اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

فاعلية الأدب الشعبي وحركيته (في إشكالية المناهج وثراء الخصائص مع نماذج مختارة)
يُعدّ الأدب الشعبي الرابط الصحّي والحيوي بين الماضي والحاضر والمستقبل، والحاضن في الوقت نفسه، لأفراح الإنسان وأحزانه، ول...

طقوس الاستمطار إبان الجفاف في الجزائر نماذج من مطلع القرن العشرين
أنجز المُستعرب الفرنسي ألفريد بل (Alfred Bel) سنة 1905، بمناسبة انعقاد المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين في الجزائر العاصمة،...

أغانى القدس حج مسيحى / تقديس
يرجع تاريخ زيارة الأقباط للأماكن المقدسة في القدس منذ اكتشاف الملكة هيلانه للصليب المقدس فى عام 325م وتأسيسها لكنيسة الق...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الفلكلور عند قبائل الإموهاغ ودوره في تنمية التراث
العدد 41 - موسيقى وأداء حركي

د. نسيمة كريـــبع – كاتبة من الجزائر

 

يعدّ جنوب الصحراء الجزائرية بمثابة رافد من روافد الثقافة الشّعبية الهامة فهي مجموع الحياة في صورها وأنماطها المادية والمعنوية في مسيرة التراث الشعبي، فمنذ فجر تاريخ الإنسانية، كان الإبداع الشعبي مجسدا في الثقافة الشفوية،التي تبحث عن التواصل بكل مصداقية للوصول إلى المتلقي والقارئ بجودة مايعرض فيها من مواضيع وقراءات ودراسات تراثية صحراوية متميزة، بل بما فيها من مبدعين استطاعوا النهوض بها في تلك الفترة حيث كان المتلقي في تلك الفترة يتشوق إلى قراءة مايطرح في المهرجانات الشفوية الشعبية الصحراوية، من أجل صناعة ثقافة الحدث والتواصل الفني والجمالي عبر الذاكرة الشّعبية التي تسهم بشكل كبير في عملية حفظ هذا التراث، وطقوسه المتنوعة في مجال الشعر الغنائي والفولكلور الشعبي.
كما أنّ مصداقية استلهام التراث الشعبي الصحراوي لا تتحقق فقط في ارتباطه بالمتغير السياسي والاجتماعي، ولكن أيضاً في ارتباطه بالقيم الكبرى مثل الحبّ والكراهية، الحياة والموت، وعلى ذلك فالمبدع الصحراوي ليس محققاً أو مصنفاً للتراث أو ناقلاً للمادة التراثية فقط، بل هو صورة حية في نقل التاريخ الصحراوي من بيئته الأمّ إلى العالم الخارجي حتى يتسنى لنا معرفة هذا التراث برؤية فتية جمالية في سلم تقدم الإنسان، ومن ثم محاولة تلقيه بشكل يسهم في نموه واستمراريته في مسايرة حركية الثقافة الشعبية للمتلقي من جهة، ومن جهة ثانية محاولة طرح إشكالية تلقي هذا التراث والبحث في أعماقه واهتماماته.
كما أنّ هذا التراث الصحراوي عامة ليس بالإنتاج المدون في المجلدات وكفى، إنما هو ذلك التراث الثقافي والتاريخي والإنساني الموجود والممتد في ذات الإنسان المبدع سلوكا وتفكيرا وممارسة، فالنقد الفعلي الحقيقي يتناول هذا الإرث الشفهي أو المدون للإنسان الصحراوي الفاعل فيه على أساس عضوي، وبرؤية نقدية متقدمة وشاملة وغير براغماتية، والعملية النقدية هذه تسبقها بلا شك عملية جمع التراث، وتدوين الجانب الشفوي منه وتصنيفه، ومثل هذا العمل المتشعب والمعقد عمل جماعي بالضرورة، ولاتوجد أمّة سكنت الصحراء إلاّ ولها فولكلورها الشعبي،وحكاياتها وأساطيرها التي تعبر على نحو ما عن طبيعة الحياة والناس في تلك الحقبة من الزمن.
والدارس لبنيات الحضارات الإنسانية المختلفة،لا يمكنه أن يتنكر للدور الحضاري الخلاق الذي لعبته الصحراء في الحياة الإنسانية من تأثير في سائر الحضارات والأمم، ومن هذا المنطلق شكل التراث الصحراوي، مرجعا حقيقيا للدراسة الاجتماعية والتاريخية والدينية والثقافية والإنسانية، حيث شكلت العديد من الموروثات الشعبية الصحراوية من حكم وأمثال شعبية وأغاني ورقصات وطقوس فولكلورية مادة خصبة للباحثين والدارسين، تعكس إبداع الإنسان الصحراوي بشكل خاص، وقبائل الإموهاغ في جنوب الصحراء الجزائرية بوجه خاص، وهي تعاني حاليًا من قلة التوثيق لما يكتب من شعر وأغان طقوسية تعكس زخم التراث الإبداعي عند هذه القبائل الصحراوية.

الأغنية الشّعبية
ودورها في صناعة ثقافة الفرجة
لقد تنوعت الأغاني الشعبية منذ فجر تاريخ الإنسانية وكانت مرتبطة بمواسم وأعياد دينية أو زراعية أو اجتماعية ثقافية،فكان الفرد الشعبي حينها مشاركًا أو متلقيًا لهذا التراث التاريخي،والجزائر على غرار باقي شعوب الإنسانية سادها تنوع بشري هام ساهم في التنوع الثقافي لها من الشرق الجزائري إلى الغرب الجزائري إلى الوسط ،وجنوب الصحراء الكبرى،فظهرت عديد الطبوع والأهازيج الغنائية الشعبية التي قدمت خصوصية ثقافية لكل منطقة فظهرت أغاني الرحابة(أرداس)(1) عند قبائل الأمازيغ وأغاني (السراوي) و(العيطة) و(المالوف) بمدارسه المتنوعة في الشرق الجزائري،وأغاني العروبي نحوَ:(القرقابو)، (القناوة) و(العيساوة) في الغرب الجزائري،وأغاني (الزرنة) و(التندي) و(الإمزاد) و(التسوان) في الصحراء الجزائرية، وغيرها من الطبوع الغنائية الشعبية التي ساهمت في التنوع الثقافي الجزائري، وكل ذلك كان مرتبطًا بالآلات الموسيقية التي ساهمت بطريقة فعّالة في ظهور الغناء الشعبي وانطلاقته نحو المجتمعات الشعبية.
1 - صلة فــنّ الموسيقى بالغناء الشّعبي:
الغناء الشّعبي -كشكل من أشكال الأدب- والموسيقى كلاهما فن جميل، يلتقيان في العناصر التي يتألفان منها، «فالموسيقى فن صوتي يتجه إلى العواطف مباشرة يثير فيها حزنا أو سروراً، والأدب كذلك فن صوتي فيه أوزانه النظمية التي تتحد في مقاييسها الأولى مع المقاييس الموسيقية يتجه أيضا إلى العواطف يصورها ويهيجها»(2)، ذلك أنّ الغناء الشّعبي يصور انفعال الأديب بالكلمات كيفما كان ترتيبها أو نظمها – شعرا، أو نثرا- والموسيقي يلجأ إلى الألحان والأوزان والكلمات أحيانا، فالإنسان «تغنى أول الأمر بأصوات مبهمة لا تفصح عن معان... وبعد ذلك حلت الكلمات محل هذه الأصوات، فاختلط بذلك الفنان معا فن الغناء وفن الأدب، وقد بقيا هكذا إلى الآن»(3)، ومن هنا يمكن القول إنه قد نشأت علاقة تبادل بين الأدب الشّعبي والموسيقى، ذلك حين «يضع الأديب قطعة للغناء الموسيقي، فيأخذها الملحن، ويختار لها الألحان الملائمة، ويسجلها بالنوتة ثم تغنى... ويعمد الموسيقار إلى ألحان هذه القطعة فيوقعها على العود أو القيثارة أو البيانو»(4)، وهكذا دواليك في كلّ طابع غنائي موسيقي.
فإذا وُضعت قطعة أدبية «أغنية شعبية» مثلاً محلّ دراسة فحتمًا ستكون كلماتها قد توزّعت بين الرموز، والعلامات الموسيقية لبيان ألحانها التوقيعية، وبهذا يتم ذوبان القصيدة في الموسيقى أو بعبارة أخرى ذوبان الأدب في الموسيقى،ومن أنواع التداخل بين الموسيقى والشعر كما يرى «عبد العزيز عتيق» أنّ «كلا منهما يتنوع أنواعا متماثلة»(5) فالأصوات تختلف من خلال أربع نواحي هي: الطول والقصر والغلظة والرقة، والانخفاض والارتفاع، ومصدر الصوت وهي ذات النواحي التي يتنوع من خلالها الأدب ففي الشعر الفصيح مثلاً تختلف «التفاعيل طولا، وقصرا، فالمجتث، أو المقتضب أو الرجز مثلا أقصر تفاعيل من الطويل»(6)، والشيء نفسه في الشعر الشعبي حيث تختلف أوزانه، وبحوره باختلاف القصيدة وكما أنّ الصوت الموسيقي يختلف ما بين الغلظة والرقة، فإنّ في الشعر ما يتناسب مع الغلظة، والرقة والشدة، واللين، فمن الشعر ما يناسبه حروف، وكلمات لينة رخوة، وكذلك منه ما تناسبه الرقة كشعر الغزل، وما تناسبه قوة الأسر وعلو الصوت شعر الحماسة(7)، والحال مثله في الغناء الشعبي الذي يتلون ويتعدد من طابع لآخر ومن مغني شعبي لمثله، وغيرها من فنون التراث الغنائي الذي تختلف فيه أصوات الحروف والكلمات بحسب الموضوع المعالج فيها، حيث «إنّ الصوت الغنائي البدوي، الرعوي... يفتح فضاء على ذاكرة عميقة، ويعمق رغبة الانفصال عن الكيان الداخلي للذوبان في الآخرين، والمرء يهرع إلى فضاء الاحتفال... ليذوب في الجماعة ويقتسم معها حصته من الألم والأمل»(8)، وهكذا فالأغنية الشعبية تؤدي دورًا هامًا في التنفيس وتحرير المكبوت والمضمر من الذكريات والآهات التي تؤرق النفس البشرية.
ومن مواطن التداخل بين الأدب الشّعبي، والموسيقى، نجد الأوزان، أو الموسيقى ذاتها الموجودة في قصائد الشعر مثلا، والتي تشكل نغمة محلية تميّز القصيدة من بدايتها إلى نهايتها«فموسيقى الشعر أو الأوزان التي يصنع عليها هي الوسيلة التي تمكن الكلمات من أن يؤثر بعضها في البعض الآخر على أكبر نطاق ممكن»(9) وعلى هذا يوصف الوزن على أنه مرح، أو مرقص أو مهيب، أو تأملي وهذا دليل على قدرة الوزن، أو موسيقى الشعر على التحكم في الانفعال لدى المغني الشعبي، وهذا تماما ما يفعله فنّ الموسيقى في النفس عند سماع قطعة موسيقية خالصة كانت أم مصاحبة للكلمات، وتظل الموسيقى العنصر الذي يميز الشعر عن النثر بدليل أن المعنى إذا قيل شعرا، ثم نثرا كان في الشعر أقوى،أمّا عن مصدر الصوت في الأغنية الشعبية،فنجده يختلف في «النغمة الواحدة صوتًا، وتأثيرًا باختلاف الآلات التي توقع عليها»(10)، ليحدث في النهاية تآلف موسيقي بين الصوت والآلة المستخدمة في الغناء،ومن المعروف أنّ الصوت الموسيقي في الأغاني الشعبية يلزمه الحركة التي تتعلق بدرجة السرعة في النقلة الموسيقية بين النغمات المستخدمة في كل طابع غنائي شعبي «فالحركات الموسيقية قد تكون سريعة أو بطيئة، وقد تتراوح بين السرعة والبطء، ولكنها في كل الحالات تتميز بالانتظام والتواصل»(11) تمامًا مثل القطعة الأدبية التي تتضمن وقفات متباينة السرعة والطول، يفصل بينها علامات الترقيم.
والغناء الشّعبي في جنوب الجزائر يعدّ إرثًا إنسانيًا يجب الاعتناء به،وإظهاره للعالم كطقس له قيمة تاريخية لما يحمله من حمولات معرفية وثقافية متوارثة عبر التاريخ البشري للمنطقة، وقد تأثر الشعر الشعبي على مرّ عقود بمختلف الآلات الموسيقية التي أظهرته وطورته وخصصت له حيّزًا صوتيًا خاصة عن المجتمعات البدوية، فقد «ظهرت محاولات شعرية كان هدف أصحابها أن يقربوا الشعر من الموسيقى... فيؤدي الغرض منه بموسيقى الألفاظ، والجو الشعري البحت»(12)، وهذا فعلاً ماحدث فالآلات الموسيقية المتوارثة قديمًا رغم قلتها وبسطاتها إلاّ أنّها صاحبت البدو والقبائل الصحراوية زمنًا طويلاً فكانت لسان حالهم في التغني والابتهاج وقت السمر والغبطة،وكانت الربابة والناي والطبل من ألصق آلات الموسيقى بالغناء الشّعبي عبر تاريخه الطويل، والبدوي في مختلف مناطق الجزائر لايمكنه السفر دون آلة موسيقية تخفف عنه وطأة السفر وضجره، وهذا الأمر وثّق الصلة القوية بين الآلة والبدوي الذي ـأخذ يحتفي بوجودها وسندها له في ترحاله، وقد أعطاها حقها من العناية والاهتمام مثلها مثل الحبيبة، والسيف والفرس وهذا كله من أجل «تحقيق حاجاته الاجتماعية والثقافية والفنية»(13)، وهو ما خلق نوعا من الألفة بين الحسّ الشعوري، والحسّ النغمي الموسيقي مع الآلة المستخدمة في الغناء الشعبي.
2 - تنوع الأغاني الشّعبية في الجزائر:
لقد تنوعت الأغاني الشعبية في المجتمع البدوي الجزائري عبر مختلف المناطق الجزائرية، فكان التنوع عاملاً حاسمًا في تنوع الآلات الموسيقية من جهة،وتعدد الطبوع والأهازيج الغنائية عند كل مجتمع شعبي، والصحراء الجزائرية كانت تمثل نموذجا لتقاطع الثقافات وتنوع الحضارات التي مرّت بها وخَبَرَتها، فالقبائل الصحراوية الجزائرية ضربت لنا العديد من النماذج الغنائية الشعبية،والتي حفظت التراث الشفوي الشعبي من الزوال بفضل نخبة من الفنانين الذين تغنوا بالعديد من الطقوس الشعبية من طقوس اجتماعية كالزواج، والختان إلى طقوس دينية كالاحتفال بالمواسم والأعياد إلى احتفالات فلكلورية جماعية، وكانت الأغاني الشعبية حينها تختلف من مغن إلى آخر، ومن آلة إلى أخرى.
وإذا عدنا إلى الموسيقى الجزائرية وحضورها في الثقافة الشّعبية الجزائرية فإنّنا نجد تنوع الغناء والطرب الجزائري بشتى أنواعه، وقد أشار إلى ذلك «أحمد سفطي» في مؤلفه الذي خصه بدراسة الموسيقى في الجزائر،حيث تحدث عن أنواع الأغاني الجزائرية، والتي قسمها إلى ستة أقسام بحسب التوزع الجغرافي لها، وهي كالتالي: (14)
أ. الموسيقى الأندلسية الكلاسيكية:
وهي الموروثة من الموشحات التي جاءت من الأندلس بعد خروج العرب منها، والتي توجد بالخصوص في المدن المتحضرة لاسيَّما تلك التي توجد على شواطئ البحر المتوسط التي نزل بها المهاجرون بعد سقوط غرناطة عام 1492م، وهي ذاتها الموسيقي التي تولد منها تفرعات المدارس الموسيقية الأندلسية من مالوف قسنطيني إلى غرناطي تلمساني.
ب. الموسيقى البدوية:
وتنحصر في منطقة الهضاب العليا وهي على أنواع عديدة.
ج. الموسيقى الصحراوية :
وتنحصر في منطقة الجنوب الجزائري.
د. الموسيقى الجبلية:
وهــي عـلـى أنـواع متـعـددة منـهـا الأوراسـيـة، القبائلية والأطلسية.
ر. الموسيقى العصرية الخليطة:
وهي المشتقة من عدة فروع متنوعة فتمتزج أحيانا بالموسيقى الغربية، وأحيانا تمتزج بالأغاني التراثية القديمة.
س. الموسيقية الشّعبية:
منها تلك التي انشقت من الأندلس، وتلك التي نشأت من الطبع البدوي، والتي سوف يتم التركيز عليها من خلال عرض وإحصاء الأغاني الشعبية في جنوب الصحراء الجزائرية وإبراز مناطق تواجدها، ودورها في صناعة التنمية المحلية وخلق السياحة الثقافية والاقتصادية للمناطق المتواجدة فيها، والملاحظ هو تنوع الأنواع الموسيقية الشعبية في الصحراء الجزائرية وهذا مايمكن أن يخلق فضاء سياحيا هائلا لو كانت الإرادة السياسية قادرة على التعاطي مع هذا الموضوع بكل شفافية دون مغالاة خصوصا مع تنوع الآلات الموسيقية المستعملة فيها كآلة الإمزاد عند قبائل التوارق، والتي صنفت مؤخرًا من طرف منظمة الثقافة والعلوم اليونسكو كجزء من التراث الإنساني العالمي يجب إبرازه، والحفاظ عليه، وهذا الأمر قد يساهم في التنمية السياحية دون قيد أو شرط في مناطق تواجد قبائل التوارق بشكل عام وجنوب الصحراء الجزائرية بشكل خاص، كما نشير أنّ لكلّ صنف من الأغاني الشعبية آلاته الخاصة، وقد قمنا بإحصاء بعض طبوع الأغاني الشعبية في الصحراء الجزائرية من شرقها إلى غربها وهي موثقة في الجدول الآتي:
وقد ورثت الجزائر الموسيقي الشعبية منذ زمن بعيد يعود «إلى فترة الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس، وهذا ما يفسر امتزاج مقومات شرقية بأخرى محلية مغربية داخل موسيقى متميزة ظلت تتبلور وتزدهر حتى بلغت تألقها»(15)وهذا بفضل ما نقله العرب إلى بلاد الأندلس من آلات موسيقية فاستعملوا من«الآلات الوترية، العود القديم ذو الأوتار الأربعة والعود الكامل ذو الأوتار الخمسة... ومن آلات النفخ المزمار والناي... ومن آلات النقر، الدفوف، والغربال والبندير»(16)، والتي بدورها انتقلت إلى الجزائر عن طريق المورسكيين الذي فرّوا من محاكم التفتيش بالأندلس إلى بلاد المغرب العربي وبالأخص الجزائر بحثًا عن الأمن والاستقرار، فكان الغناء الشعبي حينها بمثابة متنفس حقيقي لما بات ينقله من حكايات حقيقية مؤلمة عن معاناة هذه الفئة المنكوبة من أبناء الأمة العربية الإسلامية، وهكذا استحدث الأندلسيون هذا النوع من الغناء الشعبي من أجل توثيق التراث.
وإزاء الغناء الشّعبي الأندلسي الخالص الذي جلبه المورسكيون معهم، نشأ نوع آخر من الغناء الشعبي هو طابع «العروبي المقتبس من الأندلسي في الطبع فقط إلاّ في الأصل والتركيب»(17) فنشأت بذلك أنواع غنائية بسيطة تناسب أذواق الجزائريين وكلها تعبر في النهاية عن هموم الفرد الشعبي الذي كان يجد في الغناء الشّعبي متنفسًا ومواساة للهموم التي كانت تؤرّقه» بسبب بعض الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية»(18)، كما لاننكر تاريخيًا وجود «أشكال غنائية موسيقية واحتفالية راقصة للقبائل الأمازيغية كانت النساء حاضرات فيها بقوة وكثقافة»(19)، وبما أنّ المجتمع الشّعبي الجزائري تعددت عاداته وتقاليده من بيئة إلى أخرى فإنّنا نلاحظ تنوعا في الطبوع الغنائية الشعبية المتوارثة «بيد أنّ الفنّان الشعبي كمبتكر للنغم،له الحق في أن يبدّل ويغيّر ويحوّر كثيرًا من الألحان بالشكل الذي يراهُ مناسبًا،ومن هنا يمكن تفسير الاختلاف الذي قد يطرأ على بعض نسخ الأغنية الواحدة»(20)، وهذا داخل البيئة الشعبية الواحدة نظرًا للمشافهة التي تعتمد عليها الأغنية الشعبية، ولعدم وجود التوثيق التاريخي للأغاني الشعبية فإنّ حقوق المغني الشعبي الأول ضاعت مع مرور الزمن وتغيرت ألفاظ وألحان الأغنية من قائلها الأول وتعددت وتغيرت حتى وصلت إلى المغني الأخير، الذي يغير ويحرّف في إيقاعها ولحنها وتركيبها اللّغوي، وهذه الإشكالية الشفوية مازالت تعيشها الأغنية الشعبية خاصة لدى قبائل مجتمع الإموهاغ في الصحراء الجزائرية،وهذا مايخلق مأزقا في التأريخ لفنّ الغناء الشعبي وتوثيقه بشكل سليم.

الأغاني الشّعبية الصحراوية
ودورها في التمنية
لقد أدّت الأغاني الصحراوية الجزائرية دورًا هامًّا في التنمية المحلية للمنطقة خصوصًا على المستوى السياحي الذي خلق حركية ديناميكية على مستوى الاقتصاد الفكري والثقافي والتجاري، وذلك من خلال المهرجانات المتنوعة التي احتفلت بها منطقة الأهقار،وعلى وجه خاص قبائل الإموهاغ فكانت أشكال الغناء الشعبي الجزائرية بداية من مهرجان السبيبة إلى غناء الإمزاد والتنيدي لدى التوارق في منطقة (جانت/إيليزي/تمنراست)، وهذا المحور الجغرافي السياحي لو استغلّ أحسن استغلال من طرف وزارة السياحة الجزائرية لكان الجنوب الشرقي الجزائري بؤرة سياحية هامة وموردا ماليا للمنطقة يساهم في تنمية الصحراء بشكل أو بآخر.
1 - أشكال الغناء الشّعبي بالجنوب الشرقي الجزائري:
في الحقيقة إنّ الغناء الشعبي الجزائري متأصل في الذاكرة الشّعبية لدى الفرد والجماعات الشعبية دون حرج فهو ثقافة محلية خلقت الفرجة الشّعبية على مرّ التاريخ المحلي لمنطقة الصحراء فهو«من الرقص والغناء والتمثيل، يحدث دائمًا في مجال عائلي مغلق»(21)، وفيه تزول الحواجز النفسية بين مجتمع النساء والرجال فيكون الغناء والرقص همًّا جماعيًا، «وحيث إنّ الأغاني الشعبية هي وليدة المناسبات، ويحتفظ بها المجتمع ويرددها كلما دعت الحاجة إلى تردادها، فقد تميزت عن غيرها من أشكال الأدب الشعبي في مرونتها وطواعيتها وقدرتها على التجاوب مع الأحداث والمتغيرات»(22)، وهذا فعلاً ماوجدناه عند قبائل الإموهاغ في الصحراء الجزائرية، التي تنوعت عندها الأهازيج الشعبية الفلكلورية من غناء شعبي اجتماعي إلى غناء شعبي ديني منساباتي إلى احتفال فلكلوري قبلي يشمل قبائل بعينها تجتمع لتقيم مهرجانات شعبية مدة تطول في بعض الأحيان أكثر من شهر لتعبر عن هوية المنطقة.
أ - الأغاني الشّعبية الاجتماعية:
إنّ الأغاني الشّعبية التي يتناقلها أفراد المجتمع تمثل هويتهم التي ورثوها عبر بوابة التراث الشعبي
خاصة أنّها ترتبط «بحياة الناس،وتتصل بعاداتهم وأنماط حيواتهم وتتخذ من أجل تحقيق الغايات المنشودة أشكالاً عديدة وقوالب كثيرة يرتبط بعضها ببعض لتحقيق الوظائف النفسية والاجتماعية والثقافية،وقد تظلّ الأغنية موجودة، ويكتب لها الدوام طالما كانت المناسبة الاجتماعية موجودة»(23)، وهذا فعلاً مايتمتع به مجتمع التوارق في الصحراء الجزائربة فغناء الإمزاد والتندي شكلان يمثلان هوية الإموهاغ منذ فجر هذه التجمعات الشعبية لكونها» ترتبط بحياة الإنسان ومعتقداته وعمله وأوقات سمره ولهوه،ويكون لحنها مقبولاً على اعتبار أنّ الألحان تفرد لها أجنحة، وأنّ الحدود المكانية واللّغوية لاتؤلف لها حواجز تستعصي على العبور»(24)، وقد تنوعت الأغاني الشعبية في عمومها بين أغاني الختان والتي» تصور العادات المتبعة في مناسبة الختان تصويرًا دقيقًا،كما تتحدث عن الأشخاص الذين يوليهم المجتمع أهمية كبيرة في هذه المناسبة،كالطفل نفسه، والأمّ والأب والخال، بالإضافة إلى الحلاق أو المزين»(25)، أمّا في مناسبة الزواج فإنّنا نجد هناك» أغنيات تتردد بداية عند إعلان الخطبة، وانتهاء بليلة الزفاف»(26)، وجل تلك الأغاني الشعبية تستمد من الإطار الاجتماعي المشكل لها وفق عرف العادات والتقاليد التي «تصاحبها والسياق الاجتماعي الذي ترتبط به»(27)، فتعكس واقع البيئة المحلية،ومايحوية من طقوس اجتماعية.
إذن الأغاني الشّعبية لها دور عظيم في تشكيل لحمة المجتمع الشعبي وفق هوية محددة لكونها تعبر عن قضايا البيئة المحلية «وإن تعددت التمثيلات والشواهد والمواقف»(28)، فالأغنية الشعبية لها وقعها في الحياة الاجتماعية بشكل أساسي لأنّها تخرج «إلى نطاق الإيقاع الغنائي الراقص، الذي يثير الإحساس بالسعادة والابتهاج،كما تمثل هذه الأغاني جوانب واقعية في بناء المجتمع، مرتبطة بالمناسبات»(29)، وعليه فالمجتمع الشعبي نجده يتفاعل مع هذه الأغاني الشعبية دون حرج لكونها تخلق جوًا من النشاط الجمالي والفني في البيئة الشعبية بسلاسة حتى تشكل في النهاية ميزة ثقافية لتلكم البيئة ومرجعياتها الفكرية من أنماط وسلوكات سوسيولوجبة لها وقعها عبر سيرورة التاريخ.
ب - الأغاني الشّعبية الدينية:
الأغاني الشعبية الدينية لها دور هام في تماسك المجتمع الشعبي والتفافه حول العادات والأعراف والتقاليد المحلية للبيئة الشعبية، وبما أنّ الدين الإسلامي جزء من هذه التقاليد، فهو يقود جل تلك الثقافات والتوجهات المحلية للمجتمع دون خلل قد يزعزع استقرارهم وتواصلهم نحو تلك العادات الضاربة بجذورها في ذهنية المجتمع الشعبي، وجلّ تلك الأغاني الشعبية الدينية هي تدور حول طقوس، ومواسم دينية منها موسم الاحتفال بعاشوراء، والمولد النبوي الشربف، وبالسنة الهجرية، والاحتفال والتضرع إلى الأولياء الصالحين، وغيرها من الطقوس الشعبية الدينية التي عرفها الفرد الشعبي الجزائري، و«ويتميز هذا النوع من المديح بإيقاعات وتلحين خاص،عادة مايكون مرتبط بالشعائر الدينية، تارة يأخذ طابع الدعاء والتضرع إلى الخالق ورسوله، وتارة الاستعانة بالأولياء الصالحين والزوايا»(30)، وتعمل هذه الأغاني الشّعبية على توثيق الصلة بالجماعة الشعبية المنتمية للعصبية الواحدة،وتكريس التكافل الاجتماعي والعقدي بين مختلف الطبقات الشعبية دون تمييز بين الفقير والغني منهم، هذا مايدفع عن بعضهم العديد من الصفات الذميمة التي تُشتت المجتمعات الشّعبية، وتصور واقعها الاجتماعي الإيجابي، ومايحمله من هموم، وإشكالات متعددة لنمطية العيش داخل منظومة القبيلة الواحدة، وعليه فالغناء الشعبي عكس في النهاية طبيعة المجتمعات الشعبية،وبشكل خاص في الصحراء الجزائرية عند الإموهاغ.
ج- أغاني الفلكور الشّعبي:
وهي عبارة عن احتفالات شعبية منظمة من طرف المجتمع الشّعبي الذي يقود مثل هذه التظاهرات الثقافية التي تبرز قيمة هذه الجماعات دون سواها فتحقق العديد من السلوكات الإيجابية التي تعكس تصورها، وجل هذه الأغاني الفلكلورية تقوم بها «مجموعة من النساء أو الرجال في شكل أغاني جماعية تتغنى حسب مواضيع ومناسبات الأغنية، تكمن وظيفتها في الترفيه والتسلية من جهة والإشادة بالقيم الأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى»(31) ، وهذه الأغاني الشعبية في مضامينها منقولة عن التراث الشعبي للقبيلة التي تؤديها كنوع من العادات والتقاليد المتوارثة يجب تأديتها والحفاظ عليها من الإندثار والزوال، وتقديمها للأبناء كطقس غنائي شعبي يجب المشاركة فيه دون فوبيا منه أو خروج عن عرفه،ولعلّ المجتمع الشعبي في جنوب الصحراء الجزائرية قد ورث العديد من الأغاني الفلكلورية الشعبية منها احتفال السبيبة في منطقة جانت وإيليزي،واحتفال تهيقالت والإمزاد وتافسيت بتمنراست والتندي بإيليزي وجانت، وموسم تاغيت بالساورة منطقة توات، وغيرها من الاحتفالات الشعبية بمختلف الأعياد والمواسم الدينية والزراعية والأسطورية التي باتت تؤسس لثقافة سياحية داخلية هامة لجنوب صحرائنا الكبرى.
2 - الأغاني الشّعبية عند قبائل الإموهاغ بجنوب الصحراء:
وهذه الأغاني في حقيقتها تعبّر عن ثقافة الرجل الأزرق الذي خبر الصحراء، وتطبّع بسحرها، وامتزجت عاداته وتقاليده بصمتها وعنفوانها، فالصحراء الجزائرية بما فيها من تراث ثقافي هائل مازالت بكرًا تحمل في طياتها الغموض الذي يبحث عن التفاسير المختلفة لذلك التراث وبما أنّ الغناء الشّعبي الجزائري في صحرائنا الكبرى بات يمثل زخمًا فنيًا يحتاج للقراءة والتلقي من طرف الباحثين، فكان مخبر بحث «الموروث الغنائي والثقافي لمنطقة تمنراست» والذي يشرف عليه الباحث«عزّ الدين كشنيط» بوابة التوثيق الشامل لهذا الموروث الشفهي، كما نجد بعض الدّراسات لنخبة من المثقفين الغيورين على تراثنا الشفهي المتواجد بالأخص عند قبائل الإموهاغ والتي استندت إليها دراستنا في التأصيل والتنقيب عن تراثنا الشعبي خاصة لدى الباحث (محمد فرتوني) في مقاله المعنون بـ (الغناء والموسيقى عند التوارق) الموثق في مجلة أصوات الشمال الالكترونية سنة 2011م، ودراسة الباحث «زرفة صحراوي» في مقاله المعنون بــ«أهمية الغناء في مجتمع إيموهاغ» الموثق في مجلة أصوات الشمال الإلكترونية سنة2011م وكذلك الأكاديمي«رمضان حينوني» في مقاله المعنون بـــ «الكلمة والنغم والحركة وسيادة المرأة التارقية» الموثق في مجلة حوليات التراث العدد11 لسنة 2011م جامعة مستغانم (الجزائر)، ودراسة «عبد الكريم قادري» المعنونة بــ «موسيقى الإمزاد... شمس الطوارق التي لاتغرب» وهي منشورة في مجلة الثقافة الشعبية العدد11 لسنة 2015م لدولة البحرين، وغيرها من الدراسات الأكاديمية التي استند إليها البحث في عملية الجمع والتأصيل والقراءة لموروثنا الغنائي الشّعبي في جنوب صحرائنا الكبرى،وقد تم التركيز على طابعين غنائيين هامين وجدت الدراسة أهميتهما في تفعيل التنمية السياحية والثقافية والفكرية للمنطقة خاصة(طابع الإمزاد، وطابع التندي).
أ - غناء على آلة الإمزاد:
هو غناء شعبي تراثي محلي يتواجد عند قبائل الإموهاغ الصحراوية الجزائرية وهذا الطابع الغنائي يعتمد بالدرجة الأولى على استخدام آلة الإمزاد، وهي عبارة عن «آلة تشبه الربابة العربية بوتر واحد، وهي أشبه بصحن خشبي، يغطى بجلد الماعز،ويثقب بعض الثقوب لإحداث الصوت ويخرج من طرفيه عودان يربطهما حبل من شعر الخيل،أما الجزء الثاني فهو آلة الدعك، وهي عود خاص في شكل هلال موصول طرفاه بحبل دقيق من شعر ذيل الحصان»(32) ويدعكون الشعر ببعضه ويصدر صوتا جميلا يغيّرون نبراته بتبديل أصابع اليد اليسرى حيث تكون اليد اليمنى منهمكة بالدعك، وهذه الآلة تشبه الربابة العربية أو الكامنجة الأوربية، وتعتبر «الإمزاد» من أجود الآلات الموسيقية، وهي شديدة التأثير على قبائل التوارق، ولاسيما الرجال منهم، وتستعمل في الطرب والغناء الذي يؤثر في النفوس والعواطف وينقيها،»وتزداد قيمتها بالغناء الأميل إلى الإمتداد الصوتي في غالب الأحيان، ولعله دلالة على امتداد الصحراء وطول لياليها»(33)، وهذه الآلة يرافقها في السهرات غناء يتناول مواضيع الحبّ والوحدة والغيب والخوف والحرب ليزيد من شجاعة التارقي ويشحذ همته، كما يجعل النفس تترفع عن كل ما يدنسها كالخيانة والخديعة والنميمة أو الكذب والسرقة وغير ذلك من العيوب والآفات الاجتماعية(34)، يروى أنّ ملكة الصحراء (تين هينان) صنعت إمزاد من عرف جوادها ومن نبتة الأرض فهو رمز النبل والأناقة والشهامة، مادفع أحد الشعراء من التوارق إلى التغني بسحره وجماله قائلاً:
اليوم الذي أموت فيه
لا بد أن تدفنوني في قطعة بيضاء
ناصعة من الكتان
مثل أوراق الكاغط
وصدقوا عني
ثلاث أغنيات من غناء إمزاد
والفاتحة(35)
وهذا الشكل الآتي يمثل شكل آلة الإمزاد عند مجتمع التوارق، والذي لاتعزف عليه غير مجتمع النساء فقط،لكونه محرم على الرجل العزف في عرف الإموهاغ(36).
أمّا عندما نتحدث عن آلة الإمزاد فإنّ للغناء الشعبي التارقي حضورا آخر ،في نفسية الرجل الأزرق،كما لها وقع آخر على فئات المجتمع الشعبي، ذلك أنّ هذه الآلة تختص النساء في العزف عليها ولقصيدتها دور في إثارة همم الرجال إلى الحرب ودعوتهم إلى الأخلاق الحميدة وعند خروج التوارق للحرب يجتمعون ليلة هجومهم على العدو، أو للغزو فإنهم يستمعون إلى غناء الإمزاد إلى غاية الصباح حيث ينطلق الجميع من ذلك الموقع ركوبًا على جمالهم باتجاه العدو والذي يخشى أو يتخلف عن المعركة يذكرونه بليلة الإمزاد(37) فيتقدم القبيلة سوف تسرد واقعة الحرب، وتذكر الفرسان الشجعان وتشيد بأعمالهم البطولية، وتذم كل جبان تخلف عن المعركة،وتشهر خوفه لكي يعلم الجميع ذلك، ويبقى حاملاً عاره، وعار أسرته حتى تظهر الشجاعة منه في مواقف جديدة، فالإمزاد «تدخل الرهبة والمتعة معًا ّإلى النفوس بأنغامها العاطفية الحزينة، والجوّ الشاعري الذي تطبع به الزمان والمكان»(38)، وعمومًا تبقى الإمزاد آلة فردية من نوعها لاقت الترحيب من طرف منظمة اليونيسكو للثقافة والتربية والعلوم بعدما أدخلتها ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية سنة 2013م، وبذلك تم توثيق هذا الإرث الإنساني وحفظه من الزوال، وقد برعت في هذا الفنّ الغنائي العديد من مغنيات التوارق نذكر أشهرهنّ: (داسين ولت ايهما وهي أخت الأمنوكال أخاموك أق إهمة، قنوة ولت أمستان)(39)، وغيرهنّ من النساء التارقيات الضليعات في العزف والغناء على الإمزاد، والصورة الآتية أكثر تفصيلاً لغناء المرأة التارقية، ومساهمتها في حمل التراث والحفاظ عليه وتوارثه(40)
ب-غناء على آلة التندي:
هي عبارة عن «طبل ضخم يصنع من إطار خشبي ويغطى بجلد الماعز الطري مشدودًا بقوة، تجلس حوله امرأتان تشدانه من الجانبين، ثم تأتي ثالثة للضرب عليه»(41) ويشارك في أداء موسيقى التندي الرجال والنساء بالتصفيق الجماعي وترديد المواويل والأهازيج تماشيًا مع القصائد التي تؤديها المغنية وتمثل هذه الموسيقى فرصة للتعارف بين العزاب والعازبات بكل عفّة ونزاهة،وقد يتحول غناء التندي إلى لعبة تمارس أثناء طقوس الغناء لإضفاء الفرجة والمتعة على الجماهير الشعبية التي تحبّ مشاهدة الجديد،وحتى تزيح عنها الملل والضجر، وهذه اللّعبة تسمى(تندي أن اكرهي)،وأكرهي هو عبارة عن خمار أسود يوضع على رأس فتاة جميلة تختار بعناية، ويحاول أحد الفرسان ممتطيًا جمله اختطاف الخمار من على رأسها، وإذا نجح في ذلك يطارده جمع من الفرسان الشباب لاسترجاعه، ومن ظفر منهم بذلك يصبح فارس أحلامها(42)، وهذا مايزيد المتعة والفرجة في تتبع غناء التندي، ولعل أشهر المغنين له نذكر: (أمبارك عثماني المعروف فنيا بـ عثماني بالي،ميلود شوغلي من جانت، وبكاش علواني وأريالة مسعود من إيليزي)، وغيرهم من المغنين الذين ذاعت شهرتهم في غناء التندي، والشكل الآتي يصور تفرد المغنية (بادي لالة) بفنّ التندي ونقله إلى العالمية(43).
2 - أهمية الفلكلور الشّعبي في تنمية الصحراء الجزائرية:
لقد بات الفلكلور الشعبي بجنوب الصحراء الجزائرية ديوانًا للثقافة الشعبية الجزائرية إذ يتعرّف من خلاله المتلقي الجزائري في إطار السياحة الداخلية على العديد من الطبوع الغنائية الشعبية الجزائرية في هذه المناطق دون استنثناء، من بينها غناء (القناوة، القرقابو، التسيوان، التندي، الإمزاد) وغيرها من الطبوع والأهازيج الشعبية التي باتت تحمل إرثًا ثقافيًا مميّزًا للعديد من قبائل الصحراء الجزائرية وبوجه خاص قبائل الإموهاغ في الجنوب الشرقي، كما أنّ هذا الإرث الثقافي الضخم يمكنه من وراء توظيفه للموسيقى الشعبية المحلية لكل منطقة من جنوبنا الكبير أن يطرق أبوابًا سياحية داخلية وخارجية لصحرائنا الجزائرية الكبرى، ويساهم في تحريك عجلة التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لكل منطقة من الوطن الجزائري المتنوع الطبوع، والثقافات المحلية الشعبية الأصيلة أو الثقافات الدخيلة علينا من مناطق الساحل الإفريقي الذي بات قبلة سياحية للعديد من دول العالم لاكتشاف هوية الرجل الأزرق الذي أبهر العالم الغربي بلباسه وأغانيه الشعبية المتنوعة، وصبره على الشدائد وتحليه بالفروسية والكرم وغيرها من الصفات النادرة، التي صنعت فضاءًا للسياحة في عالم الثقافة الشعبية للصحراء الجزائرية.
لقد شكلت الصحراء الجزائرية منفذًا اجتماعيًا وثقافيًا لذلك كان لزامًا على وزراة السياحة والثقافة أن يعملا جاهدين من أجل تحقيق أدوار ثقافية وسياحية في جنوبنا الكبير الذي يحمل في طياته خزّانا ماديا ومنبعا تراثيا هاما علينا أن نحسن استغلاله بشكل يسمح له من تحقيق التنمية للمنطقة لكونه مافي الصحراء من فنّ هو إرث إنساني يجب أن تستفيد منه الإنسانية دون إفراط أو تفريط عبر جميع الأصعدة، وبشكل خاص الأغنية الشعبية، التي «تظلّ فنًّا من فنون الثقافة الشعبية الجزائرية،تحمل العديد من المرجعيات التاريخية والاجتماعية،النفسية والسياسية»(44)، التي حملها الفلكلور الشعبي الجزائري عبر العديد من بواباته التاريخية فالصحراء الجزائرية لها العديد من الأبعاد التي يجب أن يحسن استغلالها بشكل رسمي لكي تساهم في عملية التنمية لكون «الفلكلور تواصل إنساني بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والجماعة التي ينتمي إليها، وبين الجماعة والجماعات الأخرى التي تشترك معها في كثير من السمات والخصائص، وهذا التواصل يتم أساسًا من خلال عملية الإبداع، وإعادة الإبداع التي يقوم بها الإنسان معبّرًا عن المجموعة المتجانسة التي يرتبط بها، وعن سماتها الجمعية»(45)، وهذا الأمر جعل من الفلكلور الشعبي ذا مرجعية إنسانية يمكنها أن تساهم في التنوع الثقافي لأي مجتمع شعبي، وهذا الأمر ينعكس بشكل رسمي على مجتمع الصحراء الذي يحمل في مضامينه العديد من الأنساق الثقافية الشعبية، ولعلّ مجتمع التوارق في الصحراء الجزائرية طفرة في الثقافة الإنسانية لها مرجعايتها، وعلى السياسة الجزائرية أن ترفع التحدي بأن تعيد نظرتها للصحراء الجزائرية كمرجعية سياحية ضخمة يمكنها أن تكون المخلّص من جميع الأزمات التي تمرّ بها الجزائر والمنطقة بشكل عام.

خاتمة
من كلّ ماسبق ذكره عن التراث الشفوي في الصحراء الكبرى نصل إلى ضرورة النهوض به عبر كلّ الوسائط الإعلامية والتاريخية والثقافية، والمؤسسات الرسمية المحلية والدولية من أجل الارتقاء بهذا الإرث المادي الذي هو ملك للإنسانية جمعاء، كما يعدّ البحث والتقصي في مسيرة هذا التراث أمرا لا مفر منه من أجل إظهاره تدريجيا على كلّ الأصعدة التاريخية والجمالية والفولكلورية لما في هذا الإرث من أهداف تجمع بني البشر على حقب زمنية لها علاقة مباشرة بتطور الحياة على وجه الأرض،فالإنسان الصحراوي الآن أصبح عليه لزامًا النهوض بتراثه والدعوة إلى دراسته،وتحفيز كلّ الجهات من قبيل الترويج السياحي، والثقافي الهام في عالم غيرت فيه العولمة والمثاقفة التاريخ، وعليه تفيد المؤشرات الإحصائية المتاحة في مراكز البحوث أنّ الصحراء تشكل جزءًا هاما من موارد الإنسان المادية التراثية، وهذا مايدعو للتفاؤل، وعليه فالصحراء الجزائرية باتت تمثل خزّانًا للثقافة الشعبية الجزائرية إذ يتعرّف المتلقي السائح الجزائري في إطار السياحة الداخلية على العديد من الطبوع الغنائية الشعبية الجزائرية في هذه المناطق دون استنثناء، من بينها الإمزاد، والتندي والتسيوان،وغيرها من الطبوع الشعبية الصحراوية التي تحمل إرثًا ثقافيًا مميّزًا لجنوب صحرائنا.
كما أنّ هذا الإرث الثقافي الضخم يمكن من وراء توظيفه للموسيقى الشعبية المحلية لكل منطقة من جنوبنا الكبير أن نطرق من خلاله أبواب السياحة الداخلية والخارجية لصحرائنا الجزائرية، وأن نساهم في تحريك عجلة التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المنطقة الهامة من وطننا، وإحياء الثقافات المحلية الشعبية الأصيلة في منطقة الساحل الإفريقي الذي بات قبلة سياحية للعديد من دول العالم لاكتشاف هوية الرجل الأزرق الذي أبهر العالم الغربي بلباسه وأغانيه الشعبية المتنوعة، وصبره على الشدائد وتحليه بالفروسية والكرم، وغيرها من الصفات النادرة، التي صنعت فضاءًا للسياحة والجمال والتأمل في عالم الغناء الشعبي.
وقد توصلت المداخلة إلى جملة من التوصيات التي يجب علينا تفعيلها من أجل خلق فضاء سياحي ثقافي لجنوبنا الكبير وهذه التوصيات هي كالآتي:
محاولة إعادة تشكيل الوعي العربي بالإفريقي الرسمي والشعبي المتعلق بالصحراء بما يحقق تصحيح وتعزيز صورتها في الوعي الإنساني من أجل تأصيل وتعميق الاهتمام الفعال بالصحراء.
وضع سياسة إستراتيجية عربية/ افريقية موحدة ومرنة لتنمية الصحراء انطلاقا من الإقرار بحقيقة ما بين الصحراء العربية والصحراء الكبرى الإفريقية من اتصال و تداخل تاريخي و سكاني وثقافي دائم يشكل وحدة تنموية واحدة.
تشجيع الدراسات الأكاديمية حول الصحراء الكبرى خاصة التي تعنى بإعادة اكتشاف التاريخ الحضاري والثقافي للصحراء، من أجل دعم الدراسات المستقبلية التي تستشرف مستقبل الصحاري في إطار المتغيرات الكونية والتطورات الدولية، خاصة الدراسات الثقافية والأنثربولوجية الصحراوية السائدة عند سكان الصحراء لتحديد العلاقة الايجابية المثلى بينها وبين التنمية الصحراوية المنشودة، وترشيد علاقة الصحراويين بسكانها. 
ضرورة الاهتمام الفعال بإنشاء مراكز بحث في الأنثربولوجيا الثقافية وأقسام الثقافات الشعبية من أجل تغطية التراث الثقافي المنتشر في هذا المكان الفسيح (جمع، إحصاء وتصنيف، ثم دراسة).