اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

دور بيئة الكويت الصحراوية في التأثير على حرفة ومنتجات السدو التقليدية
تعتبر المنسوجات اليدوية على اختلاف أنواعها، ومواد نسجها، ووظائفها، وأشكالها، وألوانها، وطرق نسجها عناصر حيوية وفعالة في ...

الزاجرة وطرق الري التقليدية في البحرين
تعرف عملية ري الأراضي الزراعية عند العامة في البحرين، باسم «لتسِگي» (أي السقاية)، ويسمى الشخص الذي يقوم بهذه...

«الفولكلور» والتحولات عبر الزمن
في سبعينيات القرن الثامن عشر، قدم الفيلسوف الألماني يوهان جوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder) طريقة جديدة للنظر إلى م...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
عن الصورة الشعرية عند شعراء الطوارق «كلْ اسُّوكْ» أنموذجا(1)
العدد 41 - أدب شعبي

أ. محمد أغ محمد - كاتب من مالي

 

لقد تأَسَّستْ عن الرجال الزرق صورة أسطورية، تطغى عليها المسحة الفلكلورية، غطَّتْ أغلب الجوانب المضيئة الأخرى عن الملثمين، وإن كانت في تلك الصورة زوايا مدح وثناء كالشجاعة، وفنون القتال، والارتحال، والموسيقى، وكتب عن تقاليدهم وعاداتهم الشيء الكثير خاصة باللغات الأجنبية غير العربية، وظل «أدبهم» المكتوب بالعربية، والطارقية معا طي النسيان، ولما يكتشف العالم تلك الحلقة المفقودة من تاريخ الشعر العربي بع(1)، ذلك المنجم الغني الذي أبدعته الموهبة الطارقية بين رمال الصحراء الكبرى في إقليم «أزواد» شمال مالي، فهو عبارة عن تراث شعري غزير، بكْرٍ لم تطرقه أقلام الباحثين، ويستدعي الحديثُ عنه مشاريعَ بحثٍ عديدة، مثل الموضوع الذي بين أيدينا (الصُّورة الشعرية).
وهو محور بحد ذاته يستوجب كتابةً طويلة النفَس، للوقوف على الأبعاد الوجودية، والفلسفية، والنفسية، والأسطورية، والاجتماعية للتصوير، والصورة لدى المبدعين الطوارق عموما، إلا أن هذا البحث عبارة عن عجالة سريعة، تقتصر الكلام ـ أولا ـ حول شعر قبيلة واحدة من قبائل الطوارق «كلْ اسُّوكْ»، كما تلخص ـ ثانيا ـ جوانب الموضوع عبر ثلاث نقاط فقط(2):
مفهوم الصورة الشعرية.
آليات التصوير لدى شعراء «كلْ اسُّوك».
نماذج من الصور المركبة.

مفهوم الصورة الشعرية:
يستهلُّ الدكتور خالد الزواوي كلامه عن الصورة الشعرية» بقوله: (الصورة مصطلح نقدي حديث)(3) وكأنه يتجاهل مدى اهتمام النقاد القدامى بـ«الصورة»، والذين يتزعمهم الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابيه «الأسرار»، و«الدلائل»، وقبله الجاحظ الذي يرى بكل صراحة أن (الشعر جنس من التصوير)(4)، ويعني ذلك أن (التصوير ليس جانبا من جوانب الصورة فقط، ولكنه الشعر كله)(5)، ويحلل أستاذنا الرحموني تركيز الجاحظ على البعد التصويري للشعر قائلا: (ويبدو من خلال هذا التركيز أن أبا عثمان لا يقصد من ذلك الصورة الشعرية فقط، ولكن أيضا ما تحمله هذه الصورة من أبعاد تخييلية في الشعر)(6 )، وها هو الجرجاني يقدم أكثر من تعريف للصورة متجاوزا بذلك الفهم التقليدي، إلى وعي فلسفي متقدم، ويقول: (واعلم أن قولنا: «الصورة» إنما هو تمثيل لما نعلم بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين أجناس الآحاد تكون من جهة الصورة،فكان تبين إنسان من إنسان، وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا ولا تكون في صورة ذاك، وكذلك الأمر في المصنوعات، فكان تبين خاتم من خاتم، وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً، عبرنا عن ذلك الفرق، وتلك البينونة أن قلنا : للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذاك)(7)، ويفصل الإمام مفهومه للصورة أكثر بالخلاصة التالية، التي توضح كيف يتم التصوير في المصنوعات وفي الكلام، ففي الأولى يتم بنحت «صورة»، وفي القول يتم بـ«النظم»: (جملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة أو الذهب خاتما أو سوارا، أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما، ولكن يحدث فيهما من الصورة كذلك لا تكون الكلمة المفردة التي هي أسماء، و أفعال، و حروف كلاما أو شعرا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو، وأحكامه)(8).
وبهذا يثبت الجرجاني تطابقا بين مفهومي «الصورة» و«النظم»، كما يوضح المعنى الفلسفي، والنقدي معا للصورة، وهو المعنى الذي لن يزيد عليه د خالد بشيء سوى تغيير الحروف دون أن يشير إلى الإمام ! وها هو يقول: (لكي نحدد الصورة علينا أن نضع أمامنا شيئين مهمين: الأول الوجود الحاضر الماثل أمام بصري، ووجوده غائبا متمثلا أمام بصيرتي، فالأول وجود الشيء، والثاني وجود صورته، ويمكن أن أنمي الوجود الثاني، وأضمه في سلك صور أخرى متشابهة، أو مخالفة لعلاقة بينهما، كما يمكنني تفتيت الصور الجزئية، وتشكيلها على نحو جديد فيه من الواقع، وفيه من الخيال أيضا)(9)، على أننا مقتنعون بأن الاهتمام الكبير والمحوري الذي حظيت به «الصورة» في النقد الحديث لا يقارن بما لدى القدامى الذين شغلتهم «المصطلحات البيانية الأخرى» كالنظم، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، فالمحدثون بلغ بهم الاهتمام بـ«الصورة» أن فكوا ارتباطها المطلق بالمجاز، فبدلا من ذلك ربطوها أكثر بـ«العاطفة والعالم النفسي عموما»! (إن قيمة الصورة لا تبدو في قدرتها على عقد التماثل الخارجي بين الأشياء، وإيجاد الصلات المنطقية بينها، وإنما قدرتها في الكشف عن العالم النفسي، والمزج بين عاطفته والطبيعة)(10).
ويظهر لي أن النقاد القدامى انشغلوا بـ«أدوات الصورة» كثيرا، فلم ينتبهوا للتركيز عليها باعتبارها «الكلي»!، بينما المحدثون ينطلقون في تحليلهم من «الصورة» نفسها ليحللوا أجزاءها، وآلياتها، وأبعادها اللغوية، والخيالية، والنفسية، وإلا فكلهم يعون البعد التمثيلي، والتصويري للأدب، والشعر، والفن عموما، وإن اختلفت طرائق التناول، والمعالجة، وتلك النظرة الشمولية للمحدثين حررت «الصورة» من الارتباط الحتمي بـ«المجاز» فليست بالضرورة مقصورة على النواحي البيانية المعروفة من تشبيه، واستعارة، وكناية كما لدى القدامى، (بل قد تطلق على أساليب من الحقيقة)(11).
لكني في تحليلي هنا سأحتفظ أكثر بالاتجاه الذي يربط الصورة بـ«المجاز»، «والتشبيه»، دون تجاهل البعد «النفسي»، فما يهم المبحث هو تقديم نماذج من الصور الفنية الرائعة في الشعر العربي عند كلْ اسُّوكْ، تشويقاً وإغراءً إلى هذا الديوان العربي المنسي وراء الصحراء الكبرى، وذلك من خلال المحورين التاليين:
آليات التصوير الشعري لدى السوكيين.
تحليل نماذج مختارة للصورة الشعرية.

آليات التصوير الشعري لدى السوكيين:
تعتمد اللغة الشعرية في التصوير على وسائل رسم معينة، أهمها «التشبيه»، و»الاستعارة»، و«الكناية»، وهي آليات لها وظائفها، التي ترجع كلها إلى «التوضيح، والإبانة»، يقول العسكري: (إن التشبيه يزيد المعنى وضوحا، ويكسبه تأكيدا، ولهذا أطبق عليه جميع المتكلمين من العرب، والعجم، ولم يستغن عنه أحد)(12)، ويرى ابن سنان في الاستعارة ما يراه في التشبيه من توضيح المعنى: (رفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى لا العكس)(13)تلك هي الأبواب الرئيسة ل»علم البيان»، وفي الواقع ترجع كلها إلى «التشبيه» الذي يعني لغة «التمثيل»، والتمثيل في النهاية هو التصوير، لأن «الاستعارة» ليست سوى تشبيه حذف أحد طرفيه، و«الكناية» كذلك تشبيه ليس صريحا، وتفصيل ذلك مع التطبيق هو الآتي باختصار.
1 -التشبيه:
التشبيه هو «(الدلالة على أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر بواسطة أداة من أدوات التشبيه)(14)، ويقسم عبد القاهر الجرجاني التشبيه إلى نوعين: تشبيه لا يحتاج لبعد نظر من أجل وضوح وجه الشبه، وآخر يحتاج لتأول لبعد العلاقة بين المشبه والمشبه به(15)، ويحتل التشبيه مكانة عظيمة جدا لدى الإمام، ويبدو أنه جعله منطلقا أساسيا لكتابه «أسرار البلاغة»، واستهل به تحليله، وتنظيره، ويكاد الكتاب كله يكون تفريعات للتشبيه!، إلا أنه يفرق بينه وبين «التمثيل» علما بأن الأخير جزء من الأول، فما يحتاج للتأمل، والتأول هو «التمثيل»، وغيره هو التشبيه(16)، على أن البلاغيين المتأخرين سيسمون بعده النوع الأول بـ«التشبيه التمثيلي»، ويدرجونه ضمن أنواع التشبيه، وهو الذي يكون فيه وجه الشبه منتزعا من عدة صور(17)! وهو أبلغ التشبيهات.
تبعا لتقسيم البلاغيين القدامى للتشبيه نعرض نماذج مختارة في الشعر السوكي، للاطلاع على أبدع الصور التي رسمها السوكيون عن طريق التشبيه على مستوى الأنواع الثلاثة:
التشبيه غير التمثيلي.
التمثيلي.
الدائري.
1 - 1 - التشبيه غير التمثيلي:
هذا النوع ــ بكل أشكاله التي شرحها البلاغيون مؤخرا من «التشبيه المفصل، والمجمل، والمؤكد، والبليغ، والضمني» - متوفر بكثرة لافتة في المتن الشعري السوكي، وهذه أمثلة لكل واحد(18):
أ - التشبيه المفصل:
وهو الذي ذكر فيه وجه الشبه(19)، كقول الشاعر عبد القادر:
سِيَّانِ دُرِّيُّ الْعُقُودِ وَثَغْرُه
فِي النَّظْمِ، لَا فِي كُلِّ مَاهِيَّاتِهِ
كَالْغُصْنِ قَدّاً(20)، كَالْغَزَالِ تَلَفُّتا
كَالْبَرْقِ فِي الظَّلْمَاءِ فِي بَسَمَاتِه
ففي البيت الأول بالغ في التصريح بوجه الشبه، لمزيد من التركيز على ذلك الوجه بعينه، فشبه «ثغر الظبي» الذي يعني به «المعشوقة» بـ(دري العقود)، مؤكدا أن ذلك الشبه في (النظم) فقط، لا في كل الجوانب، لأن الثغر في بقية الزوايا أجمل بكثير من دري العقود، وفي البيت الثاني عدة تشبيهات صرح فيه بوجه الشبه، فالظبي مثل الغصن في القامة، والغزال في حسن التلفت، والبرق في الابتسام من خلال الظلمات، وأحيانا يعمد الشاعر إلى إخفاء وجه الشبه لغرض ما!
ب - التشبيه المجمل:
وهو ما لم يصرح فيه بوجه الشبه(21)، فقد يخفي الشاعر تارة وجه الشبه، ولا يصرح، بل يكتفي بالتلميح لإعطاء القارئ فسحة التأويل، وأحيانا من شدة وضوح وجه الشبه، وهذا النوع كثير جدا في الشعر السوكي، كالبيتين التاليين للشاعر الحاجْ:
مَهَاةٌ لَهَا جِيدُ الْمَهَاةِ، وحَاجِبٌ
كَنُونٍ، وفَوْقَ نُونِهِ غُرَّةُ البَدْرِ(22)
وطَرْفٌ سَقِيمٌ كالسِّنَانِ لِعَاشِقٍ
لَهُ فَتَكَاتٌ كَالْهِزَبْرِ أَبِي أَجْرِ (23)
فالبيتان غنيان بالصور البيانية، والشطر الأول منه يبدأ باستعارة فتشبيه، ويبدأ شطره الآخر بالتشبيه ثم الاستعارة، دون التصريح بوجه الشبه في كل، فجيدها استعار له جيد المهاة في الطول، والجمال، والحاجب بالنون في التقوس، ثم شبه جبهتها بغرة البدر عن طريق الاستعارة التصريحية المجردة!
ثم دبج البيت الثاني بهذا التشبيه المركب التمثيلي، الرائع، فطرفها رغم سقمه! يشبه الرمح للعاشق، إذ يفتك به كفتك الأسد المدافع عن جرْوِه!
وفي بعض الأحيان يحذف الشاعر أداة التشبيه نفسه من شدة الشبه الذي يتخيله بين الطرفين، فيكون المشبه هو المشبه به عينه!.
ج - التشبيه المؤكد:
والمؤكد هو الذي حذفت فيه أداة التشبيه(24)، كما يقول هارون وهو يمدح الزعيم الفلاني المدعو «بِلُّو»:
هو الْوَبْلُ فِي الْمَعنَى فوافَقَ لفْظَه
فجاءَ على وِفْقِ اتِّفاقِهما البَلُّ
فبإيحاء بديع، واستدعاء دلالي لغوي يشبهه بـ«الوبْل» معنى ولظفا، فمنهما «البَلُّ» معا، والهطول، كناية عن مدى جوده، وقد حذف أداة التشبيه من شدة التشابه الكبير الذي يعتقده بين «الوابل» و«بلُّو»!، ومثله تشبيه قوم الممدوح بـ«الأقمار» والنجوم» لاشتراكهم معها في «إنارة الطريق»، و«اهتداء الناس» بنورهم، كما في قول أعالي اليماني:
وبِصحبِهِ في كلِّ خَيْرٍ يَهْتَدى
مَا فيهِمُ إلَّا أَبَرُّ مُوانِسِ
أَقْمارُ ليْلِ جَهالَةٍ ونُجومُها
منْ هاشِمٍ أوْ خَزْرَجِيٍّ كَائِسِ
ويبلغ التشبيه ذروته تارة حين يحذف كل من أداة التشبيه، ووجه الشبيه، فيحتد إيهام أن المشبه به هو عين المشبه، ولذلك يسميه البلاغيون:
د- التشبيه البليغ:
يعرفونه بأنه ما حذفت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه معا(25)، كما في المثال السابق، وفي قول الشاعر المُرْتَضى:
هُو القَمَرُ المنيرُ ومَن إذَا مَا
كَسَا الغَيْمُ السّمَاالظّلْمَا أَنَارَا
فهو يجعله قمرا مباشرة دون تحديد وجه الشبه بصورة مشتركة، وإن شرح الأمر في الشطر الثاني بطريقة استئنافية، كما أنه لم يصرح بأي أداة من أدوات التشبيه.
و- التشبيه الضمني
لأنه الذي يرد ضمنا، من غير أن يصرح به من خلال الطرق المعهودة(26)، فيترك أمر عقد التشبيه للقارئ نفسه، وهدفه غالبا توضيح أن الصفة المثبتة ممكنة، وكأنه «حجة بلاغية»!، ومثاله في الشعر السوكي قول أحمد الإمام محمد إكنن:
لَا تُنْكِرُوا دَمْعَ الْمُحِبِّ إِذَا انْهَمَى
لَا غَرْوَ إِنْ جَادَ السَّحَابُ بِقَطْرِه
فهناك قضيتان في شطري البيت، الأولى: «انهمار دموع المحب»، وتم إيراد الثانية «جود السحاب بقطره»، باعتبارها حجة على إمكانية الأولى، فكأنه قال: «دمع المحب ينهمي كما يجود السحاب بقطره»!، لكن عدل عن ذلك الأسلوب الصريح في التشبيه إلى طريقة تشبيهية أخرى ضمنا! ومن صوره الجميلة قول الشيخ ذو الكفل:
لا تُنْكِرُوا شَرَفِي عَلَى بُلَغَائِهِمْ
عَلَتِ الصُّدُورُ وَفَوْقَهُنَّ الْهَامُ
فيريد أن يقول: «كما لا يستغرب أن الصدور عالية، ومع ذلك فوقهن الهام، فكذلك لا يبنغي استنكار تفوقه على البلغاء رغم بلاغتهم»، فهو تشبيه مركب ضمنا!، فهو يشبه نفسه بـ«الهام»، والبلغاء بـ«الصدور»، وهو نفسه يقول في رثاء الشيخ حمَّادو، متحدثا عن كونه لم تتغير مكانته بعد الموت، فهو يكاد يزداد علوا، وسموّاً في لحدِهِ:
لَا تَعْجَبُوا أَنْ غَلَا فِي اللَّحْدِ جَوْهَرُه
ُفلَمْ تَرَوْا جَوْهَراً يَغْلُو كَمَكْنُونِ (27)
فكما أن أغلى الجواهر هي المكنونة، فكذلك الشيخ بعد اللحد أيضا غال معناه، وجوهره! فقيمته المعنوية الروحانية لم تتأثر بالموت!
وهكذا ظل السوكيون يبدعون الصور البيانية مستخدمين آلية التشبيه بأنواعه المختلفة، وتلك نماذج سريعة للنوع الأول القريب من «التشبيه»، وها هو القسم الثاني الذي يحتاج إلى تأول، واستخدام نظر لدى الجرجاني.
1 - 2 - صورة من النوع الثاني: التمثيل:
فقد تقدم تعريف كلا النوعين، ويبقي التذكير بأن هذا النوع أشد عمقا، وأكبر تأثيرا في التصوير، باعتراف النقاد القدامى، ولذلك خصوه باسم «التمثيل»، وحده رغم أن الصور السالفة لا تخلو من البعد التصويري، التمثيلي، نقرأ هذه الصورة المدهشة بواسطة التشبيه التمثيلي لمحمدو يوسف في وصف روضة:
كأنَ ضاحيَ حَصْباها إذا انحسرتْ
خيطانُ عوْسَجِها عن شمسِ ضاحِيَتِهْ (28)
دُرٌ تَناثرُ أو لولٌ منضدةٌ
من لولِ لافظةٍ أو من زبرجدتِهْ
فوجه الشبه بين حصبا الروضة، ورمالها في جنباتها، وبين الدر المتناثر ليس مفردا، بل هي صورة مشبهة بصورة!، فهناك صورة الرمل المتناثر جنب الروضة تحت أنوار الشمس، شبهت صورة درَّ تنَاثَرَ، أو لآلئ منضدة، منظمة!
ومن الصور الرائعة في هذا التشبيه قول أحمد موسى وهو يشبه ناقته في سرعتها بـ«نعام» تذكَر بيضه، فأصبح يعدو مثل الريح!:
فكأنها هَيْقٌ تذَكَّرَ بَيْضَه
فَعَدَى يَعُودُ له كَمَرِّ شَمالِ
وبجانبه نوع آخر من التشبيهات المعقدة، والمركبة أكثر، هو نوع يجمع بين التشبيه العادي، والتمثيلي، كما يحمل عنصر المفاجأة الأسلوبية، عن طريق المقارنة، ويسمى:
1 - 3 - التشبيه الدائري:
ويعرفه أحد الباحثين: بأنه المشابهة التي يحدثها الشاعر بين شيئين أو أشياء في تركيب فاتحته نفي بحرف «ما»، وخاتمته إثبات بحرف «الباء», واسم التفضيل الذي على وزن «أفعل»(29)، وهو من آليات التصوير الفني القديمة، التي تجمع بين جمالية البديع، وقوة البيان، حيث يتمكن الشاعر من رسم صورة بليغة، في منتهى الإقناع والتأثير ثم يفاجئنا بأنها أقل مكانة، أو مثل الصورة التي يتحدث عنها، في مقارنة شديدة بين المشبه، والمشبه به، حيث يكشف الشاعر عن مساواة حقيقية بين طرفي التشبيه، إن لم يكن المشبه أصلا أقوى في وجه الشبه، ويتنافس الشعراء في ذلك التركيب، ها هو الشيخ الخضرْ متحدثا عن وجده، وشوقه:
فمَا أَبُو وَاحدٍ حَانٍ أُتِيحَ لَهُ
أَنْ حَانَ في غُلَوَاءِ اللّهْوِ وَاحِدُهُ
فظَلَّ يَشْرَطُ بالْمِشْرَاطِ لَمَّتَهُ
ويَلْطِمُ الخَدَّ حتّى كَلَّ سَاعِدُهُ
يَوْماً بِأَحْزَنَ مِن وَلْهَانَ أَخْبَرَه
وَشْكُ الصّرِيمَةِ أَنَّ الْوَجْدَ فَائِدُهُ (30)
وأبدع من هذه الصورة تصويره لجلالة ذكر أخيه، وحبيبه محمود محمد الصالح في بعض إخوانياته:
ومَا الضَّحَك الْمَاذِيُّ دَارَتْ كُؤُوسُهُ
علَى الرَّاحِ واحْلَوْلَى لِبَكْرٍ ومَالِكِ (31)
ولَا خَمْرَةٌ مِنْ خَمْرِ عَانَةَ زُوِّجَتْ
بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ صَدَّاءَ عَاتِكِ (32)
بِأَعْذَبَ فِي الْأَفْوَاهِ مِن ذِكْرِه، ولَا
رُضَابِ مَهَاةٍ مِن مَهَا الأُنْسِ فَالِكِ
فالشاعر في هذه الأبيات الثلاثة رسم ثلاث صور (المشبه به) هي:
عسل ماذي، ممزوجا بالراح، وصار حلوا باعتراف قبيلتي بكر ومالك المعروفتين بخبرتهما الطويلة في العسل.
خمرة من خمر «عانة» وهي جهة أخرى خبيرة في صنع الخمر، ويوثق بمنتوجها السلافي، وتلك الخمرة مزجت بماء صداء ...
رضاب فتاة جميلة، فالكٍ، مثل بقر الوحش.
هذه أقوى نماذج الحلاوة التي تخلب الألباب، وتسكر أولي النهى ثم يؤكد الشاعر أن هذه «المسكرات» ليست بأعذب في الأفواه من ذكر «محمود»!!
فهو إبداع في التصوير، وتقريب كبير للصورة، عبر تشبيه ضمني، بأسلوب مقارنة ومفاجأة!
وبهذا تتبين معالم التصوير والرسم على يد الفنانين من شعراء «اسُّوكْ» بواسطة «التشبيه»، مستخدمين سائر الأساليب التشبيهية المعروفة في الشعر العربي القديم، وليست التشبيهات أكبر لديهم من «الاستعارة» التي يعتبرها البلاغيون أبدع من التشبيه.
2 - الاستعارة:
الاستعارة: مجاز علاقته المشابهة، أو بعبارة أخرى: تشبيه حذف منه أحد طرفيه (المشبه أو المشبه به)(33)، والاستعارة أقوى أدوات التصوير، حيث يظهر المصوَّر متشابها، مختلطا بـ«المشبه به»، وكأنه هو أو أعلى منه في خصوصيته المعنية، وتزدان القصائد السوكية كثيرا بهذا الأسلوب العربي المبين، وفيما يلي نماذج مختارة لروعتها:
2 - 1 - نموذج 1:
يتحدث حمَّدا محمد حادي عن دعوته عليه الصلاة والسلام:
تنَفَّسَتْ في دَيَاجِي الجَهْلِ دَعْوَتُه
صُبْحاً مَبَادِيهِ تَدْثِيرٌ وتَزْمِيلُ
فَدَوَّخَ الغَيَّ في أَيَّامِ عِزَّتِه
إذْ تُعْرَفُ اللّاتُ والإيمانُ مجهُولُ
في تلميح خفي إلى الآية الكريمة {والصبْحِ إذا تنفَّسَ} ﴿سورة التكوير، آية 18﴾، يشبه «دعوته» عليه السلام بـ«فجْرِ» أو بـ«نور» تَنَفَّس بـ«الصبح» بين «ظلمات الجهل»، فانزاحت، واستحالت إلى أنوار عمّت الكون كله، وكانت الصورة هنا مركبة من استعارات متنوعة، من استعارة مكنية إذا أجريت في «الدعوة» أو «تبعية تصريحية» إن أجريت في «تنفست»، مرورا بـ«دياجي الجهل»، وهي استعارة تصريحية مجردة، على أن الصورة القوية المدوّية تأتي مع البيت التالي، حيث يظهر «الغيَّ» متأثرا بفعل هذه «الدعوة»، واختار الشاعر كلمة «دَوَّخ» تعبيرا عن حالة الهزيمة النكراء التي لحقت بـ«الضلال»، بعدما كان في «عزِّ وقوة»، فهذه الاستعارة المزدوجة، والمزاوجة مع «مقابلات» تحدد ـ بشكل حاسم ـ فترتين زمنيتين تاريخيتين تمت الإشارة إيحاء إلى انتمائهما الزماني باستخدام كلمة «الدياجي» والصبح» و«الأيام»، والحال أن المقصود تصوير:
ما قبل الدعوة المحمدية ما بعد الدعوة المحمدية
سيادة ليل الجهل انتشار صبح الدعوة
عزة الغي والضلال انهزام الضلال والباطل
تعرف اللات، ويجهل الإيمان
تكسر اللات، ويعرف الإيمان
وبضدها تتميز الأشياء، فقد تمكن الشاعر حقا من رسم الصورتين المتقابلتين أعلاه، عبر استعارات بديعة.
2 - 2 - نموذج 2:
يقول هارون محمد مفتخرا بقومه السوكيين:
ففاضَ عليهمْ علمُ موهبةٍ علَى
علومِ اكتسابٍ كلُّ أمرِهمُ يعلُو
إذا ما تصدَّى المرأُ للغَضِّ مِنهمُ
تموجُ قوامسُ يُحسُّ لها زجلُ
فقد استعار كلمة «فاض» لوجود «العلم الموهبي» مع «العلوم المكتسبة» فيهم، بجامع الانتشار، عن طريق الاستعارة التبعية، وللفظة «فاض» دلالة بيانية شديدة هنا فهم في «فيض معرفي وعرفاني»، فعلومهم فائضة!، لذلك ستأتي الاستعارة الأخرى معقولة، ومناسبة قد هيئت لها الأجواء في البيت الثاني عبر كلمة «القوامس»!، فقد استعار ل«القوامس» اللغوية معناها اللغوي الأصلي «البحار»، بتورية واستعارة معا، ويذكر شيء من لوازم البحار: لفظة (تموج)، وهي ردة الفعل التي تأتي تلقائيا كلما حاول أي إنسان أن يسيء إلى «آل اسوُّكْ»، وهو تعبير في النهاية كناية بليغة عن شدة علاقتهم الوطيدة مع اللغة العربية، التي كني عنها بـ«القوامس»!، فهي تدافع عنهم مباشرة!
2 - 3 - نموذج 3
يقول ذو الكفل محمد: من قصيدة في رثاء سيدي محمد باي الكنتي، فيمدحه قائلا:
ويُنْبِتُ في أَرْضِ القُلُوبِ إِنَابَةً
فتَحْيَى كَمَا يُحْيِي مُوَاتَ السَّفَا القَطْرُ
عبر كلمات استعارية فاتنة فنيا صوَّر ذو الكفل أفعال الشيخ المتوفى، بأفعال مجازية في أرض مبتكرة (أرض القلوب)!: (إنبات الإنابة)، (حياة القلوب بالشيخ)، فاللافت للنظر هنا تصريحه في النهاية بالمشبه به، بعدما أخفاه، فأنهى البيت بالتشبيه الذي أضمرَهُ، مؤكدا بذلك قوة الشبه بين أثر الشيخ في القلوب، وأثر المطر في الأرض.
كناية عن مدى تقواه، وعظمة كرامته، ومقدار تربيته لمريديه، والناس أجمعين، و«الكناية» إحدى الأساليب التصويرية التقليدية للشعر العربي، واستثمرها السوكيون في رسم الصور الفنية الجميلة.
3 - الكناية:
الكناية كما يعرفها القزويني نقلا عن السكاكي: (لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه)(34)، وهي من ألطف أساليب البلاغة باتفاق أهل الفن(35)، وممن يستخدمون في صورهم هذا التمثيل الشيخ الخَضرْ كقوله في إحدى إخوانياته إلى محمود محمد الصالحْ:
وذُو بُرْمَةٍ رَحْرَاحَةِ الْقَعْرِ لَمْ تَزَلْ
تَفُورُ بِلُحْمَانِ النِّيَاقِ الضَّنَائِكِ (36)
فيمدحه بأنه صاحب قدر واسعة القاع، والقعر، وعادتها أن تفور بلحوم النوق العظام، فالمقصود هنا هو لازم المعنى الذي هو «الكرم، وحسن الضيافة» كما يقولون: «كثير الرماد» للدلالة على نفس المعنى بواسطة الكناية، ويقول في بيت آخر يشكو الوجد والهيام:
وهَبَّ إِعْصَارُ هَمٍّ في جَوَانِحِنَا
لَوْ هَبَّ في أَجَأٍ رُضَّتْ جَلَامِدُهُ
فمع الاستعارة الواضحة في «إعصار همٍّ» الذي هبَّ بقوة في جوانحه، والذي وصلت درجة قوته أنه لو دهم الجبل المعروف بـ«أجَأ» لاندكَّ اندكاكاً، وذلك كناية عن شدة مكابدته للشوق، وتعرضه لرياحه العاتية، في تصوير مؤثر للمعاناة التي يخلفها الوجْدُ، وتباريحه.
وكما قال الشاعر محمدو تانا:
تَغْلِي مَرَاجِيلُ حَرْبٍ في صدورِهم
إنّ المَرَاجِلَ يَصْلَوْنَ المَرَاجِيلا
فغليان المراجيل في صدورهم كناية عن شدة هيجانهم، وغضبهم المهلك للأعداء، فهم ينفثون النيران عليهم، ويصلى أعداؤهم بها.
بعد استعراض هذه الصور الجزئية انطلاقا من آليات التصوير التقليدية عند السوكيين، يجدر بنا الوقوف سريعا مع «الصور المركبة» في هذا المتن الغني بملامح الإبداع.

نماذج من الصور الشعرية المركبة
لتحليل هذه المحور اخترت أربع نماذج مختلفة: صورة طبيعية، وأخرى بدوية، وثالثة صورة المرأة لديهم ونختم الكلام بصورة حضارية.
صورة طبيعية: الروضة(37):
يقول الشاعر محمَّدو يوسف واصفا روضة من محض خياله المتدفق:
في روضةٍ قد زهتْ أنوارُها ونمتْ
أزهارُها وحكتْ مسكًا بأصورتِهْ
فيحاءَ طيبةِ الأنفاسِ قنّعَهَا
فصلُ الربيعِ قناعًا من سفرْجلتِهْ (38)
مخضرَةٌ طالما احمرَتْ شقائقُها
وافترَ نُوارُها في وجهِ نَرْجِسِتِهْ (39)
والنخلُ ما بيَن باسقٍ مُهدَبةٍ
صنوا مُهلبةٍ قَنوَا مهدلتِهْ (40)
وكارعٍ أَثةٍ قيدَا مُوَبرةٍ
أبْرًا موكتةٍ بُسْرًا مُكَمَمَتِهْ (41)
يشدو بها بينَ جناتٍ مزخرفةٍ
ما بينَ أودعَ غِريدٍ وعِكرِمِتِهْ
كأنَ ضاحيَ حَصْباها إذا انحسرتْ
خيطانُ عوْسَجِها عن شمسِ ضاحِيَتِهْ (42)
دُرٌ تَناثرُ أو لولٌ منضدةٌ
من لولِ لافظةٍ أو من زبرجدتِهْ
يبيتُ كلُ مُلثٍ وادقٍ زجلٍ
يَشي فينشرُ عنها الريْطَ من شيِتِهْ (43)
تنتابْ سقفَ السماء الأيكُ تحسبُنَا
بحافةِ الروضِ ضربًا من بنفسجتِهْ (44)
ترى الغصونَ نشاوى من نداوتِها
يُراودُ الغصنُ غصنًا من مُعانقَتِهْ
يَدبُ فيه من الأعلى لسافلةٍ
ماءُ النعيمِ ومِن سُفلى لعاليتِهْ
كالروحِ في الجسمِ أو كالراح يُحسبُ في
لا شيءَ متقدًا في كفِ ساقيتِهْ
تخالُ سقفَ السمآ عَ الماءِ مُنبسطًا
من تحت ذا السقفِ ممهودًا لأنديتِهْ (45)
وتحسبُ الشهبَ سُحْباً والسما لججَا
والطيرُ غاصةَ مصرِ فوقَ مسبحتِهْ
ترى به تُحَفَ التُفاحِ ناميةً
والسوسنُ الغضُ منبثًا بحافيتِهْ
يستحضر محمدو في رسمه الفاتن لهذه الصورة جميع «المكونات الساحرة» لسائر الحواس، ويبدع لكل حاسة صورة خاصة بها، فأحضر الألوان، والرائحة، والغناء، والنعومة، ليشبع «العين»، بتلك (الأزهار) الزاهية، مع (أنوارها) الزاهرة، وخضرتها، واحمرار شقائقها، ويغرق «الأنف» بطيب (أنفاسها الندية)، و يفتن «الأذن»، بذلك (الغريد) الذي يسجع بين جناتها، ويوحي إلى مبادلة الأغاني بين «الغريد» و«عكرمته» !، لمزيد من حفلة الموسيقى المشركة، ولا يفوته بعد «اللمس» الذي سيتمناه «اليد» حين يرى صورة (الغصون الناعمة) التي بلغت من النداوة أن يسحر الغصن غصنا، فيراوده، ويتمنى معانقته !!، كما لا ينسى حتى بعد الذوق المادي، ليثير شهية «الفم» حين يقدم له صورة تفصيلة عن (النخل الباسق، وغيره)، وصورة (تحف التفاح النامية) مع (السوسن الغض) آخر المقطع، ثم يجعل (الوادق/ المطر) يبيت عليها بقطراته فتبقى نداوة غصونها، ونضارة أزهارها على الدوام.
تتكرر «الصورة الملونة» أكثر من مرة، لأهمية «العين» لدى الشاعر، فمع تصوير «الأنوار» و«الأزهار» في المقدمة يعود الشاعر إلى حاسة النظر مرة أخرى ناثرا لها على جنبات الروضة رملا من «الدر المنثور»! لا من التراب، كما يدمج نفسه وأصحابه داخل شاشة الصورة الكلية للروضة، فهم عن كثب يبدون (ضربا من ورودها / بنفسجها)! في حالة توحد صوفي، وشعري، والواقع أن الصورة في النهاية تتوحد مع جمال الكون كله، إذ إنك ستحسب (سقف السماء) واقعا تحت (ماء الروضة)، وتنعكس صورة السماء على السطح وكأنها (لجج البحر)، وتبصر (النجوم) مختلطة (بالطيور) في سباحة عجيبة وسط الروضة!.
إنها لوحة فنان بارع يتقن صنع الصور الملونة، والشهية، والمقروءة، كما يتقن تركيبها في صورة فسيفسائية واحدة، لا يملك الفنان المبدع نفسه خيارا سوى الانغماس فيها، والتوحد معها هو وجمال الكون كله في النهاية، لحظة شعرية شعورية غارقة في فهم وتصوير الجمال الطبيعي.
والعجب أن يبدع هذه اللوحة الفنية شاعر عاش، وتوفي في الصحراء الكبرى، وله في مجال التصوير باللغة العربية هناك زملاء، فلنختر نموذجا آخر أصيلا، ينتمي للبداوة، وعناصرها، «صورة الناقة».
صورة الناقة:
يقول الشيخ محمود محمد الصالح:
وإلا فَبالنُّجْبِ العِتاقِ تَخالُها
إذا جُلْنَ شوْطاً مِن ذواتِ الوكائِك(46)
رواتِكُ ما أبْصرْتَ شخصاً أمَامَها
فسَلْعَمْتَ إلا وَهوَ خَلْفَ الرَّوَاتِكِ(47)
مِن النّوقِ إلا أنَّ أقْصى رواحِها
مسافةَ شهرٍ والفتَى غيرُ نَاهِكِ
تخوِّنها الإسآدُ حتى أصارَها
حَنايَا لها مِنَّا سِهَامُ الفَوَاتِكِ
حَنايا تَرى بحْرَ السَّرابِ شَرابَها
وتحسبُ سوفَ البيدِ سَفَّ الأَرَائِكِ
وقدْ أخذتْ مِنَّا ومِنها السُّرى فما
تَرَى غَيْرَ نِضْوٍ فَوقَ نِضْو الحَوَارِكِ(48)
يتحدث قبل البيت الأول عن وسائل النقل السريعة التي توصله ظعائن الأحبة، ووصف الفرس، ثم انتقل إلى الخيار التالي وهي «النوق»، التي اختار لها صفتين أساسيتين: (النجب/ العتاق)، النجابة، والعتق، ثم إنها تصدر هديرا كهدير الحمام عند قطع الشوط الأول، مما يعني تجدد نشاطها، واستعدادها للشوط الثاني، فبعد تحديد الصفات الثلاث الأولى: «النجابة/ العتق/ النشاط»، تأتي الصفة المركزية للناقة، ولأية وسيلة نقل، وهي (السرعة)، إنها سرعة خيالية، تتحدد بمفردة أصيلة في معجم «الناقة»، وهي (رواتك)، لكن التعبير البالغ عن السرعة هو الذي تجسده الصورة المفصلة، (ما أبصرتَ شخصا أمامها وسلمعتَ إلا وهو خلف الرواتك)!، سرعة لا تقاس إلا بطرفة عين، فكل ما تره أمامك أيا كان شخصه فلا تسلم عليه إلا ورأيته في الحال وراءك!، فلا يستغرب أن يقدر (رواحها الواحد) ب (مسافة شهر)، لكنها مميزة بمعجزة، هي (توفير الراحة) رغم تلك السرعة العجيبة، كما تشرحه تتمة البيت (والفتى غير ناهك).
ومع ذلك كله انطلاقا من مبدأ التوحد السابق في الصورة الأولى لمحمدو يهيم محمودْ في تصويره لنوقه، والتعبير عن طول الرحلة، وكأنه أشفق عليها في لحظة شعرية مؤقتة!، من شدة ما أنهكتْ ب(السرى) هم أيضا أنهكوا، وأخذ منهم السفر جميعا، بحيث يندمجون هم أيضا مع صورة (النوق)، فيحدث نوع من التماهي، والتماثل في كل شيء حتى إنك لن تفرق بين «الراكب» و«المركوب»، فلن ترى (غير نِضْوٍ) فوق (نِضْوٍ)!
من عالم الإنس: صورة المرأة:
رغم النزعة الدينية الصوفية المسيطرة على المجتمع السوكي، ورغم أن الشعراء هناك هم العلماء، رغم ذلك كله أبت التقاليد الشعرية إلا أن يبيحوا لأنفسهم هذا النوع من القول بالشعر، ولذلك نلاحظ أنهم ـ في النسيب ـ لا يتورعون عن «التصوير الحسي»، للمرأة، وإن كانوا لا يصرحون بـ«الممارسات المحظورة» نهائيا، وإن وصف بعضهم مدى افتتانه بجمال «المعشوقة الافتراضية» تلك، فهو يبقى على كل حال غزل عفيف في مصطلح النقاد، ويهمنا هنا شرح الصورة التي يرسمون بها المرأة، ولعل النموذج الآتي للشيخ الحاجْ محمد أحمد من أهم النماذج المعبرة عن الشكل العام لصورة المرأة بين شعراء كلْ اسُّوكْ:
مَهَاةٌ لَهَا جِيدُ الْمَهَاةِ، وحَاجِبٌ
كَنُونٍ، وفَوْقَ نُونِهِ غُرَّةُ البَدْرِ (49)
وطَرْفٌ سَقِيمٌ كالسِّنَانِ لِعَاشِقٍ
لَهُ فَتَكَاتٌ كَالْهِزَبْرِ أَبِي أَجْرِ (50)
وفَرْعٌ أَثِيثٌ فَاحِمٌ مُتَرَاسِلٌ
كَأَنَّ الدُّجَى تَكْسُوهُ بُرْداً إلى الفَجْرِ (51)
وثَغْرٌ شَتِيتٌ أَشْنَبٌ إِنْ لَمَحْتَهُ
حَسِبْتَ وَمِيضَ الْبَرْقِ مِنْ ذَلِكَ الثَّغْرِ (52)
ومَا الشَّهْدُ إلّا رِيقَةٌ مِن لَثَاتِهَا
ومَا الْمِسْكُ إلّا مِنْ مَعَاطِسِهَا يَجْرِي(53)
مُنَعَّمَةٌ يَحْكِي الحَرِيرُ أَدِيمَهَا
وكَمْ أَثَّرَتْ في كَشْحِهَا مِشْيَةُ الذَّرّ (54)
تَزِيدُ عَلَى كُلِّ الْمَهَا حُلَّةَ الْبَهَا
وسَلْبَ النُّهَى وأَنّهَا رَبَّةُ الخِدْرِ(55)
تَرَى زُمَرَ العُشَّاقِ صَرْعَى بِبَابِهَا
كأَنَّهُمُ صَرْعَى الْكُمَيْتِ مِنَ السُّكْرِ (56)
صورة المرأة هنا حسية كلها تقريبا، فقد عمد الشاعر إلى رسمها من «العنق» نازلا إلى «الكشح»!، فيجسد جمالها عبر كتلة من التشبيهات، فكل جزء من أجزائها المثيرة يقارن بصورة «أمر آخر» تبينُ وجه الشبه القوي بين طرفي التشبيه، وأغلب التشبيهات الواردة هي ذاتها التشبيهات التقليدية السائدة في الشعر العربي القديم، و يبدأ رسم ملامح «المرأة» بهذا التشبيه التقليدي وهو تشبيه «المرأة» بـ«المهاة» بقر الوحش، مع احتمال أن تكون كلمة (مهاة) الأولى بمعنى الشمس، أي: هي في الحسن مثل شمس، لها جيد كجيد بقر الوحش، وأهم مظهر يثير شعراء الجاهلية هنا هو (العنق/ الجيد)، وطول «العنق» بحد ذاته يعتبر مدخلا شيقا إلى «عالم المرأة»، ثم (الوجه) الذي انتقى الشاعر منه الجوانب «اللامعة» في نظره، وأولها (الحاجب)، فهو مقوس كـ«النون» في الخط العربي، ثم «لمعان (الجبهة) وصفاءها حتى كأنها (غرة البدر)، وثالث المكونات المركزية في الوجه هو (الطرف)، وإن كان الطرف بحد ذاته يكتسي أهمية عظيمة في جمال المرأة إلا أنه يشير من خلاله إلى (العين) كاملة، من باب إطلاق الجزء، وإرادة الكل، فهو (سقيم)، ورمحٌ فاتك بالعشاق، مثل الأسد تماما رغم سقمه!، فيرسم الشاعر فوق تلك الغرة البهيجة، المستنيرة صورة بديعة لـ«الشعر»، الفاحم المتراسل، فيحكي ذلك المظهر منظرا «ليليا» تلمح في نهايته «فجراً» قائماً، مستخدما تشبيها مركبا جليلا، إذ شبه سواد الشعر بدجى الليل، وبياض الوجه بالفجر، فجعل الليل والنهار عاكفين معا في آن واحد!.
ومن تلك الصورة الملونة بالأبيض، والأسود ينتقل إلى صورة ذوقية عذبة، تجسد جمال (الثغر) المفلج، الأشنب، الذي يشبه لمعان أسنانه (وميض البرق)، وبتشبيه مقلوب يصف عذوبة (الريق)، ونكهة (معاطسها) فالأول يستمد منه الشهد حلاوته، و(شذا المسك) يضوع من معاطسها لا غير!
ثم ينزل الرسم الفني إلى (الجسم) عموما فينحت له صورا، تحكي نعومته، فأديمها يحكيه (الحرير) في اللطف، واللين, بعدها تأتي المفاجأة الأسلوبية، فتلك (المهاة) الموصوفة بهذه الأوصاف تتميز عن بقية «المها» بعدة مميزات أهمها ثلاثة : مادية: (حلة البهاء)، وفعلية: (سلب العقول)، وأخلاقية: (ربة الخدر) أي مصونة، متسترة، ليست ساقطة، ولا متبرجة في الشوارع!.
تَزِيدُ عَلَى كُلِّ الْمَهَا حُلَّةَ الْبَهَا
وسَلْبَ النُّهَى وأَنّهَا رَبَّةُ الخِدْرِ
لذلك فهي صومعة، وأيقونة، وشمس في الخدر، تتوالى عليها زمر العشاق الذين ترديهم بسحرها المادي، والمعنوي، وتفعل بهم ما تصنع الخمر بشاربيها لولا أنها تفتك بهم عن طريق (طرفها السقيم)!.
ونلحظ أنه فصَّل في الأوصاف الحسية، وأجملَ في الجوانب المعنوية، مكتفيا ب»الستر» الذي كنى عنه ب(ربة الخدر)، فهي تبقى دوما تلك الشمس التي تغري الناظرين، ولا يقربون منها، ولذلك فالشاعر نفسه ليس مجرد رسام بعيد عن الدخول في الصورة كعاشقٍ مستهام، فقد استهل المقطع بعشق وصل الاعتراف بأنه (حكم قضائي) من (قاضي الوجد)، فهي تشغل فكره، وتملأ صدره، وهواها مثل (الجمر) في جوانحه:
لَمَغْنَاكِ في فِكْرِي، ومَعْنَاكِ في صَدْرِي
وسِرُّ هَوَاكِ في الجَوَانِحِ كالجَمْرِ (57)
قَضَى لِيَ قَاضِي الْوَجْدِ أَنّي مُتَيَّمٌ
فَلِلْغَرْبِ إِرْسَالُ الغُرُوبِ إلَى النَّحْرِ (58)
وهذا النموذج هو ملخص الصورة الشعرية للمرأة في الشعر السوكي، إلا أنهم في بعض الأحيان ينطلقون من أوصاف «المذكر» إذا بدأ التشبيه بـ«الظبي»، ويتفاوت تصوير غرامهم بعد ذلك ما بين ملمح، ومؤكد للهوى، والهيام مثل المقطع التالي للشيخ عبد القادر:
ظَبْيٌ أَقَامَ الْحُسْنُ فِي أُمَّاتِهِ
مَا جَازَهَا إِلَّا إِلَى عَمَّاتِهِ
فَانْشَقَّتِ الْأَصْدَافُ(59) أَصْدَافُ الْبَهَا
عَنْهُ فَضَاعَ الدُّرُّ بَعْدَ نَشَاتِهِ
مَا إِنْ تَرَى خَمْراً كخَمْرِ رُضَابِهِ
كَلَّا، وَلَا تَمْراً كَتَمْرِ لِثَاتِهِ
سِيَّانِ دُرِّيُّ الْعُقُودِ وَثَغْرُهُ
فِي النَّظْمِ، لَا فِي كُلِّ مَاهِيَّاتِهِ
كَالْغُصْنِ قَدّاً(60)، كَالْغَزَالِ تَلَفُّتاً
كَالْبَرْقِ فِي الظَّلْمَاءِ فِي بَسَمَاتِهِ
وَيُرِيكَ مُحْمَرَّ الشَّقِيقِ إِذَا بَدَا
قَبَسٌ(61) تَوَقَّدَ مِنْ عَلَى وَجَنَاتِهِ
السِّحْرُ مِنْ كَلِمَاتِهِ، وَالْعُودُ مِنْ
نَغَمَاتِهِ، وَالْمِسْكُ مِنْ نَفَحَاتِهِ
وَالْقَوْسُ مِنْ نُونَاتِهِ، وَاللَّيْلُ مِنْ
حَدَقَاتِهِ، وَالْحُورُ مِنْ أَخَوَاتِهِ
بعد هذه التجسيد الفاتن للجمال يعترف بالهوى صراحة:
وَدَعَا الْهَوَى قَلْبِي إِلَيْهِ فَمَا انْدَعَى
فِي الْحَالِ وَالْآتِي لِغَيْرِ دُعَاتِهِ
يُصْمِيكَ قَبْلَ الرَّمْيِ، إِلَّا أَنَّهُ
بِلِحَاظِهِ يُصْمِيكَ لَا بِقَنَاتِهِ
فَاعْجَبْ لَهُ يُدْمِي الْقُلُوبَ وَلَمْ يَكُنْ
إِدْمَاؤُهُ الْأَجْسَادَ مِنْ آفَاتِهِ
يَسْطُو عَلَى رُوحِي عَلَى كَلَفِي بِهِ
رُوحِي الْفِدَاءُ لِرُوحِهِ وَلِذَاتِهِ
فَصَرِيعُ كَاسَاتِ الْغَرَامِ حَيَاتُهُ
كَمَمَاتِهِ، وَمَمَاتُهُ كَحَيَاتِهِ
ونختم المبحث بصورة حضارية، للمستحدثات التي شاهدها الصحراويون، وأثارت فضولهم الشعري مع أن شعرهم لم يتعوَّد الخروج من الموضوعات التقليدية:
صورة حضارية: الطائرة:
لم يعن الشعر السوكي لحد الآن بالنظر إلى العالم الحديث، ومعالمه المتنوعة، فيقل جدا تناولهم للموضوعات الجديدة، ولكن بمناسبة إثارة مسألة فقهية سبق الحديث عنها حول «الحج على الطائرة» اضطر بعضهم إلى «إبداع تصوير» مبتكر للطائرة، فهم تعودوا إطلاق الأوصاف المعروفة شعريا عن الفرس، أو الناقة، وإن كان لهم الفضل في إعادة تركيبها بصيغ جديدة، وهو ما لم يكن مع الطائرة، ولذا فقد جاءت أوصافهم لهذا «المعلم الحضاري الجديد» ـ جاءت أوصافا فقيرة، لكن اللوحة التالية جسَّد فيها الشيخ الخضرْ صورة الطائرة كما رآها، وأعجب بها، وقد خلق أجمل صورة شعرية للطائرة، إذ شبهها ب(سمك يطير بأجنحة) فوق السحائب، أو (طيرا بلا زغب)! فهما صورتان عجائبيتان، أليقتان بأن يشبه بهما هذا المخلوق العجيب الذي يقطع المسافات الجوية بشكل رهيب، فهي (صنعٌ) لا شك أنه من حاذق، ماهر في فنه، فيندهش الشاعر من تماسكها الشديد وكأنها (لوح) واحد، كما يضع لهيكلها العام صورة أخرى تنبئ عن العلو، والفخامة، مع القوة، فهي (ًصورة الهضاب)، ويؤكد الشاعر أنه سبَرَها جيدا، وتجوَّل فيها ولم يجد لها عيبا سوى ذلك (الارتجاج/ الاهتزاز) الذي يشتد عند الهبوط، أو (اللهب) الشديد الذي يتخيله الشاعر وإن لم يره، ولكن يسمع (ضجيجه)، وما سوى ذلك كله فراحة كبيرة، على (كراسٍ مصفَّفةٍ):
ما تَنْقمونَ مِنَ الطَّيَّارِ إنَّ لَه
عندي مَحاسنَ تَرْبو عَن حَصَى الكثُبِ
ظلٌّ ظليلُ كَرَاسٍ صُفِّفتْ دَعَةً
نوْماً على لَذَّةٍ في مَضْجَعٍ رِحِبِ
واهاً لهُ سَمَكاً يعْلو بِأَجنحَةٍ
فوْقَ السحائِبِ أوْ طَيْراً بِلا زَغَبِ
سَبرْتُها فإذا صُنْعٌ قد أَتْقَنَهُ
ذو فِطْنةٍ حاذقٍ ممَّا سِوى الْقُرَبِ
شَدَّ المسامرَ سَدَّدَ الْمَنافِذَ عَنْ
تدقيقِ فكْرٍ فَلَمْ يَفْتحْ سِوى ثقَبِ
كَأنّ ألْواحَهُ مِنْ شدِّ مَا الْتَأمَتْ
لَوْحٌ وتَحْسِبُها شُقَّتْ مِنَ الْهضُبِ
ماَ ثَمَّ مِنْ وَصْمةٍ الَّا ارْتِجاجَتُها
عند الهبوطِ وإلَّا ضَجَّةُ الَّلهَبِ
لعل فيما تقدم من القول إشارات تعد مدخلا مقتضبا إلى الشعر العربي عند الطوارق عامة، وقبائل كلْ اسًّوكْ خاصّة، وتوضح كيف أحسنوا محاكاة الشعر العربي القديم، وتَبَيَّن جانبٌ من جوانب الخيال الصحراوي الأصيل، وكيف خلقوا صورا فنية شيقة بلغة لم يرضعوها!، مما يكشف قوة اهتمامهم باللسان العربي.
ولئن لم تستقص تلك الإشارات أبعاد الموضوع فيكفيها أن تُشوِّقَ القارئ العربي إلى ذلك المتن الأدبي، في صحرائنا، وتجدد التواصل الثقافي القديم بين العرب، والطوارق عموما، وبين المثقفين خصوصا.