكان يذهب إلى (مطوع) آخر يدعى ملا أحمد في فريج بن هندي. أما شاعرنا فلم يدرس القرآن في الكتاتيب مطلقًا حتى افتتحت أول مدرسة في البحرين عام 1919 فدخلها أخوه الأكبر، أما هو فدخلها عام 1920. وتذكر الشاعر أنه عند بناء المدرسة كان يذهب مع أصحابه لمشاهدة عمال البناء أثناء ممارسة عملهم، وكان العمال يؤدون نوعًا من الغناء وكان الشاعر يشاركهم الغناء. وعندما افتتح المقر المؤقت لمدرسة الهداية الخليفية في منزل السيد علي بن ابراهيم الزياني، كان الشاعر يذهب مع أخيه لمشاهدتها وينتظر أخاه الذي يدرس فيها، وعندما اكتمل بناء المدرسة بعد عام وانتقلت الدراسة إليها، درس فيها، ويتذكر من مدرائها عبد العزيز العتيقي ومحمد عبد الله صولان اليمني وعثمان الحوراني، ويتحدث عن يوم افتتاح المدرسة فيقول أنه افتتحها الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة ولي العهد، وإن كانت تفاصيل الافتتاح غابت عن ذهنه لصغر سنه حينئذ، إلاّ أنه يتذكر حفل الغداء الذي أقيم بالمناسبة حيث نحرت الذبائح وحضر الغداء جمع غفير من الناس، وقول أن البناء حينئذ كان يتكون من طابق واحد وليس هناك أي سور خارجي يحيط بالمدرسة. ودرس في مدرسة الهداية مدة خمس سنوات واستمر أخوه الأكبر محمد بعده سنة واحدة، وأثناء سني الدراسة دخل الغوص في فترة الصيف في العام الذي يسميه البحارة (سنة محزم 1923تقريبًا) وعمل تبّابا مع النواخذه عمرو بن محمد العماري (شاعر) في جالبوته المسماة (الحمرا) ويتذكر أن (المجدّمى) فيها كان سبت بوخليف، وفي نفس الموسم انتقل إلى السنبوق (موافج) بطلب من نواخذة جبر بن محمد العماري. وفي السنتين التاليتين 1924-1925 ركب الغوص مع عمرو أيضًا في جالبوته (الوسمي) وبعدها خرج من المدرسة. ويستمر في ذكرياته عن الغوص، فيقول في سن الرابعة عشر، أي عام 1927، ركب (رضيفا) مع النوخذة عيسى بن مفتاح في (جالبوته) التي لا يتذكر إسمها الأن، وفي عام 1928 ركب (الردة) مع راشد بن هزيم العماري وعمل (سيبا) وفي تلك الرحلة تعلم الغوص إلى أعماق البحر لاستخراج المحار. ثم ركب معه (غيصا) في العام التالي.
ويتحدث الشاعر علي بن خليفة عن الجالبوت (جهنم) وهي السفينة التي ركبها عام 1931 فيقول: أنه كان على ظهرها 25 غيصًا و30 سيبًا في ليلة العاصفة (الضربه) وقد غرق عدد كبير من السفن في البحر واقتلعت الرياح المنازل المصنوعة من السعف وحصل خراب ودمار كثير في البحرين، فكنا نساعد في إصلاح (البرستيّه) التي اقتلعتها الرياح، وقد شاهدت جثث الموتى التي تم انتشالها من البحر ورأيت السفن الغارقة والتي قطر بعضها إلى الساحل. وفي عام 1932 ركب غيصًا مع النوخذة خليفة بن عبد الله العليوي أحد نواخذة فريج العمامرة في جالبوته الخاصة، وفي العام التالي ركب مع أحد نواخذة الفريج وهو جاسم بن عيسى الجودر والذي يملك (جالبوتا) أيضًا. وفي عام 1934، مارس نفس المهنة مع النواخذة ناصر بن سعد بن رزين في جالبوته (سمحة).
وآخر سنة ربطته بالغوص كانت سنة 1935 حينما ركب مع الوخذة عبد الله بن علي بن صويلح في جالبوت راشد بن عيسى بن هندي. ولما كان الغوص آخذ في التدهور وكسدت أسعار اللؤلؤ وتضعضعت المهنة، نرى شاعرنا يتقلب في عدة مهن أخرى ليس بينها مهنة كتابية أبدًا. فعمل في تقطيع الحصا البحري ونقله إلى مشروع مستشفى النعيم، ومشروع جسر المحرق/المنامة. بعد ممارسته لأعمال أخرى متفرقة ألتحق عام 1939 بإحدى الوظائف في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في المحرق إبان الحرب العلمية الثانية. وفي عام 40، 1941 التحق بالعمل في إحدى سفن (القطاعة) التي تعمل في نقل المسافرين والأحمال والبضائع بين موانئ الخليج المختلفة، وبين عامي 42، 1948 مارس أعمال مختلفة في البر والبحر، يمارس أحدها فترة ثم يتركه إلى مهنة أخرى يرى فيها رزقًا جديدًا ولو اضطره ذلك إلى التنقل من منطقة لأخرى. وفي أواخر الأربعينات ذهب إلى المملكة العربية السعودية وعمل مع مقاولي خطوط أنابيب نفط (التابلاين)، واستمر هناك حتى عام 1961 حيث عاد إلى وطنه البحرين. وعمل نجارًا حرًا، ثم التحق بإحدى الشركات الأجنبية العاملة في منطقة الجفير، ثم عمل مفصل لحام FABRICATOR في شركة ديلونغ، وأثناء عمله بها كسرت يده وتوقف عن العمل لمدة ستة شهور، عاوده خلالها الحنين إلى البحر فاستقال من عمله وظل يرتاد البحر فترة حتى أحس أنه آن له أن يتقاعد. فهجر الحياة العملية كليًا، ولكنه ظل يتردد على بعض الدور الشعبية التي يجتمع فيها رجال الغوص القدامى، ويرتاد المقاهي الشعبية في مدينة المحرق. وهو الأن رئيس (لدار علي بن صقر)؛ إحدى دور الطرب الشعبي بالمحرق. لقد عاصر شاعرنا عهود أربعة حكام للبحرين، عمرت ذاكرة الشاعر بأحداث مهمة من تاريخ هذا البلد. وها هو الآن بعد أن تخطى الثمانون لا يزال يمتلك ذاكرة حيّة ومتوقدة، تقدح بالشعر وتستحضر الأحداث الماضية، وتتفاعل بالأحداث الطارئة، وتتغنى بالمناسبات الوطنية.
ويشير المؤلف في ختام حديثه عن حياة الشاعر بقوله: إن الشاعر علي بن خليفة العماري، بروحه المرحة ودعاباته اللطيفة، يشكل وشيجة بين الماضي والحاضر، ورمزًا لشعراءنا من كبار السن، نتمنى له حياة مديدة وأيامًا سعيدة وعطاءًا متدفق. وإذا كان الشاعر يحفظ الكثير من المواويل فور سماعها من راويها أو نهامها، وخالط اثنين من الشعراء المعروفين بِنَظّمْ الموال هما عمرو بن محمد العماري وطرار بن بخيت وسمع منهما وكتب لهما مواويلهما لأنهما يجهلان الكتابة، فإنه لم يحاول نظم الموال في تلك الفترة عدا بعض القصائد الهزلية، بيد أنه لم يهتم بكتابتها أو حفظها فمسحها الزمن من ذاكرته إلى الأبد. أما بدايته مع الشعر الشعبي والموال فيمكن اعتبارها في ديسمبر 1983 حينما نظم أول قصيدة وطنية له وكانت بمناسبة مرور مائتي عام على فتح البحرين بل وشارك بإلقائها عبر برنامج تلفزيوني خاص بتلك المناسبة الوطنية الهامة، وعنوان تلك القصيدة (رف الجناح):
رف الجناح وساجع الصوت غنى
في عيدك الميمون أحلى الأعيادي
يا ناشـــــــدٍ لا تسأل الناس عنــــا
احضر وتنبي لك علوم الوكـــادي
هــاذي أوالٍ كنهـــا اليـــوم جنــــه
زانت شوارعهـــا رواحٍ وغـــادي
وتتفق نصوص الموال الواردة في الكتاب من ناحية الشكل كونها من نوع الموال السباعي (ذو السبع شطرات)، وقسم المؤلف موضوعات المواويل إلى ثلاث عشرة موضوعًا، هي بالترتيب: وطنيات- مديح- مناسبات- أزمة الخليج- نصح وحكمة- شكوى الغرام- شكوى الزمان- أحوال اجتماعية- الفن- مبادلات- اخوانيات- ألغاز- أبوذيات.. ونورد هنا لنموذج من هذه المواويل الذي يدور حول شكوى الغرام، يقول فيه:
لي صاحب كنت اعشق هواه جنبني
وعلى دروب الأسى يا حيف جنبني
أنا عزيز بقومي لين جنبني
تميت اسائل عواريف الخلايج وقَص
وين الذي اخلف الأعواد عني وقَص
صمصام حبه عمل بأقصى ضميري وقَص
حاير ولا هو حصل من كان جنبني
ويقدم المؤلف شرح بعض المفردات المستغلقة على القاؤئ بمتن نصوص المواويل، غير أن هذا الكتاب يفتح المجال لمزيد من الدراسات حول بحث هذا الإبداع الشعري من الناحية الجمالية، والسعي لمشروع موسع لتوثيق شعراء البحرين الشعبيين.
أطروحة ماجستير حول توثيق السفن بالبحرين
وفي مطلع هذا العام 2018 نوقشت أطروحة الباحث خميس زايد محمد زايد بعنوان «توثيق المأثورات الشعبية المرتبطة بصناعة السفن في مملكة البحرين»، بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بالقاهرة. وأشرف على الأطروحة الدكتور مصطفى جاد، وناقشها كل من الدكتورة سوزان السعيد والدكتور محمد غنيم. وقد قام الباحث في هذه الرسالة بدراسة ميدانية لرصد صناعة السفن الشعبية التي كانت تصنع في مملكة البحرين قديما، واستفاض في البحث لهذه الحرفة إذ وجد الباحث أنها حافلة بعشرات العناصر التي تحتاج إلى تتبع ودراسة العلاقات المتعلقة بالحرفة حتى يتسنى الكشف عن هذه المنظومة المهمة التي شكلت جانبًا رئيسيًا من الثقافة الشعبية البحرينية. ويصاحب هذه الحرفة مأثورات شعبية مرتبطة بها، وكذلك العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والأدب ألشفاهي والأزياء الشعبية وعادات الطعام. وعلى هذا النحو سعت الدراسة لرصد وتوثيق المأثورات الشعبية المرتبطة بصناعة السُفن التقليدية في مملكة البَحْرَين، وهي حرفة شعبية متوارثة من الأجداد إلى الآباء والأبناء، وقد قسم الباحث الدراسة الى مقدمة وخمسة فصول، تضمنت المقدمة أهمية ومشكلة الدراسة والتساؤلات والأهداف، وكذلك منطقة البحث والمنهج المتبع، والتقنيات المستخدمة في التوثيق، بالإضافة إلى الدراسات السابقة، ثم عرض لمجتمع الدراسة وهو «منطقة المحرق» شرق العاصمة البَحْرَينية المنامة، وذلك لكونها مركزاً للحرفيين المعروفين بصناعة السُفن، حيث رصد لنظام التعليم الرسمي والتقليدي بالمنطقة، والصيد والغوص، والعادات والتقاليد، والمعتقدات والمعارف الشعبية، وكذلك تنوع فنون الحرف الشعبية.
ثم تناول خميس البنكي تاريخ صناعة السفن في مملكة البحرين حيث رصد بدايات استخدام السفن، والسفن في الحضارة المصرية: السفن ما قبل التاريخ والسفن المصرية القديمة، والسفن في الخليج العربي، والسفن في حضارة دلمون، وحضارة تايلوس وفي العصور الإسلامية، وعرض أخيرًا لأنواع السفن مشيرًا إلى وجود عدة أنواع من السُفن في مملكة البَحْرَين لركوب البحر منها الصغير حجماً والكبير، حيث استُخدِمَ الشراع فى بعض السُفن، ويوجد نوعين من الشراع النوع الأول: يكون الشراع كبير الحجم ويرفعه البحارة عندما لا توجد رياح كافية لتسيير السفينة، أما النوع الثاني: شراع صغير ويسمى(جيب) وهو شراع صغير جداً حيث يرفع البحارة الشراع الصغير عندما تكون الرياح شديدة، أما إذا كانت الرياح معدمة وتسمى بالعامية (أخواهر) يلجأ البحارة لاستخدام المجاديف لتسيير السفينة، ويكون عدد الأشخاص القائمين بالتجديف ثمانية أشخاص؛ أربعة في جهة اليمن وأربعة جهة اليسار وفي وقت التجديف يستخدم البحارة إيعاز لتكون حركة التجديف متساوي مع بعضهم البعض، حيث تختلف السُفن في الطول والارتفاع والعرض حسب طلب النواخذة أو حسب تصميم القلاف فهناك سُفن طولها خمسة أقدام وسُفن طولها 70 قدم وأكثر، وأحياناً تصل إلى 140 قدم وسُفن صغيرة الحجم طولها 12 قدم، وكل سفينة لها استخدام مختلف عن الأخرى هناك السُفن صغيرة يستخدمها البحارة في صيد الأسماك والذهاب بها إلى الحظرة لصيد الأسماك وبعض السُفن تستخدم للنقل وتتعدد استخدامات سُفن النقل، فهناك سُفن تستخدم لنقل الركاب من جزيرة إلى جزيرة وبعضها تستخدم لنقل الحجارة وبعضها تستخدم للصيد الأسماك واللؤلؤ كلا على حسب الحاجة المطلوبة وبعضها تستخدم لنقل المياه والأحجار والرمال والبعض يستخدمها للسفر يستخدم السفينة على حسب حاجته، وعند اكتشاف النفط في مملكة البَحْرَين سنة 1934م. تم تغير نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية لدى السكان حيث تغيرت موازين الحياة لدى العاملين في مجال الصناعة، «وقد شجع انحسار النشاط الاقتصادي في المرحلة الأولي على انتقال عدد كبير من القوي العاملة في صناعة السُفن والغوص إلى العمل في صناعة النفط وخاصة من العمل النشاط الجديد كان يدر عائداً أفضل نسبياً»، وهناك سُفن كبيرة تستخدم لصيد اللؤلؤ وللسفر ونقل البضائع وكل سفينة لها مميزات عن الأخرى، فمثلاً في بعض السُفن لا يستخدم الشراع في تسييرها بل تستخدم المجاديف، أما السُفن الكبيرة في وقت الرياح الشديدة فتستخدم فيها الشراع، وعندما لا توجد رياح يستخدم البحارة المجاديف. وقم الباحث لأنواع هذه السفن بمسمياتها وهي:« الفرتة/ الشاشة- القلص- الهوري- البانوش- البكارة- البتيل- السنبوك- الجالبوت – البغلة- البلم- الغنجة- البوم- الشوعي- السفن الحديثة- الفنطاس- الحجر والرمال- راس القبعة».
ويقدم الباحث وصفًا مفصلاً وموثقًا مرجعيًا لكل نوع من هذه السفن، فعلى سبيل المثال يوثق «الفرتة أو الشاشة» بأنها تسمى أيضاً الوارية حيث يستعمل هذا القارب في البحر القريب من السواحل لعدم قدرته على تحمل الأمواج العالية والرياح الشديدة، وفي الإبحار بها يركب لها شراع والبعض الآخر يستخدم لها المجاديف لتسييرها في البحر. ومنها الصغيرة ومنها الكبيرة على حسب الطلب والاستخدام. وتصنع الفرتة من جريد سعف النخيل حيث يقطع السعف من النخيل ثم بعد ذلك يتم تنظيفها من الأوراق أو تجريدها حتى تصبح جريدة دائرية الشكل خالية من الأوراق بعد ذلك يوضع كل الجريد بالشمس الحارة لعدة أيام حتى يجف منه الماء ثم يربط جميع الجريد الجاف بالحبال ببعضه البعض مع مراعاة وضع كل جريدة في مكانها الصحيح لتتشكل في النهاية سفينة صغيرة يستخدمها الناس في صيد الأسماك والتنقل من الشاطئ إلى السفينة الكبيرة المربوطة داخل البحر العميق، أو لجمع الأسماك من الحظرة أو من القراقير أو لنقل الأغراض الخاصة بالبحارة، وبعد استخدام تلك السفينة يتم إخراجها إلى الشاطئ حتى يجف ماء البحر من الجريد لاستخدامها مرة أخرى لأن خشب الجريد يشرب الماء في مدة معينة إذا ظلت السفينة داخل البحر لعدة شهور فتكون معرضة للغرق وغير قادرة على أن تطفو فوق سطح البحر. وتعتبر الفرتة أو «الشاشة مركب صيد تقليدي على شواطئ الخليج قليل التكلفة في تصنيعه، لم تكن مخصصة لنقل البضائع لمسافات طويلة، يعود أصل هذا القارب المكون من حزم مترابطة من سعف النخيل إلى العصور القديمة جداً كما توحي بذلك رسوم على أختام تعود إلى دلمون القديمة. وتظهر هذه الرسوم مركب ذات طرفين مرتفعين جداً بينما مقدمات الشوش الحالية ومؤخراتها تكون عادة مقصرة بأكثر ما يمكن مما يعطي لهذا القارب شكلاً مسطحاً جداً». ولا يستطيع البحار وضع محرك ميكانيكي يعمل بالوقود لأن هذا القارب غير مؤهل لوضع محركات عليه
وفي الفصل الثاني من الرسالة قدم الباحث توثيقًا لأدوات حرفة صناعة السفن والخامات ومراحل العمل المرتبطة بها، ويقصد الباحث بالمواد الخام التي تستخدم في بناء السفن وهيكلها أو في بعض أجزائها إذ تتنوع المواد الخام المستخدمة في بناء السُفن، ويأتي في مقدمتها الخشب المستخلَص من الأشجار، والذي يتنوع تبعاً للجزء المراد إعداده، إذ يمثل البناء الرئيسي لجسم السفينة. ثم تأتي بعد ذلك المواد المعدنية وفي مقدمتها «المسامير» بمختلف أحجامها. والفتيل والصل والدامر التي تستخدم في ربط أجزاء السفينة وطلائها ولصقها بطريقة حرفية تضمن الحفاظ على جسم السفينة دون أي خلل.
كما تعد الأدوات المستخدمة في بناء السفينة من الأدوات البسيطة بدائية الصنع، ويعتمد القلاف عليها اعتماداً كلياً في البناء حيث يستخدمها في كل جزء من أجزاء السفينة، وتصنع بعض الأدوات المستخدمة في البناء محلياً مثل المطرقة والقدوم والجيزل والمسامير وغيرها من أدوات تصنع من الحديد، حيث يقوم بتصنيعها الحداد، ويلجأ العامل للحداد عندما تتلف الأداة لإصلاحها وتعديلها، وتجلب بعض الأدوات من الخارج مثل الهند والزنجبار وغيرها من البلدان التي يسافر لها أهل البَحْرَين بالسُفن البحرية للاستيراد والتصدير. وتتنوع وظائف هذه الأدوات فمنها ما يستَخدَم فى الطرق كالمطرقة والقدوم، ومنها ما يُستَخدَم فى الثقب كالمجداح والريشة قديماً، وكانت بدائية حتى تطورت بعد دخول الطاقة الكهربائية وتم استبدالها بالمثقاب الكهربائي ويسمى (الدريل)، والمنشار كان بدائياً واستبدل بالمنشار الكهربائي، وفي بعض الأحيان يصنع النجار أدوات محلية الصنع مثل الرندة الخشبية ومقبض الجيزل والمطرقة والجدوم وغيرها من الأدوات، كما توجد أدوات تُصنَّع محلياً مثل المنقر والجيزل والقدوم عند الحداد، وبعض الأدوات بعد الانتهاء من صناعتها تغطس في الزيت أو الماء كي تعطيها قوةً وحمايةً من الصدأ.
أما مراحل عمل بناء السفينة فيقول الباحث أن العمل في بناء السفينة يتم بصورة جماعية، ويكون الصانع المُشرف على صناعة السفينة هو الذي يوجه كل العاملين والمساعدين له، ويسمى الصانع «الأستاذ أو القلاف» وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة على جميع طاقم العمل، ويتمثل دوره في التخطيط والإشراف على التنفيذ والتأكد من صحة وسلامة التنفيذ في كل مرحلة من مراحل إنشاء أو بناء السفينة، حيث تقع على عاتق القلاف مهمة وضع أسس البناء الهيكلي للسفينة وإنجازها، حيث يتم الاتفاق بين النوخذة والقلاف على بناء السفينة وكافة المواصفات المطلوبة ونوع وحجم السفينة، على سبيل المثال «بانوش» أو «بوم» أو «جالبوت» أو غيرها من السُفن التي يتم اختيارها، ويعد الاتفاق على كل المواصفات والمتتطلبات التى تحدد من قبل النواخذة؛ حيث يكتب عقد بين القلاف وصاحب السفينة النواخذة بحضور شهود والبعض الآخر من النواخذة يتفق اتفاقاً شفاهياً بحضور شخصين من بحارته حيث يتضمن ذلك الاتفاق على نوع الأخشاب المستخدمة وفترة اكتمال السفينة أي عدد الشهور الذي يحتاجها القلاف لإنجاز العمل وتجهيز السفينة بالكامل ليبحر بها النوخذة مباشرة بعد الانتهاء، وبعد الاتفاق يجلب النوخذة الأخشاب وتسمى بالعامية بدن والمسامير والفتيل وكل المواد الذي يحتاجها القلاف في بناء السفينة، وبعد ذلك يُباشر القلاف العمل في موقع البناء القريب من البحر، ويبدأ العمل عند كافة العاملين بعد صلاة الفجر عندما يظهر نور الشمس ويتوقف العمل عند الغروب حينما يُسمَع أذان المغرب، حيث يتم جمع كافة الأدوات والمعدات للذهاب إلى صلاة المغرب. وعند العمل في اليوم التالي يحرص العاملون على الالتزام بتوجيهات القلاف وتنفيذ كافة تعليماته، كما يحترم الأستاذ (القلاف) ملاحظات غيره من العاملين معه أو ربابنة البحر (النواخذة) الذين عادة ما يزورون موقع العمل، حيث تتكون لديهم خبرة نتيجة لكثرة ما يركبون عباب البحر لذلك يصبحون متمكنين من معرفة العيوب التي تحدث لهم أثناء الإبحار، لذلك يتم أخذ كافة الملاحظات والآراء التي يستفيد منها العاملون في البناء ودائماً ما يكونوا موجودين في أماكن صناعة السُفن لخبرتهم البحرية العريقة التي أتاحت لهم معرفة عيوب السُفن بعد تجربتها في رحلاتهم بمختلف الظروف لذلك يتم نقل تلك الملاحظات ليزيدوا من خبرة الصناع في هذا المجال لإصلاح البعض من الأخطاء والعيوب التي تصيب السُفن في وقت الإبحار. وتتمحور مراحل إعداد السفينة في عدة خطوات هي: إعداد قاعدة السفينة (البيص)- تركيب الشلامين والألواح- تثبيت الألواح على الهيكل- تثبيت سطح السفينة- إنزال السفينة، وقبل إنزال السفينة يتم إخطار أهالي المنطقة قبل عدة أيام من إنزالها عبر المساجد بعد انتهاء الصلاة أو عبر المجالس (الدور) أو عبر المقاهي الشعبية وغيرها من أماكن تجمع ويسمى ذلك التجمع (فزعة)، ويكون وقت الإنزال في فترة الصباح أو فترة المساء وأفضل الأوقات هي بعد صلاة العصر حيث يتجمع الأهالي على شاطئ البحر، لكي تقام الاحتفالية بتدشين السفينة الخشبية ومراسم سحب السفينة حديثة الصنع من البر إلى البحر وتكون مياه البحر مرتفعة جدًا قريبة من الساحل أي في المد وتسمى بالعامي (الماية سقي).
ثم قدم الباحث تعريفًا بالمأثورات الشعبية المرتبطة بصناعة السفن، اشتمل على المأثورات المرتبطة بالعادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية وكذا الحكايات والأمثال الشعبية، وفنون الغناء الشعبي والأزياء التقليدية، وجميعها تمثل الفنون والإبداعات المرتبطة بصناعة السفن بمملكة البحرين. ثم اختتم الباحث فصول الدراسة بتقديم نموذج مقترح لقاعدة بيانات متخصصة حول صناعة السفن تم فيها توثيق المادة المرتبطة بصناعة السُفن، بالإضافة إلى مقدمة تم التعرض فيها إلى مشاكل أرشيف الثقافة الشعبية الإلكتروني، وتصنيف وثائق الثقافة الشعبية، وتعريف المكنز كأداة للمعلومات، كما تم عرض نموذج لمكنز حرفة صناعة السفن والمأثورات المرتبطة به، مبينًا العلاقات الترابطية بين عتاصر الحرفة والإبداعات المتصلة بها. وفي نهاية البحث ذيلت الدراسة بالنتائج التي كان من أهمها تعرض حرفة صناعة السفن التقليدية بالبحرين إلى الاندثار، وقد حل محلها الآن النماذج القائمة على التقنية الحديثة مما جعل عمليات التوثيق للنماذج التقليدية الباقية أهمية كبرى في حفظ الذاكرة الشعبية للحرفة. كما خلصت النتائج أيضًا إلى تتعرض الأدوات المستخدمة في صناعة السفن التقليدية إلى الاندثار أيضاً لكونها لا تعكس الاحتياجات التقنية الحديثة في الحرفة.. ومن ثم فإن اندثار الأدوات قد واكبه اندثار للمراحل التقليدية للصناعة. وكشفت عمليات الجمع الميداني والتوثيق عن اختفاء الأماكن المخصصة لصناعة السفن التقليدية القريبة من البحر، ومن ثم اندثار الحرفة وما يشملها من أدوات وخامات متعلقة بالعمل. كما كشفت الدراسة عن إمكانية عمل مكنز متخص في توثيق المأثورات الشعبية المرتبطة بصناعة السفن بوسائطها المتعددة، والذي يمكن أن يكون نواة لأرشيف الفولكلور البحريني. وكان من أهم التوصيات التي خلص بها الدارس تأكيده على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أهمية حفظ الموروث الشعبي الثقافي واتباع كافة السبل من قبل المهتمين والدارسين لتطوير التقنيات لخدمة هذا الموروث، واتباع كافة الطرق الحديثة فى أرشفة هذه المواد، ومحاولة تأسيس مكنز فولكلوري يحتوي على جميع المعلومات الخاصة بالثقافة الشعبية من صور وفيديو وتسجيل صوتي وسجلات مكتوبة، وتخزينها في أجهزة خاصة مثل السيرفر ثم عرضها عبر برنامج رقمي على الشبكة العالمية الإنترنت لخدمة البحوث العلمية، وتثقيف عامة الشعب وتعريفهم بتاريخهم وتراثهم الثقافي الموروث عن الأجداد، ويعبر عن طابع الهوية الوطنية الثقافية. وختم الباحث دراسته بثبت المصادر والمراجع، وكذلك كشاف الصور، وملحق بطاقات الجمع الميداني للإخباريين.
يبقى الإشارةعلى أن الباحث خميس البنكي قد نال عن أطروحته تقدير «ممتاز» مع طبع الرسالة على وتداولها بين الجامعات العربية.