اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الأدب الشّعبي حيّ؟
«الأدب الشعبي أدب حيّ». يندرج ضمن إطار هذه العبارة كلّ ما له علاقة بثقافة شعبية أنتجها الناس في زمان وم...

ألعاب قريتي وطفولة الزمن الجميل
تعد السنوات الأولى في حاة الفرد من اھم المراحل العمرة المؤثرة في بناء وتشكل شخصته، حث تتشكل فھا اولى المقومات التي تمثل ...

صورة المرأة في الحكايات الشعبيّة
انبثقت الحكايات الشعبيّة، التي يُشار إليها أيضاً بالحكايات الخرافية أو العجائبية، من مجموعة واسعة من الحكايات البسيطة ال...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
المعارف والتقنيات التقليدية في زراعة النخلة بمنطقة مروي شمال السودان
العدد 40 - ثقافة مادية

د. أسعد عبد الرحمن عوض الله - كاتب من السودان

 

ترتبط النخلة في منطقة مروي شمال السودان بكل مناحي الحياة، ابتداءً من زراعتها مروراً بنموها وحصد ثمارها وصولاً إلى الاستخدامات المختلفة لها ولمنتجاتها. سيما وأن مجتمع مروي وفقاً لنشاطه الاقتصادي العام، مجتمع زراعي – رعوي. يعتمد بشكل رئيسي على زراعة أشجار النخيل التي لها الأثر الكبير في تشكيل المعارف والتقنيات التقليدية بصورة خاصة والموروث الثقافي بشكل عام.
المعارف والتقنيات التقليدية هي نظم وطرق وممارسات مكتسبة تختص برؤية مجموعة محدَّدة من البشر في سياق بيئي ومجتمعي محدَّد المعالم من حولهم، تطوَّرت هذه المعارف إلى مهارات عبر الزمن وتعاقب الأجيال عن طريق الملاحظة والتجربة والمحاكاة والممارسة بواسطة أفراد تلك المجموعة في تفاعلها مع البيئته الطبيعية. وتشير إلى الخبرات المتراكمة التي اكتسبها أفراد هذا المجتمع المحدَّد نتيجة ذلك التفاعل.
تعتبر زراعة النخيل أهم نشاط بشري في بيئة منطقة مروي بشمال السودان. وتعتمد بصورة أساسية على المعارف والتقنيات التقليدية، والمقصود بها هنا مجموعة الطرق والأساليب والمهارات والتقنيات المحلية التي يستخدمها أفراد المجتمع لزراعة النخيل لإنتاج التمور، وترتبط هذه المعارف ارتباطاً مباشراً بالظروف الجغرافية وبالمناخ، فالأحوال المناخية وتعاقب الفصول هي التي تحدد نوعية ممارسة المعارف والتقنيات بالمنطقة؛ وذلك لأنها مرتبطة بزراعة شجرة النَّخِيْل، ويقدِّم الكاتب في هذا المقال وصفاً للمعارف والتقنيات التقليديَّة المستخدمة في زراعة النخلة التي تتم أولاً بتحضير الفسائل أي الشِّتُول، التي تعـرف في المنطقـة بـ (التَّصْفِيْحْ)؛ تمهـيداً لغـرسـها، وشرح مراحل عملية الغرس التي تعرف بـ (الشَّتِلْ)، ثم عملية التلقـيح الـتي تعـرف بـ (القَفُـوْزَهْ)، ومـراحل نمو التمـر، ثـم الحصاد الذي يعرف بـ (حَشْ التَّمُرْ)، وكذلك المعارف والتقنيات المرتبطة بطريقة تخزين محصول التمور.

التَّصْفِيْحْ:
التَّصْفِيْحْ هو عمليَّة إعداد وتجهيز فسائل النخيل؛ لغرسها في مكان آخر؛ لإنتاج نخيل مماثل للنخلة الأم، وهي ما تعارف عليها بالشِّتُول. وتنمو هذه الفسائل في ساق النخلة من أعلى، أو أسفل الساق، أو بجانب ساق النخلة على الأرض. وفي المنطقة الشمالية تسمَّى في اللُّغة الشعبيَّة (بَنَات النَّخْلَة)، يقول الرَّاوي حمدنا الله فضل الله: «النَّخْلَة بِتَلِدْ بَنَاتْ»(1)، ويشبِّه الرَّاوي النخلة بالأم التي تلد بنتاً، وما يهمنا هنا كيف يتم التعامل مع هذه البنت، أي الفسيلة، وما هي التقنيَّات والمعارف التقليديَّة التي تستخدم، حتى يتم فصلها من النخلة الأم، وغرسها في مكان آخر؛ لتصبح بعد ذلك نخلة قائمة بذاتها، و تسمَّى هذه العملية في المنطقة بعملية التَّصْفِيْحْ.
تبدأ عمليَّة التَّصْفِيْح بنظافة الشَّتْلَة في أسفلها من اللِّيف (الآشْميْق)، ومن الجِّذُور الزائدة والجافَّة (العِرُوق)، ومن الشَّوْك، ويتم قطع الجَرِيْد الزَّائد، وتخفيف الجَرِيْد حول قلب الشَّتْلَة بقطعه من رأسه، باستخدام أداة المُنْجَلْ، ثمَّ يتم جمع الجَرِيْد وربطه بسعفة من سعف الجَرِيْد المقطوع، بحيث يتم تغطية قلب الشَّتْلَة، انظر الصورة رقم(1).
يقوم المزارع بعد ذلك بتجهيز الصَّفِيْحَة وهي الإناء الذي تُعبَّأ فيه الزِّيوت، ويصنع من البلاستيـك، أي مـا يعرف بـ (البَاقَة)، ويقـوم باختيار الحجم المناسب للإناء بحسب حجم الشتلة، ثم يقطع الجزء الأعلى بحيث يكون مفتوحا من أعلى، ويفتح الإناء في قاعدته من إحدى الجوانب بشكل دائري بحجم قعر الشتلة، مستخدماً لذلك صفيحة منشار للقطع، انظر الصورة رقم(2).
ثمَّ بعد ذلك يقوم المزارع بإدخال هذا الإناء في الشتلة عن طريق هذه الفتحة الجانبيَّة، انظر الصورة رقم(3)؛ وذلك من أجل إدخال قاعدة الشتلة في الإناء، انظر الصورة رقم(4).
بعد تثبيت الإناء في أسفل الشتلة، بحيث يكون قعر الشتلة في داخل الإناء، يقوم المزارع بملئِهِ بالتُّرَاب القُريْرَة من التربة الزراعيَّة بطرف النيل، ويقوم بتسكين هذا التراب باستخدام آلة العَتَلَة، وهي عبارة عن سيخة من الحديد، يدق إحدى طرفيها بحيث يكون حادا، وتستخدم لقطع الشتلة وفصلها من أمها. ويتم تسكين التراب باستخدام هذه الآلة وتسمَّى هذه العمليَّة بـ (الشِّكّين)، انظر الصُّور رقم: (5)،(6)،(7)، على التوالي.
بعد عمليَّة الشِّكّين يترك المزارع مسافة ثلاثة سنتمترات بين سطح التراب في الإناء وفتحة الإناء، وذلك لعملية السِّقَايَة، وفي هذه المسافة يضع قطعة من الآشميق، أي ليف النخيل، ليغطِّي به سطح التُّرَاب؛ وللاستفادة منه في عملية سقاية الشتلة بالماء؛ وذلك لكي يحافظ على الماء من التبخر، وكذلك بعد أن يتبلَّل يحتفظ بالماء وبالتالي يحافظ على رطوبة تربة الشتلة في داخل الإناء.
يقول الرَّاوي إبراهيم علي حسن: «التُّرَابْ إِنْ كَبّيْتُو لَازِم تَشَكِّنَا بالعَتَلَة ذَاتَا بَعَدْ مَا شَكَّنْتَهَا تَشِيْلَكْ آشْميْقَا تَخُتَّهَا ليْهَا فِي الجَرَكَانَة فوْقْ عَشَانْ تَمْسِكْ المُوْيَة وُتَرَطِّبْ وُلَازِمْ اِكُوْنْ فِيْ مَسَافَة قِيْرَاطيْن كَدِي تَلَاتَة قِيْرَاطْ للْموْيَة»(2).
بعد هذه العملية يتم سقاية الشتلة بالماء بعد خمسة أو ستَّة أيام، وبعد ذلك تتم سقايتها بانتظام كل عشرة أيام، وإذا كانت الشتلة في الأصل مليئة بالعروق يمكن فصلها بعد شهر، وذلك باختبارها بقطع زاوية الإناء بالمُنْشَار أو المُنْجَل، وإذا وجدها المزارع مليئة بالعِرُوْق، يقوم بقطعها باستخدام آلة العَتَلَةْ، وهنالك شيء آخر يوضح أن هذه الشتلة أصبحت جاهزة للقطع، هو أنَّ المزارع يجدها قد نمت لأعلى من حد الرَّبْطَة التي قام بها لحظة عمليَّة الشَّتل، وفي هذا الخصوص يقول الرَّاوي إبراهيم علي حسن:
«أَوَّلْ حَاجَة لَوْ ضَرَبَتْ بِتَلْقَاهَا بِتَنْمُو مَشَتْ لَا فوْقْ زَادَتْ مِنْ قَلِبَا دَا يَعْنِي إِنْتَ بَعَد تَقِبَّهَا لَوْ جِيْتَا بَعَدْ خَمِسْطَاشَرْ يوْمْ تَلْقَا فِي زِيَادَة مِنْ حَدْ القَطِعْ القَطَعْتُوْ دَا وُمُمْكِنْ تَعَرِفْ بالمُنْجَل دَا فِي أَيِّ وَاحِدْ مِنْ الأَرْكَانْ بِتَفْرِطْ بِتَلْقَالَكْ عِرِقْ تَلْقَاوْ أَبْيَاضْ وُبالعَتَلَة تَطُقَّهَا طَقَّة طَقَّتيْن بِتْنَزِلَا تِحِتْ»(3).
هنا يقصد الرَّاوي من كلمة ضَرَبَت، بمعنى نمت للشتلة جذور، وأيضاً يمكن النظر إلى الشتلة مكان الرَّبْطَة، فإذا نمت كما يقول الراوي: «مِنْ قَلِبَا»، يقصد قلب الشتلة، مكان نموُّها؛ ففي هذه الحالة يمكن قطعها، انظر الصور رقم: (8)،(9)، على التوالي ، و الصور رقم: (10)،(11)،(12)،(13)، على التوالي، توضِّح الأدوات التي تستخدم في عمليَّة التَّصْفِيْحْ.
بعد قطع الشَّتْلة يجب حفظها في الظل بوضعها في مكان مبتل بالماء، بحيث يمكن وضعها أسفل شجرة النخيل نفسها، ويجب تغطيتها بجوال من الخيْشْ المبتل بالماء، ولا يمكن تركها كذلك أكثر من خمسة عشر يوماً؛ وذلك لأنها تتعرَّض للجفاف وتموت؛ لذلك يفضل قطعها وشتلها مباشرةً، إذا كان المزارع يريدها لنفسه. وإذا كان يريد بيعها، في هذه الحالة يجب ترحيلها مباشرةً، وغالباً تباع وترحل لمناطق مختلفة، منها القرى الجديدة في منطقة مروي، التي يقطنها المواطنون الذين تم تهجيرهم من مناطق الحامداب، وأمري، والمناصير، الذين يسكنون الآن بالقرب من المنطقة جوار مدينة كورتي. بالإضافة إلى مناطق عطبرة، والقولد، ومنطقة الغدَّار بدنقلا، وسعر الشتلة يختلف بحسب نوع التمر، انظر الجدول رقم(1).

نوع الشتلة السعر بالجنيه
البَرَكَاوِيْ 45
القُنْديْلَة 200
الكُلُمْ 300
التَموْدْ 60

جدول رقم(1): أسعار أنواع شتول التمر بالجنيه.
هنالك نوع آخر من الشِّتُوْل يسمَّى الشَّلِخْ، ويقول عنه الرَّاوي إبراهيم علي حسن:
«الشَّلِخْ دَا بِكُوْن مَدْفُوْن تِحِت النَّخَلَة يَعْنِي جَنْبَهَا عَلي الأَرِض بِتَحَفِر الشَّتْلَة بَعَد مَا تَنَضِّفَا تَقِبَّهَا وُتَبْحَتْلَهَا يَمِيْن شِمَال قِدَّام وُرَا بِتَلْقَاهَا بي عُرُوْقَا تَقْطَعَا»(4).
نستنتج من قول الرَّاوي أن الشَّلِخْ هو عبارة عن شتلة تنمو جوار النخلة الأم منفصلة عنها، ويمكن نظافتها وقطعها باستخدام العتلة مباشرة؛ وذلك إذا تمَّ التأكد من أن لها جذورا، ويمكن أيضاً تصفيحها بالطريقة سابقة الذكر، إذا أُرِيد بيعها وترحيلها إلى مكان آخر، وإذا أُرِيد زراعتها محلِّيَّاً يمكن قطعها وشتلها مباشرةً، وهنا يقل سعرها بحيث لا يتجاوز العشرة جنيهات.
الزمن الذي يتم فيه التَّصْفِيْح للشِّتُوْل غالباً يكون في شهر يونيو، بعد ذلك يتم رعايتها وسقايتها لمدَّة شهرين، وفي شهر أغسطس يتم فصلها وبيعها، هذا الشهر هو المفضَّل لغرس الشِّتُوْل وهو زمن موسم فيضان النِّيل، و دائماً يكون الإنتاج شراكة ما بين المزارع صاحب النخيل والحرفي الذي يقوم بإعداد الشِّتُوْل ورعايتها وفصلها، بحيث يتم اتفاق بينهما على أن يقوم الحرفي بعمله كاملاً، وبعد بيع الشتول يتم قسمة المبلغ المتحصل عليه بين المالك والحرفي، في هذا الخصوص يقول الراوي محمد محمد عثمان: «أنا بتَّفِقْ مَعَ سِيْدْ التَمُرْ أنَا أَصَفِّحُو وَ أتَابْعُو وُ أجِي اَقْسِمُو مَعَ بِتَاعْ الوَاطَا أوْ سِيْدْ التَّمُرْ أنَا نُصْ حَقْ شُغْلِي دَا وُ هُوْ نُصْ حَقْ وَاطَاتُوْ»(5).
الرَّاوي هنا يعني أن الإنتاج من الشتول يتم تقسيمه بين الحرفي الذي قام بعملية التَّصْفِيْح والمالك للأرض أي صاحب النخيل. وكل واحد منهما يتصرَّف فيما يملك من شتول بحيث يبيعها بمفرده ويستفيد من ثمن بيعها، وأحياناً يشتري المالك من الحرفي نصيبه من الشتول، أي يعطي الحرفي نصيبه نقداً، وفي هذه الحالة يكون سعر الشتلة الواحدة عشرين جنيهاً. وهنا يضيف الرَّاوي مصطفى محمد جودَات قائلاً:
«فِيْ نَاسْ مَا عِنْدَهُمْ أَرَاضِي وَلَا عِنْدَهُمْ تَمُرْ يَجُوْ هُمْ اِجِيْبُوْ الجَرَكَانَاتْ بِتَاعَتُنْ وُ اِصَفِّحُوْهَا وُيِقْسِمُوْهَا ليْكْ النُّصْ نُصْ يِدُّوْكْ ليْوْ وُ نُصْ يِشِيْلُوْ هُنْ قُصَادْ الشُّغُلْ حَسَبْ عَدَدْ الْشِتُوْلْ بالنُّصْ وُإِذَا إنْتَ عَايْزُوْ كُلُّوْ تَدِّيْهُنْ تَمَنْ النُّصْ بِتَاعُنْ مَا دَايْرُوْ تَبِيْعُوا اللِّتْنيْن لَيْ أيِّ زوْلْ وُ إنْتَ تَاخُدْ النُّصْ بِتَاعَكْ وُهُوْ يَاخُدْ النُّصْ بِتَاعُو وُلَوْ بَاعْ لَيْكْ النُّصْ حَقُّوْ يَاخُدْ قُصَادْ كُلُّ شَتْلَهْ عِشْرِيْنْ جِنيْه وُبَرْضُوْ إنْتَ مُمْكِنْ تَبِيْعْ ليْوْ النُّص بِتَاعَكْ بي عِشْرِيْنْ الشَتْلَه وإشِيْل الشِّتُوْلْ كلَّهَا وُاِمْشِيْ اِبِيْعَا بي سِعِرْ تَانِيْ»(6).
نستنتج من قول الراوي أن الأجر مقابل إعداد الشِّتُوْل يتم بالاتفاق بين المالك للأرض أي النخيل، والحرفي الذي يقوم بعمليَّة التَصْفِيْحْ، بحيث يمكنهما قسمة الشتول، أو يشتري المالك نصيب الحرفي مقابل عشرين جنيهاً للشَتْلَة، أو يبيع المالك نصيبه للحرفي بنفس السِّعر، ويتصرَّف الحرفي بعد ذلك في منتوجه بطريقته.

طريقة الشَّتِلْ:
يقوم المزارع بجمع الشِّتِلْ وترحيله إلى مكان زراعته، ويتم إحضار حبل طويل يصل طوله إلى 48 متر، ويقسم هذا الحبل بوضع علامات عليه، بأن تُرْبَط قطعة صغيرة من القُمَاش، في كلِّ 12 متر على طول الحبل، ويكون عدد العلامات 4 علامات، ويتم شد هذا الحبل في ضلعي المساحة التي يراد زراعتها، في الطول، بحيث يتم وضع علامة على الأرض في مكان كل قطعة قماش على الحبل، انظر الصور رقم: (14)،(15)، على التوالي.
يتم حفر الحفرة في مكان كل علامة، على حسب حجم الشَّتْلَة التي يراد غرسها، وهذا يعني أن عمق الحفرة يختلف من حفرة لأخرى، ويتوقف ذلك على طول وحجم الشَّتْلَة وتتراوح الأعماق ما بين متر إلى نصف متر، استناداً على إفادة الرَّاوي مصطفى محمد جودات، حيث يقول: «حَسَبْ المَقَاسْ بِتَاعْ الشَّتْلَه يًعْنِيْ فِيْ شَتْلَه تَحْفِرْ ليْهَا مِتِر وُفِيْ شَتْلَه تَحْفِر ليْها مِتِر إلَّا رُبُعْ فِيْ شَتْلَه تَحْفِرْ ليْهَا نُصْ مِتِرْ»(7). ويضيف الرَّاوي أنه كُلّمَا كانت الحفره عميقة أفضل حيث قال: «أَهَلْنَا بِقُوْلُوا ليْنَا غَرِّقْ وُفَرِّقْ اِطْنَاشَرْ فِي اِطْنَاشَرْ بيْ اِطْنَاشَرْ»(8).
من هذه العبارة نَعُود إلى مسألة العلامات التي يحدِّدها المزارع كما بيَّنَّا، وهي لابد من أن تكون المسافة بين كلِّ شَتْلة والأخرى 12 متر، ومن الأفضل أن يكون عدد الشتول 12 على الأقل؛ وذلك وفقاً للقول المأثور «اِطْنَاشَرْ فِيْ اِطْنَاشَرْ بيْ اِطْنَاشَرْ»، وهذه يمكن توزيعها في المساحة التي يُرَاد زراعتها كما يحلو للمزارع، فقط من المهم أن تكون المسافات بين الشِّتُوْل 12 متر. ويفسِّر لنا الرَّاوي هذه المقولة بقوله:
«يَعْنِي اِطْنَاشَرْ شَتْلَة فِي اِطْنَاشَرْ مِتِر المَسَافَة بيْنْ كُلُّ شَتْلَة وَالتَانْيَة وُ بيْ اِطْنَاشَرْ دِيْ مَعْنَاهَا اِطْنَاشَرْ شَهَرْ بيْ سَنَة يَعْنِيْ تَزْرَعْ ليكْ اِطْنَاشَرْ نَخَلَة تَمْسِكَكْ تَعَيِّشَكْ فِي سَنَة وُلَازِم تَكُوْنْ غَرِيْقَهْ يَعْنِي الوَاحِدْ لَوْ عِنْدُو اِطْنَاشَرْ نَخَلَة خَلَاسْ بِتَمْسِكُو السَنَة كُلَّهَا وُلَاَنُّوْ إِنْتَ النَّخْلَة لَمَّن تَدِّيهَا الفَرَقَه بِتَاعَتَا اِصَادِف تَعْمَلْ ليهَا تَلَاتَه أَرْبَعَه بَنَاتْ خَلْفَايَاتْ»(9).
ما ذكره الراوي يعني زراعة 12 شَتْلَة إذ تكون المسافة بين كلِّ شَتْلَة والأخرى 12 متر، وعادة تكون الحفرة عميقة. يعني هذا أن هذا العدد يمكن أن يعتمد عليه المزارع في معيشته في السنة، أي أن المحصول الذي يجنيه من إنتاج هذه الشتول في المستقبل بعد أن تثمر، يمكن أن يعتمد عليه في معيشته. بالإضافة إلى أن المسافة (12 متر) تعتبر مسافة احتياطيَّة؛ لولادة النَّخْلَة من الشِّتُوْل في المستقبل.
يتم غرس الشَّتلة مباشرة بعد حفر كل حفرة؛ وذلك كما ذكرت يتوقف فيها حجم الحفرة على حجم الشَتْلَة، ولا بد من أن يغرس المزارع أول شتلة بنفسه، ويقول: «بِسْم الله ليْ الشَحَّادْ وُ ليْ السَّرَّاقْ وُ ليْ الدَّنَّايْ»(10).
يطلق المزارع هذه المقولة، ويفسِّرها لنا الراوي مصطفى محمد جودات قائلاً: «يَعْنِيْ إِنَّكْ تَغْرِسْ ليْ الشَّحَّاد وُليْ السَّرَّاقْ وُليْ الدَّنَّايْ يَعْنِيْ النَّخَلَه دِيْ ما حِكْرْ ليْ صَاحِبَا بَسْ لأنُّوْ فِي السَّرَّاقْ البِجِيْ بِسْرِقْ مِنَّهَا مَا مُشْكِلَه وَالشَّحَّادْ إِجِيْ إِشْحَدْ بَرْضُوْ تَدِّيْ وَالدنَّايْ دَا بَعَدْ الحَصَادْ إجي وَرَاكْ يطْلع فِيْهَا إِلَقِّطْ منَّهَا»(11).
يعني هذا أن النخلة التي تغرس ليست ملكا للمزارع وحده، بمعنى أنها بعد أن تثمر يمكن أن يأكل منها الشحاد والسراق والدناي والناس، ويمكن أن يأتيك شحَّاد ويطلب منك أن تعطيه من ثمرها، وكذلك الدَّنَّايْ والمقصود به الشخص الذي يأتي ويطلع في النخلة بعد حصادها ويقوم بجمع الثمار التي ربما تتساقط في ساقها أو في الأرض، ويقوم بأخذها، وكل هؤلاء يأكلون من النخلة. يسود اعتقاد بين المزارعين أن زراعة النخلة تعتبر صدقة جارية. ولا بد من أن يَعْفِي المزارع لكل هؤلاء الذين يأكلون من غرسه هذا؛ لذلك تطلق هذه العبارة.
يقوم المزارع أولاً بإخراج الإناء الذي توضع فيه الشَّتْلَة، ثمَّ يَضَع الشَّتْلَة مباشرة في داخل الحفرة، ويدفنها بنفس التراب الذي تمَّ إخراجه من الحفرة؛ وذلك لأنه رطب، وبالتالي يحافظ على رطوبة جذور الشتلة، ويقوم بتسكينها باستخدام أداة العتلة، وتعرف هذه العمليَّة بعمليَّة «الشِّكّيْن»، ثم يقطع الجريد الزَّائد، ويقوم بربط الشتلة باستخدام سعفة من السَّعف المقطوع؛ وذلك للحفاظ أيضاً على رطوبة قلب الشَّتْلة، انظر الصور رقم: (16)،(17)، على التَّوالي.
يستمر العمَّال بعد ذلك في عمليَّة غرس الشتول الباقية، ويكونوا أربعة أو خمسة بحسب عدد الشتول التي يراد غرسها، ولا بد من أن يكونوا على دراية بعمليَّة غرس الشتول، وهنالك حرفيون متخصصون في هذه العملية، والأداة التي تستخدم في الحفر هي الطّوْرية، والعَتَلَة التي تستخدم في عمليَّة التَصْفِيْحْ، وهذه تستخدم أيضاً في عملية «الشِّكّينْ». أي تسكين تراب الشَّتْلَة.
بعد إكمال عمليَّة الغرس، يتم سقاية كل الشِّتُوْل بالماء، حتى يتشرَّب التُّراب الذي دُفِنَت به، وفي اليوم التَّالي لابد من مراجعتها؛ فإذا أحدث هذا الماء بعض التشقُّقات في التربة، يتم تَشْكِيْنَهَا مرَّةٌ أخرى؛ وذلك لكي لا تتعرَّض جذور هذه الشِّتُول إلى الهواء الذي يؤدِّي إلى موتها، حسب إفادة الرَّاوي محمد محمد عثمان الذي يقول:
«بَعَد مَا شِرْبَتْ بَعَدْ يوْمْ بِتَجِيْ تَلْقَاهَا إِتْشَقَّقَتْ تَانِيْ تَجِيْبْ ليْهَا تُرَابْ نَاشِفْ تَانِي تَشَكَّنَا عَشَانْ مَا إِخُشْ الهَوَا إِكْتُلَا تَشَكِّنَا تَمَامْ وُتَسْقِيْهَا»(12).
بعد هذه العملية تتم سقايتها بعد ثلاثة أيَّام، وبعد ذلك تستمر السِّقايَة بإنتظام كل ثلاثة أيَّام لمدَّة شهرين، وبعدها تكون السِّقَاية كل خمسة عشر يوماً. هذا حسب إفادة الرَّاوي مصطفى محمد جودات الذي يقول:
«نَسْقِيْهَا بَعَدْ كُلُّ تَلَاتَه يوْم ليْ مدَّةْ شَهَريْن وُلَازِمْ نَرَاعِيْهَا كُلُّ تَلَاتَه يوْمْ لَازِم تَشْرَبْ موْيَه وُبَعَدْ مَا تِّمْ الشَّهَريْنْ ديْلْ وُتَقْبُضْ تَانِيْ بِنَسْقِيْهَا بَعَدْ كُلُّ خَمِسْطَاشَرْ يوْمْ مَا عِنْدَهَا مُشْكِلَه»(13).
تستمر السِّقَايَة إلى أن تنمو الشَّتْلَة وتصبح شجرة، وتستغرق هذه العملية مدة خمس سنوات حتى تثمر.

القَفُوْزَة (التَّلْقِيْح):
أهم العمليَّات الزراعية لإنتاج التِّمور هي التَّلقيح، الذي يعرف في المنطقة الشمالية بـ«القَفُوْزَة»، وتبدأ بعد أن تُخْرِج النخلة الشماريخ، أي ما يعرف في لُغة أهل المنطقة بـ«الخُوسَه»، والتلقيح هو عبارة عن عمليَّة وضع جزء من شماريخ الذَّكر في شماريخ الأنثى، وبذلك يضمن المزارع إنتاج تمور جيِّدة، وبدون إجراء هذه العمليَّة يكون الناتج من التمر غير ناضج. ويطلق عليه اسم «الصِّيْصْ». وعمليَّة خروج الشَّماريخ تسمَّى «الجِبّيْدْ». هذا بناءً على رواية الراوي عبد الله سليمان عبد الفراج الذي يقول:
«القِفّيْزْ دَا طَبْعَاً أَوَّلْ شِيْ جَبَّدْ بَعَدْ شِويَّه مَرَقَتْ خُوْسَه بَعَدْ شِويَّه جَاتْ سَخَانَه فَقَشَتْ طَوَّالِيْ بِجِيْ القَفَّازْ إِقَفِّزَا بالضَّكَرْ عَشَانْ التَّمُرْ مَا اِطْلَعْ صِيْصْ»(14).
كذلك يقول الرَّاوي محمد محجوب خليفة: «عَمَلِيَّةْ اللِّقَاحْ دِيْ بِنْسَمِّيْهَا القَفُوْزَة وُبِتْكُوْنْ فِيْ شَهْرِ وَاحِدْ وُ بِبْدَا التَّمُرْ اِطَلِّعْ السَّبِيْطَة وُ بَعَدْ مَا اِطَلِّعَا فِي نُصْ شَهْرِ وَاحِدْ دَا بَعَدْ إسْبُوْعْ تَقْرِيْبَاً أوْ عَشَرَه يوْمْ بِتَبْدَا السَّبِيْطَة دِي تَفْقِشْ طَوَّالِي نَقوْمْ نَقَفِّزَا وُ بِنْخُتْ الضَكَرْ فِي السَّبِيْطَة وُبِتَسْتَمِرْ القَفُوْزَة دِيْ لغَايَةْ نِهَايَةْ شَهْرِ تَلَاتَه» (15).
من قول الرَّاوي نستنتج أنَّ عمليَّة القَفُوْزَة تبدأ في الأسبوع الأخير من شهر يناير، وتستمر حتى نهاية شهر مارس. وهي الفترة التي تُخْرِجْ فيها النَّخلة جُرَابْ السَّبِيْطَة، أو «الخُوْسَهْ»، وبعد أن ينفتح هذا الجراب لإخراج الشماريخ، الذي يُقَال عليه «يَفْقِشْ»، يقوم الحرفي الذي يسمَّى «القَفَّازْ» بوضع لقاح الذَّكر في «السَّبِيْطَة»، بعد نضوجها أي بعد خروجها من جرابها، وهذه العمليَّة تحتاج إلى شخص متخصِّص، ويقوم بمتابعة اللِّقاح حتى نهايته، وهو الشخص الذِّي يقوم بعمليَّة الحصاد في نهاية الموسم.
نلاحظ أنَّ هذه العمليَّة تستغرق زمناً طويلاً؛ وذلك لأن النخلة تخرج شماريخها خلال الفترة ما بين أواخر يناير وحتى نهاية مارس تِبَاعَاً، وفي كل مرَّة تُخرج فيها مجموعة، ويأتي القَفَّازْ ويقوم بتلقيحها، وطول هذه الفترة وضَّحها لنا الرَّاوي محمد محجوب خليفة إذ يقول:
«النَّخَلَه مُمْكِن تِنْطَلِعْ تَلَاتَه مَرَّاتْ لأَنُّوْ مَثَلاً بِتْكُوْنْ طَلَّعَتْ تَلَاتَه سَبَايِطْ وُ قَفَّزْتَهَا تَانِي بَعَدْ عَشَرَه يوْمْ أَوْ إِسْبُوْعْ مُمْكِنْ تَطَلِّعْ تَانِيْ وُتَانِي بِتَجِي رَاجِع ليْهَا يَعْنِي بِتِحْتَاجْ مُراجَعَه فِي كُلُّ مَرَّه بِتْقَفِّزَا بِتْخُت ليْهَا الضَّكَرْ وُ بَعَديْنْ في تَمُرْ بِجَبِّدْ مُتْأَخَّر لَحَدِّي أَوَّل شَهَرْ تَلَاتَه»(16).
وتُعْرَف هذه الفترة بـ «جِبّيْدْ التَمُرْ»، وفقاً لرواية عبد الله سليمان عبد الفرَّاج:
«نِحْنَ هِنَا بِنْقُوْلْ جِبّيْد التَّمُرْ وُ بِبْدَا مِنْ شَهْرِ وَاحِدْ وُ بِنْتَهِيْ نِهَايَةْ شَهْرِ تَلَاتَه»(17).
أيضاً يشرح الرّاوي مصطفى محمد جودات عملية الجِبّيْدْ ويقول:
«إِجَبِّدْ يَعْنِيْ إِشِيْلْ إِطَلِّعْ السَّبِيْطَه بِتَاعْتُوْ ذَاتَا وُتَفْقِشْ تِتْفَتِحْ بَعَدْ طُلُوعْ الخُوْسَهْ بَعَدْ تِتْشَقْ نَلَقِّحَا»(18)، انظر الصورة رقم(18).
تستخرج مادَّة اللِّقاح من ذكر التمر، ويشبِّه الرَّاوي محمد أحمد البخيت النخل بأنَّه مثل الإنسان ويشرح لنا عمليَّة القَفُوْزَة إذ يقول:
«النَخَلْ دَا زَيْ البَنِيْ آدَمْ فِيْوْ ضَكَرْ وُ فِيْوْ إِنْتَايَه الضَّكَر دَا يَاهُو مِنْ النَّخَلَه دِيْ يِشْبَه النَّخَلَه دِيْ ذَاتَا وُ بِقُوْم زَيْ التَّمْرَه دِيْ يِشِيْلُّوْ أَرْبَعَه تَلَاتَه خَمْسَه جَرَبَّنْ الجُرَابْ البِلَقِّحُوْ بيْوْ تَمْشِيْ تَقْطَعُوْ زَيْ السَّبِيْطَه وُ تَشُقُّوْ كَدِيْ تَلْقَا زَيْ الدَّقِيْقْ شَخَالِيْبْ كَدِيْ تَرْبُطُ كُلُّوْ شَخْلُوْبْ بَعَدْ مَا تَتَنِّيْ باللِّيْحْ بِتَاعْ الجُرَابْ تَلَقِّحْبُوْ التَمْرَه وُ كُلُّ سَبِيْطَه بِتْخُتْ فِيْهَا رُبْطَه وَاحْدَه»(19).
من قول الرَّاوي يتَّضح لنا أن ذكر النَّخلَه يخرج جُرَابْ التلقيح، ويتزامن ذلك مع خروج جُرَابْ سَبِيْطَةْ أُنثى النخلة، ويقوم القَّفَّازْ بقطع الجرَابْ باستخدام أداة المُنْجَل، ويفتح الجُرَابْ، ويخرج الشَمَارِيْخ، التي تسمَّى «الشَّخَالِيْبْ»، وبها مادَّة مثل الدِّقِيْقْ، ويجب على القَفَّاز من أن يتعامل معها بحذر شديد، بحيث يجهِّزَها برفق؛ حتى يحافظ على مادة الدِّقِيْقْ التي تحتويها، فإذا تعرَّضَت لأيِّ اهتزاز شديد تفقد مادَّتها؛ وبالتالي تصبح غير صالحة للتلقيح؛ لذلك يقوم القَفَّازْ بربط كل شَخْلُوْبْ على حِدَه بحيطة وحذر شديدين باستخدام شريحه من الجُرَابْ نفسه، وتسمَّى «اللَّيْحْ»، و بعد إعداد اللِّقاح يقوم القَفَّازْ بصعود النخلة؛ لوضع شَخْلُوْبْ في كلِّ سَبِيْطَه، وبذلك يكون قام بعمليَّة التلقيح، انظر الصور رقم: (19)، (20)، (21)، (22)،(23)، (24)، (25)، على التَّوالي.
أهم شيء في عمليَّة اللِّقاح يجب التأكد من نضوج جراب الذَّكر، وذلك بإمساكه باليد والضَّغط عليه بالأصابع، إذا أحدث صوت خشخشة، يكون ناضجاً والعكس صحيح إذا كان نيَّاً. وهذه العملية تتم إذا كان الجُّرَابْ مُغلقا ولم ينفتح بعد. أمَّا إذا إنفتح فيجب التأكد من وجود مادَّة الدَّقِيْق؛ وذلك بقطع شَخْلُوب منه وضربه ضرباً خفيفاً على اليد اليسرى؛ فإذا أخرج المادة يكون ناضجاً، ويمكن استخدامه؛ وذلك لأنَّه أحياناً يكون مفتوح قبل عدَّة أيام ونتيجه لتعرُّضَه للهواء يكون فقد مادَّته، ويصبح غير صالح للاستخدام.
يقول الرَّاوي محمد محجوب خليفة: «الجُرَابْ عَشَانْ تَعَرْفُوْ نَجِيْضْ أَوَّلْ حَاجَهْ إِنْتَ لَمَّا تَطْلَعْ بِتَمْسِكُوْ بيْ يَدَّكْ وُ لَوْ عَمَلْ صوْتْ بِتَاعْ كَشْكَشَه دَا نَجِيْضْ دَا لَوْ مَا شَقَّ وُإِذَا شَقَّ وُأَخَد كَمْ يوْمْ بِكُوْنْ مَا نَافِعْ عَشَانْ كَدِي بِتَقْطَعْلَك مِنُّو شَخْلُوْبْ كَدِي وُبِتَدِّيْ دَقَّه بيْ يَدَّك أَكَانْ فِيْوْ دَقِيْقْ دَا كِويِّس بِتْقَفِّزْ بيْوْ وُبِتْكُوْنْ رِيْحْتُوْ قَوِيَّه وُكَانْ الجُرَابْ فَتَحْ شَدِيْدْ دَا بِتْكُوْنْ المَادَّه الفِيْو دِيْ نَفَدتْ بِقُوْلُوْ عَليْوْ نَافِدْ وُبِكُوْنْ صَرَفْ الدَّقِيْقْ بِتَاعُوْ والنَّجِيْضْ دَا رِيْحْتُوْ قَوِيَّه شَدِيْدْ بِتْشُمَّهَا»(20).
في عمليَّة وضع شماريخ الذَّكر في السَّبيطة، يجب التأكد من أنها ثابتة، بحيث توضع بين شماريخ السَّبِيْطَةْ، في وضع ثابت؛ وذلك لأنها ربما تقع إذا كانت هنالك رياح شديدة.
نجد أنه في بعض المزارع التي ينمو بها ذكر التَّمْر، لا يتم تلقيحها بطريقة القَفُوْزَة، وتترك لعامل الرَّياح، وكما هو متداول في منطقة الدِّراسة، يقال أن النخلة تلقَّح بالشَّمْ، حيث أن لذكر النخلة رائحة قوية، وهو كما بيَّنَّا يوجد في شكل دَقِيْقْ، ويمكن أن ينتقل من الذَّكر إلى الأنثى بحركة الرِّياح. ومن العوامل أيضاً الحشرات، مثل النحل أو ما يعرف بـ «النِّمِتِّيْ»، وهي حشرة صغيرة جدَّاً، تتوالد في موسم القَفُوْزَةْ؛ لكن غالباً نجد النَّاس في المنطقة يقومون بعمليَّة التَّقْفِيْزْ؛ للإطمئنان من أن التَّمُر تمَّ تلقيحه.
بعد الانتهاء من عمليَّة القَفُوْزَةْ يقول القَفَّازْ: «صَرَّفْنَاوْ»، بمعنى تمَّ تلقيحه، أي «لقَّحناه»، أي «قَفَّزْنَاهُ». وحتى الذَّكَر إذا شُقَّ لأيِّ سبب، وفقد مادته يقال عليه: «صَرَفْ» أي «نَفَدَ» بمعنى انتهت مادته وأصبح غير صالح للتلقيح، وهذه إفادة الرَّاوي محمد محجوب خليفة(21).
بعد أن يقوم القَفَّازْ بِتَقْفِيْزْ التَّمْر أو النخيل، ربما يكون لديه فائض من شماريخ الذَّكر، وهذه تعالج بطريقة معيَّنة بحيث يتم حفظها للعام القادم؛ وذلك لأنه ربما نجد بعض النَّخِيْلْ يخرج سَبَائِطَهُ مُبَكِّرَاً جدَّا، ويستفاد من هذا اللِّقاح لتَقْفِيْزْ مثل هذا النوع من النَّخِيْلْ. والمعالجة التي تتم له، يوضع داخل كيس من البلاستيك ويربط بإحكام، ويتم وضعه داخل علبة، أو صفيحة من الحديد، ويتم إغلاقها بإحكام، وتحفظ داخل غرفة، أي تحفظ في مكان ظَلِيْل. وبهذه الكيفيَّة يحفظ كما هو دون تغيير، ويمكن استخدامه مرَّة أخرى، ويكون مفعوله ناجحاً.
الأجر الذي يتقاضاه القَفَّازْ في القَفُوْزةْ، يتم بالإتفاق مع صاحب النَّخِيْل، بأن يكون له في كُلِّ نَخْلَة سَبِيْطَةْ، وذلك بعد حصادها، وهو الذي يأتي ويقوم بعمليَّة الحصاد، بعد نضوج التَّمر، أي ما يعرف بـ «حَشْ التَّمُرْ»، وهذا سنوضِّحه بشيء من التفصيل في السطور القادمة. ويقول الرَّاوي مصطفى محمد جودات فيما يخص أجر القَفَّازْ:
«القَفَّازْ عِنْدُوْ سَبِيْطَةْ فِي التَّمْرَه البِقَفِّزَا ولازِمْ إِجِيْ إِقْطَعُوْ بَعْديْنْ بَعَد إِنْجَضْ وُ فِيْ وَاحْدِيْنْ بَدَلْ سَبِيْطَةْ عِنْدُوْ التُّسُعْ كُلُّ تِسْعَهْ شَوَّالَاتْ إِشِيْلْ شَوَّالْ»(22).
هنا يضيف الرَّاوي أن الأجر يمكن أن يكون جوال من التَّمْرْ في كُلِّ تسعة جوالات من الإنتاج.
بعد انتهاء القَفُوْزَة يترك النَّخْل، ويُعْتَمَد في سقايته غالباً على سقاية المزروعات التي تزرع تحته مثل البَرْسِيْم، بحيث يعتمد النَّخْل في سقايته فقط على رطوبة التربة من حوله. وبعد ذلك يمر التَّمر بعدَّة مراحل في نُمُوَّه وهي:
«التُّمَام»، وتكون فيه حبَّة التَّمرة تكوَّرت بمقدار حبَّة الفول السوداني لكنها تكون دائرية الشكل وتكون خضراء اللَّوْن، وذلك بعد عشرة أيام من القَفُوْزَةْ.
«الدَّفّيق»، وتكون الحبَّة أخذت شكل البَلَحَة، لكنها خضراء وصغيرة الحجم، وذلك بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، أي شهر مايو.
« الصَّفُّوْرِيْ»، وتكون الحبَّة أكبر حجماً من الدِّفّيْقْ، وصفراء اللَّوْن، وذلك في شهر يونيو.
« أَمْ رَاسْ»، والمقصود منها أن حبَّة التَّمْرْ بدأت في النضج من اتِّجاه رأسها، وذلك في شهر يوليو.
«الرُّطَب»ْ، ويكون فيه التَّمْر نضج لكنه مازال ليِّناً، وذلك في شهر أغسطس.
«النَّجَاضْ»، وهنا يكون التمر نضج تماماً، وجاهز للحصاد، ويكون ذلك في شهر سبتمبر، انظر الصور رقم: (26)، (27)، (28)، (29)، (30)، على التَّوالي.
حصاد التمر (حَشْ التَّمُرْ):
حش التَّمُرْ، المقصود به حصاد ثمار النَّخِيْل أي التَّمْر، ويبدأ ممارسه في موسم الحصاد في منتصف شهر سبتمبر، من كُلِّ عام، ويستمر حتى منتصف شهر أكتوبر، ويُسمِّي أهل المنطقة موسم الحصاد بِـ «مُوْسِمْ حَشْ التَّمُرْ»، والحرفي الذي يقوم بِحَشْ التَّمُرْ هو القفَّازْ، الذي قام بعملية تلقيح النَّخِيْل، ويتقاضى أجره مقابل عمله الذي بدأ بالقَفُوْزَة وينتهي بالحصاد أي الحَشْ، ويأخذ مقابل كُلِّ نَخْلَة سَبِيْطَة من التَّمْرْ، أمَّا النَّخَلْ الطَّوِيْل، والذي يكون القَفَّازْ قد تسلَّقه عدَّة مرَّات لتلقيحه، يأخذ مقابل حصاده سَبِيْطَتَيْن من التَّمْرْ؛ وذلك لأنَّه بذل فيه مجهوداً كبيراً، وهذا الأجر يكون بموجب الاتِّفَاقْ الذي تمَّ بينه وبين المزارع المالك للنَّخِيْل أو الأرض. يقول الراوي مصطفى محمد جودات: «القَفَّازْ لَاْزِمْ إِجِيْ إِحِشْ التَّمُرْ بَعَدْ يِتِمْ الفَتْرَهْ بِتَاعْتُوْ يوْمْ خَمِسْطَاْشَرْ تِسْعَهْ وُعِنْدُوْ سَبِيْطَهْ فِيْ التَّمْرَهْ فِيْ كُلُّ نَخَلَهْ عِنْدُوْ سَبِيْطَهْ اتِّفَاْقْ مَعَرُوْفْ وُوَاْحْدِيْن بَدَلْ سَبِيْطَهْ عِنْدُوْ التُّسُعْ كُلُّ تِسْعَهْ شَوَّاْلَاْتْ إِشِيْلْ شَوَّاْلْ وُ هُوْ البِقَفِّزْ لَاْزِمْ إِجِيْ إِحِشْ»(23).
يقول الراوي عمر محمد أحمد باشري: «مَاْ فِيْ تَمْرَهْ بِتِنْطَلِعْ عَشَاْنْ تِتْقَفَّزْ مَرَّهْ وَاْحْدَهْ القَفَّازْ بِكُوْنْ طَلَعَا تَلَاتَهْ مَرَّاتْ دَا السَبَبْ الخَلَّا إِنُّوْ القَفَّاْزْ هُوْ الحَشَّاْشْ وُدَاْ السَّبَبْ الخَلَّاْ إِنُّوْ فِيْ الْتَّمُرْ الطُّوَالْ فِيْ الْحَشْ إِكُوْنْ عِنْدُوْ سَبِيْطْتيْنْ»(24).
واضح من قول الراوي أن القَفَّازْ هُو الحَشَّاشْ، ويتقاضى مقابل عمله سَبِيْطَه في كُل نَخْلَة، وفي حالة النَّخَل الطَّويل يكون نصيبه سَبِيْطَتَيْن. بالإضافة إلى بعض الناس يتفقون مع القَفَّازْ بإعطائه جوالا من التمر مقابل كل تسعة جوالات. كما بيَّن لنا الراوي مصطفى محمد جودات.
التَّحْضِيرات التي يقوم بها صاحب النَّخَل قبل الحصاد، إحضار الجوَّالات من الخَيْشْ، لتعبئة التَّمر، والمُشَمَّعَات، وهي عبارة عن مفارش كبيرة الحجم، (8×5) متر، يتم فرشها أسفل النَّخلة التي يراد حصادها، لرمي سَبَائِطْ التَّمْر عليها. وتساعد في عملية جمع المحصول، انظر الصورة رقم(31).
الراوي محمد أحمد البخيت الوهبي يصف لنا عمليَّة (حَشْ التَّمُرْ)، ويقول:
«القَفَّازْ دَا أَوَّلْ حَاجَه بِطْلَعْ فوْقْ التَّمْرَهْ إِقْطَعْ سَبِيْطُّوْ بالمُنْجَلْ إِرْمِيْهَا إِلَقِّطُوْهَا ليْوْ بالقُفَّه وُبَعَدْ دَاكْ بِحِشْ بَاقِي التَّمْرَه إِرْمِيْهَا فوْقْ المُشَمَّع بِكُوْنُوا فَاْرْشِنُّوْ ليْ أرْبَعَه عُمَّاْلْ تِحِتْ التَّمْرَهْ مَاْ فِيْ تَمُرْ إِمْرُقْ بَرَّهْ المُشَمَّعْ دَا وُ إِذَا مَا قَادِرْ إرْمِيْ فِيْوْ غَيَّرْ اتِّجَاهُوْ إِقُوْلْ جُرُّوا المُشَمَّعْ حَوِّلُوْا إِحَوِّلُوا ليْوْ حَسَبْ حَرَكْتُوْ فوْقْ التَمْرَه لَامِنْ انْتَهِيْ مِنْ التَّمْرَه إِحَوِّلُوا ليْو تِحِتْ التَّمْرَه البَعَدَا وُ أَمَّنْ إِتْمَلِيْ المُشَمَّعْ إِشِيْلُوْهُوْ إِكُبُّوا فِيْ مَحَلْ مُعَيَّنْ إِكُوْنْ نَضِيْفْ وُ بكُوْنْ فِيْ تَلَاْتَهْ أَنْفَارْ بِخَرْتُوْ التَّمُرْ دَاْ وُ بِعَبُّوا فِيْ الشَّوَّلَاتْ وُفِيْ نَفَريْنْ ديْلْ مُهِمَّتُنْ إِلَقِّطُوْا التَّمُر البِطَّايَر فِيْ الوَاْطَا بِكُوْنْ كُلُّ وَاْحِدْ عِنْدُوْ قُفَّه بِلِمْ فِيْهَا التَّمُرْ دَاْ»(25).
نستنتج من قول الراوي أن عمليَّة حَشْ التَّمُرْ تبدأ بفرش المُشَمَّعْ أسفل النخلة، ويقوم الحَشَّاشْ بتسلُّق النخلة، ويحمل بيده أداة المنجل التي يستخدمها في القطع، ويستقر في رأس النَّخْلة، ويقوم أوَّلاً بقطع سَبِيْطَتِه باستخدام أداة المنجل، ويرميها من على المشمع، ويتم جمعها بواسطة العمال الذين يضعونها له بعيداً ويستخدمون لذلك «القُفَّة» وهي إناء من السعف، ثمَّ يواصل الحَشَّاشْ في عمليَّة الحَشْ وهو يتحرك حركة دائرية على رأس النَّخْلَة، ويقوم العمال بتحريك المشمع حسب الاتجاه الذي يوجد فيه الحَشَّاشْ، ويستمر في رمي السَّبِيْطْ حتى ينتهي منه، ويقوم العمال بتحريك المُشَمَّعْ إلى نَخْلَة أخرى، ويتحوَّل إليها الحَشَّاشْ، ويستمر العمل هكذا، وإذا امتلأ المُشَمَّع، يتم إفراغه، في مكان محدَّد يُعَد بنظافته من الحشائش والتُّراب، ويجمع فيه كل المحصول؛ لتعبئته في الجوَّالات. ويستمر العمل هكذا حتى يتم الفراغ من كل النَّخيل، ويكون هنالك ثلاثة عمال مُهِمَّتهم قطع التَّمْر من السَّبِيْطْ والتَّعبئة، انظر الصور رقم:(32)،(33)، على التَّوالي.
وإثنان من العمَّال يقومان بجمع التَّمْر المتساقط بعيداً ويطلق عليهم اسم (اللَّقَاطِيْن)، ويستخدمون القُفَّة في عملية الجمع، انظر الصورة رقم(34).
نستنتج أيضاً أن عدد العمال الذين يقومون بعملية الحصاد عشرة عمال، ويمكن أن يزيد هذا العدد أكثر من ذلك، وهذا يتوقف على عدد النَّخِيل، وإمكانات صاحب النَّخْل، والذي يكون حاضراً في عملية الحَشْ، وذلك للمتابعة، ومحاسبة العمال بدفع أجورهم، التي يدفعها لهم بعد الانتهاء من العمل وتعبئة الجوالات، وفي مقابل كل جوال من التَّمر يدفع لهم عشرة جنيهات، هذا استناداً على قول الرَّاوي مصطفى محمد جودات الذي يقول: «العُمَّالْ ديْلْ اشْتَغْلُوا مَعَ بَعَضْ تَمّوْلَكْ قَطَعوْلَك تَحَاسِبُنْ فِيْ الشَّوَّالْ بيْ عَشَرَهْ جِنيْه وَ الزّوْل البِحِشْ بَسْ إِشِيْلْ السَّبِيْطَهْ»(26).
جانب آخر يتم فيه تخصيص جزء من المحصول للتَصَدُّق به للمارة الذين يسألون من ما يعرف بالكَرَامَة، وهؤلاء يتم إعطاؤهم من هذا الجزء، و هذه الممارسة من المعتقدات المتعارف عليها في المنطقة لمباركة المحصـول، وتسمَّى بـ «كَرَامَةْ المَحْصُوْل»، انظر الصورة رقم(35).
بعد انتهاء عملية حَشْ التَّمُر يأتي أيضاً بعض النَّاس، ويقومون بجمع التَّمر المتساقط على الأرض والذي لم يجمع بواسطة عمَّال اللَّقِيطْ، ويجمعونه أيضاً من سوق النَّخِيْل، ويسمَّى هذا التَّمر بـ «الشَّكّوْنِي»، وفي هذا الخصوص يقول الراوي حمدنا الله فضل الله: «التَّمُرْ دَا فِيْوْ بَرَكَه شَدِيْدَة بَعَدْ طُلُوْعْ العُمَّالْ بِجُوْ نَاسْ إِلَقِّطُوْا التَّمُرْ السَّاقِطْ فِيْ الوَاطَا دَا اسْمُوْ الْشَّكّوْنِيْ، وفِيْ وَاحِدْ بِتْشَكَّنْ بِقَعْ فِيْ التَّمْرَه شَالُوْ نَصِيْبُنْ تَانِيْ فِيْ نَاسْ بِجُوْ وَرَاهُمْ اِشَكِّنُوْا كُلُّ زوْلْ اِجيْ بِلْقَا نَصِيْبُوْ فِيْ التَّمْرَهْ»(27).
من قول الرَّاوي نستنتج أن هنالك تمرا يتساقط في ساق النَّخْلَة أثناء عملية الحصاد ويسمى (الْشَّكّوْنِيْ)، وهذا التَّمر يجمعه المارة عقب الحصاد للاستفادة منه، انظر الصورة رقم(36).
من أهم الأدوات التي تستخدم في الحصاد هي المُنْجَلْ الذي يستخدم في حَشْ التَّمْرْ، وأداة القُفَّة التي تصنع من سعف النَّخِيْل، وتستخدم في جمع التَّمْر وتعبئة الجوَّالات، وتصنع دائماً لتسع مقدار كيلة من التَّمْرْ، ومن المعروف أنَّ الجوَّال الواحد يسع سبعة كيلات من التَّمر، ويعبأ الجوَّال بسبعة قُفَفْ، وبذلك يكون الجوَّال أخذ عبوَّته كاملة بمقدار السَّبعة قًفَفْ، انظر الصور رقم: (37)، (38)، على التَّوالي.
بعد جمع جوَّالات التَّمر، يقوم المزارع صاحب التَّمْرْ بترحيلها لمنزله باستخدام عربة الكارُّو، وهي عربة تقليديَّة تصنع محليَّاً ويجرُّها الحمار، ويتم ترحيل الجوَّال الواحد بمبلغ عشرة جنيهات، انظر الصورة رقم(39).
يقوم المزارع بتفريغ جوَّالات التَّمر في فناء منزله أو ما يعرف بـ «حوش الدّيْوَان» على الأرض، ويتم فرشه؛ لجفافه بأشعة الشمس، ويقوم بتقليبه باستخدام آلة الكَاْرْديْقْ كل يوم لمدة عشرة أيام. ثم بعد ذلك يقوم بعمليَّة نظافته من التَّمر المصاب بحشرة السُّوسَة، وأحياناً يكون هنالك بعض التَّمْر الذي يسمَّى بـ «الكَرْموْشْ»، أيضاً يتم إبعاده، والغرض فرز التَّمْرْ الجيِّد؛ وذلك لبيعه بالسوق والاستفادة من ثمنه، ويباع الجوَّال بـ(300 جنيه)، في فتـرة الموسـم، ويرتفع سعره ليصل إلى (800 جنيه)، قبل الموسم القادم. حسب إفادة الراوي مصطفى محمد جودات الذي يقول:
«قَبُلْ المُوْسِم كَانْ الشَّوَّالْ بيْ تُمْنُمِيَّةْ جِنيْه لَكِنْ هَسِّيْ بَعَدْ المُوْسِمْ دَاْ اِنْخَفَضْ بِقَاْ بيْ تُلْتُمِيَّة عَشَانْ الكِمِّيَّةْ كَتِيْرَةْ وَالنَّاسْ كَتِيْرَةْ عَشَاْنْ كَدِيْ اِنْخَفَضْ»(28).
ويستفاد من تمر الكَرْموْشْ كعلف للحيوانات. وبعد ذلك يتم تعبئة التَّمْرْ الجيِّد مرَّة أخرى في الجوَّالات، انظر الصورة رقم(40).
بعد تعبئة الجوَّالات يتم تخزينها أيضاً في فناء المنزل، وذلك برصفها على الأرض، بعد وضع حجارة عليها شقائق من ساق النَّخِيْل، ثمَّ توضع عليها الجوَّالات وذلك لحفظها من الحشرات كالأَرْضَة (النَّمل الأبيض)، انظر الصورة رقم(41).
يتم تسويق المحصول ببيعه للتجار الذين يقومون بشرائه من المزارعين في أماكن تواجدهم، خصوصاً في فترة الحصاد. أو يقوم المزارع ببيع المحصول بنفسه في الأسواق القريبة من المنطقة مثل سوق مدينة كريمة، أو مدينة مروي، أو سوق تَنْقَاسِي.
الخاتمة
نخلص إلى أن هذه المعارف والتقنيات التقليدية في زراعة النخلة تساعد مجتمع منطقة مَرَوِيْ في المحافظة على البيئة، من خلال وسائلها المستمدة من الطبيعة المحليَّة، حيث نجدها لا تضر بالمحيط البيئي، فعلى سبيل المثال؛ لا يستخدم الناس الأسمدة الكيميائية في زراعة النَّخيل، وعوضاً عنها يستخدمون السماد العضوي (المَاروْقْ)، وهو من مخلَّفات الحيوانات، ولا يستخدمون الآلات الميكانيكية مثل الجرَّارات الزراعيَّة الحديثة في عمليات الحرث مما يحافظ على التربة، حيث نجد أنَّ المزارع بالمنطقة بَرَع في حِرْفَة التَصْفِيْح، والتي بموجبها استطاع أن يُنْتِجْ شِتُوْلاً تَنْتِج تمراً من نوع تمر النَّخْلَة الأم نفسه، ويأتي هنا دور حرفي الشَّتِلْ الذي يقوم بهذه العمليَّة، حيث يفصل الشَّتْلَة من النَّخْلَة الأم، ويحفر لها حفرة بحجمها، ويقوم بغرسها في هذه الحفرة، ويستخدم أدوات الزراعة التقليدية مثل الطوريَّة للحفر، والعَتَلَة التي استخدمها أيضاً لفصل الشتلة عن أمِّها، ويدفن الشَّتْلَة بتراب الحُفْرَة نفسه؛ للحفاظ على رطوبة جِذُوْر الشَّتْلَة، وينثر عليها مخلَّفات الحيوانات كسماد عضوي، ثمَّ يسقيها بالماء، فهذه العمليَّة لا تُحْدِث أيِّ ضَرَرْ في البيئة، بل تتجلَّى في زراعة الشِّتُوْل المحافظة على البيئة. كما قام الإنسان بحصاد التمر بالوسائل التقليدية باستخدام اليدين بمساعدة أداة المُنْجَل، واستطاع أيضاً تخزين المحصول باستخدام معارفه التقليدية التي حافظ بها على التمر المنتج لفترات طويلة؛ وارتبط ذلك أيضاً بالبيئة الطبيعية بوضع جوالات التمر تحت أشعة الشمس للتجفيف، ورصف جوالات المحصول على سوق النخيل على الهواء الطلق، وبهذه الطريقة يتم حفظ المحصول.
إذا نظرنا إلى النخلة والمعارف والتقنيات التقليدية المرتبطة بزراعتها بالمنطقة، نجدها تجسِّد الحتمية البيئية لحد كبير؛ وذلك لأنَّها تأثرت بالبيئة الجغرافية والطبيعية، فالمناخ والغطاء النباتي فرض على السكان تلك النشاطات من الممارسات الحرفية، حيث نجد أنَّ النَّخِيْلْ كنبات لا ينمو ولا يثمر إلَّا في بيئة المناخ الصحراوي التي تمتاز بارتفاع درجات الحرارة، وقلَّة الرطوبة، كما تنعدم فيها الأمطار، وهذا المناخ هو الذي يسود منطقة مروي، وتمثِّل زراعة النَّخِيْل في المنطقة العمل الزراعي الأوَّل، ويتم الاعتماد عليه كمصدر دخل في الاقتصاد، ويعتبر البلح هو المحصول الرئيسي؛ لذا تنتشر زراعته على طول الشريط النيلي ليس في منطقة مروي فحسب، بل في كل المناطق التي تقع على نهر النيل على امتداد البيئة الصحراوية في شمال السودان، فالإنسان في منطقة مروي على مر التاريخ، ومن خلال محاولاته للتأقلم والتكيُّف مع هذه البيئة نجده قد استغل شجرة النَّخيل كمورد مهم لتلبية حوائجه، واستنبط واخترع عدَّة طرق ووسائل لتوظيف تلك الشجرة؛ لتعينه على قضاء تلك الحوائج، ويعتبر كل ما توصَّل إليه مناسباً بعد التجريب والاختبار؛ ونتيجة لذلك شكَّل ثقافته بمرور الزمن، والتي تنعكس في معارفه وتقنياته التقليدية التي استخدمها في زراعة النَّخِيْل، وفي المهارات الحرفية التقليدية التي أبدعها.