اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

التركيب العاملي في الحكاية الشعبية حكاية «عزة ومعيزيزة» نموذجا
على الرغم من تعدد التفسيرات والأبحاث التي تحاول رصد أصول الحكاية الشعبية، فإن حقيقة هذه الأخيرة (بحكم كونها شعبية) لا يم...

أســــواق مـدينة تـــازة عــلى عـــهد الحماية الــــفرنسية بــالمغرب: الوظائف، الأســس والتــــحولات
أود في البداية الإشارة إلى نقطتين رئيسيتين كمدخل لهذه المساهمة؛ أولهما أن الحديث عن الأسواق بتازة على عهد الحماية هو حدي...

عن الصورة الشعرية عند شعراء الطوارق «كلْ اسُّوكْ» أنموذجا(1)
لقد تأَسَّستْ عن الرجال الزرق صورة أسطورية، تطغى عليها المسحة الفلكلورية، غطَّتْ أغلب الجوانب المضيئة الأخرى عن الملثمين...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
طقوس الاستمطار إبان الجفاف في الجزائر نماذج من مطلع القرن العشرين
العدد 41 - عادات وتقاليد

سمير أيت أومغار - باحث من المغرب

 

أنجز المُستعرب الفرنسي ألفريد بل (Alfred Bel) سنة 1905، بمناسبة انعقاد المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين في الجزائر العاصمة، دراسة مُطولة حول طقوس الاستمطار إبان الجفاف لدى المغاربيين(1)، وهي دراسة أساسية لاشتمالها على وصف دقيق لطقوس الاستمطار التي كاد يطويها النسيان، لولا المسارعة إلى تسجيلها مطلع القرن العشرين. ذلك أن المؤلفات التاريخية العربية، إن لم نخطئ، لم تنطق بكلمة عن الطقوس المحتفل بها خارج التقويم الإسلامي. فهل تلك الطقوس هي المذكورة بطريقة غير مباشرة في الإدانات التقليدية التي أصدرها عدد من المتعلمين في حق العادات الشعبية، المُصنّفة تحت التسمية العامة والسهلة للغاية وهي «عوائد العامة»؟
لم يتعد الأمر أبدا القَدْح، لأن هذه العادات، إما لكونها صادمة للغاية أو مألوفة للغاية، فهي لهذا السبب أو ذاك أو لكليهما معا، لم تُوحِ بشيء لأقلام المؤلفين بشمال إفريقيا. وهذا يعني أننا مدينون باكتشاف هذه الطقوس في شمال إفريقيا لنظرة خارجية لوحدها، مكنتنا من متابعة هذه الطقوس في البوادي والمدن العتيقة الكبرى(2).

الاستمطار: السياقات والخلفيات
لا تتم الإشارة في الجزائر إلى الابتهالات المُقامَة لطلب المطر بمصطلح الاستسقاء، بل يسميها السكان طلب النو (طلب المطر)، ويشار إليها في تلمسان باسم اللطيف، دلالة على توجيه الطلب لله. أما الجفاف الذي يهدد المحصول بالفناء، فيشار إليه بمصطلحين هما «الوْگفَة» و«اليْبْسَة». يمكن خلال الوگفة إنقاذ المحاصيل إذا ما تساقطت الأمطار، لكن اليبسة على النقيض من ذلك، تمثل جفافا مستديما، إلى درجة فقدان جميع المحاصيل بعد جفافها، ولا يمكن للمطر حتى بعد تهاطله أن يعيد للحياة ما أفسدته اليبسة(3).
عادة ما كانت هذه الاحتفالات غير منتظمة، فهي لا تُنظم إلا في حال حدوث نقص في المطر يهدد المحصول والمراعي، لذا فهي احتفالات زراعية تهدف إلى الاستمطار الضروري للمحاصيل. ورغم عدم تنظيمها كل سنة، فهي غالبا ما تتم خلال نفس الفصل، أي خلال فصل الشتاء أو في بداية فصل الربيع، حينما تكون الحبوب التي لم تنضج بعد مهددة بالموت، نتيجة نقص الماء. لذلك، إذا حل الجفاف مثلا خلال فصل الخريف زمن بدر الحبوب، ولم تتمكن الحبوب من الإنبات، بسبب قلة الماء، فلن يتم القيام بأية ابتهالات لطلب المطر.
يظل المسلمون منقسمين في هذه الاحتفالات إلى فئات محددة بدقة، أي إلى مجموعات اجتماعية تعمل عادة بشكل مستقل. فالنساء والأطفال والرجال والطلبة والمثقفون والسُّود كذلك، يشكلون مجموعات مختلفة تُقيم احتفالاتها الخاصة في أوقات مختلفة، وهو أمر لم نجد له أثرا في التشريع الإسلامي المتعلق بالاستسقاء. ويتم تخصيص الأشخاص ذوي التقوى والوَرَع الرَّاسخ، والمُنهمكين في دراسة القرآن والعلوم الشرعية بدورٍ خاص، لأنهم أعلى درجة من باقي الناس، وبالتالي يجب أن يحظوا بامتياز أكثر لدى الموزع الأكبر للأمطار.
تجدر الإشارة إلى اختلاف طقوس الاستمطار التي سيأتي ذكرها عن الشعيرة الإسلامية السنية للإستسقاء، فهي تضم حسب ألفريد بل، العديد من آثار المعتقدات الإحيائية وتتكون من عدة طقوس وثنية، وهو ما نخالفه فيه الرأي، فنظرية «المُخلفات» التي صاغتها المدرسة الفرنسية لشمال إفريقيا، لتأصيل وتفسير طقوس الاستمطار، تفصم هذه الأخيرة عن الطقوس الإسلامية، أو إذا ما اعترفت بالروابط فيما بينها، تسارع إلى إنكار خصوصية الطقوس الإسلامية كي تجعلها قابلة للمقارنة مع المعنى الذي تزعم العثور عليه في الأولى. وهكذا تُغيّبُ ليس فحسب معناها، بل ربما أخطر من ذلك معنى تعايشها وجدليتها في نفس السيرورة الطقوسية.
فالفريد بل وهو ينظر نحو الماضي، لا ينظر إلى الماضي الإسلامي للشعوب التي يصف عاداتها في الاستمطار رغم استحضاره للشعيرة الإسلامية للاستسقاء بل فيما وراء ذلك، الماضي الروماني والمسيحي، وقبل هاتين الحقبتين، ماض أمازيغي أوغل في الزمن، وهو ما يجعل من التاريخ الإسلامي لشمال إفريقيا مجرد فصل بين قوسين. والسبب في ذلك هو ارتباط المدرسة الاثنولوجية الفرنسية بالخصوص بالمصالح والظرفية السياسية، وبسياسة علمية تبحث قبل كل شيء عن ديانة للأمازيغ، اغتنت بإسهامات رومانية ومسيحية، تجعل ثقافتهم قريبة من القيم الغربية. وفيما وراء الاثنولوجيا، يقوم مثل هذا الموقف بالقدر نفسه بتشكيل الممارسة في فروع المعرفة التاريخية ويفضي إلى النظرية القائلة بتطور انحرف عن مجراه بالأسْلَمة والتعريب. وبالتالي فالرهان بالنسبة لهؤلاء الباحثين هو اكتشاف ديانة أمازيغية قريبة من الديانات المتوسطية القديمة، فكل دلالة إسلامية، تاريخية أو لا تزال حية، وكل وظيفة مرتبطة بالحياة الراهنة للمجتمعات الإفريقية الشمالية تجد نفسها حتما مُغَيّبَة على حد تعبير الانثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي(4).
نماذج من طقوس الاستمطار
سنجد في السُّطور التالية، عرضا لأهم الاحتفالات التي مارسها المسلمون في الجزائر مطلع القرن العشرين، للاستمطار إبان الجفاف. وتعود النماذج المقدمة والأحداث المعروضة في هذا الصدد، إلى الملاحظة المباشرة التي أنجزها المستعرب ألفريد بل في مقاطعة وهران، أو تم تزويده بمُعطيات حولها من طرف مسلمين، قصُّوا عليه تفاصيل هذه الحفلات المُكرسة للمطر بجهتهم.
عين الصفرا (الجنوب الوهراني): عند اتصال الجفاف وديمومته إلى درجة إلحاق الضرر الكبير بالمحاصيل التي لم تنضج بعد، تجتمع النساء المُسنات والأطفال الصغار بمنزل معين، وتُحضِر كل أسرة معها شيئا من دقيق الشعير المحمّص. يُوضع هذا الدقيق في طبق واحد أو عدة أطباق عريضة من الخشب (الكصعة)، ويتم عجنه بعدها بالزبدة والتمر لصنع «الروينة»(5). بعد ذلك يتم إلباس ملعقة خشبية كبيرة (المغرفة نتاعت المرقة) عدة خِرق بشكل يجعل منها دمية في حلة عروس تسمى غُنْجَة، يُطَافُ بها على أضرحة الصلحاء المحليين، ويقوم الناس الذي ظلوا خارج المنزل سابق الذكر، إضافة إلى أولئك الذين يلاقون موكب النساء المسنات والأطفال، برش الماء أو الحليب على الفئتين الأخيرتين، فيما يقوم الأشخاص الذي يشكلون الموكب بأداء النشيد التالي وهُمْ مُشاة:
غنجة غنجة حلّت راسها
يا ربّي تبلّ خراصـــها
الســـبولة عطــشانة
رويــها يا مــولانــا
عند وصول الطواف إلى قبر أحد الصلحاء، يتم إحراق البخور ورَشّ جدران الضريح بالحِنَّاء، ثم توزع الروينة كصدقة على الأشخاص الذي لحقوا الموكب.
إذا لم تَكْفِ هذه الحفلة الأولى لإنزال المطر، يقوم الرجال بدورهم بزيارة ضريح الولي الصالح سيدي بُوتخيل سيد البلد، مع التجول في الموكب برايات الولي، وبعد هذا الحج الأول، يتقدم الرجال لزيارة بقية أضرحة الأولياء الصالحين في الجهة. وخلال هذا الطواف، يمشي الرجال حُفاة وعُراة الرأس، يقودون معهم ثورا أسودا، وينشدون وهم يمشون:
يا رجـــال الله حـــنّوا وجـــــــودوا
وارغـــــبوا المولى يسقــــي عباده
جينـا لله قاصدين نمشوا على الأقدام
وأنتما يا أهل الوفا بالجود والكرام
يتوقف الطواف أمام ضريح الولي حوالي نصف ساعة، يقوم خلالها الزوار باستظهار الدعاء سالف الذكر، ثم ينهون عملهم بذبح الثور الذي جلبوه معهم، ويوزعون قطع لحمه على كل المنازل. فيقوم كل واحد في منزله بإعداد طبق الكسكس (الطعام) للزوار الأجانب والفقراء ولوجبة الحفل (الوْعْدَة). ويتم الإعلان عن هذا الحفل من طرف أحد السكان، من أعلى مئذنة المسجد، من خلال العبارات التالية :«لا اله إلا الله، محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اسمعوا، لن تسمعوا إلا أخبار الخير، يا عباد سيدنا محمد، بعد الصلاة الفلانية، سيوزع الطعام عند بوابة المدينة».
وعند الساعة المحددة، يجتمع الغُرباء وسكان القصر في المكان المحدد، وبعد إحضار الطعام من المنازل يتم توزيعه على الحضور في أطباق خشبية. إِثْرَ انتهاء هذه الوجبة العمومية، تتم تلاوة الفاتحة، ويصيح الإمام قائلا: «اسقنا يا الله بالماء وأمطرنا، وكافئ المحسنين الذين قدموا الأقوات»، ثم يتفرق الجميع، لينتهي بذلك الحفل.
بني شقران: عند حلول الوقفة، تبدأ النساء طقوس الاستمطار، فيتجولن ببقرة سوداء من خيمة لأخرى مع إنشادهن في نفس الآن:
يا البقرة الكحلاء سيدة البقر
اطلب المولى يعطينا المــــطر
تتم هذه الجولة حول الخيام ليلا، وتقوم النساء اللواتي بقين داخل خيامهن برش البقرة والنساء المرافقات لها بالماء. بعد ذلك يتم تسريح البقرة لتعود إلى القطيع. فإذا بالت أثناء أو بعد الطقس مُباشرة، فهذا دليل على قرب إمطار السماء. وبحلول الصباح، تُعِد النساء دُمية (غُنجة) كما هو الحال في عين الصفراء، يأخذونها في شكل احتفالي إلى أضرحة الأولياء وهم ينشدون نفس المقطوعات في عين الصفراء. وعند مرور الموكب أمام الخِيام الموجودة على حافة الطريق المطروق، يتم رش النساء بالماء، لأنه فأل خير قد يؤذي إلى نزول المطر. وباكتمال زيارة الأولياء، يعود الجميع إلى الدوار (قرية مكونة من الخيام)، وبوصولهم تخرج النساء والأطفال الباقون في الدوار لرش العائدين بالماء إلى درجة التبلل الكلي، في حين ينشد الأطفال:
يا ربّي النو يا ربّي النو
فإذا لم تمطر السماء بعد هذا الاحتفال الأول بأيام معدودات، يتدخل الرجال بدورهم، فيتنكرون عبر ارتداء أكياس وبعض الأقمشة وبقايا خِيام قديمة وأزياء نسائية، كما هو الحال في مسخرة حقيقية. وبعد تبرجهم، يخرجون في حج إلى أضرحة الأولياء الأكثر تقديسا بالمنطقة، ويحمل كل واحد منهم كيسا من النسيج مملوء بالرماد يرمونه على بعضهم البعض عند وصولهم إلى ضريح ولي معين، وهُم ينشدون:
يا ربـــــي النّــــــو
عند مرور الموكب أمام مجموعة من الخيام الواقعة على الطريق المؤدية إلى الأضرحة المقصودة بالزيارة، يرش سكان هذه الخيام المُرور بالماء، ويرد عليهم هؤلاء برشهم بالرماد بواسطة أنبوب من القصب. بعد انتهاء هذا الصراع المُصطنع، يقدّم سكان الدوار أحيانا الطعام لزُوارهم، أما الرجال المكونون للموكب، فيعودون إلى منازلهم بعد انتهاء الزيارات المقدسة، فيستقبلهم الرجال الذين ظلوا في الدوار برشهم بالماء، ليرد عليهم هؤلاء برمي الرماد عليهم، ثم ينصرف كل واحد منهم إلى منزله.
إذا ما استمر الجفاف، ولم يسقط المطر، يخرج المثقفون - إذا كان هناك مثقفون في القبيلة - والرجال المشهورون بتقواهم وورعهم، والأطفال القائمون بدراسة القرآن، يخرج كل هؤلاء لزيارة أضرحة الأولياء الصالحين. فيمشي الأطفال عُراة الرأس، والعلماء حفاة الأقدام، أما الرجال المشهورون بتقواهم وصلاحهم، فيُجبرون على التجرد الكلي من ملابسهم ويصرخون لأنهم مرغمون على المشي عُراة. يتم الطواف على هذه الحالة من ضريح لآخر مع تلاوة بعض الآيات القرآنية. ثم يعود كل واحد منهم إلى خيمته، وتنتهي الاحتفالات بإهداء وَعْدة إلى أهم ولي صالح في المنطقة.
تلمسان: عند تهديد الجفاف للمحاصيل التي لم تنضج بعد، يقوم التلمسانيون بزيارة أهم الأولياء حُماة المدينة. وعادة ما يتفق أعضاء طريقة صوفية على الاجتماع في صباح يوم ما في زاويتهم. وفي اليوم والساعة السابق تحديدهما يخرجون في طواف، حاملين الأعلام المنشورة، وسرعان ما يتزايد عدد أفراد الموكب كلما تقدموا في سيرهم، فأغلب المسلمين الذين يلاقون الموكب يلتحقون به. عادة ما يتم التوجه في البداية إلى سيدي الداودي الموجود شرق أكادير مُنشدين:
يا مولانا يا سميع الدّعــاء
نزّل لنا الغيث من الســماء
أنت المغيث يا ربنا غـــيثنا
ولا تحاسبنا بما فعلـنا
تتم زيارة العديد من أضرحة الصلحاء، ويتم التوقف أمام كل ضريح منها لإنشاد ما يلي:
يا رجــال الله حنّــو وجودوا
وارغـبوا المولى يسقـي عبيده
يا ربـي استقبل لدعـوتنا
بجـاه فاطمة بنت المختار نبينا
يا ربـي غيثنــا بنعمتك
بجــــاه محمد رســـولك
وبو بكر وعثمان وعمـر وعلي سيدنا
يا ربــي تسقينا
وتسقـي المومنين والعبّاد
أجمعيـن بجـــاه محمــد
إضافة إلى ذلك، يقوم الطُلبة المشكلون للموكب باستظهار جماعي للحزب الذي يبتدئ بالكلمتين التاليتين «إنا فتحنا»، ثم يطلبون من الولي التشفع لدى الله لصالحهم.
عند حلول المساء، وبعد صلاة العشاء (يتم ذلك في الصباح في ندرومة) يجتمع الطُلبة الحافظون للقرآن في المساجد ويقرؤون القرآن كله، كل واحد منهم يقرأ حزبا واحدا أو حزبين أو ثلاثة أحزاب حسب عدد الطلبة الحاضرين. وبعد الانتهاء من تلاوة القرآن، يكررون جماعيا مئة مرة الآية التالية:
{الله لطيف بعبــاده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز}
إلى جانب ذلك، يقوم المؤمنون في المساجد خلال نفس اليوم بإنشاد جماعي على لحن بُردة البوصيري، للبيتين التاليين مئة مرة بعد كل صلاة:
يا اللطيــف فـي الأزل
أنـت اللطيــف ولم تزل
ألطـف بنـا فـي ما نزل
بحرمة القرآن وعلى من نزل
لنلاحظ كذلك، أنه في تلمسان، خلال أيام الابتهال والتوسل لله، بعد نهاية الصلوات المفروضة، وعند النطق بالدعاء، يقوم المؤمنون بدل فتح أيديهم وتوجيه راحة اليد نحو السماء حسب العادة، بتوجيهها نحو الأسفل، وهو طقس خيِّر آخر لا يوجد مثيل له في الشعيرة الإسلامية المعروفة.
من بين الأعمال غير السُّنية التي يقوم بها التلمسانيون، هناك عملان يستحقان الإشارة إليهما:
يتجلى العمل الأول في قيام المؤمنين بجمع الحجارة - يتم جمعها عادة من جبل بعل المُطل على قرية العُبَّاد - ووضعها في سلة من الحلفاء. ويحرص العِباد الذين يقومون بجمع هذه الحجارة على قول الكلمات التالية عدة مرات عند التقاط كل حجرة وهي «يا لطيف»، قبل وضعها في السلة التي يتم حملها بعد امتلائها في طواف إلى نهر صفصاف. أما الموضع الذي تُغمر فيه السلة بالماء فهو جسر مَسْكَرة (في الطريق المؤدية إلى عين تِيموشْنْت، على بعد خمس كيلومترات من تلمسان). وعند نزول المطر، تُسْحَب السلة من قعر النهر، اعتمادا على حبل تم الحرص على إبقاء أحد أطرافه مربوطا بضفة النهر، في حين تم ربط طرفه الآخر بالسلة.
أما العمل الثاني الذي لا نجد له حضورا في التعاليم الإسلامية، فهو القيام في قمة مئذنة المسجد الجامع بعرض لوحة صغيرة كتبت عليها بعض الآيات القرآنية. ويُفسِّر التلمسانيون هذا التقليد بقولهم أنهم يستعلمون كلام الله نفسه ليشفع لهم عنده. وهو احتفال يأتي في نهاية كل الاحتفالات سالفة الذكر، فبعد فشل كل أشكال التوسل يتم اللجوء إلى عرض هذه اللوح الصغير الذي يُحرص على توجيه وجهه المحتوي على الآيات القرآنية صوب السماء.
أما حفل الطعام الجماعي الذي نصادفه في كل بلدان المغارب، فيُقام بتلمسان قرب ضريح الولي الأكبر الشيخ السنوسي في المقبرة الإسلامية. وغير بعيد عن قرية العُبّاد، تقدَّم هذه الوجبة المكونة من الكسكس (الطْعَام) واللحوم إلى الفقراء والغرباء كما هو الحال في عين الصفراء. يحضر هذا الحفل نخبة تلمسان، وتتم دعوة كل الساكنة لحضوره، صغارا وكبارا، أغنياء وفقراء، فالكل يجب أن يتذوقوا من الطعام الموزع. وعند انتهاء الناس من الأكل، يتم نثر بقية الكسكس على الأرض حتى تأخذ الطيور حصتها منه. وينتهي هذا الحفل القروي بدعاء جماعي، يتم خلاله توجيه راحة اليد صوب الأرض.
يُحفظ للأطفال والفتيات الصغيرات دورهم طيلة المدة التي تستغرقها عملية التوسل لهطول المطر، فالأطفال المُنتمون لنفس الحي يجتمعون ويطوفون بالأزقة المجاورة لمنازلهم بدمية تسمى غنجة، مشابهة لتلك التي وصفناها سابقا، ويُنشدون وهُم يمشون الألفاظ التالية:
يا غنـجة غنجة طالب الرجــا
يا ربـي تعطــينا الشتـــا
جلجالة جلجالة باش تعيش الهجالة
السبـولة عطشانة غيثها يا مولانا
الزرع صفر ورقها غيثها يا من خلقها
وفي الضواحي القريبة من تلمسان، نجد هذه الاحتفالات مختلفة بعض الشيء. فنحن نجد تضحية بثور أسود دون بُقع أو بتَيْس أسود. كما تختلف المُردّدات بدورها، فأثناء زيارة الأضرحة، يتم التغني بالمقطوعة التالية:
يا رجـال الزاوية بيّتوها رَوْية
يا رجـال بني حمليل بيّتوها غير تسيل
يا رجـال بني وعزان بيّتوها كالويدان
يا رجـال بني وكيل لا تخلّوها تمِيل
يا رجال بني سنوس صبّحوها كالقادُوس
وحتى تكتمل معلوماتنا حول طقوس الاستمطار لدى مسلمي تلمسان، سنقدم الأدعية والتوسلات التي تقوم بها الساكنة ذات البشرة السوداء في المدينة. فرغم كون هؤلاء السُّود مُسلمين، فهم يقومون باحتفالاتهم بشكل مستقل، لأنه يُنظر إليهم كطبقة متميزة وأقل شأنا داخل المجتمع.
لقد وقف ألفريد بل شخصيا على توسلات السُّود بتلمسان، يوم 2 فبراير 1903، والذي كان يوم انعقاد سوق الماشية. فقد اجتمع بضع عشرات من السود يمثلون الساكنة السوداء في تلمسان حول ضريح الولي الصالح سيدي بوجمعة خارج باب فاس، غير بعيد عن سوق الماشية، وبواسطة المال الذي التمسوه في السوق، اشترى هؤلاء تيسا أسود. وفي الوقت الذي كان فيه التيس مربوطا أمام القبر المقدس، بدأ السود طيلة عدة ساعات، سلسلة من الأغاني والرقصات مستعملين فيها أدواتهم الموسيقية. وفي هذه الأثناء يقوم المارة والمتفرجون برمي بعض القطع النقدية التي ستستخدم في اقتناء الدقيق والسَّميد اللازم لإكمال تحضير الوجبة، التي سيكون لحم التيس مكونها الرئيسي. وعند وصول وقت التضحية، يقوم المُضحي، بعد تمرير سكينه فوق مَوقد مُشتعل نُثِر فوقه البخور، بتقديم السلام بشكل متتابع نحو الجهات الأربع الرئيسية، وهو شاهر سكينه الذي يخفضه ببطء. وبعد وضع رأس السكين في الأرض وانحنائه هو الآخر، يتم جلب الضحية للمُضحي الذي يجز رقبتها حسب التقليد الإسلامي، آنذاك يقوم التيس وهو مُضرج في دمائه ليذهب ويسقط في مكان غير بعيد عن موقع ذبحه(6).
آنذاك يقترب المُضحي من الضحية حاملا معه مِجمرة عطور تحترق فيها أنواع البخور، ويقوم بتبخير الجُرح الفاغر الذي أنجزه في رقبتها، في حين تبدأ الفِرق الموسيقية البربرية بعزف الموسيقى. وينتهي الحفل بدعاء يقال باللغة العربية من طرف مقدم ضريح سيدي بوجمعة. ويتتبع كل المسلمين الحضور وهم وُقوف هذا الدعاء، سواء كانوا سُوداً أو غيرهم، محتفلين أو مجرد فضوليين، فاتحين أيديهم وموجهين راحاتها نحو السماء، كما هو الحال في الدعاء العادي.

خصائص وتفسير أهم طقوس الاستمطار
إذا ما عاينّا العادات الشعبية لطلب النو في الجزائر، فسنكتشف أن العناصر التالية حاضرة بقوة في هذه الطقوس، وهي:
التوافق مع طقس الأولياء.
الآلام الجسدية والمعنوية.
أقوال وأغاني وأناشيد.
طقس غُنجة (أو غَنجة).
تقديم الأضاحي والوجبات الجماعية.
هذه المسائل هي التي سنقوم باستعراضها هنا.
1 - التوافق مع طقس الأولياء:
سبق ولاحظ غولدزيهر (M. Goldziher) أن المسلمين يزورون قبور الصلحاء بهدف التوصل من خلالهم إلى التحرر والتخلص من الكوارث ودفع الجفاف بشكل خاص. «لم يكن الشكل البسيط والمعتاد للاستسقاء الهادف إلى مواجهة أو تعويض الطقوس القديمة الوثنية كافيا في نظر الشعوب الخشنة لتحقيق المراد، ما دام بالإمكان ملاحظة عدم فعاليته في غالب الأحيان...، وقد لوحظ بشكل مبكر استخدام وساطة الرجال الأتقياء (عبر الصلوات)...والصلحاء الأحياء لوقف الجفاف».
إن الخصائص السحرية للطقوس المقامة حول القبور المقدسة ظلت بديهية وجلية بالنسبة للمسلمين، بل هم عديدون الصلحاء المغاربيون الذين وصفهم مترجموهم بـ «قبره يُستسقى به» كما أشار إلى ذلك غولدزيهر. وقد قدَّم دوتي (M.Doutté) ملاحظات مشابهة حول هذه العادة المعمول بها في المغارب، والمتجلية في التوجه لسيد أولياء البلد للاستمطار(7).
ومن المسلّم به في الجزائر قدرة الصُّلحاء على الاستمطار، وأن حضور قبر أحدهم هو ضمانة للخصب في المنطقة التي يوجد فيها. ويمكن أن نُعمّم على عدد كبير من هؤلاء الصلحاء بيت الشاعر ابن خميس حول سيدي بو مدين:
وجاد الثرى تاج المعارف ديمة
تغض بها تلك الربى والأباطح (8)
وليست نماذج الصلحاء الذين قاموا بإنزال المطر، بالنادرة في الإسلام. فهي كثيرة كثرة نماذج الصلحاء المُنبِعين للعيون بطريقة اعجازية. فنحن نقرأ في مخطوط الملالي(9)، أنه من بين كرامات الشيخ السنوسي، ذهابه في صباح أحد الأيام إلى جبل بني ورنيد جنوب تلمسان، فأدركته الصلاة في مكان لا تكفي مياهه للقيام بالوضوء، فالتفَت السنوسي الذي كان صُحبة رجل من بني ورنيد جهة الشرق، ودعا الله، فحلت السُّحب في الحال، وانهمرت الأمطار على الأرض، فاستطاع الرجلان الشرب والوضوء، ثم انقطع المطر(10).
لكن ليس من الضروري توفر شرط الصلاح حتى تُمطر السماء، فمما يُروى أن زنجيا، تمكن عبر صلواته السرية من الحصول على المطر الذي لم تتمكن ساكنة البصرة من التوصل إليه عبر الصلوات العمومية(11) في المقابل، يُمثل حادث الإمطار من طرف شخص عادي، عُنوانا للطوباوية لدى المؤمنين.
لن نندهش إذا ما وجدنا السكان يطلبون تدخل الرجال الأكثر تقديرا واحتراما بسبب زهدهم في الحياة ومعرفتهم بالقرآن، إضافة إلى شرفهم. فيتم إجبارهم عند الضرورة على طلب المطر المُراد من الله بشكل عمومي.
فعلى سبيل المثال، يُقاد الأطفال التلمسانيون، الذين يتعلمون القرآن في المسجد من طرف مُعلمّهم إلى زيارة قبور صُلحاء العبَّاد، ويسيرون منها وهم حُفاة الأقدام وعطشى وصولا إلى شلالات الوْرِيتْ، عبر محاذاتهم للقناة المارة عند منتصف ارتفاع الجبل. تشكل هذه الزيارات للقبور، والطريق الطويلة في ظروف قاسية لهؤلاء الصغار المعتنين بكتاب الله، تضحية لا يمكن أن لا يلتفت إليها الله.
يظل الرصيد الكَرَامِي في المُعتقدات الشعبية مُلاصقا للصالح بعد موته، بل يصبح أكبر مما كان عليه الأمر خلال حياته. فهو آنذاك أقرب إلى الله، حسب العبارة المتداولة «لبى نداء ربه»، وتصبح فعالية تدخله يقينية لدى كل شخص.
2 - الآلام الجسدية والمعنوية:
سبق وذكرنا أعلاه، أنه للتكفير عن الذنوب والمعاصي المرتكبة في حق الله، يقوم الشعب بتعذيب نفسه من خلال عقوبات جسدية وآلام معنوية. فالصدقات والزكاة المُشكلة لفعل الحرمان من جزء من الممتلكات لصالح المجتمع حُبا في الله، تكون عامة خلال فترة الجفاف في الجزائر. يقوم المؤمنون في ندرومة بعد أداء الصلاة في المسجد، بالتوجه حفاة إلى المقبرة، التي تمتد كما نعلم حول قبر سيد أولياء البلد، أو قبور الصلحاء المحليين. وفي مازونة (الضهرة) يتوجه الناس أيضا حُفاة الأقدام نحو قبر سيدي بلمْحَالح، بالجبل المجاور، وفي عين الصفراء يمشي الرجال كما رأينا حفاة وعراة الرؤوس في الموكب، ويتكرر نفس الأمر في بني شقران بالنسبة للمثقفين والشباب الدارسين للقرآن، والأمر نفسه يحدث في تلمسان.
يضاف إلى هذه العقوبات الجسدية، الصوم الذي يخضع له المؤمنون طيلة أيام الاستسقاء. فقد سبق وذكرنا أن اليهود في تلمسان كانوا يصومون كل الأيام التي كانت تقام فيها احتفالات طلب النو.
وغالبا ما تضاف إلى هذه الآلام الجسدية، عقوبات معنوية. فالرجال الأكثر احتراما للمكانة التي يحضون بها في المجتمع، ينحدرون طواعية إلى المرتبة الأكثر دُنُوا وحقارة، فقد رأينا السلطان مولاي عبد الرحمان، يأخذ أمام أنظار كبار الدولة والعِباد، المحراث من الفلاح ويقوده بنفسه. كما أن شخصيات مهمة ومميزة بثروتها ومكانتها الرفيعة، كانت ترتدي ملابس الفقراء وتدعو لنزول المطر في تلك الحالة البئيسة، وذلك لأنه «لا يوجد من هو أعز من الفقراء ولا أذل من الأغنياء» حسب قولة للشيخ الصالح أبو علي عمر الحبّاك(12).
كما أن وليا صالحا آخر، مدفون في العُبّاد، هو سيدي عبد السلام التونسي، «أمره أمير تلمسان بقتل نفسه على طريقة القوم بأن يحمل الحطب على ظهره ويحضر به على مواقف عزه وجماهير خدمه، ففعل وباعه وجاء بثمنه فقال له الآن أنت أحق بالدعاء لي مني لك، لخروجك من الدنيا عما لم أخرج عنه»(13).
إذا كانت عقيدة هؤلاء المتصوفة تفسِّر إلى حد ما، من خلال الحَطّ من قيمة النفس والابتعاد عن مَلَاذِّ الدُّنيا، فعل انحناء الكبار أمام الله عبر انحنائهم أمام الناس، للتوصل إلى تحقيق أمانيهم، فلا نعتقد أنه بالإمكان تعميمها على كل حالات الدعاء للاستمطار. وفي بعض القبائل كبني شقران وفي سهل إغريس كذلك، يقوم الفلاحون بتوسلات في زيٍّ غريب مُحَوِّلين الحفل إلى نوع من أنواع المساخر(14).
3 - أقوال، أغاني وأناشيد:
تتميز الأقوال المُقَفَّاة والأغاني هي الأخرى بتأثيرها السحري في معتقدات المتوحشين. وقد جمع لانغ (Lang) في كتابهMythes, cultes et religions عدة نماذج منها(15).
نجد باحتفالات طلب النو في الجزائر، وبمختلف الطقوس الدينية، أغاني وأناشيد خاصة بالحفل المُقام. قدَّمنا العديد منها فيما سبق ذكره بالنسبة لعين الصفراء وبني شقران وتلمسان. لكن هذه المقاطع الغنائية الخاصة باحتفالات طلب النو، والتي نجدها باختلافات بسيطة لدى مختلف قبائل المغارب ليست مجرد تعابير خالصة، كما أن أعمالهم في الحفل الديني الخاص بالتوسل ليس مجرد طقس ميكانيكي أو سحري كما هو الحال بالنسبة للأناشيد الخاصة في الديانة الفيدية التي بإمكانها إنزال المطر رغما عن الآلهة(16).
تتوجه أغاني الرجال والنساء والأطفال للاستمطار نحو المعبود، أو نحو أصدقائه من الصلحاء، كما تعبر عن ذلك الجُمل التالية:
يا من لك جينا قاصدين
لا تطردنا خائبيــن
لقد مكنتنا النماذج المُقدمة سالفا من إضاءة هذه النقطة، وهاته عينات أخرى كانت تُغنَّى من طرف المؤمنين أثناء التوسلات لنزول المطر:
يزور الرجال في مازونة قبر سيدي بلمْحَالح، وهُم ينشدون:
الله يغيثنـا ويغيث المومنين
الله يغيثنا و يغيث الصالحين
يا رجــال الله حنّــوا وجودوا
قادر المولى يسقي عبّــــاده(17)
يا ربـــي استقبل لدعانا
بجــاه فاطمة بنت المختــار نبينا
يا ربـي غيثنـا بنعمتك
بجــاه محمد رسولك
وأبو بكـــر وعثمــان وعمــر وعلــي سيدنا
يا ربـي تسقينا
وتسقــــي المومنين
والعبــــاد أجمعين
بجــاه سيدنا ونبيــنا شافع المذنبين
يا ربــي تغيثنا وتغيــث الصالحين
بجــاه المرسلين
وتقوم الفتيات في مازونة كل يوم بالتجول في الأزقة وهن حاملات معهن الدمية المسماة في تلك الظروف بغنجة، والتي تعرضنا لذكرها سابقا، وسيأتي الحديث عنها فيما بعد. وغالبا ما تحمل إحدى تلك الفتيات الصغيرات على كتفيها شاة، وتنشد رفيقاتها معها طيلة خمس ليال متعاقبات:
النعجة بغت تبول يا ربي اسق السبول
وتنشدن كذلك:
يا النــو طيحـي نعطيك جديــــة
حوحو(18) ما يسيح ما ينوّح ما يقول البرد عليّ
يا النو أم السـكاوي
شمّخينـا الكسـاوي
يا النـو أم الويدان
اهدمي(19) علينا البيبان
4 - طقس غنجة:
سبق وتحدثنا في الحفلات الموصوفة أعلاه عن طقس غُنجة، المسمى أيضا غَنجة في بعض اللهجات. وتعني الكلمة البربرية غُنجة «مِلعقة كبيرة تستخدم لصبِّ المرق». وبالتالي فغنجة هي تلك المِلعقة المُستخدمة لصبّ المرق والتي تم الاعتناء بإلباسها على شكل دمية.
يكاد يكون طقس غنجة عاما في المغارب، فنحن نجده في الجزائر كما نجده في المغرب، بالجهات الناطقة باللغة العربية وتلك المتحدثة باللغة البربرية. ولهذا الطقس خاصية رمزية بما أن غنجة تمثل أداة تستخدم لصب مادة سائلة. كما أنه طقس مماثل لذلك الطقس القائم على وضع إناء فارغ أمام تمثال إله المطر، لدى بعض المتوحشين على سبيل المثال. أما في الممارسة التي تعنينا هنا، فنحن أمام معتقد إحيائي واضح بعيد كل البعد عن أن يكون مجرد رمز، فغنجة تمثل كما يبدو إلهة فعلية للمطر(20).
القرابين والأضاحي والوجبات الجماعية: إذا كانت الصدقات قرابين تكفيرية موجهة لله، فالأضاحي والهدايا المقدمة لولي صالح لها صفة الاستعطاف والتشفّع. فهدفها هو التوصل إلى نيل عطف الولي الصالح المستقبل لتلك الهدايا والحصول بذلك على تدخل مناسب من قبله. يتجلى ذلك في أقوال موسى في سفر الخروج (V, 3).
نعثر في هذا التكريم المُقام للولي الصالح، على صورة وفية جدا لقربان القدماء لآلهتهم.
يُمَيِّز روبرتسون سميث (M. Robertson Smith) بين القطعة التي يأخذ العابد حصته منها، وبين الضحية المقدمة ككل إلى الآلهة والكهنة. سنرى فيما بعد أن الشكل الأول والثاني من أشكال هذه القرابين حاضرة في الطقوس القربانية للاستمطار في الجزائر.
لا يمثل قربان الضحية أو الحج إلى أضرحة الصلحاء جزءا من الطقس الإسلامي السُّني للاستسقاء في الإسلام، لكنه منتشر بشكل عام في الجزائر. فكلما ألمّ بالمؤمنين شرٌّ، وأرادوا رفعه (مرض، عقم المرأة، إلخ...) قاموا بذبح الأضاحي للأولياء، وتختلف الضحية هنا دون شك حسب الأولياء والمناطق والشر المراد رفعه ودرجة ثراء الشخص المُقبل على تقديم القربان، لكن الخاصية تبقى هي نفسها رغم اختلاف الظروف.
عادة ما يكون الهدف من القربان كما سبق وذكرنا ذلك، تقديم عناصر مادية لإتحاد قُرباني مع الله، لتدعيم وتقوية الرباط الحيوي بين الله وعباده. لأن الشر المُعانى منه هو مؤشر على برودة العلاقة بين الله وعباده، لذا يجب القيام بعمل تكفيري من جانب الطرف الأخير(21). لقد كان القربان المُقدم من طرف الإسرائيليين للتكفير عن إساءة أو ذنب مقترف، من حق الكاهن الذي يقوم بالدعاء للمُذنب(22).
يَمُر القربان الخاص بالاستمطار عموما في الجزائر من مرحلتين: تقدم في البداية هدايا نقدية وعينية لمُقدمي (الأئمة والمُضَحُّون) أضرحة الأولياء، ثم العطايا الغذائية (لحم الضحية، الدقيق، إلخ...) التي يتم تناولها جماعيا في الغالب قرب ضريح أحد الأولياء الصالحين المُتضرّع إليهم. لقد حافظت هذه الوجبة بشكل واضح على الخاصية التي كانت لها خلال الفترة البدائية، وهي الاتحاد مع الله، الذي غالبا ما يجد الولي الصالح المسلم مكانه داخله.
عندما يطلب سكان مازونة المطر، يقدمون للولي سيدي بلمحال ثورا وعدة قناطير من التين والمئات من دوائر الخبز، ومن عشرين إلى ثلاثين عُلبة شمع. يوزع التين والخبز على الفقراء بعد الصلوات المعهودة، أما الثور والشموع والنقود المقدمة، فترجع إلى أسرة المُقدم.
تقدم في منطقة تِنس (Ténès) وْعْدَة (حفل شعبي يقام قرب الضريح، مع وجبة وتوزيع للطعام) على شرف الولي الصالح. وعند منتصف النهار، توزع أطباق ضخمة من الكسكس على المدعوين من طرف أفراد القبيلة المقيمة للحفل والطعام الجماعي. بعد انتهاء وجبة الطعام، يقوم الحضور بزيارة ضريح الولي الصالح المُنظم على شرفه الحفل، ويقدمون هدايا نقدية للمقدم، كما يقوم كل واحد منهم قبل ولوج منزله بأخذ قبضة من الكسكس ونثرها في حقله.
يقام الطعام الجماعي في تلمسان كما سبق وذكرنا ذلك، قرب ضريح الشيخ السنوسي (المسمى دْسُو الوقفة، أي سيد الجفاف) وسط المقبرة. ويتم نثر بقايا الطعام على الأرض، وتكسير الأواني التي استخدمت في الأكل. يُحيل فِعل نثر الطعام على الأرض على طقس معين. ويتم ذلك حتى تتمكن روح الولي الصالح (قديما كانت روح القمح والحصاد) من الحضور وأخذ حصتها من الطعام الجماعي. في حالات أخرى، يحتاط الإنسان الجزائري إذا لم يكن الأمر يتعلق بمعتقد معين، من رمي الطعام الذي وهبه الله إياه. لقد لاحظ الجميع أن المسلمين الجزائريين إذا ما صادفوا في طريقهم قطعة خبز فغالبا، إذا لم يقوموا بأكلها، يحرصون على التقاطها ووضعها بدقة في ثقب من الثقوب الموجودة في الجدران، أو في موضع لن تتعرض فيه تلك القطعة للدهس بأرجل المارة.
ويزعم التلمسانيون أن طيور السماء ستأتي لأكل الكسكس المنثور فوق الأرض. إن هذا الطقس جد محيّر، ويستحق الإشارة إليه. فنحن نعلم حسب عدة أساطير عربية، قدم غولدزيهر مُختارات جيدة منها في مقاله الصادر بـ «Le Globus»، أن أرواح الأموات تعود إلى الأرض في صفة طيور. ألا يجب أن نرى في العادة التلمسانية بنثر كسكس الطعام القرباني لطيور السماء، طريقة يتم من خلالها إشراك الولي المحتفى به وهو الشيخ السنوسي وبقية الأولياء الآخرين الراقدين في هذا المجال الشاسع الخاص بالأموات في تلمسان، في الهدية الجماعية؟
يجب أن نرى كذلك في كِسَر الأواني المستعملة في الوجبة الاحتفالية(24) عادة قديمة جدا، تقدم لنا الديانات القديمة نماذج حولها. فكل ما تم استعماله في عمليات التطهير يجب تدميره، حتى لا تفقد عملية التطهير فعاليتها، إذا ما وُظفت الأشياء المستخدمة في إكمال الطقوس في استعمالات أخرى دنيوية. توجد هذه العادة الدينية لدى بعض الشعوب، ويمكن أن نقابل هذه العادة، ببعض العوائد في بلدان أخرى، إذ يتم كسر الإناء الذي استعمله شخص أجنبي أو استخدم في شيء مُدنس، لأنه أصبح نجسا وملوثا بهذا الاستعمال، وبالتالي يصبح من الممنوع استعماله من قبل المؤمنين. في الحالة الأولى، من المفترض أن الآلهة هي التي تتناول الطعام بشكل جماعي مع العبد، وبالتالي فالإناء يمسي ممنوعا ومحظورا، أما في الحالة الثانية فالإنسان هو الذي دنسه.
لقد وصفت التوراة كِسر الآنية المستعملة في طهي أطباق القربان المُهداة إلى الإله بهدف التكفير عن الذنوب. فنحن نقرأ في سفر اللاويين (VI,28): «سيتم تكسير الإناء الفخاري الذي طهيت فيه (لحم الذبيحة). أما إذا كان الإناء من البُرْونْز، فسيتم تنظيفه بشكل جيد وغسله بالماء».
لقد رأينا أن الهدايا المقدمة من طرف المؤمنين للحصول على المطر جد متنوعة، لكن الهدية الرئيسية هي الضحية التي يتم ذبحها على شرف الولي الصالح الذي يتوجه إليه المؤمنون. نفس الأمر نجده لدى العبرانيين، وقد قدم فلهاوزن (Wellhausen) مُلاحظة مماثلة حول عادات العرب القدامى قبل الإسلام(25).
يتعلق الأمر هنا في طقوس الاستمطار، بضحية مقدمة من طرف عدد كبير من الناس، لذلك فهي غالبا ما تكون عبارة عن ثور، شاة أو تيس، في حين إذا كان الأمر يتعلق بشخص واحد مُقدِم على تقديم الضحية للولي الصالح الذي يرجو بركته، فهو عادة ما يقتصر على ديك أو دجاجة.
لا يجب أن تكون الضحية (ثور، شاة، تيس، إلخ.) كيفما اتفق الأمر، بل يجب أن تكون مميزة وذات علامات خاصة، وموافقة لإشارات معينة. وعادة ما تكون سوداء(26)، دون بقع وبالغة. لقد أشار موسى بدقة للإسرائيليين بخصوص الحمل الفصحي «تكون لكم شاة صحيحة ذكرا ابن سنة»(27). عديدة هي الأوصاف المتعلقة بالضحية دون بقع، خاصة في التوراة، إضافة إلى طبيعة الطقوس الواجب القيام بها أثناء تقديم القربان(28).
نستنتج من خلال ما سبق، تنوع طقوس الاستمطار في الجزائر مطلع القرن العشرين، كما وقف عليها المستعرب ألفريد بل، واختلافها بشكل كبير عن الطقوس السنية للإستسقاء، وهو ما يجب تجنب ربطه بشكل تلقائي بمخلفات الحقبة القديمة، لأن ذلك ينطوي على مجموعة من التحريفات أهمها، القبول بمبدأ تراتب المعتقدات الدينية وإمكانية وجود دين حقيقي معزول بطريقة أو بأخرى عن بقية المظاهر المجتمعية الأخرى(29). كما أن هذه الطقوس تكاد تتطابق مع تلك التي كانت سائدة في المغرب خلال نفس الفترة، مع تسجيل بعض الاختلافات الطفيفة بينها(30).