اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

في مبادرة لحفظ تراث البحرين الموسيقي الموسيقار البحريني مبارك نجم يطلق ألبوم «ألحان بحرينية أوركسترالية»
أطلق الموسيقار البحريني، وقائد فرقة الشرطة الموسيقية الدكتور مبارك نجم، ألبومه الموسيقي «ألحان بحرينية أوركسترالية...

شذرات من عادات وتقاليد المجتمع الصحراوي بجنوب المغرب
يعتبر الموروث الثقافي من بين الدعامات الأساسية التي أصبحت العديد من دول العالم تركز عليها وعيا منها بالأهمية القصوى التي...

قراءة في أوزان القصيدة الشعبية
عرف الإنسان الشعر بواسطة اللغة، وكما عرف الشعر اهتدى إلى الموسيقى لأنه «لا يوجد شعر بدون موسيقى يتجلى فيها جوهره و...
41
Issue 41
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
فاعلية الأدب الشعبي وحركيته (في إشكالية المناهج وثراء الخصائص مع نماذج مختارة)
العدد 41 - آفاق

أ.د. كامل فرحان صالح – كاتب من لبنان

 

يُعدّ الأدب الشعبي الرابط الصحّي والحيوي بين الماضي والحاضر والمستقبل، والحاضن في الوقت نفسه، لأفراح الإنسان وأحزانه، ولعقله الباطني، والمعين لفهم إنسانيته أولاً، وللوعي بأهمية مشاركته فعل الحياة مع أخيه الإنسان ثانيًّا؛ فالعقل الباطن بحسب عالم النفس السويسري كارل يونغ(1) (Carl Jung/ 1875–1961)، «ليس مجرد خزّان للماضي، بل هو مليء ببذور الأفكار والمواقف في المستقبل»(2).
لكن، وعلى الرغم من هذه الحيوية التي يتمتع بها الأدب الشعبي، يواجه الباحث صعوبة في وضع مفهوم جامع ووافٍ للأدب الشعبي ومصطلحه (الفولكلور Folklore)، وتحديد منهج دراسته، وأنواعه وخصائصه، وذلك لأسباب مختلفة، منها:
طبيعة الأدب الشعبي نفسه التي تعود إلى أول تعبير شفويّ(3) وجسدي للإنسان.
فاعلية هذا الأدب وحركيته لارتباطه الوثيق بالشعب المنتج له والمعبّر عنه، في استقراره وحروبه، وتخلفه وتقدمه.
ثمة جانب من جوانب الأدب الشعبي يلحظ دائمًا الحالة والصورة التي يكون فيها أو عليها الشعب.
استحالة تحديد أصول الأدب الشعبي، لأن كل مجموعة من الناس، وكل شعب من الشعوب، يتناقل موروثه الشعبي بصورة خاصة به تعبّر عنه، على الرغم – أحيانًا - من بروز تشابه بين أدب هذا الشعب وشعب آخر.
وإذا كان في الإمكان القول إن «الأصول الأولى لمقدرة الإنسان على التفكير، إنما أتـت من النتائج المؤلمة للصدمات العاطفية العنيفة»(4) كالموت مثلاً، فإنـه مـن المؤكد أيضًا، أن الأدب الشعبي يمثل تاريخًا مـن التبدل الدائم، لقيامه وتداولـه على الرواية الشّفويّة، ووضع المتلقي وثقافته، وتأثر الراوي والمتلقي معًا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مـن دون نسيان، تأثير وسائل الإعلام السمعية والمرئية، وتأثير الأدباء الشعبيين مـن رواة وشعراء وزجّالين، فـي الأدب الشعبي سلباً وإيجابًا.
كذلك يُسجّل تفاعل مستمر بين الأدبين الشفويّ والمدوّن، لاستعارة مؤلفي الأدب المدوّن حكايات وموضوعات وتقنيات من الأدب الشعبيّ، والعكس صحيح أيضًا، إذ يلاحظ أن «بعض عناصر الفولكلور كثيرًا ما ترتفع إلى حيث يجري تضمينها في التراث المتعلم المسيطر، ويمكن أن تكون منبعًا للتجديد الفنيّ والاجتماعي على السواء»(5).
لم يعد خافيًا فوق هذا وذاك، أن معظم المعاجم والقواميس العربية والأجنبية تفتقر إلى تعريف محدد وثابت لـ«الأدب الشعبي»؛ فمنها من يشمل أنواعًا محددة، ومنها من يحذف أنواعًا، ومنها من يتوسع ليضمّ إلى هذا الأدب، كل أنواع التعبير الإنساني الشفويّ والجسدي.
لا يدّعي البحث أنه أول من يطرح هذه القضايا، ويسعى إلى مقاربتها، كذلك لا يدّعي عدم وجود موضوعات قيّمة، تناولت هذا الجانب أو ذاك من الأدب الشعبي، وهي بالعشرات(6)، لكن ما يمكن أن يضيفه البحث في هذا الإطار، هو:
المساهمة بالإضاءة على نماذج حيّة من خصائص الأدب الشعبي بهدف تبيان مدى حيوية هذا الأدب، وارتباطه العميق ليس في يومياتنا وحياتنا فحسب، بل بذائقتنا الفنية، والجمالية، وبالمستوى الأعمق من تشكل وعينا، وبلورة نظرتنا إلى الوجود، والإنسان، والمجتمع، والسلوك.
المساهمة باعادة تعريف الأجيال الجديدة على جانب من جوانب الأدب الشعبي، إذ تعتقد هذه الأجيال في غالبيتها، أن هذا الأدب يقتصر على الزجل، أو بعض الأغنيات، أو المأكولات والأزياء(7)، وفي الوقت نفسه، لفت نظرها إلى أن ما تتماهى معه من آداب «مستوردة»، لاعتقادها أنها تحاكي العصر، هي في الحقيقة، الآداب الشعبية لتلك الشعوب، كون الأدب الشعبي أدبًّا حيًّا، مستمرًا، لا يحدّه زمان ولا مكان، وهو باقٍ دائمًا في كل مرة يريد الإنسان فيها التعبير شفويًّا أو جسديًّا، عن فرحه وحزنه، خوفه وقلقه، عشقه وكرهه، جنونه وفلسفته، وأعماله العظيمة والعادية....
المساهمة بتعزيز مصطلح «الأدب الشعبي» ومفهومه، وبالتالي ضمّ الأنواع الشعبية المختلفة إليه، لا جعلها منفصلة عنه، ولعله من المفيد هنا، الإشارة، إلى امكانية العمل مستقبلاً على تخصيص نوع جديد يضاف إلى أنواع الأدب الشعبي، هو: الأدب الشعبي الألكتروني أو الرقمي، أو الأدب الشعبي في الواقع الافتراضي، لما بات يتضمنه هذا الواقع من كمّ هائل من النصوص، وصيغ تعابير شعبية، وفنون، وسلوكيات، وعادات وتقاليد، وصور، وغيرها.
يقارب هذا البحث إذًا، الأدب الشعبي العربي عبر طرح إشكالية خصائص هذا الأدب، ساعيًا إلى ايضاحها عبر نماذج مختارة، وما استجد عليها من متغيرات، ومن هذه الخصائص: المؤلف مجهول (وقد تضمنت هذه الخاصية أنموذجًا عن حكاية الحيوان)، والشفويّة، والانتشار والتداول (وتضمنت نماذج مختلفة منها حكاية للأديب اللبناني سلام الراسي(7) (1911 - 2003))، والتعبير عن وجدان الشعب (وتضمنت نماذج مختارة من قصائد شعبية معبّرة عن الموضوع)، وبنية التعبير الفني الشعبي وأسلوبه (البداية التقليدية– التكرار– تحوير شكل الكلمات- التشبيهات والاشارات الأسطورية...)، والدافع الروحي الجماعي، ويتوسع في الحديث عن خاصية العامية، والآراء المتباينة حولها، (ولاسيما منها آراء: رشيد نخلة(9) (1873-1939)، وتوفيق يوسف عواد(10) (1911-1988)، ومارون عبود(11) (1886–1962)...، وقد توسع البحث في هذه الخاصية، ليبرز إشكالية العامية في قصيدة الشاعر اللبناني طلال حيدر(12)).

في مناهج الدراسة الفولكلورية
ليست دراسة الأدب الشعبي معقّدة العلاقات من حيث المادة فحسب، بل من ناحية المنهج أيضًا. لذا، إذا كان الهدف الذي تسعى دراسة الأدب الشعبي إلى تحقيقه، واحدًا، فإن السبل إليه يمكن أن تتعدد وتتنوع، وكما هو الحال في العلوم الأخرى، لا يعرف الأدب الشعبي منهجًا واحدًا شاملاً، لكن يمكن التمييز على وجه الإجمال، أربعة مناهج، هي:
1 - المنهج التاريخي:
(method Historical):
إذ يــرى عـالـم الاجـتـمـاع الـفـرنسـي كـلـود لـيـــفــي شــــتــراوس(13) (Claude Lévi - Strauss (1908 2009، أن التـاريـخ والأنــثروبــولوجــيا (Anthropology/ عـلـم الإنســان) يتشـابهـان أساسًا في توجهاتهما، وفي أهدافهما، في ما عدا ناحية واحدة؛ فعلى حين يكرّس التاريخ نفسه لدراسة سياقات بعيدة عنّا زمنيًّا، تكرس الأنثروبولوجيا نفسها لدراسة سياقات بعيدة عنّا مكانيًّا. وقد شعر الانثروبولوجيون بالحاجة إلى الاستعانة بالمعلومات التاريخية، مثل التاريخ السلالي، والخلفية التاريخية للسياق الإقليمي والقومي والعالمي الذي يعيش وسطه المجتمع الذي تجري فيه الدراسة الميدانية(14).
2 - المنهج السوسيولوجي:
(method Sociological):
ويدرس أطوار السلوك التي توجد، بصورة فعلية، وتلك التي يفترض وجودها في الجماعات، ويدرس الظواهر الاجتماعية التي تخلقها العلائق الاجتماعية بين الأفراد، والتي تنشأ عن العلاقة بين الإنسان وبيئته الاجتماعية(15).
3 - المنهج السيكولوجي:
(method Psychological):
ويعنى هذا المنهج بالظواهر النفسية، والسلوك البشري، والصحة العقلية، وقابليات الفرد من حيث علاقتها بظواهر معينة. لذا، فمن أهداف هذا المنهج اكتشاف الطرائق التي يتصرف بها الأفراد حيال المواقف، والمشاكل المختلفة. وللمنهج النفسي فروع كثيرة، أهمها، من حيث علاقتها بعلم الأنثروبولوجيا، المنهج النفسي الاجتماعي(16).
4 - المنهج الجغرافي:
(Geographical method):
ويهتم هذا المنهج بدراسة مظاهر سطح الأرض، والظواهر الطبيعية، والبشرية عليها، ودراسة التأثير والترابط الانعكاسي بينهما، وتقوم على أساس الموقع والموضع والامتداد. كما يُعنى المنهج أيضا بدراسة أشكال الأنظمة الموجودة على سطح الأرض، والعلاقات الرابطة بين الظواهر المختلفة(17).
يساعد كـل مـن هـذه المناهج على خدمة الهدف المشترك بينها جميعًا، وهو تفسير العلاقات القائمة بين الشعب والثقافة الشعبية. لذا، لا يمكن للباحث أن يكتفي بالاعتماد على منهج واحـد، إذ يمكن القول فـي الواقع: إن هذه المناهج الأربعة مجتمعة تكوّن منهج الدراسة الفولكلورية(18)بمفهومه المعاصر، والذي يتكوّن من:
النظرة التاريخية لتحديد البُعد الزمني للعنصر الشعبي المدروس.
النظرة الاجتماعية والاقتصادية لابراز البُعدين الاجتماعي والاقتصادي لحامل الأدب الشعبي موضوع الدراسة، وعلاقته بأرضه وأدوات انتاجه.
النظرة السيكولوجية والدينية لتبيان الموقف العقلي والنفسي والإيماني لحامل الأدب الشعبي.
النظرة الجغرافية للوقوف على البُعد المكاني للعنصر المدروس، ومن الممكن هنا استخدام أسلوب العرض بالخرائط.
في هذا السياق، تلفت «موسوعة علم الإنسان» الانتباه إلى أن «التطورات الإيجابية الحديثة في تحليل الأسطورة، وفي ميادين علم اللغة والأثنوميثودولوجيا(19) (Ethnomethodology) قدمت اسهامات مهمة في ميدان علم الفولكلور...»(20)، إذ ظهر مصطلح «الأثنوميثودولوجيا» (منهج الجماعة) في العام 1967، حينما نشر عالم الاجتماع الأميركي هارولد جارفنكل (Harold Garfinkel)، كتابه: «دراسات في الاثنوميثودولوجيا»، وقد صاغ جارفنكل المصطلح متأثرًا بالفلسفة الظاهراتية (فلسفة الظواهر)، ومن ثم نهض المنظور الاثنوميثودولوجي على أسس فلسفية، وعلى مستوى من التنظير يوصف بأنه ما وراء النظرية. عرّف جارفنكل المصطلح بأنه يعني استقصاء الخصائص العقلية لمجموعة التعبيرات، والأفعال العلمية التي تتم أثناء الحياة اليومية، وبتعبير آخر، يشير هذا المصطلح إلى دراسة المعاني التي يعطيها الناس لكلماتهم وأنماط سلوكهم.
يتـكـوّن مصـطـلـح الأثـنـومـيـثـودولـوجـيـا من مقطعين: الأول من الكلمة اليونانية Ethno وتعني الشعب أو الناس أو القبيلة أو السلالة، أما الآخر methodology، فيشير إلى المنهج أو الطريقة التي يستخدمها الناس في صياغة الحقيقة الاجتماعية وتشكيلها، ما يشير إلى أن المنظور الاثنوميثودولوجي يهتم أساسًا بتطوير مناهج للبحث، ويدفع المرء إلى البحث عن هذه المناهج المستخدمة في الدراسات الاثنوميثودولوجية(21).
أما «قاموس مصطلحات الأثنولوجيا والفلكلور»، فيوضح أن الأثنولوجيا (Ethnology) هي علم الإنسان ككائن ثقافي، وهي الدراسة المقارنة للثقافة. ومن التعريفات الأخرى: «علم الشعوب وثقافاتها، وتاريخ حياتها كجماعات، بصرف النظر عن درجة تقدمها»، ويورد القاموس أنه «لا يوجد – من ناحية المشكلات والمناهج – أي فارق بين الفولكلور والأثنولوجيا، ثم إن الاختلاف في الموضوع ليس من طبيعة نظرية، وإنما هو من طبيعة عملية بحتة، فهما علم واحد، ومن السهل تفسير التفريق القائم بين الفرعين في بعض البلاد في ضوء نشأتهما المختلفة، والتراث الذي أعقب ذلك. ويترتب على هذا أنه يجب إطلاق اسم واحد عليهما، كما يلاحظ في الاستعمال الدولي أن كل الحيثيات في صالح تعبير: أثنولوجيا». وقد اشتهر هذا المصطلح بمعناه الواسع لأول مرة في العام 1839، عندما أسس إدواردز (W.F.M. Edward) – وهو إنكليزي كان يعيش في باريس – «الجمعية الإثنولوجية الباريسية»، وسرعان ما تبعتها «الجمعية الإثنولوجية» في لندن عام 1843، و«الجمعية الإثنولوجية الأميركية» في العام 1842. ومع مرور الوقت انفصلت دراسة السلالات (Races) عن الأثنولوجيا مكونة فرعًا مستقلاً هو: الإنثروبولوجيا (الفيزيقية)، ولا يزال الكثيرون من علماء الأثنولوجيا يعدّونه فرعًا مساعدًا لا يمكن الاستغناء عنه. وحتى وقت قريب جدًا كانت الأثنولوجيا تعرف بأنها الدراسة التاريخية والمقارنة للشعوب البدائية(22).
أمام هذا التنوع في مناهج الدراسة الفولكلورية، (علمًا أن هناك مناهج أخرى أيضًا)، فإنه مع استمرارية أبنية المجتمع أو انساقه، تظل الظواهر والموروثات الشعبية تواصل توالدها الذاتي، كما «يحدث في الأساطير والملاحم والحكايات والأمثال، بل والنكات والأسماء والأحاجي، أو الأدعية»(23).
من هنا يمكن الاشارة إلى إسهام جيل الفولكلوريين الانثروبولوجيين(24) في المنهج البنائي(25)الذي غرضه النهائي إلغاء الحواجز التقليدية بين مختلف النظم والعلوم، وتكوين منهج يعتمد كل العلوم والدراسات، بل إن للباحث البنائي الحقّ في التعرف إلى مستويات الحقيقة أو الظاهرة التي لها قيمة استراتيجية من وجهة نظره ويعزلها، فمهمة الباحث الفولكلوري لا تقف عند مجرد جمع النصوص، والكشف عن مصادرها وأصولها، بل إن مهامه تسجيل ما يحيط بها من ظواهر وأبنية مختلفة من اقتصادية، وقرابية (سلسلة روابط الدم أو الزواج)، ومهنية، بالإضافة إلى ما تعكسه هذه الأبنية في مجموعها من شعائر وسلوك(26).
تكمن أهمية دراسة الأدب الشعبي، في توطيد العلاقة بين ماضي الشعب وحاضره، وربط هذا الحاضر برؤى الشعب المستقبلية، ويمكن الحديث عن ثلاثة مستويات، تتقاطع في ما بينها، لتشكل في الخلاصة قيمة هذا الأدب وأهميته، وفي الوقت نفسه مدى فاعليته في بناء مجتمع قادر على مواجهة عواصف التحديات الوجودية التي تهبّ عليه من كلّ حدب وصوب، ولا سيما في عصر ما يسمى «العولمة» Globalizaion:
التوازن بين القيم الإنسانية والمادية: فطبيعة العصر تتسم بالمادية، والتقدم العلمي والتكنولوجي، في ظل فقر القيم الإنسانية والأخلاقية، والروحية المعنوية. وأمام هذا الخلل الذي يزداد ويتسع، ويضرب أساسيات البنية الاجتماعية، يبدو أن الأدب الشعبي عبر فلسفته العميقة، يقدر على الحدّ من هذا الخلل، عبر تمكين الأمة من السير في خطّين متوازيين: الأول يمثل القيم المادية، والثاني يمثل القيم الأخلاقية الإنسانية.
رواية جانب أو جوانب من تاريخ الفكر البشري: إن دراسة الأدب الشعبي تقدم فكرة أقرب للوضوح عن الفكر البشري، وتطوره عبر الأجيال، وتصور الدراسة كيفية تفاعل الإنسان مع بيئته، وصور هذا التفاعل عبر الزمان، من خلال سمات الانتشار والتداول والتراكم التي يتسم بها الأدب الشعبي.
إن التشابه التراثي بين أبناء الأمة الواحدة، لحريّ أن يضفي على القومية مفاهيم إضافية، لشدّ عراها، وترسيخ جذورها.

في تسمية الأدب الشعبي وأنواعه
تتعدد التسميات التي تطلق على الأدب الشعبي، ومنها على سبيل المثال: الأدب الشفويّ (Oral literature)، والفن القولي (Verbal Art)، والأدب التعبيري (Expressive literature)، والتراث الشعبي (Popular Heritage)،... كذلك يختلف الدارسون حول خصائص هذا الأدب وحدود ميدانه وأنواعه(27).
ويلحظ «قاموس الأنثربولوجيا» أن التراث الشعبي (Folklore)، هو «كل أنواع التعبير الشفهي والجسمي مثل القصص الشعبي والأساطير والقصص الخرافية والأغاني الشعبية، والرقص الشعبي، والمهرجانات، والأمثال والأحاجي، وغيرها مـن الفعاليات الأدبية والفنية التي يرثـها الشعب، وتنتقل فيه مـن جيل إلـى جيل بالحفظ لا بالتدوين»(28).
ويذهب علماء إلى أن التراث الشعبي يشمل، إضافة إلى ما تقدم ذكره، «الطرائق الحضارية للمجتمع والأدوات والصناعات والفنون كالخزف والزينة والحفر على الخشب والرسم، وما شابه ذلك. ويتكون القسم الأعظم من التراث الشعبي من بقايا حضارية أو رموز استطاعت أن تحتفظ بقيمتها الوظيفية»(29).
أما «قاموس مصطلحات الأثنولوجيا والفلكلور»، فيميز بين الأدب الشعبي والتراث الشعبي والفولكلور، فيوضح الآتي:
1 - الأدب الشعبي (Folk Fiction)
أو: الخيال أو المخيال الشعبي:
«نوع من الخلق الأدبي الشعبي»، ويعدّ الأدب الشعبي جزءًا من التراث الشعبي، ويتضمن: الحكايات الشعبية، والأغاني الشعبية، وأهازيج الطقوس الدينية (Rigmaroles)، والألغاز، والأهازيج (Rhymes)، إلخ»(30).
2 - التراث الشعبي (Dominant Tradition)
أو التقليد السائد:
عبارة عن المعتقدات، والعادات الاجتماعية السائدة، كذلك الرواية الشعبية. ويدل التراث الشعبي – بصفة عامة – على موضوعات الدراسة في الفولكلور، أو دراسة التراث الشعبي، او دراسة الرواية الشعبية. وينبغي ان ترى الوحدة في كل هذه الموضوعات في كونها تجسد جميع جوانب الثقافة الروحية. ويشير اسم التراث الشعبي إلى ان المرء يتناول هنا تراثًا شفاهيًّا ينتقل من جيل إلى آخر داخل الشعب(31).
3 - فولكلور (Folklore):
هو التراث الروحي للشعب، خصوصًا التراث الشعبي، وهو كذلك العلم الذي يدرس هذا التراث(32).
مهما يكن من أمر هذه التسميات، فإن جوهر الأدب الشعبي هو في طبيعته التلقائية أو العضوية، أي إنه ثمرة خبرات وتفسيرات أشخاص يجمع بينهم تفاعل إيماني - اجتماعي - اقتصادي؛ لذلك كثيرًا ما يكون هذا الأدب في صراع مع المعلومات أو القيم أو المعرفة التي تنقلها وتنشرها المؤسسات التعليمية الرسمية أو تلك المستمدة من ثقافة الصفوة المتعلمة السائدة.

في خصائص الأدب الشعبي
حاول دارسو الأدب الشعبي أن يميزوا بين الأدب الشعبي، والأدب الذاتي أو الأدب الخاص، عبر مجموعة من الخصائص والمقومات والسمات، تتلخص بالآتي:
المؤلف مجهول.
التناقل الشفويّ.
الانتشار والتداول (الشعبية).
التعبير عن وجدان الجماعة (الشعب).
بنية التعبير الفني الشعبي وأسلوبه.
اللغة العامية.
الدافع الروحي الجماعي.
وكي يقف البحث على مفهوم شائع يلحظ هذه الخصائص كافة، هناك ثلاثة اتجاهات(33):
الاتجاه الأول يرى أن الأدب الشعبي هو أدب «العامية» التقليدي، الشفويّ، مجهول المؤلف، المتوارث جيلاً بعد جيل، بما يعني إسقاط أدب العامية الحديث الذي أذاعته وسائل النشر الحديثة الذي يُعرف مؤلفه.
الاتجاه الثاني يرى أن ميزان التفريق بين الأدب الشعبي وغيره من أنواع الأدب هو اللغة، وهؤلاء يوسعون دائرته ليشمل الشفويّ والمكتوب والمطبوع، سواء كان مجهول المؤلف أو معروفه، متوارث أو أنشأه معاصرون.
أما الاتجاه الثالث، فيعتمد محتوى الأدب لا شكله، أي إنه الأدب المعبّر عن ذاتية الشعب المستهدف تقدمه الحضاري، وأدب الرواية الشفويّة وأدب المطبعة على السواء(34).
ويميل البحث إلى الاتجاه الثالث، لأن الذهاب في الاتجاه الأول، يعني إنكار حيوية الأدب الشعبي، وحاجة الناس إليه وإلى إنتاجه في كلّ زمان ومكان، وبالتالي القضاء على شعار «الأدب الشعبي هو أدب حيّ»، وليس هذا هدف دراسة الأدب الشعبي عمومًا.
أما الاتجاه الثاني، فعلى الرغم من أهميته، واعتماده فـي مقاربة أنواع الأدب الشعبي، فثمة إشكالية قـد طرحت غير مـرة، وهـي: هـل تُعد مثلاً، «سيرة عنترة» أدبًا شعبيًّا أم أدبًا رفيعًا، كذلك الأمر فـي حكايات «ألف ليلة وليلة» و«كليلة ودمنة»(35)...؟ وفي السياق نفسه، يكتب الأديبان اللبنانيان: مارون عبود (1886–1962)، وسلام الراسي (1911-2003)، الحكايات والقصص، بلغة عربية فصيحة، لكن هذه الكتابات زاخرة بالمصطلحات العامية، وإيراد عبارات بلهجات أهل القرى، وتفاصيل عن عاداتهم وتقاليدهم في سرد الحكاية، فهل تنتمي حكاياتهما إلى الأدب الرفيع أم الشعبي؟
1 - المؤلف مجهول:
لعل أول قضية شغلت الباحثين، قضية تأليف الأدب الشعبي: فهل هو من تأليف فرد أم جماعة؟ وهل من المعقول أن يجتمع الشعب كله ليؤلف الأدب الشعبي، أو ليؤلف حكاية أو أغنية؟ ويثير مفهوم الشعب بدوره، مسألة شائكة: هل هو الشعب بكل فئاته وطبقاته؟ أم هو قسم منه؟
أمام هذا الوضع، لا بدّ من افتراض الأصل الفردي للأدب الشعبي، لكن هذا الفرد الخلاّق لا يعيش حياة ذاتية بعيدة من المجموع، بل هو يعبّر عن الناس (الشعب) ويعبّر بهم، ويعبّر لهم، لهذا فهم يستقبلون إبداعه ويرددونه بينهم(36).
لا يعول على مجهولية المؤلف بوصفها إحدى سمات الأدب الشعبي، فالأصل وإن كان فرديًّا، إلا أنه ما يلبث أن يذوب في المجموع، ويزوي اسم المؤلف الأصلي، ويصبح الشعب هو المحرك الأول للتأليف(37)؛ فالشعب يعني مجموع أفراد الأمة التي تربط بينها اهتمامات فنية مشتركة، أو هو الجماعة المرتبطة برقعة محددة من الأرض الأم، بينها تقاليد وعادات وأنماط واحدة من السلوك، أو هو الجماعة المرتبطة بالأرض، وتعيش في إطار من الفكر الموحد، والسلوك والثقافة المتوازنة، فتشمل بذلك جماعات الفلاحين والصيادين والبدو، إلخ(38).
لا يستطيع أحد – إذًا – أن يدّعي إبداع أيّ موروث شعبي، وهـذا لا يناقض القول إن مبدعًا قد وضع حجر الأساس لحكاية مـا أو مثل مـا، في بيئة ما، وزمان ما نتيجة تجربة شخصية ما. لكن هذا الأساس هـو مركز الدائرة عند رمـي حجر في بركة مـاء، فالدوائر المتلاحقة لهذا المركز مـا هـي إلا مشاركات الناس عبر بيئاتها المختلفة، وعصورها المختلفة، وطبيعة تجاربها ونفسياتها المختلفة.
لذا، لا يمكن أن ينجز هذا البناء والإبداع دفعة واحدة، بل بصورة تراكمية ولكن متناسقة، ففي حكاية الحيوان مثلاً، اجتمعت الحيوانات: الأسد، والحمار، والبغل في الغابة، وبدأت تتباحث في أمر ابن آدم، وقوته، وجبروته. شكا الحمار من ظلم الإنسان له، وأنه يحملّه، أكثر مما يطيق، كذلك أدلى البغل بدلوه في الشكوى على الإنسان. ثم أخذت الحمية ملك الغاب، وثارت ثائرته على قاهر شعبه «الإنسان»، فأراد القصاص منه. مشى في الغاب، وإذا بحطاب يحتطب الحطب.
سأله الأسد: من أنت؟
- حطّاب
- ابن آدم؟!
- نعم
تحرّك الأسد وقال: أريد أن أصارعك، فاصرعك. وأردف: يتهمونك بالقوة والجبروت، ولا ملك غيري، ولا جبروت إلا لي.
أجابه الحطاب: لكني تركت قوتي في البيت.
قال الأسد: هلّا رجعت للبيت وأحضرتها، وأنا في انتظارك.
أجاب الحطاب: أخاف أن تهرب قبل أن آتي.
قال الأسد بعنجهية: أنا أهرب؟!
- نعم تهرب.. ويا ما غيرك هرب. وهنا تدارك الحطاب: عندي حل.
سأل الأسد: ما هو؟
- أربطك بهذا الحبل بجذع الشجرة، حتى أحضر قوتي، وأصارعك.
سأل الأسد بثقة واعتزاز، وشجاعة: ولِمَ لا؟
هنا تقدم الحطاب، وربط الأسد.
والآن قال الأسد: اذهب لإحضار قوتك.
ضحك الحطاب، وقال: ها هي قوتي يا عزيزي. ستموت وأنت واقف، وتشاهد بنفسك أية ميتة تموتها.
عندئذٍ أدرك الأسد الحيلة، والمكر، والدهاء، والذكاء، وأدرك أين تكمن القوة؛ فجسد بلا عقل لا يساوي شيئًا، والعقل زينة، وقوة(39).
هـذه يمكن عـدّها أسـاس حكاية، إذ احتوت على سرد، وحدث، ونتيجة. أراد القـاص أن ينقلها للسامع، وفـي الوقت نفسه، يمكن عـدّها حكاية كاملة فيها بدايـة وعقدة وحـلّ. وفـي المثال السابق: لو سـرد السامر الحكاية على الجمع، وأكمل بعد النتيجة التي توصلنا لـها الآتي:
«الأسد مربوط في الشجرة، يفكر بطريقة يحلّ بها وثاقه. وهو على هذا الحال، إذ بفأر يراقبه تحت شجرة. عـرض الفأر خدماته على الأسد، وأن باستطاعة الفأر أن يحلّ الأسد مـن ورطته. وقبل الأسد المهموم مساعدة الفأر. فبدأ الفأر بقرض الحبل. وبعد هنيهة حـلّ الحبل، وفـك الأسد مـن أسره».
هذه الإضافة من القاص أو الإخباري، جاءت لتضيف معلومات جديدة، وتعطي بعدًا آخر في الحكاية، لتنهيها بموعظة إضافية، مفادها:
لا تحقرن صغيرًا في مخاصمة
إن البعوضة تدمي مقلة الأسدِ(40)
ولا يستطيع الإخباري أن يضيف هذه النتيجة إلا على أسس:
مناسبة النصيحة للموقف «أي إن لكلّ مقام مقالاً».
الأخذ بنوعية السامعين من حيث ثقافتهم، وأحوالهم العاطفية والنفسية، وتقبلهم للسرد والإطناب.
موقف القاص النفسي والعاطفي، ومستواه الثقافي.
يمكن لقاص آخر أن يأخذ نتيجة من النتيجتين السالفتين، أو يأخذهما معًا، ويضيف ثالثة، أو يغير واحدة، بأخرى جديدة، وهذا تبعًا للأسس السابقة، لتصبح مسائل الحذف والإضافة، والتغيير والتحوير، متواليات عددية متراكمة، وهذه العمليات لا بدّ لها من أن تتفق مع ذوق الجماعة الشعبي، ويمكن لهذه العمليات أن تنجز قبل أن تعترف الجماعة بالحكاية، أو في أثناء تناولها وتداولها لها؛ لكنها بالتالي تصبح قاسمًا مشتركًا للجماعة، وتصدر عن وجدانها الجمعي.
لـذا، فـإن أي نوع مـن أنواع الأدب الشعبي يتكوّن من جزيئات أو مجموعة من الأحداث ترتبط بعلاقة معينة تحدد مساره، ومن هذه الجزيئات والعلاقات يتكوّن الطراز، وهو مجمل النوع الأدبي، فالحكاية السابقة مثلاً يمكن تحليلها إلى جزيئات: - اجتماع الحيوانات الثلاثة – جبروت الأسد - حوار الأسد والإنسان - حيلة الإنسان والمكر الذي استخدمه ضد الأسد - مساعدة الفأر للأسد.
أما ربط هذه الجزيئات بعلاقة (نمط)، فهو الذي حدد مسار الحكاية، من بداية، فعقدة، فنهاية، ومن هذه الجزيئات وهذه العلاقة، تكوّن الشكل النهائي للحكاية.
2 - الشّفويّة:
تعني الشّفويّة السياق الذي يتم فيه التداول الشفويّ ولو لوقت وجيز؛ لأن هذا يضفي على المأثور القولي روحه المميزة له، وثمة من يرى أن التداول الشفويّ هو القلعة الأخيرة التي يحتمي وراءها الفولكلوريون عند الدفاع عن الخصائص التي تميز مادتهم(41).
لكن السؤال الذي يطرح هنا: هل تعدّ الشّفويّة إحدى الخصائص الفارقة بين الأدب الشعبي وغيره من أنواع الأدب؟ لا يمكن التعويل على هذه السمة الآن، لأن تقييد النصّ بالتدوين لا يدحض في انتمائه للأدب الشعبي؛ فالسير الشعبيَّة، و«ألف ليلة وليلة» كما ورد أعلاه، دوّنت بعد أن أخذت دورتها الشّفويّة أولاً، ولا يعنى تدوينها إخراجها من هذا الأدب(42).
مهما يكن من أمر هذه السمة، فإن العنصر الحاسم الذي يحدد فيه المأثور ليس تدوينه أو شفويّته، وليس إبداعه عن طريق إنسان يقرأ ويكتب، أو آخر أميّ، إنما هو:
أن يكون عملاً من أعمال الإبداع
وأن يلائم وجدان الجماعة وتقاليدها
وأن يحقق التواصل بين الفرد والجماعة(43).
3 - الانتشار والتداول:
يمكن تفسير انتشار بعض أنواع الأدب الشعبي وتداولها بين أكثر من جماعة وشعب، بسبب عوامل كثيرة، منها: انتقال الجماعات من مكان إلى آخر بحثًا عن الكلأ والماء، أو النزوح من الريف إلى المدينة، أو الهجرة من بلد إلى بلد آخر، أو تاريخيًّا بسبب الفتوحات الإسلامية، والحروب، وعبور القوافل التجارية في أكثر من بلد، فينقل هؤلاء معهم حكاياتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وأشعارهم، وأغانيهم إلى المكان الجديد، وهناك تتخذ بعض الصفات المناسبة لواقع الحال، وطبيعة المكان.
وبحكم التدافع الاجتماعي، والانتقال من بلد إلى آخر، سواء كان من أصحاب الريف، أو المدن، نشأ أدب مولّد من تمازج هذين العنصرين، فكان الشعر الشعبي «يحوي سعة في الخيال مع ليونة في السبك، لذلك كان تَقبّل الأسماع لأيّ شيء يصدر بهذه اللهجة، حافزًا لها أن تقبل بقوة الاستمرار ما يصدر من هذا اللون الجديد»(44).
ويلاحظ أن هناك مستويين من مستويات الانتشار والتداول للأنواع الشعبية، وهي:
أولاً: أنواع تنتشر وتتداول أكثر من غيرها بين الناس، وهي في الغالب الأنواع الأدبية القصيرة، مثل: الأمثال، والألغاز، والنكت، والحكاية الشعبية، والأغنية، إلخ. وتتميز هذه الأنواع بالحفاظ على معناها العميق، مع قدرتها في الوقت نفسه، على التأقلم مع أي بيئة تنتشر فيها، عبر تعديل لغتها لتناسب واقع الحال؛ إذ إن المرء كثيرًا ما يقع على صورة من صور الأدب الشعبي لشعب ما، وقد تشابهت مع صورة أخرى، أو حتى توحدت معها، من ذلك تشابه الحكاية الشعبية، أو المثل الشعبي؛ ففي هذا السياق، يلحظ أن المثل الإنكليزي: Birds of Feather Flock Together، يطابق المثل العربي: «الطيور على أشكالها تقع»، ويقابله في الأدب الشعبي المثل: «كل من على ولفه يلف، حتى النحلة والزلف»؛ بيئات مختلفة، تسكنها شعوب مختلفة، ومثل واحد(45).
من ذلك أيضًا، ما يرويه الأديب اللبناني سلام الراسي: «من تقاليد قريتي في جنوب لبنان إذا مات منّا رجل ندبناه بكلام مثل: «كان عنتر، كان جعفر، كان بو زيد الهلالي، كان حاتم، كان غانم، للمكارم والمعالي»(46). وهؤلاء جميعًا ليسوا من لبنان، لكنهم يعيشون أبطالاً في الذاكرة الشعبية اللبنانية، فتُستعاد أسماؤهم في المناسبات من دون استئذان».
ثانيًا: أنواع تحتاج إلى مهارات خاصة في الأداء، وهي في الغالب الأنواع الأدبية الطويلة، مثل: السير الشعبية، والقصص الغنائي... التي يرويها محترفون(47)، من دون نسيان، مهارة أداء الرقص، وصناعة الحِرف الشعبية، والطهي، إلخ.
فالانتشار أو التداول يجعل هذا الأدب يشمل كـل طبقات المجتمع، بعكس الأدب الرفيع (الرسمي) الـذي تتناوله طبقة معينة، ويبقى محافظًا على مضمونه الأصلي، ولعل هـذا ما يمكّن الأدب الشعبي مـن أن «يطفو فوق سطح الزمن، ليقابل كـل عصر بالجدّة والحيوية نفسيهما، ويلتقي مـع كـل جيل بالانفعال والتأثير نفسيهما»(48). لذا، يمكن وصف الشعبية بصفة تحددها، وتدل عليها هي: «تراثية التداول» أي الانتشار والخلود؛ الانتشار على مستوى الأمة، والخلود على الزمن مـن عصر لعصر، وهذه الميزة، أي تراثية التداول، أهم ميزة للأدب الشعبي(49).
ولعل أبرز مثال على مفهوم «تراثية التداول» ما أورده سلام الراسي، عندما يروي هذه الحكاية الشعبية، فيقول:
«حدث يومًا أنني رويت في مقابلة تلفزيونية حكاية شعبية، كنت أظنها لبنانية حسبًا ونسبًا، ثم تبين لي أنها حكاية عربية قديمة»(50).
تقول الحكاية الشعبية بحسب مضمونها اللبناني:
«يُحكى أن رجلاً كانت له ابنتان تزوجت الأولى فلاحًا، والثانية فاخوريًّا (صانع فخار)؛ أراد الرجل يومًا أن يتفقد ابنتيه؛ فزار الأولى أولاً، وسألها عن أحوالها، فقالت: «حالنا بالويل، فقد زرعنا كل بذارنا عفير (بَذْرُ الحبوب في الأَرض قَبْلَ سقيها)، والزرع العفير يحتاج إلى شتي (مطر) بكير، والسماء تغيّم ولا تشتي، فإذا لم تمطر من الآن حتى آخر الأسبوع، مَوْدَر (فسد) البذار، وراح كل تعبنا خسارة». قال الرجل: «لا، الله كريم، الشتي سيسقط قبل المساء». فاطمأن خاطر ابنته، وقالت: «الله يبشرك بالخير».
ثم انتقل الرجل إلى بيت ابنته الثانية زوجة الفاخوري، وسألها عن أحوالها، فقالت: «حالنا بالويل، كل فخارنا في الخارج، لأننا لم نجد حتى الآن محرقًا لحرقه، والدنيا غائمة، ونخشى أن تمطر، فإذا أمطرت قبل آخر الأسبوع فاش (غرق) الفخار، وراح تعبنا خسارة». قال الرجل: «لا، لا، الله كبير، المطر بعيد، ولن تمطر السماء قبل أسبوعين». فاطمأن خاطر ابنته الثانية، وقالت: «الله يبشرك بالخير».
وعندما رجع الرجل إلى البيت، سألته زوجته عن أخبار ابنتيهما، قال: «إن أمطرت فاش الفخار، وإن ما أمطرت مودر البذار». فصاحت المرأة: «يا خراب الديار».
ويوضح الراسي أنه بعدما روى الحكاية على أنها حكاية لبنانية، تبين له أنها منشورة في كتاب «الروضة من الكافي»(51) الصادر في العام 338 هجرية، وهي منسوبة إلى رجل من آل البيت النبوي الكريم، مع فارق بسيط، هو أن الرجل كانت ابنته الأولى قد طلبت منه أن يصلي إلى الله كي يهطل المطر، في حين طلبت منه ابنته الثانية أن يصلي إلى الله كي يحجب المطر... فاتجه الرجل إلى الله تعالى، وقال: «فلتكن مشيئتك يا الله»(52).
يلحظ هنا، أن حكاية الرجل وابنتيه، حافظت عند انتقالها إلى بيئة أخرى، على عناصرها من:
زمن: الشتاء.
مكان: بيت الرجل، بيتا ابنتيه.
شخصيات: الأب وزوجته، وابنتاه المتزوجتان.
العقدة: هطول المطر يغرق الفخار، وعدم هطوله يفسد البذار، وطمأنة الأب ابنتيه في كل مرة.
الخاتمة: الحديث مع زوجته....
إنما الاضافة، كانت عبر تعديل صيغ بعض الجمل (الصلاة إلى الله مقابل الخوف من هطول المطر)، والألفاظ، وصيغ ردود الأفعال لتوافق طبيعة المكان وناسه.
أما التغير الأساسي، فكان في ختام الحكاية الشعبية: فالقديمة جاءت الخاتمة فيها: دعاء، يؤكد عبرها الرجل المشيئة الإلهية. وترمز الخاتمة الإيمانية إلى بثّ الوعي الديني، والاتكال على الله في الأمور كافة، فهو أدرى بتدبير شؤون عباده.
حكاية الراسي اختتمت بمثل شعبي، يكثّف عبرها الرجل ما حدث معه، وبالتالي يكثف مضمون الحكاية.
فالأولى وظّفت الحكاية، لأهداف إيمانية، والثانية وظّفتها لتفسير أصل مثل شعبي.
مهما يكن من أمر، فإن سلام الراسي، أدى للأدب الشعبي العربي عمومًا، واللبناني خصوصًا، دورًا مهمًا عبر تدبيره حكاية من أيّ مكان، لتفسير معظم الأمثال المنتشرة بين الناس، وتبيان جذورها، محافظًا في كل هذا، على عناصر بِنية الحكاية الشعبية، من سرد، وتسلسل منطقي للأحداث، وتفاعل الشخصيات، والبداية، والعقدة، والنهاية، والأهم هو محافظته على خاصية نسب الحكاية إلى شخص مجهول، أو غير معروف، ويصعب التحقق من وجوده فعلاً.
وفي حال أراد المرء أن يقرأ هذه الحكاية الشعبية مستقبلاً، سيجد أن المهن تغيرت لتحاكي واقع الحال، فبدلاً من صانع الفخّار والمزارع، سيجد موظفًا في بورصة العملات، وآخر موظفًا في بورصة النفط، وبالتالي أي صعود لأسهم الأولى سيعني هبوطًا لأسهم الأخرى، فيقع الرجل في حيرة، فلا يجد أمامه سوى الدعاء بأن يقع القمر الصناعي، لتتوقف شبكة الإنترنت، ويتعطّل العمل في البورصة.
4 - التعبير عن الوجدان الجماعي:
يأتي المحتوى النفسي على رأس معايير المحتوى الثقافي المعبّر عن وجدان الشعب (أو الجماعة) ونفسيته(53)، فالأدب الشعبي هو الحامل للوجدان الجمعي، ويمكن أن يضاف إلى هذا المعيار، الوظائف التي يؤديها الأدب الشعبي ومنها: الثقافية، والجماعية والقومية التي تحافظ على تراث الجماعة وتمجد أبطالاً، والنفعية أي المتعة الفنية، والوظيفة التفسيرية أي تفسير الظواهر.
يمكن تمييز الأدب الشعبي عن طريق المعيار اللغوي، أي استخدامه للعامية أو معيار قناة التناقل (الرواية الشّفويّة)، ومعيار التأليف أي الجهل بالمؤلف، أو اشتراك غير فرد في تأليفه. ومعيار الحيوية والاستمرار والانتقاء أي المأثور، ويبقى أبرز هذه المعايير المحتوى النفسي لتعبيره – كما ورد أعلاه – عن وجدان الشعب ومعتقداته ونفسيته وعاطفته؛ بفرح في الأحداث السارة، وبكآبة وحزن في الأحداث الأليمة والحزينة والمصائب. فحينما تحتفل الجماعة بحدث كالزواج، أو الولادة، أو الختان مثلاً، تعبر عن سعادتها من خلال الأدب الشعبي، وحينما تنتابها الآلام والأحزان بعد موت عزيز، أو ظلم واقع، أو شقاء وحرمان...، فإنها تلجأ للأدب الشعبي أيضًا، كذلك يلجأ المحبّون والعشّاق إلى الأدب الشعبي يبثون من خلاله عواطفهم وآمالهم؛ فعبر الشعر الشعبي، ينظم شاعر عاشق مجهول الاسم هذه «العتابا»54 اللبنانية:
بربّكْ يا حمامْ الدوح وَدّي
سلامي وعالحبيبْ نشورْ وِدّي
مرادي يا رسولي وكل ودّي
تسلّم بالوفا وتاخد جوابا(55)
وتبارك الأم ابنها العريس أو ابنتها العروس بـ«زغرودة» أو «زلغوطة»(56)، تعرب فيها عن فرحتها في هذه المناسبة السعيدة، وفي الوقت نفسه، تصف جمال ابنها أو ابنتها:
آويها مبروك يا بني انْشال الهم من بالك
آويها ا ليوم عرسكْ كنّار الأرز غنّالكْ
آويها حقّك تْشوف عالمدى حالَك
آويها بالحُسن أختِ البدر يا ألف نِيّالَك
لي لي لي ليش
وهذه زغرودة للعروس:
آويها وِعيونِكْ السّود ساقوا المُبْتلي ساقوا
آويها وخْدودِك الحمر شِبْه الورد عاطْباقو
آويها بنات حمص وحماه من خدودِك ذاقوا
آويها راحوا سكارى لنصّ ا لليل تَا فَاقوا
لي لي لي ليش(57)
ويسجل الشاعر اللبناني أسعد السبعلي (1998-1910) عبر «المعنّى القصيد»(58)، يوميات أهل القرى وعاداتهم وأعمالهم، فيقول:
طلّ الصباح وتكتك العصفور
سْهرنا وطوّلنا بنومتنا....
شوفي الشفق فرّق علينا النور
والشمس منشوره ع خيمتنا
والكون غاشي والفلك مسحور
من سقسقة ميّات نبعتنا
يختي اسبقيني وولّفي المعدور
حتى نْكفّي نْكاش بورتنا
ليكي الجدايا هَدْهَدو المعبور
وخرّبو مطاعيم كرْمِتنا
عيطيلك صوت للناطور
عنزات بو طنوس خربتنا
كتفي يا خيّي من التعب مكسور
ونقطة مويّ ما في بجرّتنا
وبدي الحمايه زق عالتنور
وإنده بدربي بنت جارتنا
تا ترقْ معنا الخبز يا منصور
راحت عياري كل خبزتنا
بشغلنا بايت علينا كسور
وحمّضت بتكون عجنتنا(59)
يلحظ في هذا النصّ، أنه يعبّر عن الوجدان الجماعي لأهالي القرى اللبنانية، إذ يختزن كمًّا من عادات القرية اللبنانية وتقاليدها، ويومياتها، وسلوكيات أبنائها: سهرات أبناء القرى، ومبيتهم في خيم تُشيّد على سطوح المنازل في الربيع والصيف، واطعام المواشي، وفلاحة الأرض، وتطعيم الأشجار، والمعاناة من نقل المياه من النبع إلى البيوت، و«العونة» وهي تعاون أبناء القرية في انجاز الأعمال، وهنا مساعدة ابنة الجارة عائلة الشاعر في رقّ الخبز...
والنصّ إذ يبدو أنه يسرد أحداثًا عاديًّة، وروتينية تعيشها القرية عادةً، إلا أن الشاعر السبلعي، تمكن من بثّ روح الموسيقى في هذا النصّ، عبر توظيفه الايقاع، واستخدامه ألفاظًا عامية تتمتع هي نفسها، بنغمة جمالية، على الرغم من محافظتها على معناها التعييني، مثل: «تكتك»، و«سقسقة»، و«هدهدو»،... فإن تكرار الحروف في الكلمة الواحدة يشكل إيقاعًا يحاكي الصوت الطبيعي لها.
فالشاعر يرفع هذا «الواقع العادي» الذي لا يخلو من صعوبات ومعاناة، إلى مستوى إبداعيّ يلائم وجدان أهل القرى وتقاليدهم، محققًا بذلك خاصية التواصل الأساسية لنجاح أيّ عمل أدبي.
5 - بنية التعبير الفني الشعبي وأسلوبه:
يمكن أن يضم إلى المحتوى الثقافي، الأسلوب الفني، إذ ثمة فرق بين الكلام العادي والأدب الشعبي؛ لأن الأدب له بنية خاصة به، وأسلوبه الفني الذي يميزه، أي نسيج خاص: بداية تقليدية – تكرار – توازي – وحدات بنيوية خاصة...(60).
فمن تقنيات الأدب الشعبي:
أ. بداية تقليدية:
تستخدم في غالبية أنواع الأدب الشعبي، صيغ تعبيرية جاهزة، مثل: «يُحكى»، و«كان يا ما كان»، و«عاشوا في سبات ونبات وخلّفوا صبيان وبنات» في الحكاية، و«الميجانا»، و«على دلعونا وعلى دلعونا»، و«هيهات يا بو الزلوف»، «وع الروزانا ع الروزانا»، في الأغنية، و«اي ويها اي ويها» في زفّة العروس، إلخ. لأنها تشكل مرتكزات للتواصل بين الراوي، أو الفنان والمتلقي.
ب. التكرار:
يأتي التكرار على رأس الخصائص الأسلوبية للأدب الشعبي، «حيث يركّب بشكل فني يسهل اكتنازه في الذاكرة، ويسهل على جمهوره روايته وانشاده، وعلى مستمعيه متابعته، لأنه أُلّف ليروى ويسمع لا ليقرأ»(61). فالفنان الشعبي (الراوي) مقيّد بما سمعه عبر التكرار، ويكرر المادة بحسب ذوق جيله، ما يعني إمكانية الإضافات أو الحذف.
ومن التكرار هذه «القراديّة»(62) لشاعر لبناني مجهول يعاتب حبيبته، أوردها الأديب اللبناني مارون عبود في مقالة له:
يا أم الوربي عبّاسي
تايه عن اسمك ناسي
هواك دبّ براسي
وعطّل أشغالي عليّي
عطّل شغالي وعمالي
وفيكي تاهت فكاري
حلوي لمن تنداري
تزيدي الجروحات كيّي
تزيدي الجروحات حريق
عاملتيها كام تريق (أي مرة)
...
وإن كان المعبد واطي
منوطي الدرجة شويّ
منوطيها وبتوطا
يا أم الوربي والفوطا
بس تضلي مبسوطا
منعمل زيّاح ورديّي
منعمل زيّاح وقداس
وان كان موجود عندك ناس(63)
يلحظ أن أبرز خاصية في هذا الشعر الشعبي التكرار، فالشاعر يعيد تكرار أول كلمتين في عجز البيت الأخير من كل دور(64) مع صدر البيت الأول من الدور التالي، وهكذا دواليك حتى آخر القصيدة، مثال: «عطّل أشغالي»، و«تزيدي الجروحات»، و«منعمل زيّاح»... فهذا التكرار مع الإيقاع الشعري من وزن وقافية وروي، ساهم مساهمة فاعلة في حفظ هذا الشعر، ما سهّل تداوله بين الناس، وانتقاله من جيل إلى جيل شفويًّا قبل انتشار الكتابة.
ج. تحوير شكل الكلمات:
تتميز هذه التقنية بخروج الكلمات على أصولها المرعية في العامية الجارية، كما يظهر في الموال(65)على سبيل المثال؛ فالكلمة الواحدة في النصّ الواحد لها غير معنى مختلف. ومثال ذلك، هذا الشعر الشعبي من نوع «المواليا»(66)، إذ يلحظ أن اللفظة نفسها يتغير معناها مع تغير طريقة نطقها:
جودك كما الشجرات فيّا ظِلّكي
مين الذي بحكم التّنائي ظلّكي
إنتي على عهود التداني ظلّكي
ونحنا على شروط المحبّي بعدنا(67)
يلحظ في هذين البيتين التزام فن الجناس، إذ إن لفظة «ظلّكي» تتكرر في ثلاثة شطور شكلاً، لكن معناها مختلف؛ فالأولى تعني: الظّل، والثانية: التضليل، والثالثة: البقاء.
ويلحظ أن تكرار اللفظة نفسها، يستخدم أيضًا، في موال «الميجانا»(68):
جسمي على الهجران يا ليلى نِحِلْ
عودي عسانا للهوى أمرو نِحِلْ
طّيّرت أشواقي على زهرِك نحِلْ
ولّى الزمن والنّحل ما جبْلي جنَا
فـ«نِحِل» الأولى تعني أن الشاعر ضعف جسمه، وأصبح هزيلاً، والثانية تعني: نجد حلاً، والثالثة والرابعة: النحل.
د. التشبيهات والاشارات الأسطورية:
تشغل وفرة التشبيهات والاشارات ميزة أسلوبية أخرى، حيث يختزل النصّ الشعبي معاني كثيرة معروفة، ويستحضر محفوظًا من التاريخ الأسطوري والاجتماعي (الآلهة- الملائكة– الجان- الأولياء- العفاريت، إلـخ). وفضلاً عن هذا كله، ايراد التفاصيل، وتغليب الإسراف فـي رسم دقائق الصورة(69)، فاستخدام التفاصيل الواقعية المستمدة من بيئة الراوي، أو المتلقي تساعد خيال المتلقي على استيعاب عالم الحكاية أو الخرافة أو الأسطورة، ويضفي هذا الاستخدام على هـذا العالم مصداقية مرغوبًا فيها، ولا يلغي هذا حقيقة كون الأدب الشعبي في جلّه، تخييلاً وغير واقعي.
ويمكن تحديد الإشارات الأسطورية في أربعة موضوعات:
التكوين لفهم عملية خلق الكون، ويلحظ أن معظم الشعوب القديمة، سعت إلى هذا النوع من الأساطير، لفهم من أين أتت، بعدما بدت عاجزة كليًّا عن فهم إلى أين تذهب بعد الموت.
الطقوسية لتمثيل الجانب الكلامي لطقوس الأفعال الهادفة إلى حماية الناس. لذا، جرى تخصيص أماكن/ معابد للإله (القوى التي كان يُظن أنها تتحكم بالحياة والموت)، يلجأ إليها الإنسان القديم لإرضائها عندما يواجه خطرًا داهمًا، أو مصيبة، أو شرًّا ما. ولإضفاء المزيد من العناية بهذا الإله، خُصص لخدمته عدد من الكهّان والكاهنات، وتنظيم الدخول إلى المعبد.
التعليلية لتفسير سرّ الظواهر غير المفهومة والتي يصعب على عقل الإنسان البدائي أن يدركها. ويبدو أن هذا الاتجاه هو الممهد لبروز الشخصيات الخارقة أو البطل الإله الذي يتسم بجمع الطبيعتين: الإنسانية والحيوانية، وهي تشكل مرحلة مفصلية في تاريخ البشرية، جرى خلالها الانتقال من الإنسان – الصياد، إلى الإنسان – المزارع. ويبدو أن توجه الجماعة الأساسي لـ«خلق» هذا النوع من الأبطال، هو بهدف حمايتها من شرّ يتوالد باستمرار، فتطمئِن هذه الأبطال المخاوف التي لم تهدأ في ظل طبيعة لا ترحم الضعيف.
الرمزية لتضمين رموز تحتاج هي نفسها، إلـى تفسير، ويبدو أن هذا التوجه برز فـي مرحلة لاحقة من الفكر البشري، إذ اهتم الإنسان بصياغة كلام/ رمـوز يتوجه به إلى هذا البطل/الإلـه، يكون مختلفًا عـن الكلام الذي يتوجه بـه إلى إنسان مثله. مـن هنا، يبدو بدء ممارسة اكتشاف الظلال السحرية للكلمات التي كانت تصدر مـن كائن أسفل إلـى إلـه أعلى، وبالتالي بدأت تنزاح الكلمات عـن معناها التعييني إلى معناها التضميني، الممهد إلى ولادة الشعر.
دفع تنوع الاشارات الأسطورية إلى تنوع المناهج التي تريد دراستها، وتحليلها، وفهمها، وتفسيرها، وتعليلها، فبرزت مناهج:
«اليوهيمري»: ويعدّ من أقدم المناهج، يرى أن المهمة الأساسية للأسطورة هي تمجيد الأبطال.
الطبيعي: ويعدّ الأبطال ظواهر طبيعية تشخص في أسطورة، وضعت بعد ذلك لشخصيات مقدسة.
المجازي: الأسطورة مجازية، تخفي أعمق معاني الثقافة.
الرمزي: الأسطورة رمزية، تختزن فلسفة عصرها، لذا، وجب دراسة العصر نفسه لفكّ دلالات رموز الأسطورة وفهمها.
العقلي: الأسطورة نشأت نتيجة سوء فهم ارتكبته الجماعة عند تفسيرها أو سردها لحدث ما.
التحليل النفسي: الأسطورة مخزن رموز لرغبات غريزية، وانفعالات نفسية لدى الجماعة.
مهما يكن من أمر تعدد المناهج، إلا أنها مكّنت المتابع من وضع خصائص عامة، يمكن من خلالها تمييز الأسطورة عن غيرها من الأنواع المشابهة، وأبرز هذه الخصائص أن الأسطورة تكتب أو تنقل شفاهية باللغة الفصحى، وتتمتع بخطاب الجد والحقيقة، وليست للمؤانسة، وهي مقدسة، وتمتلك قوة الاعتقاد الملزم للمجتمع، وتصدر عن تأملات وخيالات جمعية لا فردية، والأهم من كل ذلك، أنها تتناول موضوعات إنسانية مصيرية، تخصّ جدل الانسان مع نفسه، ومع ما يحيط به، فضلاً عمّا تتمتع به من خصائص فنية، مثل: المطلع، وأسلوب التعبير، والشخصيات، والسرد، والزمان والمكان، والأحداث، والحوار، والخيال، والعقدة، والحل.
لكن، بدا من الضروري التمييز بين الأسطورة والقصة من جهة، والأسطورة والحكاية الخرافية من جهة أخرى، بسبب تقاطع الخصائص الفنية بين هذه الأنواع. لذا، لُحظ أن القصة تستمد مادتها من الواقع، ولا تعبر غالبًا عن السلوك الروحي، بخلاف الأسطورة المستمدة من الخيال، وتنتمي إلى هذا السلوك، بل يعدّ جوهر وجودها.
أما بين الأسطورة والخرافة، فيلحظ أن الأولى تتمتع بخاصية كتابتها باللغة الفصحى، وتملك قوة الاعتقاد الملزم للمجتمع، وزمنها يعود إلى ما قبل الأديان، فيما الثانية تتمتع بخاصية اللغة العامية، وتصديقها أو الإيمان بمضامينها غير ملزم، ما يعني أنها غير مقدسة، وبالتالي أبدعها الناس بهدف الامتاع والمؤانسة غالبًا، أو لتفسير ظاهرة من الظواهر، فضلا عن أن ظهورها جاء بعد الوثنية.
على الرغم من ذلك، تتمتع هذه الأنواع الأدبية مع غيرها من الأنواع، بأهداف مشتركة، يمكن تلخيصها بتنمية الفكر البشري، والتعبير عن ذاتية الشعوب، وحفظ مراحل تطور الحضارة الإنسانية، وفهم الحياة لخلق التوازن فيها.
6 - العاميّة:
تظهر اللغة العامية مقدرة فائقة على التعبير عن أدق المشاعر والأحاسيس ما كُتب للأغاني والمواويل الانتشار والخلود، وما جعل الأدب الشعبي ينتقل من جيل إلى جيل، حتى إنه يمكن لنا أن نسمّيه أدب الماضي والحاضر والمستقبل. وعلى الرغم من ذلك، تتباين آراء الباحثين والأدباء في مقاربة مسألة عامية الأدب الشعبي؛ إذ ثمة من يضع العامية على رأس المقومات في تحديد مفهوم الأدب الشعبي(70)، فيما يرى آخرون أن العامية ليست المرتكز الأساسي(71).
يسجل في هذا السياق، تشدد أمير الزجل اللبناني رشيد نخلة على الفصل بين العامية والفصحى، إذ يرى أن «الزجل والبيان لا يلتقيان»، مؤكدًا أنه «لا يجوز أن يدخل الزجل لفظ فصيح مهما كان حظه من الرونق في العربية»(72).
ويميز نخلة بين الأديب العربي والشاعر العاميّ، فيقول: «إن هذا النوع من التعبير هو لغة المهد. الأديب العربي يترجم خواطره ترجمة، على عكس الشاعر العاميّ الذي يلقي فكرته على لسانه من دون الحاجة إلى ترجمة، إذ إنه يفكر بالعامية التي يكتب فيها. أما الأديب العربي، فهو يفكر بالعامية ويكتب بالفصحى»(73).
ويشير الأديب اللبناني توفيق يوسف عواد إلى المشكلة نفسها، إذ يقول في محاضرة ألقاها في العام 1928: «المصيبة هي في اعتقاد البعض أنهم حسنًا يفعلون عندما يستعملون ألفاظًا فصيحة، أو عندما يعربون بعض الكلمات. وهم لو عقلوا لأدركوا أنهم يشوهون جمال معانيها تشويهًا فظيعًا»، ويخلص عواد للتأكيد أنه «يجب أن يفهم الشاعر العاميّ، أن له لغة خاصة»(74).
أما الأديب اللبناني مارون عبود، فلم يبادر للكتابة عن اللهجة العامية، أو الشعر العامي، بهدف أن تحلّ اللهجة محل اللغة الفصحى، أو أن يضع الشعر العامي حدًّا للشعر الفصيح، بل كان موقفه صريحًا وواضحًا، إذ استهل مقالته «اللهجة العامية اللبنانية» في العام 1953(75)، قائلاً: «كنت، وما زلت، وسأظلّ، عدوًا لاثنين: الداعي إلى إحلال اللهجة العامية محل اللغة الفصحى، والقائل بكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية. كلا الأخوين أضرّ من أخيه...»(76).
يأتي هذا الموقف لعبود ليس بدافع الحرص على لغة الضاد، وهي ليست بحاجة لمن يدافع عنها، إنما لقناعته الراسخة، أن «لكل جيل من الناس لغتين: لغة يجري بها القلم، وهي مادة الكتاب، والكتاب سجل المدنية الخالد، ولغة تدور على الألسنة، وبها تتفاهم الأمة المختلفة الأقاليم»، وبين هذين الاتجاهين، يرجح أن «تكون لهجة لبنان العامية أنقى اللهجات، وأقربها إلى الفصحى»، والسبب في ذلك، «لانكماش اللبنانيين، وتقلصهم في جبالهم الوعرة، غير المرغوب باستيطانها». وفيما لم يبد عبود أي خشية على اللغة الفصحى، أعرب عن خشيته من إفساد اللهجة، فيقول: «إن سهولة المواصلات، ومطامع الشركات، والمهاجرة من وإلى، قد تؤدي إلى إفساد لهجتنا»(77).
يتبلور موقف عبود تدريجيًّا إذًا، تجاه اللغة واللهجة، فهو يحصر الأولى بالكتب، وبلغة التواصل بين أمة وأخرى، ويطلق الثانية في الحياة اليومية، ويرفعها إلى مستوى «التفاهم» بين أبناء الأمة الواحدة، ومن ذلك ما يذكره عن زيارة مراكشيين له «فما تفاهمنا إلا بالفصحى»، ومحاضرة «أحد المهوّسين باللهجة العامية»، الذي قرأ لعبود محاضرة كتبها بـ«لهجتنا العامية»، فقال له عبود: «خطابك جميل، إلا أنه يحتاج إلى ترجمة»(78).
على الرغم من هذا التشدد في عملية الفصل بين العامية والفصحى، يجد المتابع زجّالين يطمحون إلى بلوغ الزجل مرتبة الفصحى، كقول الشاعر الزجلي اللبناني موسى زغيب:
أوّل وصيي لازم الجوق الصحيح
يرفع زجل لبنان لمقام الفصيح(79)
أما الشاعر اللبناني طلال حيدر، فهو يؤمن أن العربية المحكية التي يكتب بها شعره، هي «أساس لفصحى الأيام الآتية»(80)، لكن الشاعر يقع في التناقض؛ إذ يجعل عنوان ديوانه «آن الأوان»، ومقدمته، وآخر قصيدتين فيه، بلغة عربية فصيحة(81)، ومهما يكن من أمر هذا التناقض الذي يبدو مبررًا لأنه استشرافي، يقع القارئ في حيرة أمام قصيدة حيدر العامية، فهي على الرغم من التزامها البحر، والقافية، والروي (وإن تنوعت في القصيدة الواحدة)، يمكن عدّها من ناحية بناء الصورة، والمضمون الشعري، في قائمة الشعر العربي الحديث، وبالتالي يصعب على الإنسان العادي أن يفهمها كما يفهم الشعر الشعبي (الزجل، والعتابا، والموال، ...)، من ذلك، يقول حيدر:
«هالكان عندن بيت
وصورة
عليها ناس
معلّقين بخيط
وقعوا عن سطوح العمر
وسْتلَقِتن الحجار
وِقعوا
متل ما بيوقع المشمش
على ولاد الزغار...»(82)
فهذا النصّ الذي يعود تاريخه إلى العام 1972، صحيح أنه كتب بلهجة عامية لبنانية، لكن يصعب على الإنسان غير المثقف، أو المتخصص في الأدب العربي، أن يدخل إلى عوالمه الداخلية، ويلامس جمالية بناء الصور فيه. لذا، يصحّ القول في حيدر إنه يسير «في الرهان الصعب لتأسيس لغة تأتي من مجمل حركة الإنسان – المجتمع»، ففي شعره «تتوحد كلمات الشعب البسيطة الحيّة، ومشاهد الريف الحميمة مع أرقى مستويات الفكر – مستوى الحكمة الساطعة التي تلخص الفلسفة وتتجاوزها»(83).
لا يقتصر وضع خاصية العامية في الأدب الشعبي على هذا الجانب فحسب، بل الإشكال يمتد حول طبيعة هذه اللغة العامية أيضًا؛ إذ إن هناك من يرى أن لغة الأدب الشعبي ليست العامية بالدرجة الأولى، بل هي لغة فصحى مسهلة أو ميسرة، حتى تكاد تقارب العامية في الشكل الظاهري(84)، ورأي آخر يجعل الفولكور أو اللون المحلي، نوعًا من التعبير تنقل به الأشياء في حدود بيئتها الريفية، ويبدو غالبًا في الألفاظ، التي قد تكون عامية، لكنها مشبعة بروح الريف، من تداول أبنائه لها في حياتهم اليومية، وفي بعض المناسبات والمواسم، فتعلق بها الذكريات، وتغدو ذات وقع عميق في نفس القارئ، فضلاً عن العبارات التي تدنو من هذه الألفاظ، عبارات مأثورة في أهل الجبل، يجري بعضها مجرى المثل(85).
وإذا كان تناول الأدب الشعبي بالفصحى يجعله يتنازل عن قدر كبير من الحرية الشفويّة التي يتمتع بها، يبدو من الأهمية تحديد الفرق بين الأدبين الشعبي والعامي؛ فالأخير «يرتبط بواقع الساعة الراهنة (موسمي)، وقائله معروف دائمًا، ويستخدم لهجات محلية». أما الشعبي، فإنه «ينشأ كعمل من أعمال أحد الأدبين: الرسمي أو العامي، وتؤهله خصائص ذاتية فيه لأن يتحول إلى أدب شعبي»(86).
لكن اللغة ليست مرتكزًا أساسيًّا عند كثير من الدارسين، فلغة التخاطب العامية بين بعض القبائل العربية تقارب اللغة الفصحى. وهناك شعراء معاصرون (والشاعر طلال حيدر مثال بارز على ذلك، كما ظهر أعلاه) جعلوا العامية قالبًا لشعرهم (شعراء العامية)، وبعض هؤلاء يكتبون شعرًا حضريًّا ينمّ عن مزاج متفرد، وتجربة شخصية، إلا أنه مكتوب بلغة عامية، ومثل هذا الشعر يشترك مع الأدب الشعبي في لغته، ولكنه يختلف عنه في بقية المقومات(87)، وعلى الرغم من أهمية اللغة، إلا أنها ليست إلا عاملاً واحدًا بين معايير ومقومات أخرى للأدب الشعبي، فـ»كليلة ودمنة» مثلاً التي دفع ابن المقفع حياته ثمنًا لها لمهاجمته السلطة المتمثلة بالمنصور، تعدّ أدبًا رسميًّا، إذا تناولتها الخاصة، وأدبًا شعبيًّا إذا حكتها الجدّات لأحفادهن.
7 - الدافع الروحي الجماعي:
يتحكم فـي الباعث على الإبداع الفردي، المنطق الذاتي، والتيارات الفكرية السائدة، ويغلب عليه الباعث الذاتي. أما الابداع الشعبي، فهو إنتاج تتحكم فيه الآلية النفسية الشعبية – إذا جاز القول. وثمة رأي يلحظ أن «الأدب الشعبي أصدق تصويرًا للروح الشعبي من الأدب الذاتي»(88)، فالآلية تبرز صفات الشعب، وخلجاته في صورة أكثر بساطة وصدقًا من تلك الصورة التي تظهر في الانتاج الفني الرسمي الذي يتحكم فيه المنطق الفردي. كذلك، إن المعطيات الدينية، والاعتقادية، والفلسفية يمكن الإستدلال إليها ليس في مستوى النتاج الثقافي الفصيح، أو الرسمي، أو الخاص فحسب، بل يمكن استجلاء نماذجها الأولى في مستوى النتاج الثقافي الشعبي، أي على مستوى المنتجات الثقافية في أشكالها البدائية، أو الأولية(89).
ويقول الأديب الفرنسي موريس باريس (Barès M./1862–1923) في هذا السياق: «أنتم شعراء العامّة تعيشون في منازل الناس، ونحن نعيش في كتبهم. فليس من العجب أن تكونوا أكثر حرارة منّا»(90).
يبقى القول في هذا الجانب: إن الارتجال مع الاحتفاظ بالبنى العامة للمادة المنقولة، يعدّ نقطة ضعف الأدب الشعبي، بسبب تعرضه للنسيان أو الإضافات أو الإستبدالات المقصودة وغير المقصودة، ما يعني أن النصّ الشعبي سيبقى في تغير مستمر وغير ثابت.

خلاصة البحث
يلحظ في خلاصة هذا البحث، الآتي:
أن الهدف الأسمى للأدب الشعبي إعطاء صورة حقيقية للعملية الاجتماعية، ومسايرة الفطرة أكثر من الأدب الرسمي، وتتجلّى هذه الفطرة في حَبْكه، وأسلوب إبداعه المتغير من بيئة لأخرى، ومن زمن لآخر، فموضوع الأدب الشعبي عام، يمسّ كل فرد من أفراد الأمة، وهو أيضًا خاص، يحسّ كلّ فرد بأنه موضوعه الشخصي الذي يهمّه وحده، أو يهمّه قبل أي شخص آخر. لذا، ميّز البحث المناهج التي تتعلق بدراسة الأدب الشعبي، وتساعد على خدمة الهدف المشترك بينها جميعًا، وهو تفسير العلاقات القائمة بين الشعب والثقافة الشعبية، مؤكدًا أنه لا يمكن للباحث أن يكتفي بالاعتماد على منهج واحد، إذ يمكن القول في الواقع: إن هذه المناهج مجتمعة تكوّن منهج الدراسة الفولكلورية بمفهومه المعاصر.
يعدّ الأدب الشعبي قمة الوعي الفني، فهو لا يحدد لنفسه شكلاً معينًا، ولا يأنف أن يستعير لنفسه أيّ شكل يجد فيه تحقيقًا لأهدافه ومراميه؛ فقد تقال قصة ما، بعدئذٍ تعزز نتيجة القصة بمثل ما، أو تحول القصة إلى أغنية شعبية، أو مسرحية شعبية، أو تزاوج بين هذه الأشكال مجتمعة. كما تتوافر فيه بنية وأسلوب فني (سرد - حكاية - إيقاع - حوار- لغة، إلخ) تفرق بينه وبين الأدب الرسمي، فالأدب الشعبي يتمتع بوسائل أسلوبية إغرائية جاذبة عند روايته أو إنشاده، مثل: التكرار، والأسلوب التعجبي، والأسلوب الهزلي والمضحك، والمحاكاة التمثيلية للشخصية حركةً ولفظًا، كتقمص الشخصية بطريقة كلامها، وتفخيم ألفاظها، ولاسيما عند رواية السير والحكايات، أو ايراد الأمثال، أو انشاد الزجل.
توسع البحث في مقاربة خصائص الأدب الشعبي وإشكالية تناولها في الدراسة الأدبية الشعبية، وما استجد عليها من متغيرات، وعرض في الوقت نفسه، نماذج مختارة توضح أبرز هذه الخصائص مع تحليلها، وكل ذلك ضمن الاتجاه الذي سلكه البحث في هذا الجانب، وهو اعتماده ليس على شكل الأدب الشعبي فحسب، بل على محتوى هذا الأدب أيضًا، الأدب المعبّر ببساطة وتلقائية، ومن دون تكلف وتصنّع، عن ذاتية الشعب المستهدف تقدمه الحضاري، أدب الرواية الشفويّة وأدب المطبعة على السواء، فهو يستفيد من الشّفويّة ليضمن استمراريته، ويشحذ قريحة المجتمع للإنتاج، فعندما يغيب من الذاكرة يفقد. لذا، تأتي أهمية المحافظة عليه عبر التدوين والصورة والأفلام التوثيقية، وإدخاله في المناهج التربوية منذ الصفوف الدراسية الأولى، وصولاً إلى الجامعية.
الأدب الشعبي حيّ، يرتبط بالحياة ويتفاعل بها ومعها وفيها، لذا أمام تعدد المصطلحات المقابلة لترجمة «فولكلور»، مثل التراث الشعبي، والمأثور الشعبي...، ركّز البحث على جوهر الأدب الشعبي وطبيعته التلقائية أو العضوية، أي إنه ثمرة خبرات وتفسيرات أشخاص يجمع بينهم تفاعل إيماني – اجتماعي – اقتصادي، وبناءً عليه، قدّم البحث صياغة جديدة لمفهوم الأدب الشعبي، وخصائصه، يلحظ ما يتمتع به من سمات مادية وروحية وابداعية. وفي طبيعة الحال، لا يمكن لهذا التقسيم أن يكون تقسيمًا نهائيًّا، انطلاقًا من مبدأ حيوية الأدب الشعبي، غير الخاضعة – في أحيان كثيرة – إلى منطق علمي ثابت.
خلص البحث للتأكيد أن العنصر الحاسم الذي يحدد فيه المأثور ليس تدوينه أو شفويّته، وليس إبداعه عن طريق إنسان يقرأ ويكتب، أو آخر أميّ، إنما هو أن يكون عملاً من أعمال الإبداع، يلائم وجدان الجماعة وتقاليدها، ويحقق التواصل بين الفرد والجماعة، ويحمل في الوقت نفسه، بذور استمراريته مستقبلاً.
لعله في الختام، من المفيد الإشارة مجددًا، إلى امكانية العمل مستقبلاً على تخصيص نوع جديد يضاف إلى أنواع الأدب الشعبي، هو: الأدب الشعبي الالكتروني أو الرقمي، أو الأدب الشعبي في الواقع الافتراضي، لما بات يتضمنه هذا الواقع من كمّ هائل من النصوص، وصيغ التعبير الشعبية، والفنون، والسلوكيات، والعادات والتقاليد، والصور، وغيرها.