اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

فاعلية الأدب الشعبي وحركيته (في إشكالية المناهج وثراء الخصائص مع نماذج مختارة)
يُعدّ الأدب الشعبي الرابط الصحّي والحيوي بين الماضي والحاضر والمستقبل، والحاضن في الوقت نفسه، لأفراح الإنسان وأحزانه، ول...

التركيب العاملي في الحكاية الشعبية حكاية «عزة ومعيزيزة» نموذجا
على الرغم من تعدد التفسيرات والأبحاث التي تحاول رصد أصول الحكاية الشعبية، فإن حقيقة هذه الأخيرة (بحكم كونها شعبية) لا يم...

دراسات حول فولكلور البحرين عادات الزواج ومعتقدات شعبية وفنون الشعر والغزل وأطروحة حول توثيق السفن
نقدم في هذا العدد جولة متنوعة حول فولكلور البحرين.. سعينا وراء دراسة ميدانية في عادات الزواج والفنون المرتبطة به، ثم أبح...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
دور "فرقة طبال قرقنة" في إحياء مراسم العرس التقليدي
العدد 41 - موسيقى وأداء حركي

أ. فاطمة بن حميد – كاتبة من تونس

 

إنّ الباحث في علم الأنتروبولوجيا(1) يهتم بدراسة الإنسان في مختلف نشاطاته الفكرية والثقافية، فمن البديهي الإقرار بأنّ هذا العلم يمكن أن يتخذ من الموسيقى الشّعبية موضوعا للدراسة في إطارها الاجتماعي باعتبارها نتاجا فكريا محملا بالعديد من الرموز والدلالات تمكن من فهم خصوصيات وعادات مجتمعاتها وطريقة عيشها. فالموسيقى الشعبية تصور العواطف والانفعالات الإنسانية من خلال الكشف عن عواطف الأفراد وميولاتهم ورغباتهم المختلفة فهي قادرة على احتواء مظاهر معبرة عن محيطها الطبيعي والإجتماعي، ومرتبطة أوثق ارتباط بهويتها الاجتماعية والثقافية.
فالموسيقى الشعبية تدرس من خلال شخصياتها، آلاتها، أصولها، مجامعيها وفرقها الموسيقية التي تخصّ ممارستها مجال جغرافي وإطار اجتماعي معيّن وفي هذا السياق سنهتم من خلال هذه المداخلة بفرقة طبّال قرقنة التي اشتهرت في جزر قرقنة(2) وتميّزت بطابع خاص جعلها تحظى باهتمام كبير حيث مثلت تونس في عديد التظاهرات الثقافية والفلكلورية خارج حدود الوطن.
عرف الرصيد الموسيقي بجزر قرقنة بالثراء والتنّوع لما يحتويه من قوالب موسيقيّة وآلية وغنائية ولوحات راقصة اعتمدتها فرقة طبال قرقنة في إحياء بعض المناسبات مثل المهرجانات والختان والعرس التقليدي. هذا الأخير يمثّل أهم مناسبة شخصية واجتماعية تدعو لإقامة الأفراح وقد اختلفت تفاصيل المراسم والأفراح الجماعية من منطقة إلى أخرى بل من مجموعة إلى أخرى إلا أن الموسيقى ظلت أهم العناصر المكونة لهذا الحدث وأبرزها، فما هو دور فرقة طبّال قرقنة في إحياء العرس التقليدي؟ وكيف تتجلّى ملامح الهويّة الموسيقية فيما تؤديه الفرقة في هذا الإطار؟
وللتعاطي مع هذه الإشكالية سننطلق في البداية بتعريف فرقة طبّال قرقنة (تسميتها، مكوناتها، الآلات المستعملة) ثمّ سنقدّم مختلف مراحل العرس التقليدي التي تقوم الفرقة بإحيائها مبرزين البرامج الموسيقية التي تخصّصها فرقة طبّال قرقنة لكل مرحلة من مراحل العرس.

فرقة طبال قرقنة
يطلق على الفرقة عدة أسماء أشهرها «طَبَّالْ قَرْقْنَةْ»، يقال كذلك «السْطَاوَاتْ» جمع السطا أو «الزَّفَّانَةْ» أصل الكلمة وجدت بلسان العرب أن «الزفن» هو الرقص، زفن يزفن زفنا، وأصل الزفن اللعب والدفع ويقال للرقاص: زفان(3).
تتكون فرقة طبال قرقنة من خمسة عناصر وهما:
عازف «زُكْرَةْ» أوّل يسمى «السطا» وهو الّذي يقود الفرقة.
عازف «زُكْرَةْ» ثاني ويسمى «البحري».
عازف إيقاع أوّل.
عازف إيقاع ثان يكون أقلّ خبرة ومهارة من الأوّل.
يقوم عازفا الإيقاع بالعزف إمّا على آلة «الطبل» أو على آلة الدربوكة حسب القالب الموسيقي الّذي سيتمّ عزفه ولا يمكن لهاتين الآلتين أن تلتقيا في نفس القالب.
«الوَرَّاشْ» هو الذي يستلم المال من الحاضرين مقابل ما تنفذه الفرقة من أغان أو قوالب موسيقية يقترحونها كذلك يقوم بشكر الشخص الذي قدم المال من خلال إلقاء بعض الأبيات الشعرية.
من أهمّ وأجمل ما تتميّز به فرقة طبّال قرقنة هو لباسها الخاص الّذي يرمز إلى علم تونس من خلال لونه الأبيض والأحمر، هذا ما أكده لنا جميع الموسيقيين الّذين قمنا بمقابلتهم.
يتكون هذا الزي من عدة أجزاء وهي:
«شاشية» حمراء بها نوارة حرير تتدلى من خلفها خيوط سوداء
«ڤشطة»: شريط من الحرير أصفر اللون يلف على الشاشية ثلاث أو خمس لفات حسب طولها.
«السورية»: هي قميص أبيض بالنسبة لعازفي «الزكرة»، يحتوي هذا القميص على قطعتين إضافيتين من القماش في مستوى المرفقين تسمى كل منهما «المتيقة».
الفرملة: هي سترة حمراء اللون تلبس فوق السورية
الشملة: هي حزام أحمر اللون يلف على خصر العازف.
الجروالي: ثوب أبيض طويل وواسع يمتد من الخصر إلى الركبتين.
سروال عربي: سروال أبيض اللون ينتمي إلى الزي التقليدي التونسي.
جوارب بيضاء اللون مع حذاء رياضي أبيض لتسهيل عملية الرقص.
يبقى أصل هذا الزي مجهولا فيرجح بعض الموسيقيين انتماءه إلى الحضارة العثمانيّة في حين أنّ «أندري لوي» ينسب هذا الزي إلى اللباس الإغريقي(4).
تستعمل فرقة طبّال قرقنة ثلاث آلات وهي «الزكرة»، «الطبل» و«الدربوكة».
1 - آلة الزكرة:
هي آلة نفخية تصنّف ضمن الآلات الهوائية اللّحنية ذات الصّوت القويّ، تصنع من الخشب يبلغ طولها بين 34 و36 صم بها ثمان ثقوب تستعمل للعزف سبعة منها أمامية والأخر خلفية وبأسفلها ثقوب صغيرة تستعمل للتسوية. وتتكون آلة الزكرة من ثمانية أجزاء.
2 - آلة الطبل:
هو آلة اسطوانية الشّكل مغطاة في جانبيها بجلد الماعزحيث تخصص للجهة اليمنى من الطبل رقعة من جلد الذكر وتكون خشنة أمّا الجهة اليسرى فنجد رقعة رقيقة من جلد الأنثى، حيث يكون الصوت الصادر من جلد الأنثى أرق وأخف من الصوت الذي يصدره جلد الذكر، وهذه خاصّية يتميز بها «الطبل القرقني» عن سائر الطبول الأخرى التّي يغلّف جانباها بجلد أنثى الماعز فقط(5). يكون العزف على آلة الطبل بطرقتين: إمّا باستعمال اليدين على الجهة الأنثى من الطبل، أو باستعمال عصاتين مختلفتي الحجم تسمى الكبرى منهما بـ«الدَبُّوسْ» وتستعمل في طرق الجهة الذكر فيكون الصوت الصادر قويا، وتسمى الصغرى «مِطْرَاقْ» ويطرق بها الجهة الأنثى ويكون الصوت الصادر أرق من صوت الذكر.
3 - آلة الدربوكة:
هي آلة إيقاعية مصنوعة من الفخّار ذات شكل مخروطيّ يتراوح طولها بين 35 و45 صم. تكون مفتوحة من الجهتين، ويكون جسمها من جهة الفتحة الكبرى مقبّبا. تشدّ على هذه الفتحة رقعة من جلد «السمك» أو «الماعز»بواسطة حبل ويبلغ قطرها من 15 إلى 25 صم. أمّا الفتحة الأخرى تكون فارغة ويبلغ قطرها حوالي 10 صم. عند العزف، تشدّ الآلة بطريقة أفقيّة بحيث تكون الرّقعة متّجهة إلى الأمام إمّا فوق الفخذ تحت الكتف الأيسر بواسطة حبل غليظ أو بقطعة من القماش الملتوي.

فرقة طبال قرقنة والعرس التقليدي
تكون فرقة طبّال قرقنة حاضرة في جميع أيّام العرس التقليدي إذ أنّها تؤثث مراسم الاحتفال بمختلف المراحل وتعتمد برامج موسيقية خاصة ومميزة لكل مرحلة. سنقتصر في هذا العنصر على وصف المراحل التي تقوم بإحيائها فرقة طبّال قرقنة فقط أي أنّنا سنغض النّظر على بعض المراحل التي يحتضها العرس مثل «الحناء» و«الهروب».
1 - الحَطَّابَةُ:
قبل يوم من هذه المرحلة يقوم أهل العريس بتزيين الجمال التي سينقل على ظهورها الحطب بالمحارم والأعلام.
وفي اليوم الموالي، وتحديدا في الصباح الباكر يجتمع الرجال المتطوعون لجمع الحطب أمام منزل العريس بصحبة عنصرين من عناصر الفرقة وهما «الطَّبَالْ» و«الزَّكَارْ» ويهيئون الجمال وينطلق الموكب في أجواء احتفالية نحو الجزيرة الغربية ونعني منطقة «أَوْلَادْ عُزْ الدِينْ» ومنطقة «مُلِيتَةْ» وذلك لقص وجمع الحطب الذي سيخصص للطهي خلال أيام العرس.
تتطلب هذه المرحلة جهدا كبيرا بالنسبة للعازفين الذين يحسون بالتعب الشديد إثر الانتهاء منها باعتبار أن العزف والغناء يتواصل ولا ينقطع في الذهاب والإياب وطيلة فترة قص وجمع الحطب مع العلم أن المسافة التي يقطعونها على الأقدام تعد حوالي عشرات الكيلومترات. ومما يزيد في صعوبة هذه المرحلة هو التنقل من جزيرة «الشَّرْقِي» إلى جزيرة «الغَرْبِي» الذي يستدعي عبور البحر باعتبار أن القنطرة التي تربط بينهما لم تكن موجودة في الماضي. ففي حالة مد البحر يعبرون والماء يتجاوز مستوى الركبة وأحيانا مستوى الخصر وفي حالة جزر يسهل عليهم العبور علما وأنّ الطبال يكون حاملا للطّبل على كتيفيه والطبل الذي يستعمل قديما كان أكبر وأثقل من الطبل المستعمل الآن(6).
وفي طريق الرجوع، عند بلوغ الموكب الذي يترأسه الجمال محملين بالحطب حدود القرية تخرج مجموعة من النساء لإستقبالهم ويقومون بجولة في أرجاء القرية .
اندثرت هذه العادة منذ زمن طويل نظرا لتوفر وسائل الطهي كذلك نظرا للتطور الذي طرأ على المجتمع(7).
2 - الْوُرُودْ:
بعد العصر يجتمع مجموعة من الرجال من أهل العريس والأقارب والاصحاب وعازفين من الفرقة «طبال» و«زكار» في وسط القرية ويقومون بجولة صغيرة في أرجائها وهم يعزفون قالبا آليا يسمى «الوُرُودْ». ويكون «الطبال» و«الزكار» في مقدمة الموكب ومن خلفهم كل الحضور وذلك للإعلان عن بداية المراسم الاحتفالية للعرس.
فلكلمة «الورود» معنيان الأول يدل على إسم القالب الموسيقي الذي يؤثث هذه المرحلة والثاني يترجم وظيفته المتمثلة في الإعلان والإعلام لانطلاق مراسم العرس.
3 - الْعرْسْ أَوْ الطّْبَلْ:
يقام هذا الاحتفال ليلا في منزل العريس، وتحديدا في «وُسْطِ الدَّارْ» المكان المخصص للعرض الفرجوي التي تؤثثه فرقة «طبال قرقنة» ولجلوس الحضور.
توضع مائدة في أحد زوايا «وسط الدار» تخصص للصْرَارْفِي(8) لا يجلس الحضور أمامها حتى يكون التنقل بين الوَرَّاشْ والصْرَارْفِي سهلا.
ليلة الطبل تتميز ببرنامج موسيقي خاص ومنتظم يبدأ بتنفيد بعض القوالب الآلية الوظيفية من قبل أعضاء الفرقة. فيقوم «الَّطبَالْ» بتنفيذ «الفْزُوعْ الأَوِّلْ»(9) أمام المنزل في حدود الساعة الحادية عشر ليلا بالطبل فقط باعتبار أن صوت الطبل قوي ويصل إلى كامل أرجاء القرية وذلك للإعلان عن الإستعداد لبداية السهرة، في هذه الأثناء يكون بقية أعضاء الفرقة يرتدون الزي الرسمي للفرقة.
عند انتهاء عناصر الفرقة «طَبَّالْ قَرْقْنَةْ» من ارتداء الزّي يخرجون أمام المنزل وينفذون «الفْزُوعْ الثَّانِي»(10) وذلك للإعلان عن بداية السهرة، إثر الانتهاء من ذلك يأخذون راحة صغيرة ثم ينفذون «الإِنْتِظَارْ»(11) يليه «الدْخُولْ»(12) وعند تنفيذه تدخل الفرقة «وسط الدار» وتقوم بتحية الحضور. بعد ذلك تقف الفرقة أمام المائدة المخصصة «للصرارفي» وتقوم بعزف موسيقى آلية تسمى «تُرْقُةْ الصْرَارْفِي»(13).
بعد انتهاء عناصر الفرقة من تنفيذ هذه القوالب تبدأ السهرة بـ«الوْرَاشَةْ» وهي تتمثل في تقديم أحد الحضور مبلغا ماليا مقابل طلب أغنية يؤديها أعضاء الفرقة ومهما تكن الأغنية لا بد من تنفيذها ولا يقتصر الطلب على الأغاني القرقنية والشعبية بل يمكن أن يشمل أغاني أم كلثوم، وردة، طاهر غرسة وبعض الأغاني الأروبية مثل twiste a gain للمغني الأمريكي Elvis-Presley.
تتم عملية «الوراشة» بشكل منتظم ومتناسق باعتبار أن «الوراش» يلعب دورا هاما في هذه العملية. جرت العادة أن يبدأ أب العريس بافتتاح عملية «الوراشة» فيقدم مبلغا ماليا «للوراش» الذي يلقي أبياتا من الشعر الشعبي يمجد فيه صاحب العرس وأهله
الله يتَممْ فَرْحكْ يَا مُولاَ المُولْ
بْجَاهْ آيات الله والْلُوح المَكْتُوبْ
اتَممْ فَرْحكْ بالْهْنَا يَا مُولاَ الدَارْ
إدٌومكْ فُوقْ العيلَةُ كْبَارْ مْعَ صْغَارْ
جَانَا بيتْ الهَاشْمي الهَادي المُخْتَارْ
مُحَمَدْ بُو فاَطْمَةُ طَهَ الوَدُودُ
اسْمَعْ أَهُو منْ عَنْدْ بُو الْعْرُوسْ إنْشَاءَ الله حَجَ عَنْدُو وَ رَبي إكْملْ عْلهْ بالْهَنَاءْ
بعد انتهاء «الوَرَّاشْ» من إلقاء هذه الأبيات تقوم الفرقة بتنفيذ «شْغُلْ»(14).
ومن هنا تتواصل عملية «الوْرَاشَةْ» فيستلم «الوَرَاشْ» من أحد الحضور المال ويستمع إلى طلبه ويردد له بعض الأبيات الشعرية تمجيدا له
أهٌو منْ عَنْدْ سيدْ السيدْ
أَهْلاَلْ العيدْ
إطَولْ في عُمْرُو وُيْزيدْ
أَهُو منْ عَنْدْ سِيدْ سَيَادَ
تَحْت حٌوشَهْ تَضْرَبْ الْعَوَادَ
وُسِتِّينْ فَارِسْ مِنْ أَوْلاَدْ بَلَادَ
أَهُو مِنْ عَنْدْ فُلاَنْ وٌلْدْ فٌولاَنْ مَا وَرِشْ كَانْ عَالْحَفَلاَتْ وَالزَغْرَاطاَتْ أُو مَا نَرَوْ عَنْدٌو إِنْشَا الله
ثم يطلب من الفرقة الإتجاه نحوه وتنفيذ طلبه ويقوم بتسليم المبلغ «للصْرَارْفِي» ثم يعود ليواصل الغناء مع بقية الفرقة. تتم عملية الوراشة على هذا السياق حتى تنفذ الفرقة جميع الطلبات ويكون المبلغ المجموع من نصيب الفرقة بإعتبار أن أجرها الذي تتقاضاه من أهل العرس زهيد، فيقوم الحاضرون والمدعوّون بالتوريش تعبيرا عن مساندتهم لأهل العريس وبث الحماس في الفرقة لبعث أجواء إحتفالية متنوعة حسب طلب ورغبة الحضور.
وتستمر الفرقة في العزف لتلبي مطالب الحضور أغاني يفضلونها يتخلل ذلك تنفيذ بعض «الشْغُلَاتْ»(15) التي تمثل فاصلا موسيقيا بين «المَرْشَاتْ» مما يضفي أجواء احتفالية متميزة يساهم فيها جميع الحضور باعتبار أن «الشْغُلْ» يمثل فرجة لما يحتويه من لحن وإيقاع ورقص يتفاعل معه كل الحضور ويساهم في تغير الجو العام للسهرة.
بعد الانتهاء من عملية «الوُرَاشَةْ» بتلبية كل الطلبات تنتقل الفرقة إلى مرحلة أخرى وهي «التْشَانِيَةْ» التي تتمثل في مبارزة شعرية بين أعضاء الفرقة. واشتهر في تنفيذ هدا النمط «حَمْدَ خْلِيفْ» و«عَلِي وَارْدَةْ» وتعتبر «التْشَانِيةْ» نمطا غنائيا ارتجاليّا يبدأ بغناء البيت التالي:
عِينِي تِرْتَعْ فِي اْلنَوَارْ مَحْفِلْ وِبْنَاوِيتْ إِصْغَارْ
من هناك تبدأ «التْشَانِيَةْ» بين أعضاء الفرقة وهي أن ينظم أحدهم بيتا شعريّا في إحدى فتيات المحفل بنعتها بنسبها أو بوصف ملابسها أو ملامحها أو موقعها من المحفل. ونذكر على سبيل المثال نموذجا «للتْشَانِيَةْ» بين «عَلِي وَارْدَةْ»(16) و«حَمْدَ خْلِيفْ»(17) حيث يقول علي:
إِنْتِ يَا بْنَيًا يَاِلي إِمْنَفْخَا عْلِيَا
وَوَاقْفَا عَلَى الْبِيتْ الْقٌبْلِيَا
إِمْنَفْخَا بِحْرَامْ الْبَزَارْ(18)
فيرد حمدة قائلا:
إِنْتِ يَا بْنَيَا يَالِي لاَبْسَهْ رُوبَهْ حَمْرَاءْ
خَلْيتْلِي قَلْبِي يِشْعِلْ كَالْجَمْرَةْ
وِجْهِكْ ضَاوِي كَالْقَمْرَةْ
خَلِيتْلِي بَالِي مٌحْتَارْ (19)
عِينِي تِرْتَعْ في اْلنَوَارْ
ليعود علي للغناء ويرّد قائلا:
مَتِتْنَفْخُوشْ يَا لِبْنَاتْ مَتِتْنَفْخُوشْ
وِشْبِيكُمْ مَتْزَغُرْطُوشْ
تِكْبِرُو تُصُغْرُو إِنْتُمْ الْكَرْمُوسْ
وِالْرْجَالْ هُمَا الْذٌكَارْ(20)
عِينِي تِرْتَعْ في اْلنَوَارْ
يكون موضوع «التْشَانِيَةْ» عدى التغزل بالفتيات السخرية من بعضهم البعض لإضفاء نوع من المرح من خلال استنباط مشهد كوميدي فيكون موضوع الغناء كالآتي:
يقول حمدة:
إِنْتِ يَاطَمَاعْ يَاِلي مَعَنْدِكِشْ أَمَانْ
يرد علي قائلا:
وِإِنْتِ يَا قِلِيلْ
يَالِي مَعَنْدَكْشِي حِيلْ
بَرَا جِيبِكْ بْحَرْ الْنِيلْ
وَرْمِي رُوحَكْ فِي الْكَنَارْ (21)
عِينِي تِرْتَعْ فِي الْنَوَارْ
يرد حمدة قائلا:
نَوَارْ مُخْتَارْ وِإِصْغِي يَازِينْ الْنَوَارْ
عْلٍي وَارْدَةُ أُمُ عَاَرةُ جَابِتْ عْلِي زَكَارْ
عِينِي تِرْتَعْ فِي الْنَوَارْ(22)
يرد علي قائلا:
نَوَارْ تْنَفِسْ
وِإِنْقٌولْ كُلْ كِلمَةْ بَسْ
حَمْدَ خْلِيفْ رِيحْةَ بَسْ
نَتِنْ أَعْلِينَا هَالدَارْ
عِينِي تِرْتَعْ فِي الْنَوَارْ
وأخيرا يعتذرون من الحضور من خلال الغناء فيقولون:
نَوَّارْ هَيْهَاتْ
سَامْحٌونِي يَا لِبْنَاتْ
إِدْخَلْنَا الْسُوقْ الْفَدِلْكَاتْ
الله يْبَاِركْ فِي الْبْنَاتْ (23)
عِينِي تِرْتَعْ فِي الْنَّوَارْ
وفي رواية أخري يقول:
نَوَارْ هَيْهَاتْ سَامِحٌونِي يَا لِبْنَاتْ
إِبَيْكُمْ عَلِي رَاهُ مَاتْ
عِينِي تِرْتَعْ فِي الْنَّوَارْ(24)
وتعتبر «التْشَانِيَةْ» من أهم الفقرات التي ينتظرها الجميع بكل شغف وذلك يعود للموضوع الذي تدور حوله «التْشَانِيَةْ». ففي إطار «ليلة الطبل» أو «العرس» تتنوع المواضيع فتشمل الفخر، الهجاء، الرباط، الوعظ والإرشاد، الأخضر، المكفر(25).
بعد الانتهاء من «التْشَانِيَةْ» يستعد عناصر الفرقة «للفُرْجَةْ» وتتمثل في مشهد كوميدي تتخلله بعض الأغاني، تجسد شخصياته من قبل عناصر الفرقة فيتقمصون شخصيات كوميدية بغاية إدخال البهجة على الحضور. وقد يتعمّدان في ذلك تقمص أدوار نسائية إذ يرتديان ملابس نسائية وأخرى رجالية لتمثيل قصة معينة. وتختلف مواضيع المشهد من سهرة لأخرى وفي بعض الأحيان يرتبط موضوع المشهد ببعض الوقائع السياسية والإجتماعية لتلك الفترة. ففي سهرة لأحد الأعراس قامت الفرقة بتجسيد شخصيّة الشّيخ المحمود وهو مواطن من أهل القرية عرف بقوة شخصيته وكبريائه وكان شديد الغضب مع زوجته التي تدعى نجيمة وأختيه اللتين تعيشان معه. واستعدّت عناصرها للمشهد وجسدوا شخصية الزوجة التي تخاف من زوجها والأختين والشيخ محمود وبدأ المشهد مع الأغنية:
أَهْ يَا نْخِيلَةْ الْشِيخْ مَحْمُودْ
طَيَّحْ كَبٌوسُ عَلَى رَأْسِ نْجِيمَةْ
آهْ يَانْخِيلَةْ
دَاخِلْ بَعْصَاةُ خَارِجْ بَعْصَاةُ
يِضْرَبْ فِي خْوَاتٌو شَامِتْ هَالْلِيلَةْ
آهْ يَانْخِيلَةْ
دَاخِلْ مِتْخَشِشْ خَارِجْ مِتْخَشِشْ
كَسَرْ الْمَحْبِسْ عْلَى رَأْسِ النْجِيمَةْ
تمثل «الفُرْجَةْ» مرحلة هامة من العرس فعند بدايتها يسود الصمت في كل أرجاء الدار حيث يكون الحضور في انتباه وإصغاء للمشهد المقدم، ومع بداية فهم المشهد يعلو الضحك والصراخ من قبل الحضور والزغاريد من قبل النسوة. فلهذه المرحلة وقع خاص في «لِيلُةْ الطْبَلْ» إذ أن الحضور يحصون على متابعة السهرة من بدايتها إلى نهايتها وكأن الفرقة تعتمد ذلك التنظيم التدريجي في الإبداع في هذه السهرة فتبدأ بتنفيذ القوالب الموسيقية الآلية ثم الأغاني التي تطلب من قبل الحضور ثم «التْشَانِيَةْ» التي ترتكز على الشعر الشعبي ويكون الختام بـ«الفُرْجَةْ» وهي تشمل التمثيل والموسيقى وأحيانا الرقص وتختم بها السهرة ويتزامن ذلك مع طلوع الفجر.
اندثرت كل من «التشانية» و«الفرجة» في العرس المتداول اليوم ولعل العامل الزمنى والذاكرة الفرديّة منها والجماعيّة باعتبارها هي الوسيلة التي تتناقل الموروث الموسيقي الشفوي من جيل إلى آخر ساهمت في تغيّير ملامح الاحتفال «بالعرس» أو «بالطبل» حسب احتياجات الإنسان في ظلّ تطور بئيته.
4 - الحْجَامَةْ:
تبدأ هذه المرحلة بعد العصر في منزل العريس بحضور الحلاق الذي سيحلق للعريس شعره وذقنه. فيجتمع أهل العريس وأصدقاؤه ويقوم عنصران من فرقة «طَبَالْ قَرْقْنَةْ» (الزَكَّارْ والطَبَّالْ) بدور التنشيط من خلال العزف والغناء لبعض النماذج الغنائية المميّزة للمنطقة. وبعد «الحْجَامَةْ» يستعدّ مختص(26) لعقدان «الجِّحْفَةْ» التي تصنع من الخشب والجريد وتعقد بخيوط الحلفاء ثم تغطى بـ«الطَّرْفِ القَرْقْنِي» وهو غرض مميز بجهاز العروس في منطقة البحث.
5 - الجِّحْفَةْ:
«الجِّحفَةْ» هي عبارة عن هيكل يصنع من الخشب والجريد ويوضع على سنام الجمل تحمل فيه العروس إلى بيت زوجها. ينطلق موكب «الجِّحْفَةْ» من منزل العريس، يكون الجمل في مقدمة هذا الموكب حاملا «للجِّحْفَةْ» التي يسندها أربعة رجال في أركانها الأربعة من وارئهم «الطَبَّالْ» و«الزَّكَارْ» يليهم الرجال. عند وصول «الجِّحْفَةْ» يحمل والد العروس ابنته على الأحضان إلى الهودج، وتكون العروس مغطاة بـ«السِفْسَارِي» حتى لا يتمكن أي أحد من الرجال من رؤيتها.
ومن ثمَّ ينطلق الموكب في أجواء احتفالية على أنغام قالب «الجَّحَافِي»(27) للقيام بجولة في القرية ثم الذهاب إلى منزل العريس، فتدخل العروس إلى منزلها وتبقى في غرفتها. يحتفظ أهل العريس «بالجِّحْفَةْ» التي سيضعونها فوق سطح منزل العريس في الغد لتبقى فوقه إلى أن تبكر العروس بمولود. فوجود «الجِّحْفَةْ» يدل على عدم الإنجاب و قد تبقى سنوات في مكانها إذا لم يرزق العروسان بمولود(28)، وحين تنجب العروس مولودا يتم تنزيل «الجِّحْفَةْ» ويستعمل حطبها لتهيئة «الحْوَارْ» بمناسبة المولود الجديد.
6 - الصَّفْ:
وهي آخر مرحلة من «العرس» حيث يجتمع أهل العريس وأصدقاؤه أمام منزل أحد أقارب العريس، وقد جرت العادة في منطقة «أَوْلَادْ قَاسِمْ» أن ينطلق «الصَّفْ» من منزل عم أو خال العريس أو أحد أقاربه وتختلف نقطة انطلاق «الصَّفْ» في قرى جزيرة قرقنة. ففي منطقة «العْطَايَا» ينطلق «الصَّفْ» من دكان «الحَلاَّقْ» أما في «الخْرَايِبْ» فقد جرت العادة أن ينطلق من الجامع ويكون ذلك بعد تأدية العريس صلاة العشاء.
يرتدي العريس في هذه المناسبة زيّا تقليديا (الجِبَّةْ العَرْبِي(29) وَالسِرْوَالْ العَرْبِي(30) والكَبُّوسْ(31)) ويقف إلى يمينه «الوزير الأول» وإلى يساره «الوزير الثاني» ويتوسطهم العريس وهو المسمّى بـ«السّلطان»(32 ).
يتجمع كل الحاضرين أمام المنزل الذي سينطلق منه «الصَّفْ» ويخرج العريس ووزيراه ويتولى إثنان من الحاضرين مسؤوليّة حمل البْرِيمِيسْ(33) في صدارة الموكب على ميمنة العرسان وعلى ميسرتهم حتى تكون الرؤية واضحة بالنسبة للعريس.
ينطلق «الصَّفْ» على أنغام «طبال قرقنة» الذي يتبع برنامجا معينا فيبدأ بنوبة «السْنَاجِقْ»(34) التي يحملها الرجال ويرقصون بها وتكون الرقصة متوافقة مع الوزن الموسيقي ثم يبدؤون بآداء الأغاني الدينية(35). تميزت أغاني «الصَّفْ» بالإتفاق في ذكر الله ومدح الرسوله صلى الله عليه وسلم مما يضفي على هذه المرحلة من العرس بعدا دينيا حتى يكون الزواج مباركا.
إثر الانتهاء من هذه المرحلة يدخل العريس منزله مصحوبا بكل الحضور، وهناك يقدم الأقارب والأصدقاء بعض الأموال لتهنئته ويكون هذا المبلغ من نصيب العريس أو والده اللّذين يتعهّدان معنويّا بإرجاع هذه المبالغ لاحقا في أفراح المهنّئين. وعند الانتهاء من هذه المرحلة يغادر الحضور منزل العريس، وقبل المغادرة تأخذ إحدى النساء بيضة وتقوم برميها فوق باب بيت العروس، ولهذه العادة دلالات مختلفة منها أن تصبح رابطة الزواج أبدّية، لأنّ البيض هو رمز للخصوبة، والزّواج لا يتخذ تلك الصيغة إلاّ بالإنجاب والتكاثر(36).
من خلال ما تعرّضنا له في هذه المداخلة، نلاحظ أنّ لفرقة طبّال قرقنة دورا هاما لا يمكن الاستغناء عنه في العرس بجزر قرقنة فلا يقتصر دورها على تنفيذ القوالب الآلية والغنائية واللّوحات الراقصة فحسب بل تتعدى الفرقة الجانب الموسيقي إلى الجانب الفكاهي والتنشيطي من خلال تقديم بعض المسرحيات الغنائية والوقفات الشعرية.
عموما نلاحظ من خلال رصد الحدث الموسيقي لـ«فرقة طبال قرقنة» في إطارها الاجتماعي بأنّه يتعدّى دور التأثيث لطقوس احتفاليّة في مجموعة معيّنة إلى أن أصبح خطابا موجّها يدركه أصحابه فمن خلال سماع اللحن والإيقاع المنفذ من قبل الفرقة يميز سكان المنطقة جيدا ما يجري في مكان المحفل، فتصبح الموسيقى لغة ترسّخ فكرة اعتبارها تعبيرا ثقافيا يسمح بتفاعل الأفراد ضمن المجموعة الواحدة.
في ختام هذه المداخلة يمكن الإقرار أنّ «فرقة طبّال قرقنة» تشكل تراثا موسيقيا محليا غنيا ومتنوعا تختزنه الذاكرة الجماعية لجل عازفي «الطبل» و«الزكرة» وأهالي جزر قرقنة، فإذ نظرنا إلى المجتمع القرقني نلاحظ أنّ كل الأعراس تحييها هذه الفرقة إلى حد هذا اليوم بل حتى أهالي الجزيرة الذين لا يقطنون داخلها في احتفالاتهم بأعراسهم نجد فرقة طبّال قرقنة موجودة أينما يقطنون سواء في ولاية صفاقس أو في مختلف مناطق البلاد التونسية. هذا ما جعل فرقة طبّال قرقنة تزداد شهرتها وأصبحت تحيي الاحتفالات في كل مناطق البلاد التونسية.