اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

أغانى القدس حج مسيحى / تقديس
يرجع تاريخ زيارة الأقباط للأماكن المقدسة في القدس منذ اكتشاف الملكة هيلانه للصليب المقدس فى عام 325م وتأسيسها لكنيسة الق...

في مبادرة لحفظ تراث البحرين الموسيقي الموسيقار البحريني مبارك نجم يطلق ألبوم «ألحان بحرينية أوركسترالية»
أطلق الموسيقار البحريني، وقائد فرقة الشرطة الموسيقية الدكتور مبارك نجم، ألبومه الموسيقي «ألحان بحرينية أوركسترالية...

الزاجرة وطرق الري التقليدية في البحرين
تعرف عملية ري الأراضي الزراعية عند العامة في البحرين، باسم «لتسِگي» (أي السقاية)، ويسمى الشخص الذي يقوم بهذه...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
أســــواق مـدينة تـــازة عــلى عـــهد الحماية الــــفرنسية بــالمغرب: الوظائف، الأســس والتــــحولات
العدد 41 - ثقافة مادية

أ. جلال زين العابدين – كاتب من المغرب

 

أود في البداية الإشارة إلى نقطتين رئيسيتين كمدخل لهذه المساهمة؛ أولهما أن الحديث عن الأسواق بتازة على عهد الحماية هو حديث عن الأسواق على الصعيد الوطني. لماذا؟ لأنه ليس هنالك اختلاف كبير بين أسواق تازة وباقي أسواق المغرب - وخصوصا في المنطقة السلطانية - إلا في بعض الأمور التي تتعلق ببعض الخصوصيات المحلية. النقطة الثانية مفادها أنه لا أحد، أو لا يختلف اثنان في وظائف وأدوار الأسواق. فهي حسب دافيد هارت «تؤدي وظائف عديدة في الحياة القبلية باعتبارها مركزا لهذه القبائل على المستوى الاقتصادي والتواصلي والاجتماعي والسياسي»(1).
إن الأسواق ليست مجالات للبيع والابتياع فحسب، بل هي فضاءات اجتماعية وثقافية وسياسية تختزل تاريخا من حياة الإنسان، تؤطرها قيم تحدد أدوارها وامتداداتها(2). فالأسواق كانت وماتزال متنفسا سيكولوجيا ومجالا للتواصل الاجتماعي، وحل المشاكل والنزاعات بين الأفراد والقبائل، وربط المواثيق والعهود، والتزود بالأخبار وبعض قرارات المخزن، ثم المكان المفضل لحياكة الدسائس وتدبير الجرائم، وأيضا فضاء للترفيه والتواصل(3). وهو ما أبرزه كليفورد غيرتز الذي اشتغل على سوق صفر وبقوله: «إن السوق مؤسسة اجتماعية خاصة مميزة للحضارة المغربية، لها أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية عديدة، ناهيك عن مستوياته القبلية والدينية والرمزية وعلاقاته السلطوية والتراتبية»(4).
فالسوق حسب السوسيولوجي عبد الرحيم العطري هو «نتاج اجتماعي بالدرجة الأولى، أوجدته القبائل والزوايا والمخزن لتنظيم المعاملات بين الأفراد والجماعات، وفق أعراف تسهم في تدبير وإنتاج مختلف هذه الاسواق»(5). وعليه فإننا حينما نلج السوق «نكتشف أننا أمام فضاء اجتماعي له من النظم والقواعد والمعايير ما يجعله مؤسسة مركزية في تدبير المشترك، وفي نقل الأخبار والإشاعات»(6).
والملاحظ هو أن موقع السوق وتوطينه كان يخضع لشروط معينة، وتتحكم فيه مجموعة من العوامل، أبرزها انعقاده في مناطق وسطى بين القبائل؛ بين السهل والجبل في أرض غير صالحة للزراعة لا ماء ولا مرعى فيها، أو بالقرب من طريق فسيحة، وغالبا بمحاذاة مكان مقدس (زاوية، ضريح،..)(7) وذلك ضمانا للأمن والسلم الاجتماعيين، فثمة أعراف تحرم حمل السلاح في السوق باعتباره مجالا يسري عليه منطق الحرم(8).

وضعية الأسواق بمدينة تازة قبل الحماية
اشتهرت مدينة تازة بنوعين من الأسواق: سوق نصف أسبوعي يعقد مرتين في الأسبوع (الإثنين والخميس)، كان يستقطب أكبر عدد من الباعة والمبتاعين، يقام داخل أسوار المدينة، ويمتد بين القصبة في الجنوب وباب الجمعة في الشمال الشرقي، وهو المعروف في حوالات الأحباس وكل المصادر المكتوبة بما فيها كتب الرحالة بسوق أحراش، وتضمن نشاطه التجاري تجارة الخضر والفواكه والمواشي وكل المنتجات الفلاحية وهي المواد التي تنتجها القبائل المجاورة، ثم بعض المستوردات الأجنبية كالمنسوجات القطنية والسكر والشاي(9).
أما الأسواق اليومية أو المتخصصة في بيع منتوج معين، فقد تركزت في المدينة القديمة على طول محورين رئيسيين تتفرع منهما أحياء تجارية ثانوية(10). يمتد المحور الأول من شمال المدينة إلى جنوبها، حيث ينطلق من المسجد الأعظم مرورا بقلب المدينة إلى مسجد الأندلس. وينقسم هذا المحور إلى مجموعتين هما: سوق النجارين، وقبة السوق اللتين تضمان بدورهما بعض الأسواق الصغرى كالجزارين في الجنوب ورحبة الزرع في الشمال. في حين يمتد المحور الثاني من شرق المدينة نحو غربها مرورا بشارع سيدي بلفتوح، والعطارين إلى حدود باب الزيتونة(11). وتعتبر القيسارية نقطة التقاء هذين المحورين(12)، ومركزا هاما للنشاط التجاري بالمدينة وأيضا المكان المفضل لتسوق الأعيان، حيث تمتلئ محلاتها بالأثواب الفاخرة، والمنتوجات الحريرية، والحقائب الجلدية المزركشة، والأواني النحاسية، ومنتوجات أخرى غالية الثمن(13).
وتنتظم الأنشطة التجارية بالمدينة حسب نوعيتها. فبالنسبة لتجارة المواد الغذائية والتي ضمت حوالي 150 محلا تجاريا، هناك الجزارون بزنقة الجزارين، والبقالون بزنقة البقالين، وبائعو الخبز بزنقة الخبازين، ثم بائعو الخضر بزنقة الخضارين، بينما تتواجد تجارة السكر والشاي، وهي مواد مستوردة بقبة السوق قرب القيسارية، في حين كان ;يتوزع بائعو الزيت والزبدة والعسل والصابون بشكل متفرق في المدينة، وكانت تتجمع المنتوجات القروية في مناطق مختلفة كما يلي:الحبوب في رحبة الزرع، والصوف في سوق الغزل، والخشب والفحم الخشبي في الموقف(14).
كما كانت توجد بتازة أيضا أسواق أخرى مزدهرة غير أنها اختفت في بداية القرن 20 من قبيل سوق اليهود الذي كان يقع بالقرب من الملاح، وقد اختفى سنة 1903 - 20(15).
يمكن القول، إن أسواق تازة فضلا عن توفير الحاجيات للسكان، كانت تلعب دور نقطة الاتصال بين اقتصادين، فتجمع مواد القرى في اتجاه المدينة أو الخارج وتوزع المواد الوافدة منهما. غير أنه ومع احتلال المدينة وهجرة الأوربيين إليها مع ما حملوه معهم من رؤوس أموال، وخاصة بعد إنشاء المدينة الجديدة، تغيرت صورة الأسواق عما كانت عليه قبل الحماية. فالأنشطة التجارية لم تصمد في وجه الصدمة الاستعمارية، التي عصفت في الوقت نفسه بكل الأنشطة التقليدية، وبالتنظيم الحضري للمدينة العتيقة(16)، حيث سيؤدي التدخل الاستعماري إلى اختلال التوازن والعلاقة التي كانت قائمة بين عاملي الإنتاج المحلي والاستهلاك الذاتي للسكان، بإحداث متطلبات وحاجيات جديدة للمستهلكين.

تغير خريطة المرافق التجارية
بمدينة تازة على عهد الحماية
رافق التسرب التجاري الاستعماري بمدينة تازة حدوث تحولات عميقة كان لها أثر سلبي على الأسواق ومن ثمة على التجارة المحلية. فقد تغيرت خريطة المرافق التجارية، والتي كانت فيها أحياءالمدينة القديمة، تمثل القلب النابض للنشاط التجاري بالمدينة.
فبعد إحداث المدينة الجديدة، برزت أسواق وأحياء تجارية عصرية جاذبة للنشاط والمبادلات التجارية مثل شارع ليوطي، وزنقة التجارة، إضافة إلى إنشاء «ساحة التجارة» التي استقطبت جزءا كبيرا من المرافق التجارية بالمدينة(17)، فبدأ الثقل الاقتصادي ومواطن القوة التجارية ينتقلان من المدينة العتيقة إلى المدينة الأوربية، التي تعززت في سنة 1927 بإحداث سوق مركزي وفر جميع حاجيات الساكنة الأوربية وبأثمان مناسبة(18).
كما صاحب تغيير خريطة المرافق التجارية إلى المدينة الجديدة، بروز أطراف تجارية جديدة ممثلة في بعض الشركات التجارية الأوربية، مما أضر كثيرا بالتجارة المغربية وعرضها لمنافسة غير متكافئة، فقد كانت هذه الشركات تبيع منتجاتها بالجملة والتقسيط، وبكميات ضخمة مثل «شركات المخازن الكبرى المغرب- فرنسا»(Grands magasins Maroc-France) التي اعتبرت أكبر مركز تجاري بالمغرب الشرقي(19).
ومن التحولات التي عرفتها تازة على عهد الحماية، إعادة تنظيم بعض الأسواق وتوزيعها، حيث أقدمت البلدية على تحويل سوق أحراش الذي كان يقع داخل الاسوار في الجهة الشرقية بالمدينة العتيقة، ويعقد مرتين في الأسبوع إلى خارج أسوارالمدينة(20).
وفي سنة 1933 ستثار مرة أخرى مسألة تحويل مكان هذا السوق، ففي اجتماع المجلس البلدي بتاريخ 1 مارس1933 أكد رئيس المصالح البلدية ،أن تحويل السوق الأهلي النصف أسبوعي أصبح ضروريا ، وذلك استجابة لطلب السلطات الجهوية باسغلال الأرض التي ينعقد فيها السوق لبناء عمارات ضرورية لمصالحها ولإسكان موظفيها، وأكد أن المكان المناسب لإنعقاد السوق، هو الأرض التي توجد بين معسكر أوبري (Haubry)، وحديقة موراتي (Murati)البالغ مساحتها 14000 متر مربع، والتي لا تستغلها إدارة الحربية لقربها من أمكنة مقدسة. وبعد نقاش طويل، وافقت مصلحة الهندسة على كراء هذه الأرض لفائدة البلدية بمبلغ 300 ف سنويا(21). كما حول سوق الحبوب المعروف برحبة الزرع الذي كان يتواجد بالقرب من ضريح سيدي عزوز إلى محيط القصبة بالقرب من البستيون(22).
وبخلاف المعلومات والمعطيات المتوفرة بشأن الأنشطة والعلاقات التجارية، وقيمة المبادلات، والصادرات والواردات بالمدن الأخرى، يلاحظ ندرة المعلومات حول الأنشطة التجارية بالمدينة، مما يجعل الدارس يواجه صعوبات عدة عند محاولة فهم وتتبع أهمية وتطور هذا القطاع على عهد الحماية.
وقد اعتمدت جل المعاملات التجارية في المغرب ابتداء من فترة العشرينيات على التعامل النقدي بالفرنك عوض البسيطة الحسنية، كما استطاع نظام الحماية أن يؤثر في وحدات ضبط المعاملات التجارية المستعملة محليا ووطنيا، وأن يغير تدريجيا من وحدة الوزن(الرطل، المد) لصالح الكيلوغرام، ووحدة السعة(القلة) مقابل اللتر، ووحدة القياس(الدراع، القدم) لفائدة المتر(23).
تنظيم الأنشطة التجارية بمدينة تازة
على عهد الحماية
كانت السلطات البلدية بمدينة تازة هي التي تتكلف بتنظيم النشاط التجاري بالمدينة، وذلك بمراقبة وتنظيم مختلف الأسواق التجارية سواء على مستوى التبادل، والتموين، ومراقبة توزيع البضائع والسلع الأساسية، وكذا أسعار البيع والشراء، أوعلى المستوى المجالي بتحويل بعض الاسواق من مكان لآخر، وخلق بعض الأسواق الجديدة. ففي فاتح ماي 1927 مثلا، قامت المصالح البلدية بافتتاح السوق المركزي بالمدينة الجديدة، وأصدرت قرارا بلديا دائما ينظم البيع فيه بالتقسيط(24)، كما نظمت كراء المحلات التجارية. وقد جاءت أسعار كراء هذه المحلات بالسوق المركزي على الشكل التالي:
المحلات الصغيرة التي تحمل الأرقام من1إلى19ومن 25إلى28بـ«500 ف».
المحلات الكبيرة التي تحمل الأرقام من21 إلى 23بـ«1000 ف».
المحلات الكبيرة التي تحمل الأرقام من 20 إلى 24 بـ«900 ف».
المحلات المخصصة لبيع السمك بـ«375 ف»(25).
أما بسوق الحبوب، فسمحت البلدية باستغلال مختلف المخازن الموجودة به مقابل أداء إيجار شهري بقيمة 750 ف(26).
لم تكتف السلطات البلدية بهذا الأمر، بل ضبطت المعاملات التجارية الخاصة بالمواشي، إذ قررت حصر عمليات البيع والشراء في السوق الأهلي الذي ينعقد يومي الإثنين والخميس، وفي الأماكن العمومية التي ترخصها البلدية، ومنعت جميع المعاملات التجارية خارج السوق، وفرضت على المخالفين لذلك غرامات مالية. وكان الهدف من وراء هذا الإجراء، ضبط المبادلات، واستقطاب المزيد من التجار والكسابة إلى سوق المواشي. وقد كان هذا الأخير يشهد رواجا تجاريا مهما، نظرا لكثرة التجار الوافدين عليه، (لا سيما من وجدة)، والذين كانوا يعقدون صفقات مهمة لاقتناء الماشية خصوصا الأغنام الواردة من قبائل التسول والبرانس(27). ويزداد هذا الرواج أكثر في عيد الأضحى. ففي ماي 1928(28) مثلا بلغت الرسوم المحصل عليها من الأسواق حوالي 18558 ف مقابل 13205.25 ف خلال شهر أبريل من السنة نفسها. وقد حددت الرسوم المتعلقة بدخول المواشي إلى السوق حسب القرار البلدي الدائم رقم 105 بتاريخ 14فبراير1944 على الشكل التالي:
الخيول، الإبل، البغال والأبقار بـ«50 ف للرأس».
الأغنام والماعز بـ«20 ف للرأس».
الخنازير والحمير بـ«25 ف للرأس»(29).
وألزمت البلدية التجار الذين يبيعون خشب التدفئة بسوق باب الجمعة بأداء رسم للدخول حدد في 20 ف عن كل قنطار. كما فرضت رسوما على الخضر والفواكه الطرية التي تباع سوق المدينة الجديدة وفي دار الدباغ بتازة العليا، حددت في 20 ف عن كل قنطار، و40 ف عن حمولة الجمل، و25 ف عن حمولة الخيل والبغل، و20 ف عن حمولة الحمار(30).
ويوضح الجدول أسفله تطور قيمة الموارد المالية المستخلصة من الرسوم المفروضة على الأبواب والأسواق ما بين سنتي 1927 و1939، والتي شكلت مداخيل هامة لخزينة البلدية، وساعدتها على تغطية العديد من نفقاتها.
الموارد الجبائية المستخلصة من الرسوم المفروضة على الأبواب والأسواق ما بين 1927 و1939(31).
وفرضت بلدية تازة رسوما على التجار المتجولين والبائعين العارضين في الطرق العمومية، كما اشترطت عليهم ضرورة الحصول على رخصة من رئيس المصالح البلدية لممارسة هذه التجارة، وكانت تتعامل بصرامة مع الباعة الذين لا يتوفرون عليها، وذلك بحجز ومصادرة بضائعهم. فبالنسبة للباعة المتجولين كانت المصالح البلدية تمنحهم رخصا خاصة مقابل أدائهم رسوما إما شهرية في حدود العشرة أيام الأولى من كل شهر، أو رسوما يومية بالنسبة للباعة الذين يشتغلون أياما محدودة. وقد حددت الرسوم اليومية على الشكل التالي:
بائع الماء(گراب) بـ«3 ف».
بائع متجول يحمل طبقا أو سلة بـ«6 ف».
بائع متجول بعربة يدوية أو دابة(بغل- حمار) بـ«10 ف».
بائع متجول بعربة ميكانيكية أومجرورة بحيوان بـ«40 ف».
أما بالنسبة للباعة العارضين في الطرق العمومية، فكانت تمنحهم المصالح البلدية رخصا مقابل احتلال حيز من الملك العمومي البلدي لعرض منتوجاتهم الموجهة للبيع، وقد حددت الرسوم(32)على الشكل التالي:
2.50 ف للمـترمـربع عن كل يوم بالنسبة لباعة المواد الغدائية.
5 ف للـمـتر مـربع عـن كـل يـوم لبـاعة آخـرين وللصـناع التقليديين.
10ف للمــتر مــربـع عـن كـــل يــوم بالنسبة للباعة الموسميين(33).
يظهر أن هذه التجارة(البيع المتجول) التي مارسها الأهالي بمدينة تازة، أزعجت كثيرا التجار أصحاب المحلات، لاسيما الأوربيين، وألحقت بهم أضرارا مادية خاصة عندما كانوا يتوقفون أمام محلاتهم التجارية، حيث يصبح هؤلاء التجار عاجزين عن مجاراة الباعة المتجولين في تخفيض الأسعار(34). ففي اجتماع 24 نونبر 1932 للغرفة الفرنسية المختلطة للتجارة والفلاحة والصناعة، تمت قراءة رسالة للسيد هيرنانديز (Hernandez) بائع الخضر والفواكه بالسوق البلدي، شرح فيها الآثار السلبية التي لحقت بتجارته من جراء البيع المتجول للخضر والفواكه خارج أسوار السوق البلدي، وطلب من الغرفة التدخل لدى البلدية لوضع حد للمنافسة التي يعانيها تجارالسوق البلدي من الباعة المتجولين الأهالي، الذين يدفعون رسوما أقل من الرسوم التي يدفعها أصحاب المحلات التجارية، مما يجعلهم يخفضون من أسعار الخضر والفواكه وغيرها من البضائع، وهو ما يضر بالتجار المقيمين داخل السوق. وقد أكد رئيس المصالح البلدية الذي حضر هذا الاجتماع أنه سيصدر تعليماته لتطويق هذا المشكل، وأضاف أنه من الإجراءات التي يمكن اتخادها هو تحديد مكان للباعة المتجولين(35). وهنا تجب الإشارة إلى أنه لم يكن من اختصاص الإدارة البلدية منع هذه التجارة، وإصدار قرار مخالف للظهير المنظم للبيع المتجول، لأن الباعة المتجولين كانوا يدفعون ضريبة تعطيهم الحق في ممارسة مهنتهم. ويعطينا الجدول أسفله نظرة على تطور الموارد المالية المستخلصة من الرسوم المفروضة على الباعة المتجولين ما بين سنتي 1927و1939.
الموارد المالية المستخلصة من الرسوم المفروضة على الباعة المتجولين بتازة ما بين 1927 و1939 (36):
السنة قيمة الرسوم
1927 4.375 ف
1931 6.005 ف
1939 37.880 ف

ورغم «طمأنة»رئيس المصالح البلدية السيد كيتان (Getten) لأعضاء الغرفة بأنه سيبذل قصاري جهده من أجل مصلحة التجار الأوربيين، فإن الباعة المتجولين ظلوا يشكلون هاجسا كبيرا للتجار الأوربيين وخاصة بائعي الخضر والفواكه، حيث أكد السيد بيالا (Piallat) عضو الغرفة المختلطة بتازة في اجتماع هذه الأخيرة يوم 23 يوليوز1935، أنه توصل بالعديد من التظلمات والشكاوي من الأوربيين، يوضحون فيها معاناتهم المستمرة مع باعة الخضر المتجولين، وطلب من السيد لونكاريو (Longarrieu) التدخل مجددا لدى البلدية، ومطالبتها بتطبيق القرار البلدي بكل صرامة(37). وهنا تجدر الإشارة إلى أنه قد سبق إصدار قراربلدي دائم سنة 1927 يحمل رقم 31، يتعلق بمنع الباعة المتجولين من الوقوف لبيع المواد الغذائية خلال الساعات التي يكون فيها السوق المركزي مفتوحا(38).
وكانت إدارة البلدية عن طريق لجنة مختصة تراقب باستمرار أسعار البضائع والمواد الغذائية، إضافة إلى تدخلها في تحديد أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، ففي 4 ماي 1928 مثلا أصدر باشا مدينة تازة قرارا بلديا رقم 51 بتنظيم وتوحيد أسعار الخبز بمدينة تازة(39). وعلى الرغم من تحديد شروط بيع مادة الخبز، فقد اتجه سعرها نحو الارتفاع، مما جعلها تحظى بنقاش واسع داخل المجلس البلدي، فقد أشار رئيس المصالح البلدية في اجتماع المجلس البلدي بتاريخ 7 فبراير1934 على سبيل المثال، إلى أن العديد من بائعي الخبز بالمدينة يبيعون الخبز بأثمان مرتفعة خلافا للأسعار المحددة في القرار البلدي، وأكد أن الزيادة المرتبطة بالارتفاع الطفيف لأسعار القمح هي غير منطقية، على اعتبار أن الانخفاض الذي تعرفه أسعار القمح في بعض اللحظات لا يواكبه تخفيض ثمن الخبز، وبعد نقاش بين أعضاء المجلس البلدي تقرر توقيف فرض الرسوم على الخبز حفاظا على سعرها العادي، والعزم على التصدي لكل التجاوزات المرتبطة بتجارتها(40).
ونظمت بلدية تازة بيع اللحوم بالمدينة، حيث منعت الذبح خارج المجزرة البلدية، وسمحت للتازيين الراغبين في ذبح بهيمة بغرض الاستهلاك الحصول على ترخيص من رئيس المصالح البلدية، والالتزام بعدم التجول بهذه اللحوم أو بيعها وأداء الرسوم التالية: الأبقار:600 ف للرأس، الأغنام والماعز:60 ف للرأس، الخنازير:500 ف للرأس. كما سمحت بالذبح في المنازل وبدون رخصة في عيد الأضحى بالنسبة للمسلمين أو أعياد اليهود، واستثنيت البهائم الموجهة للأضرحة (موسم سيدي عزوز) من أداء رسم الذبح مقابل إحضار شهادة من الساهرين على تنظيم الموسم، يؤشر عليها رئيس المصالح البلدية. وخضع اللحم للمراقبة البيطرية للتأكد من جودته، حيث كان البيطري يضع طابعه على كل اللحوم الصالحة للاستهلاك، بينما كان يتم حجز اللحوم التي لا تتوفر على معايير الجودة(41).
وسهرت البلدية على ضمان الشروط الصحية لنقل اللحوم من المجزرة إلى وسط المدار الحضري.فقد أكد رئيس المصالح البلدية في اجتماع المجلس البلدي بتاريخ 1مارس 1933، أن اللحوم التي يتم توزيعها سنويا على مختلف نقط البيع بالمدينة تصل إلى حوالي 55.000 كلغ، مما يحتم على البلدية إسناد مهمة نقل اللحوم إلى مصلحة خاصة تستعمل آلات وأدوات حديثة وتتوفر على شروط السلامة الصحية، وقد وافق أعضاء المجلس البلدي على مقترح رئيس المصالح بإسناد نقل اللحوم لشركة خاصة بعقدة لا تجاوز أربع سنوات(42). كما حرصت إدارة البلدية على تسعير اللحم، فأصدرت مثلا في 9 ماي 1932 قرارا بلديا يحمل رقم 118 يتعلق بتحديد أسعار اللحم بالمدينة الأهلية. وفيما يلي أثمان اللحم بالمدينة الأهلية خلال ماي 1932(43):
لحم البقر: 4.50 ف للكلغ
لحم الغنم: 5.10 ف للكلغ
لحم المعز: 3.75 ف للكلغ
وتجدر الإشارة إلى أن أسعار مختلف المواد الأساسية عرفت تقلبا، وارتفاعا متواصلا مما كان ينعكس على القدرة الشرائية للساكنة، ويؤدي إلى ارتفاع مستوى العيش لدى الفئات المحدودة الدخل. ويكشف الجدول أسفله عن عدم استقرار أسعار المواد الغذائية الأساسية ما بين ماي 1923 وماي 1927.
أسعار بعض المواد الغذائية ما بين ماي 1923 وماي 1927 بمدينة تازة(44):
إن تقلبات أسعار المواد الغذائية وارتفاعها قد ارتبطت بالتقلبات المناخية وما لها من انعكاس على ندرة بعض المواد، إضافة إلى تراجع حجم الواردات بعد إقامة خط جمركي بمدينة تازة سنة 1923، والذي حدد رسما إضافيا بقيمة 7.5 ف على كل السلع والمواد القادمة من الجزائر(45)، مما أضر بالتجار المستوردين الذين فضلوا تغيير وجهتهم باتجاه الموانئ الأطلسية بدل الحدود المغربية الجزائرية. ففي اجتماع عقده مجلس شورى الحكومة تحت رئاسة المقيم العام، وحضره ممثلون عن الأهالي بمختلف المدن المغربية، طالب نائب تازة بإلغاء «الديوانة» بها، لما يتسبب عن وجودها من تعطيل للحركة التجارية هناك، وتوجهها إلى غير تازة من المدن مثل كرسيف وتاوريرت لخلوها منها، فأجاب مدير الجمارك بأن حكومة الحماية ليست لها الحرية في ذلك، حتى يمكنها تنظيم الديوانة على مقتضى المصالح المغربية(46).
وحرصا من إدارة الحماية على توفير الحماية للمستهلك وضبط المعاملات التجارية، كانت لجان المراقبة، تقوم بزيارات تفتيشية لكل محلات بيع المواد الغذائية لمراقبة الجودة ومحاربة الغش والتدليس(47)، ومصادرة وحجز جميع المواد المغشوشة(48) التي لا تتوفر على معايير السلامة الصحية(49)، خاصة في ظل التوسع التي كانت تعرفه تجارة التهريب(50). غير أن عمليات المراقبة والتفتيش هاته كانت يشوبها نوع من التمييز في المعاملة التي يحظى بها الأوربيون، والمعاملة التي يحظى بها التجار المغاربة. ونورد هنا مقتطفا من مقال بجريدة الأطلس سنة 1937 يعبر عن معاناة التجار المغاربة مع لجان المراقبة والتفتيش:«صدر ظهير شريف لمنع رفع الأسعار بسبب سقوط الفرنك فوجدت فيه الإدارة خير وسيلة للتضييق على التجار المساكين والتنكيل بهم،فجعلت الكوميسارية تفتش منازلهم ومتاجرهم لأنها اتهمتهم باطلا بإخفاء بعض البضائع كي لا ينالها التسعير ولا تسل عما يقع أثناء التفتيش من تنكيل وإعنات.وقد استدعى خليفة الباشا الطاغية أحمد النجار جماعة من أولئك التجار وجعل يسألهم عن البضائع التي عندهم ويمزج هذا السؤال بالسب واللعن»(51).
وتأثر المغرب بحكم عمق ارتباطه بالاقتصاد الفرنسي بالأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929، التي بدأت مضاعفاتها تصل إليه بعد سنة 1930، حيث انتقلت (الأزمة) بسبب نهج فرنسا لسياسة الباب المفتوح فيما يخص استيراد المغرب لحاجاته منها، والسياسة الحمائية فيما يخص تصدير المواد إليها(52).وتمظهرت الأزمة في الأنشطة التجارية في عدة أشكال كان أكثرها دلالة، الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية التي ستعاني منها جل المدن المغربية. ويوضح الجدول أسفله ارتفاع مؤشر الأثمان بتازة مقارنة مع مدن أخرى ما بين ماي 1936 وأكتوبر 1937.
مؤشر ارتفاع الأثمان بتازة مقارنة مع مدن أخرى ما بين ماي 1936 وأكتوبر 1937(53).
المدن مؤشر ارتفاع الأثمان %
ماي 1936 31 أكتوبر 1937
تازة 100 168
الرباط 100 161
فاس 100 179
وجدة 100 171
الدار البيضاء 100 149
أكادير 100 144

وقد تدخلت إدارة الحماية لامتصاص أثر الأزمة على التجار الأوربيين بتازة، وذلك بمنحهم مساعدات وقروض وصلت قيمتها سنة 1936 إلى حوالي 40 مليون ف(54)، كما استفادت التجارة الأوربية من دعم ومساندة اتحاد الغرف التجارية التي كانت تتدخل باستمرار لدى الأبناك من أجل تمتيع التجار الأوربيين بقروض جديدة(55).
ومن الشخصيات التي دافعت بقوة عن مصالح التجار الأوربيين بمدينة تازة، نذكر المعمرين موديست مورين، وابنه فرونسوا مورين رئيس الغرفة المختلطة للفلاحة والصناعة والتجارة لسنوات عديدة. ففي جلسة يوم الثلاثاء 14 مارس 1939 للغرفة مثلا، أكد الرئيس مورين، في تدخله على أن العديد من التجار الأهالي والإسرائليين قد قاموا بخرق الظهائر المنظمة لقانون الشغل، وذلك بفتح محلاتهم التجارية طوال اليوم، مما يثير حفيظة التجار الأوربيين الذين بدأوا يطالبون بتطبيق مقتضيات الظهير الذي يمنعهم من ذلك. وأشار رئيس الغرفة أن بإمكان الأهالي والإسرائيليين فتح محلاتهم عندما يغلق الأوربيون الذين يشتغلون 8 ساعات في اليوم(56).
ونافلة القول، إن أسواق مدينة تازة في فترة الحماية الفرنسية تعرضت إلى تحولات عميقة، جراء احتكاكها بالاقتصاد الكولونيالي. ومن أبرز هذه التحولات، تغير خريطة المرافق التجارية، وانتقال الثقل الاقتصادي من أزقة وأحياء المدينة المغربية العتيقة نحو الأحياء الأوربية، حيث ستظهر أسواق وأحياء تجارية حديثة جاذبة للنشاط والمبادلات مثل السوق البلدي في قلب المدينة الجديدة التي ستعرف، بالإضافة إلى ذلك ظاهرة المحلات التجارية الكبرى لتبرز معها مظاهر أخرى لبيع السلع وعرضها من قبيل اللوحات الإشهارية التي ستؤثث الفضاء العام.
و قد رافق ذلك خروج الثروة من يد التجار المغاربة وتركزها لدى مالكي الشركات والمحلات التجارية الأجنبية، فضلا عن هجرة ونزوح العديد من العائلات التازية نحو فاس، والقسم الأكبر فيهم من أرباب الحرف التي تأزمت وضعيتها نتيجة غزو المنتجات الصناعية الأجنبية للسوق المحلية(57).