اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الفولكلور لغة لتواصل الحضارات
الفولكلور هو الموروث الثقافي الشفاهي الذي ينتقل من جيل إلى جيل عن طريق، النقل الشفاهي، أو النصوص المكتوبة، أو المسجلة. و...

العواشر، الفأل، والعولة دراسة ميدانية في دلالة الأنشطة الفلاحية في منطقة تبسة الجزائر
إن الطقوس والممارسات والاحتفالات جزء من المعتقدات الشعبية وقسم لا يمكن عزله عن الموروث الثقافي للشعوب فالطقوس الممارسة ه...

الدلة .. السلعة والرمز التراثي
على غلاف عددنا هذا صانع بحريني يتفنن في إبداع النقش على دلة جديدة بين يديه. والدلة جمعها دلال هي الوعاء المستخدم في تحضي...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
القلاع والقصبات في المغرب
العدد 40 - ثقافة مادية

أ. محمد القاضي - كاتب من المغرب

 

للمعمار في المغرب خصوصيات تتميز بها كل جهة من جهاته شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وهو نتيجة اجتماعية، وتعايش يومي وعامل تلاحم بين السكان ومدنهم أو قراهم، ومن خلال الفن المعماري نتعرف على الساكنة، وبالواقع المادي والمحيط الذي يتم في ظله التفاعل والعلاقات التي تحدد مدنهم وقراهم وهويتهم.
فأينما حللت إلا ولاحظت اختلافا في البناء سواء من ناحية مواد البناء المستعملة في بنائها أو تخطيطها الهندسي أو من ناحية التزويق، وهو ذوق رفيع وفن قائم بذاته على مر أحقاب التاريخ، ذلك إنه لغة سامية تنطق باسم الحضارة المغربية وتعكس ألوانا زاهية من الحضارة والرقي.
ولا شك أن فن العمارة الأمازيغية هو أقدم ما عرفه المغرب، لأنه ضارب في القِدم حتى عصور ما قبل التاريخ، وقد اتضح ذلك من خلال ركام حجارة الأضرحة أو (البازينا) في لغة الأمازيغ التي اكتشف في كل من المغرب والجزائر وتونس، بالإضافة إلى النقوش والألوان في الكهوف الجبلية المعروفة باسم (إفران) وهي تنتشر في منطقة شمال إفريقيا التي تعتبر نموذجا للمصاهرة الحضارية للفن الأمازيغي المغاربي مع الفنون الإسلامية المشرقية.
وتؤكد الدراسات المعاصرة أن فن العمارة الأمازيغية لم يكتف بخصوصياته، بل اكتسب العديد من التأثيرات التي جاءت من الشرق كالطراز المعماري الفرعوني من خلال النقوش والرسوم على تماثيل الحيوانات، وكذلك التأثير الروماني المتمثل في الأقواس والبيزنطي في الفسيفساء، ومن ثم التأثير الإسلامي الذي ظهر جليا في نقوش الخشب على الأبواب والزليج، ويمثل الطابع الأندلسي أبرز هذه الخصائص في العديد من المدن المغربية العتيقة التي حلت بها الجالية الأندلسية المهاجرة من شبه الجزيرة الايبيرية بعد النكبة. فهندسوا لأحيائهم ومنازلهم ومساجدهم على النمط الأندلسي. وتمثل العمارة البرتغالية التي تزخر بها العديد من المدن الشاطئية المغربية نموذجا فريدا في العمارة الحربية التي عرفها العالم بعد القرن الخامس عشر الميلادي، فهي تختلف عن مثيلتها الإسلامية المغربية، لأنها اعتمدت في أغلبها على البناء بالحجر بدل الطوب أو الطابية (Le pisé) التي كانت تستعمل في العمارة الأمازيغية والإسلامية. وقد ورد لدى البكري وابن خلدون وصف دقيق لذلك، سواء من حيث المادة المستعملة أو المسافات بين الأبراج وطول الأسوار وسمكها وعرض السجون وممرات الحراسة فوقها.
كما وردت التسمية عند الوزان (الطين المدكوك) وعند الناصري - رواية عن آخرين بالتسمية المغربية (الطابية) ووردت أيضا في امتلاك المولى اسماعيل لأبناء عبيد البخاري: أن المنخرطين في سلك الجندية من أبناء العبيد يتعلمون صناعة الآجر والضرب بالطابية وهي دك طين مخلوط بالتبن، وقد بنيت معظم الأسوار والقصبات في العهد العلوي منذ ذلك بالطابية: سور مكناس في العهد الإسماعيلي، سور تزنيت في عهد الحسن الأول. وهكذا شكل الصخر والطين والتبن مادة تاريخية صنعت تاريخ المغرب منذ القدم، لأنها الوحيدة التي يمكن لها أن تعمر أكثر من ذلك الإنسان الذي جمعها وخلطها ورممها ليقدم لنا في الأخير صورة عمرانية ما زالت إلى اليوم شاهدة على عبقريته وقدرته على التشييد والبناء، ونعني هنا الأسوار والقصور والأبراج والحصون والقلاع و«القصبات».

بين القلعة والقصبة
القلعة عادة هي مقر الولي أو الأمير في العصر الإسلامي، وكانت تقام غالبا في مرتفع من الأرض غير بعيد عن النطاق العمراني للمدينة حتى يتيسر لحاميها الدفاع عنها. «وعرف طراز القلاع في الشرق العربي في أيام الأيوبيين في سوريا ومصر، فشيدت قلعتا الجبل 1176م وحلب 1172 وغيرهما. شيد الصليبيون في الشام – ولاسيما بالقرب من السواحل عدة قلاع كبيرة في القرن الثاني عشر الميلادي.. وفي الوقت نفسه شيد المسلمون طائفة كبيرة من القلاع ما زالت آثارها باقية، ووصل بناء القلاع في القرن الثالث عشر أزهى مراحله»(1).
أما في المغرب فقد لاحظ القلقشندي أن القصبة هي القلعة في مصطلح المغاربة(2)، وقد شيد هذا النموذج من العمران في نقط استراتيجية من جهات المغرب كمعاقل لحاميات عسكرية وتموينية يتولاها قائد خبير ما يزال أغلبها على أحسن حال، ويرى الباحث عبد العزيز بنعبد الله أن «القلعة ليست هي القصبة وإن كان تجمعهما غاية واحدة هي التحصين ضد العدو، إلا أن القلاع تمتاز بطابع خاص يجعلها أقرب إلى جهاز للدولة منها إلى جهاز للقبيلة أو الجماعة بعكس القصبة ومن جملة هذه الاستحكامات «قلعة إدخسان» قرب مدينة خنيفرة وسط قبائل زيان بناها الأمير يوسف بن تاشفين، وجدد بناءها السلطان إسماعيل العلوي و«أكوراي» على بعد 31 كيلمتر جنوب مدينة مكناس يرجع عهدها إلى العصر الإسماعيلي وهي التي احتفظت أكثر من غيرها بهندامها الأصلي التي تراقب الأطلس الأوسط، وقلاع تادلا وحميدوش (على مسافة ثلاثين كلم من مدينة آسفي و«بالأعوان» على بعد ستين كلم من آزمور و«مديونة» وهي من العهد الإسماعيلي كذلك قرب مدينة الدار البيضاء(3).
- وتوجد اليوم مدينتان يطلق عليهما اسم «القلعة» وهما:
قلعة « السراغنة» وهي عمالة تبعد عن مراكش بـ 85 كيلمتر.
قلعة «مكونة» جنوب المغرب على بعد 92 كيلمتر. شرق ورزازات، وتعرف بمدينة الورود، ويكثر فيها معامل تقطير ماء الورد المعروف في المغرب كله وتعرف موسما سنويا يعرف بموسم الورود ويجلب إليه العديد من الزوار من الداخل والخارج، وتختار فيه ملكة جمال الورود في حفل فني رائع.
أما قلعة «عين غبولة» التي بناها عبد المومن بن علي الموحدي في الدشيرة فقد كان الغرض منها حراسة رأس قناة عين غبولة التي كانت تجلب الماء لقصبة الأوداية بالرباط، وكانت مستطيلة الشكل طولها 288م وعرضها 277م. أسوارها مبنية من أحجار منجورة في الأسس(4).
- ومن القلاع الشهيرة بالمغرب نذكر ما يلي:
قلعة «ابن أحمد» قرب مدينة فاس.
قلعة « القصابي»، وتسمى أيضا قصبة المخزن شيدت فوق ارتفاع 1077 متر ويقطنها عدد كبير من شرفاء تافيلالت وبها بنى السلطان اسماعيل العلوي قصبة لحراسة الطريق التاريخية بين فاس وتافيلالت. تقع على بعد 240 كلم من كرسيف.
قلعة «سلاس» وهي مركز صغير يقع وسط ناحية جبلية صعبة المسالك من نهر ورغة. على بعد 104 كيلمتر من مدينة فاس.
قلعة «قصر بني مطير» بنـاهـا السلـطان اسماعيل العلوي عندما ذهب لقمع ثوار ملوية (وسط المغرب).
قلعة «زاكورة» بالضفة اليسرى لنهر درعة على بعد 170 كيلمتر جنوبي شرق ورزازات، يرجع تاريخها إلى عهد المرابطين وأسوارها أشبه بالأسوار المهدمة بمدينة البصرة المغربية وأبراجها نصف الدائرية.
قلعة مدينة «أصيلة» بشمال المغرب، حررها المغاربة في 13/12/1589م، من الاحتلال البرتغالي. وتمتاز بعلو أسوارها وتوفرها على مجموعة من الأبراج أهمها برج القامرة.
قلعة «آزمور» بجنوب المغرب، وهي اليوم مدينة بساحل المحيط الأطلسي على مسافة نحو 75 كلم من الدار البيضاء، وتم تحريرها من الغزو البرتغالي في 10/10/1541م.
قلعة «مزكان» الموجودة بمدينة الجديدة على ساحل المحيط الأطلسي، وقد بنيت القلعة في البداية بشكل بسيط على أنقاض برج «البريحة» وقد تم تحريها في عهد السلطان العلوي محمد بن عبد الله بتاريخ 11/3/1769م.
قلعة «كيكو» بناها السلطان إسماعيل العلوي عام 1096هـ على واد كيكو عندما هب لقمع الثوار بملوية وزودها بأربعمائة فارس(5).
قلعة «حجـر النسـر» بقبيلة سماتة الواقعة بإقليم العـرائش.
قلعة «فازاز» بين فاس ومكناس، وقد حررها يوسف بن تاشفين بعد معارك عنيفة مع بني يحفش بطن من زناتة، وأقام بها وذلك سنة 456هـ(6).
وذكر صاحب «الأنيس المطرب بروض القرطاس» في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، مجموعة من القلاع التي كانت منتشرة في عدد من الجهات مرتبطة بالمعارك التي خاضها ملوك المغرب وهي:
قلعة فاس ص:40
قلعة دمنة ص: 392-411.
قلعة علودان ص: 392.
قلعة مهدي ص:141.
قلعة الوادي ص:353.
قلعة غياتة ص:21.
قلعة فندلاوية من جبال بني يازغة ص:377.
وإذا كانت «القصبة» حصنا مسورا ومجهزا بأبراج مربعة الشكل أو مستطيلة في أحد جوانبها وتتضمن مسكن القائد والمسجد ومستودع المؤن، فالغالب أن القلعة لم يكن لها أكثر من سور واحد عدا قلعتي حميدوش وتادلا اللتين كانت لهما حظيرة مزدوجة وكان «في كل قلعة من القلاع التي بناها السلطان اسماعيل العلوي (1082-1139هـ) فندق لمبيت القوافل وأبناء السبيل مع حامية لا تقل عن مائة فارس، وقد عنيت لكل قبيلة قلعتها التي تدفع بها زكواتها وأعشارها لمؤونة العبيد وعلف خيلهم وهم حراس الطريق فمن وقع في أرضه شيء عوقب عليه قائد تلك القلعة»(7).
يبدو أن كلا من القلعة والقصبة تتوفر على أبراج ولكنها تتفاوت فيما بينها من منطقة الساحل إلى منطقة الداخل، والبرج كما يرى عبد العزيز بنعبد الله في هندسته الأندلسية قد أثر في تصميمات البرج المغربي منذ عهد المرابطين مع آثار محلية أطلسية، وقد استعمل المرابطون الحجارة الطبيعية العادية في بناء الأبراج أو القلاع ثم أضاف الموحدون الحجارة المنحوتة والإسمنت المسلح وهو الخرسانة أو الطابيا التي لا تزال ماثلة في أبراج وحصون مدينة الرباط. وقد احتفظ المغرب في تحصيناته بضخامة الهيكل ومتانة المادة كما كانت في عهد الموحدين(8). وذكر مجموعة من الأبراج المبثوثة في جهات مختلفة من المغرب كالبرج الاسماعيلي في مكناس وبرج أمسا والقلالين والنجمة ومرتيل بتطوان، وبرج الخنزيرة والدار والصراط بالرباط وبرج الذهب بفاس الجديد، وبرج سينار في القصر الصغير بين مدينتي سبتة وطنجة وبرج تارغة الذي بناه الأمير مولاي علي بن راشد بإقليم شفشاون. وذكر المرحوم الصديق بن العربي في كتابه (المغرب) برجين يحملان نفس الإسم وهو برج الناضور الأول وهو حصن عسكري يقع على بعد 74 كيلمتر من تازة. والثاني بضاحية آسفي وهو من آثار البرتغال على الشاطئ(9). ونضيف إليها برج سيدي ميمون وبرح الطوري أو برج اليهودي بالعرائش. وهو اليوم متحف الآثار تابع لوزارة الثقافة.
وأورد الباحث مصطفى أعشى أن أسوار مدينة الرباط تضم 74 برجا مربعة الشكل، وفي رباط تيط على المحيط الأطلسي على بعد 12 كيلمتر جنوب غرب مدينة الجديدة، بني في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي سور مواجه للبحر مدعم بستة أبراج قوية متينة من الأحجار الخشنة. هذه الأبراج مستطيلة الشكل تتكون من طابقين تحتلها غرف التصويب أو الرمي. أما زوايا الأبراج غير التامة الاستطالة مبنية من أحجار مهندمة منضودة بكيفية حسنة(10).

القصبة والقصبات في المغرب
جاء في لسان العرب لابن منظور (مادة قصب) أن القصبة هي جوف القصر، أو القصر نفسه، وقصبة البلد مدينته، وقصبة السواد مدينتها، والقصبة أيضا القرية(11).
يرى المرحوم عبد الله الجراري: «أن القصبة تحمل في أصلها معنى القصر أو جوفه – من هذا قصبة العراق التي هي عبارة عن قرية واقعة وسط القصب حيث كانت قبل التأسيس قصبا. ولابدع أن تمت لهذا المدلول إلى أصلها المادي الذي هو القطع والفصل عن الغير وكان المكان المتخذ ليكون قصبة – قرية أو مدينة فصل عما حواليه من أجزاء»(12).
والقصبة هي أبرز ملامح العمران الأمازيغي في المغرب، وتعرف في لغتهم «بإيغرم» وقد تكون إما مخازن محصنة تخزن فيها الحبوب ومركز للتجمعات في حالة هجوم، أو بيوتا لأثرياء الفلاحين من قبائل الأطلس، وتبدو هذه المباني بدائية في هياكلها وهندستها، فالقصبة عادة هي عبارة عن دار مربعة الشكل ذات مدخل واحد يؤدي إلى ساحة تفتح عليها أربع أو خمس طبقات من الغرف الصغيرة، وترفع سقوف هذه الغرف على أعمدة من جذور الأشجار، وتزخرف الأبواب بالرسوم البدائية، وتزود بقضبان حديدية متنوعة الأشكال لتشد أجزاءها المتعددة. وتبرز منارات: (الصوامع) المساجد في المغرب المربعة الشكل الفن المعماري المغربي الإسلامي المطبوع بروح الفن الأمازيغي الذي يميل إلى البساطة، وتعتبر صومعة الكتبية في مراكش وصومعة حسان بالرباط، وصومعة مسجد تينمل (مركز الدعوة الموحدية) وصومعة الخير الدافي اشبيليا بإسبانيا أشهر هذه الصوامع. ويرى الباحث مصطفى أعشى أن «مسجد تينمل هو من نوع تلك المساجد التي يمكن اعتبارها المسجد القلعة وهذا واضح في طريقة بنائه، فالجدران عالية بالإضافة إلى أنها تنتهي بشرفات ويمكن أن نلاحظ بين القباب من جهة وجدران القبلة والمنارة من جهة أخرى الممر الذي يسمى عسكريا بممر الدورية»(13). إن المكانة المعمارية والفنية لمسجد تينمل تمثل بداية الفن الموحدي الناشئ، فكانت وظيفته مزدوجة: وظيفة دينية ووظيفة عسكرية، ويبدو جليا كذلك أن الهندسة المعمارية الموحدية اجتمعت فيها الرغبة في ضمان جودة الكيف مع حاسة العظمة.
وقد فسر الدكتور عثمان عثمان إسماعيل، الشكل الرباعي لمنارات المساجد في المغرب منذ القديم وإلى اليوم بأنها استمدت هذا الشكل أصلا من عمارة القصبات التاريخية بالجنوب المغربي، وهي ذات صلة وثيقة بعمارة اليمن العربية القديمة، وهو تفسير اعتمده أساسا المدافعون عن الأصل العربي لأمازيغ المغرب وأيا كان الأمر، فإن هذا المكون المعماري الأمازيغي بامتياز شأنه شأن كثير من المكونات الحضارية والثقافية لمختلف الأمم والشعوب، إنها هي ثمرة ظروف بيئية وثقافية خاصة، تفاعلت مع مختلف المؤثرات.
ويرى المرحوم محمد المنوني أن اسم (القصبة) الشلحي هو موحدي استعمل منذ أوائل عصر الموحدين، وكانت تعني (إيمي إن تكمي أو تجمي) تدل على باب الدار أو القصبة حيث إن إيمي معناها الفم أو الباب وتكمي تدل على الدار أو القصبة. ثم تجدد إطلاقه على بعض المباني الحفصية بتونس مع بعض التغيير، فقد جاء في الفارسية عند ذكر المستنصر الحفصي: بنى القبة الكبيرة بينتكمّي.
وجاء في تاريخ الدولتين عن نفس الملك أنه: بنى قبة الجلوس بتونس التي بأساراك المشرفة على باب «ينتكمي»(14). ومن المعروف أن القصبة تؤدي - على وجه التقريب- مدلول العمالة في الاستعمال الحديث، حيث تكون مقرا لحاكم المدينة ومساعديه.
تشكل القصبات في المغرب جواهر رفيعة تزين مجال الواحات في الجنوب الشرقي للمغرب، خاصة بدرعة وتافيلالت وأحواض داداس ومكونة وتدغة صنف بعضها كتراث إنساني عالمي فريد من نوعه بفضل ما تزخر به من ثروة غنية على مستوى أشكال الهندسة المعمارية التي تتميز بها، لأنها تؤرخ لحضارة متأصلة وعريقة تصل الماضي بالحاضر.

وماذا عن الأندلس؟
إن تاريخ المغرب السياسي والحضاري كما هو معروف ارتبط لعدة قرون بتاريخ الأندلس ارتباط تداخل وتفاعل وتوجيه، ولكن العدوة الأندلسية ظلت دائما تستدل على العدوة المغربية بالتفويق في كثير من الصنائع ومنها العمران، وقد أوردت المصادر فيضا من المعلومات حول القصبات والقصور والقلاع والأبراج والأسوار والحصون ما يزال بعضها قائما في المدن الرئيسية على امتداد الأندلس. وكانت أحيانا تنعت المدينة بالقصبة لأن «قصبات الأندلس هي مدن مثل طليطلة، وسرقسطة وماردة وإشبيليا»(15).
وتعتبر القصبات النواة الأولى التي ينطلق منها توسع المدينة(16)، ومن المدن التي احتفظت الخلافة الأموية بقصباتها وأسوارها وقصورها، أو عملت على بناء قصباتها من أجل إعادة ضبطها وإسكان الجند أو ممثليها فيها نذكر مدينة (ببستر Bobaster) قاعدة الثائر عمر بن حفصون الذي استمر تمرده ثماني وعشرين سنة إلى أن قطع أوصاله بالداخل والخارج الخليفة عبد الرحمن الناصر عام 316ه/928م وأخضع المدينة لحكمه، وقلد أمرها سعيد بن المنذر لضبطها وإكمال البنيان فيها كما ذكر ابن عذاري المراكشي وأضاف أن الخليفة تجول في المدينة ولا حظ حصانتها وعلوها ودبر بنيان قصبتها على أحسن ما دبره وأحكمه في غيرها(17).
وفي سنة 317ه/929م أخضع الخليفة مدينة (باجة) «وندب فيها قوة وأكثف لها الجمع والعدة، وأمر بابتناء قصبة ينفرد فيها العامل عليها ويسكنها برجاله»(18). أما مدينة «البيرة» فقد خربها باديس بن حبوس «وبنى بنقضها قصبة غرناطة وأسوارها»(19)، وفي تقسم مدينة (ميورقة) الذي تم بعد الاستيلاء عليها سنة 1229م على يد «خايمي الأول» يذكر المؤرخ الاسباني (ليوبولدو تورس بالباس في كتابه المدن الاسباني الاسلامية «يقال بأنه كان في (المدينة ALMADAYNA) أو (القصبة ALCAZABA) أكثر من 178 مبنى. ونصف مساكن المدينة والتي خصصت للحاكم، منها 1492 مسكنا معمورا و 494 مسكنا خاليا من السكان»(20). يبدو أن كلمة القصبة انتقلت إلى اللغة الاسبانية بنفس النطق والكتابة والمعنى القصبة (AL CAZABA) ويضيف المؤرخ في حديثه عن المدن الاسبانية الاسلامية أن موقع مدينتي (مالقة) و(المرية) مع وجود التلال المجاورة للمرسى مكن من بناء القصبات القوية المحصنة(21). ولاحظ الباحث المغربي الدكتور محمد حناوي أنه من خلال مضمون الإشارات السابقة في بناء القصبات في المدن اهتمام السلطات السياسية بقرطبة بتلك القصبات بل وجودها الفعلي فيها عبر عمالها وولاتها ورجالهم الذين يسكنون تلك القصبات. ويمكن القول إن القصبات لعبت كذلك أدوارا بشرية واقتصادية باعتبارها كانت مراكز هامة لتحصيل الضرائب من سكان الأرباض. ويظهر أن العصر الطائفي شهد بدوره إنشاء القصبات أو ترميم العديد منها وذلك في إطار ازدهار البنيات التحصينية المرتبطة بالتجزؤ السياسي والإقليمي الذي عرفه القرن الخامس الهجري...
وما بعض القصبات التي ما تزال قائمة إلى الآن إلا دليل على ذلك(22).

القصبات ودورها في المغرب
اهتم المرابطون والموحدون ببناء الحصون والقلاع والقصبات والأسوار حماية للأماكن التي كانوا يبسطون نفوذهم عليها، ومن حصون المرابطين التي ظلت معروفة حتى اليوم حصن (تاسغيموت) الذي يشرف على جبال الأطلس الكبير على ناحية وريكا وحصن (أمركو) الذي يشرف على وادي ورغة وقصبة النصراني شرق جبل زرهون، وامتدت القلاع والحصون طول الأطلس الكبير والمتوسط حتى تادلا وفازاز(23). وقد عدّد أبو بكر الصنهاجي المعروف بالبيذق (23 ثلاثا وعشرين) حصنا (قصبة) مرابطيا أولها (تاسغيموت) وآخرها (تازغدر) «بنوها في مواضع دارت بها الجبال من جميع الجهات لكي ينتصروا بها على الموحدين»(24) وكانت سياسة الموحدين تقوم على تهديم القلاع والتحصينات المرابطية، إلا أنهم سرعان ما غيروا سياستهم عندما بدأوا ينظمون الدولة، فشرعوا في بناء القلاع والحصون والمدن، كما أصلحوا التحصينات والأسوار لعدد من المدن الأخرى، وشيدوا مجموعة من القصبات في المغرب والأندلس كقصبة اشبيليا وقصبة مراكش. وسار على نهجهم السعديون والعلويون. ويرى الدكتور إبراهيم حركات أن «كل المدن والقرى الرئيسية والقصبات التي شادها السعديون تتركز في منطقة سوس والجهات المجاورة وقد بنيت في الغالب لأسباب دفاعية أو سياسية لوقوعها في المناطق التي يوجد بها أهم أنصار الدولة، وبعضها شيد لأغراض صناعية»(25).
أما بالنسبة للعلويين فإن المصادر التاريخية المغربية تذكر أن السلطان اسماعيل العلوي قام ببناء (76) قصبة بمختلف جهات المغرب وجعل قسما هاما منها لحماية السواحل وتمكينها من وسائل الغارات الأجنبية عليها، وما زال العديد منها شاهدا على عظمة وعبقرية هذا السلطان وتحظى اليوم جميعها سواء المرابطية والموحدية والسعدية والعلوية بعناية فائقة من طرف مديرية الآثار بوزارة الثقافة المغربية، إضافة إلى الإقبال الكبير للسواح على زيارتها في كل الفصول.
لقد شكلت هذه القصبات جميعها ثلاثة أنواع، وتبدأ السلسلة الأولى من بني يزناسن إلى تادلا (الأطلس المتوسط) وسلسلة ثانية على طول طرق المملكة لحماية المراحل والنزلات والبريد والشرطة من مدينة تازة إلى مدينة وجدة (شرق المغرب) ومن مدينة مكناس إلى مدينة فاس.
ومن فاس و مراكش إلى تافيلالت (جنوب المغرب) ومن مكناس إلى مراكش، ومن هذه إلى تارودانت (جنوب المغرب). وسلسلة ثالثة قرب بعض المدن لإقامة العبيد حول مدينة مكناس مثلا، وقصبة (كناوة) لحماية مدينة سلا قرب الرباط، وقد تعززت مواصلات هذه الحاميات بجسور وقناطر(26).

أهم القصبات الشهيرة
1 - قصبة الوداية
بمدينة الرباط، بناها المرابطون عندما ثار المهدي بن تومرت على دولتهم، وجعلوها حصنا ومعقلا يتحصنون به عندما يحدث حادث حصار حربي، وجعلوا لها منفذا سريا إلى البحر. وعندما فتح عبد المومن الموحدي مدينة سلا سنة 541ه، نزل بها وبنى قصره بداخلها وألحق بها مسجدا هو اليوم أقدم جامع بمدينة الرباط، ويقوم في قمة القصبة وينحرف محرابه نحو الشمال، وكان يحظى بتقدير كبير من طرف الملوك ويؤدون فيه صلاة الجمعة(27).
ترقد القصبة على مرتفع صخري غير منتظم الشكل بالزاوية الجنوبية لمصب نهر أبي رقراق، محاطة بسور سواء على طول نهر أبي رقراق أم اتجاه البحر ونحو السهل البري، ولم يعد هناك من جهة الوادي سوى قطعة جدار قرب ما يسمى «بصقالة» طولها نيف وثلاثون مترا، وارتفاعها نحو ثمانية أمتار، وبجانبها ما يدعى بمستودع مولاي اليزيد نجل السلطان العلوي محمد بن عبد الله، والكل مقام فوق الصخر بحجر غير منحوت. وينفذ الزائر إلى القصبة من ثلاثة أبواب أكبرها الباب الأثري المؤدي إلى سوق الغزل، وهو في منتهى الروعة يبلغ طوله 36 مترا وعرضه 16 مترا ويتراوح علوه بين 12 و13 مترا. وهو من المعالم الأثرية المهمة في الرباط. وقد تحولت إلى معشوقة لريشات عشرات الفنانين الذين أرهقتهم الغواية التي تمارسها وهي تتبدى في كل يوم بحلة جديدة بجمالها المشرق الذي تزيده الأيام إشراقا ونضارة، بعد ما راكمت تفاصيل التاريخ على امتداد قرونه.
2 -قصبة مكناس:
يقول المرحوم محمد المنوني: «إن قصبة مكناس هي من بناء الموحدين، وقد طرأ عليها تخريب في فترة انتقال الحكم من الموحدين إلى المرينيين، وأن أحد المرينيين الأولين جدد بناءها. وكان هذا هو عمر بن أبي يحيى بن عبد الحق، أيام ولايته على مكناس»(28).
ومع ازدحام المدينة والاستعاضة عنها بأخرى خارجية. فقام أبو يوسف المريني ببناء القصبة خارج المدينة في الجهة الشرقية، وكان الشروع في بنائها سنة 674هـ. فبنى قصرها وجامعها الذي يحمل الآن اسم جامع «عودة» كما أنشأ بها مدرسة الشهود وكانت تدعى مدرسة القاضي حيث كان يعطي بها الدروس القاضي أبو علي الونشريسي، كما بنى بها أبو الحسن المريني زاوية «المشاورين» وزاوية «الفرجة» وعدد من القناطر والمرافق. يقول عنها ابن الخطيب عند ذكر مدينة مكناس:
«ولقصبتها الأبهة والبهاء»(29).
وباستثناء جامعها تعتبر الآن مندثرة، فقد صارت زاوية المشاوريين فيما بعد اصطبلا، وتعرف المدرسة المذكورة –اليوم- بالفيلالية.
3 - قصبة إير:
هي إحدى المحارس البحرية الإسلامية، وموقعها شمال مدينة آسفي على لسان داخل في البحر لها بابان أحدهما للبحر وعليه برج كبير والآخر للبر وعليه برج كبير أيضا وبخارج هذا الباب مسجد عتيق يحتوي على عشرين سارية له باب بحري كتب عليه من داخل –فتح هذا الباب لجهة البحر منذ 1200ه - وله منار ومدرسة محتوية على عدة بيوت.
لا يعرف تاريخ تأسيس هذه القصبة إلا أنها كانت موجودة في القرن الثامن الهجري وتعرف عند البرتغاليين بـ(كاب إير)، وهي إحدى النقط التي احتلها هؤلاء في القرن الخامس عشر الميلادي، وقد بنى بها ملك البرتغال آنذاك برجا عاليا سماه (سانتا كروت) الصليب المقدس، وجعله مركزا للجنود البرتغاليين الذين كانوا يذهبون إلى مدينة آسفي قصد الاستطلاع والانقضاض. وفي سنة 1517م توجه إليها الشريف أبو عبد الله محمد السعدي فشق البلاد حتى بلغ إليها وحاصرها فكان من حسن حظه أن انفجر برميل بارود بداخلها فانهدمت بسببها بعض الأسوار فاختل نظام البرتغاليين واستسلموا أسارى له(30).
4 -قصبة الوليدية:
وموقعها على شاطئ البحر (المحيط الأطلسي) قرب مدينة آسفي (جنوب المغرب) وهي مربعة الشكل على أطراف سورها المتلاشي أبراج، بناها الوليد بن زيدان السعدي (الدولة السعدية).
وقد وصف «أبو القاسم الزياني» في كتابه «الترجمان المعرب»وقال: «مرساها بأحسن المراسي ويشبه الصندوق، وكان هذا المرسى مفتوحا في عهد السعديين. وقد شملها الاحتلال البرتغالي، وكان يسكنها قوم من دكالة. وكان الذي يتولى إدارة أحكامها يعينه باشا مدينة مراكش. ويوجد بقربها زاوية الفقيه الصالح الرحالة عبد السلام الغواص اليمني. وكان بكل من الزاوية والقصبة مدرسة ومسجد حازتا شهرة ونبغ منهما عدة علماء وفقهاء، وتعرف اليوم بشاطئ الوليدية ويأمه المصطافون في فصل الصيف»(31).
5 -قصبة مراكش:
ذكر ابن فضل الله العمري أن المنصور الموحدي بنى مدينة خاصة به وبحاشيته خارج مراكش وسماها تمراكشت وكانت جنوب العاصمة، وكما يصفها طيراس في (المدن الملكية بالمغرب) فقد كانت أجمل مدينة عرفها المغرب في تاريخه. وكانت تحتوي زيادة على القصر الملكي على ترسانة وحدائق وثكنات للجيش وسائر المرافق. وظل مقرا ملكيا إلى أن بنى المنصور السعدي القصبة الشهيرة «تعتبر وحدها مدينة مستقلة، وهي تقع في جنوبي المدينة ومن أهم محتوياتها: قصر البديع مقر الخليفة المنصور، وهو يقع في الزاوية الشمالية الشرقية من القصبة، وملحقاته العديدة ثم حدائقه الجميلة التي تحيط به شرقا وجنوبا، علاوة على مسجد القصر الواقع في الزاوية الشمالية الغربية من القصبة»(32)، وكان بها دار الديوانة، وهي دار كبيرة بها مخازن عظيمة يحل بها التجار مع بضائعهم عند الاستيراد والتصدير ويؤدون بها واجب الجمرك.
وقد عثر (هنري كولير) على تصميم كامل للقصبة السعدية بالاسكوريال (قرب مدريد) وهو في حالة جيدة، حيث يمثل جميع المباني الرئيسية بل وحتى المسافات بينها بواسطة المقياس البرتغالي، وقد وضعه برتغالي شاهد عيان سنة 993ه/1584م، ويمتد سور القصبة شمالا نحو (ستمائة متر) وشرقا إلى خمسمائة وخمسين مترا، ومدخل القصبة الرئيسي هو «باب أكناو» الذي كان يسمى «باب السقيف» أو «باب القصر» ويطل على ساحة باب الرب الحالية، ويقابله باب الطبول، ويفصل بين المدخلين زقاق طويل يرجع بناؤه إلى عهد الموحدين حيث ظل قائما كذلك أيام السعديين ومسافته مائة وثمانون مترا تقريبا. وكان بجنوب القصبة بستان المسرة(33).
6 -قصبة المهدية:
معلمة تاريخية شامخة، تطل على نهر سبو من جهة اليمين، وكانت النواة الأولى لنشأة مدينة القنيطرة في الغرب بعد عشر كيلومترات منها، وتطل على المحيط الأطلسي وشاطئ المهدية من جهة اليسار. حصن من الحصون العسكرية الشمالية، وقاعدة لتجمع جنود الخليفة عبد المومن الموحدي، وورش لبناء السفن. وقد تعرضت القصبة للاحتلال البرتغالي والاسباني، واسترجعها السلطان العلوي اسماعيل سنة 1681م، وشيد بها قصرا فخما وعددا من المرافق لازالت قائمة إلى اليوم مثل دار المخزن الذي كان مقرا لقائد الحامية ومسجدا ومدرسة وحماما وفندقا واصطبلا ومخازن المؤونة، ووقع الاهتمام بالهندسة الدفاعية للقصبة، حيث أنشأ مواقع محصنة للمدافع في اتجاه البحر، كما أقيمت حامية عسكرية بالمهدية لحماية القوافل التجارية المارة بالمنطقة من شمال البلاد إلى جنوبها. وتزايدت الأهمية التجارية لهذه القصبة ومينائها في عهد السلطان محمد بن عبد الله (1757-1790م) الذي نهج سياسة الانفتاح للاستفادة من التبادل التجاري مع أروبا.
نشطت بها التجارة والصيد وقصدتها بعثات أروبية، ونزلت بها القوات الفرنسية سنة 1911م إذ وقع اختيار الاستعمار الفرنسي على ميناء المهدية للنفاذ عبر نهر سبو إلى مدينة فاس حيث كان النهر صالحا للملاحة لنقل الجنود والعتاد والمؤونة، واحتل القصبة وطرد سكانها، وتحولت إلى قاعدة عسكرية، وفي نونبر 1942م نزلت بها القوات الأمريكية في إطار عملية طورش لتلعب المهدية دورها خلال الحرب العالمية الثانية وبمقتضى ظهير شريف صدر سنة 1916م اعتبرت موقعا تاريخيا(34).
7 -قصبة المحمدية:
أمر بتشييدها السلطان العلوي محمد بن عبد الله سنة 1769م، وهي على شكل مربع وتقدر مساحتها بخمسة هكتارات لتفادي هجومات بعض قراصنة البرتغال، وأمر ببناء مسجد بداخل القصبة وخزان للحبوب وبعض الدكاكين وحمام كان يعرف بحمام ربيعة الزناتية وبعض المنازل إضافة إلى ما يعرف (بالملاح) وهو مكان يقيم فيه اليهود، وبناية (مقر السلطان) وأمامها إقامة أخرى تدعى دار الضيافة. والباب الرئيسي وهو المدخل والمخرج الوحيد للقصبة هناك بابان واحد على الشمال والآخر على اليمين يؤديان إلى برج المراقبة.
ومن مميزات المسجد والذي يعرف بالجامع الأبيض أن صومعته توجد فوق بابه الرئيسي وهو من المساجد النادرة في العالم العربي والإسلامي(35).
وكانت القصبة تتوفر على باب واحد رئيسي يغلق عند آذان صلاة المغرب
عرفت باسم (في يد الله – فضل الله) ومع مطلع القرن العشرين دخلها الفرنسيون فأطلقوا عليها اسم (فضالة). وفي يوم 25 يونيو 1960م وعلى إثر زيارة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس لإعطاء انطلاقة الأشغال لتدشين معمل لتكرير البترول سامير أطلق عليها اسم جديد وهو مدينة (المحمدية) وهي اليوم مدينة كبيرة ومرفأ بحري وتجاري هام تحاذي مدينة الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب.
8 -قصبة سلوان:
(قرب مدينة الناظور- شمال المغرب) وقد شرع في تشييدها عام 1089هـ بأمر من السلطان اسماعيل العلوي، وكان سبب تأسيسها هو الأجرام والنهب والتعسف الذي كان المواطنون يتعرضون له من طرف جيش الإسبان الذين يحتلون مدينة مليلية القريبة من مدينة الناظور.
وكان طولها وعرضها متساويين في كل منهما 150 قدما، وبابا واحدا عرضه 15 قدما، وطوله ثلاثة ونصف. وبنى بداخلها منازل، ثلاثة في الجدار القبلي، وأربعة في الجدار الشمالي، وأربعة في الجدار الجنوبي. أما الجدار الغربي الذي تتوسطه الباب فقد جعلوا في القسم الموالي منه لمدينة مليلية (المحتلة) مربطا للخيل.
كما اشتملت القصبة على مسجد ومحل للضيوف، وقد أصبحت اليوم مدينة آهلة بالسكان يكاد يتصل بنيانها بمدينة الناظور(36).
9 -قصبة تطوان:
شمال المغرب، بنيت في عهد المرينيين سنة 685ه. وكان الهدف من بنائها هو حصار مدينة سبتة (المحتلة من طرف الاسبان إلى اليوم) والاستيلاء عليها شأن طريقة بني مرين في حصار المدن الأخرى كالجزيرة الخضراء وتلمسان.
ويرى صاحب «عمدة الراوين في تاريخ تطاوين» أن «هذه القصبة ليست هي القصبة الجديدة، لأن هذه متأخرة جدا، وتلك قد خربت في الخراب الذي سيذكر، وليست أيضا هي القصبة الموجودة بسوق الحوت، لأن هذه أيضا متأخرة، إلى أن بناها المنظري»(37).
وتحتل هذه القصبة الزاوية الشمالية الغربية للمدينة، الشيء الذي يمكن من مراقبة كل الممرات انطلاقا من المرقاب الذي يعلوا أحد الأبراج، وقد بنيت كل المعالم الداخلية للقصبة خلال إعادة بناء المدينة، وهي تتكون من قلعة ومسجد جامع ودار وحمام صغير، وكانت تشكل في الماضي مركزا للسلطة الحاكمة وقاعدة عسكرية إضافة إلى مقر للسكنى بالنسبة لمؤسسها.
وقد ظلت مدينة تطوان عامرة نحو قرن حتى أصبحت من المراكز الأولى للقرصنة بالمغرب، وفي سنة 803ه استولى عليها الاسبان فهجرها سكانها، وخربها الغزاة، ثم جدد بناؤها على يد أبي الحسن النظري بعد نحو تسعين سنة.. وتعتبر مدينة تطوان عاصمة المنطقة الشمالية عامرة بالسكان كثيرة العمران.
10 -قصبة تادلة:
تأسست من طرف المرابطين على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع وأتم تشييدها الهلاليون، كما عرفت ترميما على يد السلطان اسماعيل العلوي وابنه اللذين جعلا منها مركزا دفاعيا مهما سنة 1687م وبنى بها هذا الأخير الدور والمساجد والقنطرة الشهيرة المنسوبة خطأ إلى البرتغال، وتعتبر هذه القصبة أعظم وأجمل قصبة من نوعها بالمغرب، فهي ذات هندسة عجيبة شيدت فوق الصخور العالية، وزودت بكل ما يحتاج إليه الجيش المرابط من مخازن وبيوت وأهراء وحماما ومنارتين (مسجدين) وأسوار عالية والدرج السرية والمخابئ(38). فقد كانت مركزا عسكريا بامتياز لحماية المنطقة والتدخل السريع في حل النزاعات بين القبائل، كما كانت صلة وصل بين الشرق والغرب وبين الشمال والمناطق الصحراوية عامة وبين فاس ومراكش خاصة في مختلف العلاقات الاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية.
وقد تم تصنيفها ضمن المآثر التاريخية والمعالم الأثرية منذ 28 يناير 1916م.
11 -قصبة كناوة (غناوة):
توجد بمدينة سلا قرب سيدي موسى. وقد بنيت في السادس من شعبان 1120ه/ 1709م، وترجع إلى عهد السلطان اسماعيل العلوي، وتعتبر الوحيدة التي توجد بالضفة الغربية لنهر أبي رقراق. وكانت تضم حامية عسكرية من جيش البخاري الذي ساهم في توحيد المغرب وتركيز السلطة العلوية بالبلاد. وكانت تضم أيضا مسجدا ودار القائد وحماما وفرنا ومساكن لعائلات الجيش. ويذكر العلامة محمد بن علي الدكالي في كتابه «الإتحاف الوجيز.. تاريخ العدوتين» أن هذه «القصبة دامت عامرة بأهليها نحو الثلاثين سنة، إلى أن بويع مولانا المستضيء بن مولانا اسماعيل عام 1151ه فعمد إليها عبد الحق فنيش وخربها ولم يبق إلا سورها وجامعها فقط، وبنى بأنقاضها برجين داخل سلا: أحدهما بباب سبتة، وآخر جدد به برج الدموع المجاور لسيدي الحاج أحمد بن عاشر، المعروف الآن ببرج القائد، وعليه كتابة في ألواح من حجر منجور تضمنت ذكر مولاي المستضيء والدعاء له. وكأنه (أي) عبد الحق إنما بنى هذا البرج باسمه خوفا من أن ينكر عليه هدم قصبة أبيه... ثم إن هذه القصبة دامت متخربة إلى زمان مولانا عبد الرحمن، فطلب منه عامله على سلا أبو عمرو فنيش تجديدها وتحصينها بالمدفع حماية لمدينة سلا».
بقيت القصبة منسية ومهجورة إلى غاية وصول الماريشال ليوطي الفرنسي إلى المغرب سنة 1912م حيث حولها إلى نقطة عسكرية مهمة لانطلاق الجنود إلى سهل الغرب ومنتزها للقيادة الفرنسية، وتشكل اليوم فضاء سياحيا مهما.
12 -قصبة بولعوان:
قصبة أثرية كبرى بنيت على ضفة أم الربيع في ارتفاع 109متر، بناها الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي: «وكان فيها خمسمائة بيت من بيوتات الأشراف والأفاضل يحترفون بكسب الأنعام والفلاحة لخصوبة أرض دكالة ورغد عيشها... وبها كانت دار الأضياف يأكلون ويشربون على نفقة الجماعة»(39). جدد بناءها السلطان اسماعيل العلوي فجعلها قاعدة عسكرية لحراسة دكالة، وكان لولده عبد الله دار بها نزل فيها لمدة سنة كاملة مطاردا لأخيه المستضيء، وهي على طراز القصابي الأخرى حيث تضم أبراجا وتحصينات وجميع المرافق التي يحتاجها الجيش من مسجد ومخازن للمؤونة، لا تزال أسوارها بادية للعيان إلى الآن.
13 -قصبة دار السلطان بآسفي:
توحي أقدم الآثارات التاريخية بأن هذه البناية كانت عبارة عن قصبة في عهد المرابطين، قبل أن يقوم الموحدون بتجديدها، ثم البرتغال الذين أحدثوا بها تغييرات جذرية وأضافوا إليها أبراجا جديدة تعكس طابعهم المعماري وطرازهم في البناء والتشييد. «وهذه القصبة على شاطئ البحر مربعة الشكل على ربع منها برج وفي وسطها عدة دور وخزائن وهي أول ما بناه البرتغاليون»(40). وفي القرن الثامن عشر عرفت مجموعة من الإضافات كتشييد دار ملوكية سميت (الباهية) كان ينزلها الأمراء والقواد وأصحاب السلطان وغيرهم من ذوي الحيثيات، ومسجد صغير مجاور لها. والبناية حاليا تضم جزء منها المتحف الوطني للخزف إضافة إلى مصالح مندوبية الشؤون الثقافية بمدينة آسفي، وهي مصنفة في عداد الآثار المهمة بالمدينة، والتي تجلب إليها السياح من الداخل والخارج.
14 -قصبة طنجة:
من المآثر التاريخية التي ترتبط بحياة المدينة ومن أهم الوحدات العمرانية، بنيت في عهد السلطان إسماعيل العلوي، حيث أدرك عقب تحريرها من العدو أن المدينة في حاجة إلى أمرين اثنين لن تقوم لها قائمة بدونهما وهما: سور يحيط بها ويحميها من هجمات الأعداء ومسجد يحصنها من الداخل ويعيد للمدينة تاريخها المفقود، فأعاد بناءها وبنى مساجدها وعقد للقائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي بذلك، فبنى القصبة كما بنى المسجد الأعظم بالمدينة، وأقام به الخطبة. أما القصبة فكانت مقر الحاكم وبيت المال، ومركزا لاتخاذ القرارات العسكرية، وعرفت في عهد السلطان العلوي محمد بن عبد الله بناء دور الوكلاء وسفراء الدول الأجنبية وذلك سنة 1849م. وتشكل اليوم جزءا من المدينة العتيقة والتي تتباين مساكنها فيما بينها تباينا كبيرا من حيث الشكل والطراز المعماري المغربي الأصيل التقليدي.
لقد تغيرت القصبة اليوم بوظائفها وخصائصها، واختفت معالمها العريقة. فقصر السلطان أصبح متحفا للآثار منذ سنة 1923م وبيت المال غدا قاعة عرض للفنون التشكيلية. والمشوار بازارا، وثكنة المشاة مفتشية للآثار، واسطبل الحاكم وحدات سكنية. ولم يبق إلا المسجد ومئذنته المثمنة الأضلاع وسور القصبة الذي ينفتح على باقي أحياء المدينة بواسطة باب العصى وباب القصبة وعلى البحر من خلال باب البحر، حيث تعلو الأرض وتهبط وتتداخل الأزقة وتنتصب البوابات الحجرية القديمة(41).
15 -قصبة شفشاون:
تقع مدينة شفشاون في أقصى الشمال الغربي للمملكة المغربية، وتبعد عن مدينة تطوان بستين كيلمتر، أسسها علي بن راشد العلمي سنة 876ه/1471م لتكون قلعة للمجاهدين الذين وجـدوا في موقعهـا الاستراتيجي مكانا حصينا تتجمع فيه قوافلهم التي كانت تنطلق في اتجاه الثغور المغربية الشمالية للمقاومة ضد الاحتلال البرتغالي.
يقول الشريف الريسوني في مخطوطه عن تاريخ شفشاون أن مؤسس المدينة قد اختط حومة (حي) السويقة لاغير وأعلاها دار المخزن المعروفة (بالقصبة) على شكل الهيئة المخزنية من المشوار والسجن والمسجد ودار السكنى وثكنات الجيش وأروية الخيل والدواب وبرج شاهق وأحاط بالجميع سورا مارة معه طريق الحراسة كيفما دارت القصبة (دار المخزن) دارت معها الطريق المتصلة بالحائط مع كواء على دور الحائط بقصد الضرب منها على مريد الهجوم، وبنى خارج دار المخزن (القصبة) دارين كبيرتين إحداهما لقاضيه وكاتبه الفقيه علي بن ميمون وهي لجهة الغرب، وجعل لها طريقا خفيا تصلها بدار المخزن والأخرى لجهة الشرق لوزيره ومستشاره الفقيه علي ابن عسكر(42).
والقصبة ما زالت قائمة إلى اليوم تطل على ساحة المدينة المعروفة (بوطاء الحمام) ويوجد بداخلها جناح خصص لمتحف المدينة وبقربه حدائق متنوعة الأشكال ومسبح صغير. وفي الطرف الآخر منها جهة الشرق تحول إلى فضاء مفتوح تقام فيه سهرات الطرب الأندلسي والسماع والأمداح ومعارض موسمية. والقصبة اليوم هي من المعالم الأثرية المهمة التي يتوارد عليها يوميا مئات السواح من الداخل والخارج.
17 - قصبة تلوات:
تقع في قلب بلاد (كلاوة) على ضفة وادي إيمارن على بعد حوالي سبعين كيلمتر من مدينة ورزازات في اتجاه مراكش، كانت مقرا رسميا للتهامي الكلاوي وللأسرة الكلاوية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي عبارة عن مجموعة عجيبة من البنايات الأخاذة، حيث توجد الدار الكبيرة المبنية على النمط الحضري، محاطة بأسوار عالية محفوفة أعاليها بفتحات مسننة ومحصنة بأبراج مربعة، ولا تزال بين أنقاض أغلب مرافقها وبناياتها المهدمة مقصورتان تحتفظان بأمثلة زاخرة عن ذلك كمقصورة الحريم وصالة الاستقبال بزخرفتها وزليجها وصباغة سقوفها ونقوش أبوابها تشهد على روعة إبداع الصانع المغربي ودقته(43).
18 -قصبة عيسى بن عمر:
تنسب إلى القائد عيسى بن عمر المنحدر من الساقية الحمراء، حيث استقر جده بمنطقة النجارة التابعة لفخذة الثمرة، أحد مكونات قبيلة البحاثرة أكبر قبائل عبدة، في القرن التاسع عشر، خلف أخيه على كرسي السلطة على عبدة بظهير 12 أبريل 1879م، فاكتسب مايكفي من صفات الحكم الفردي والصلابة ومظاهر القوة والنفوذ، وكان يعيش بداخل قصبته مع أفراد أسرته وعائلته وخدامه من العبيد الذين كانوا يشكلون حراسا خاصا مكونا من قرابة مائتي فارس من أجود الفرسان المغاربة، وأربعمائة فرس يضمها اصطبل القصبة. وقد ظلت مركز اهتمام وتتبع وذكر العديد من الأجانب الذين زاروها وتعرفوا على المنطقة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومن ذلك كانت توحي دائما بكثير من الفضول والغرائبية للداخل إليها أو المار بجانبها. ومن الذين زاروها سنة 1902م الصحفي الفرنسي الشهير بكتابه الذي طبع سنة 1904م بعنوان (مغرب اليوم) وقد وصفها قائلا: «هي كتلة عظيمة ترى من بعيد كبير، وتتكون من مجموع من البنايات المربعة الضخمة بعدة طبقات دون نوافذ خارجية، تحيط بها أسوار مشيدة من التراب المدكوك ذات أبراج عالية وأبواب عديدة في كل جانب. وتضم القصبة بالإضافة إلى المنازل عددا من الاصطبلات بمختلف أنواع الدواب لاسيما الخيول العربية العتاق، بينما تنتشر في الخارج دور قبيلة ثمرة وأكواخها على مد البصر. ويتصاعد في أوقات الصلاة الآذان من نقطة لا ترى، ويسمع همس رتيب لكتاب قرآني. أما حاشية القائد فتتكون من مائة وخمسين مشاوري، وعدد من الفقهاء والكتاب، وقائدين شرعيين ومضحك خاص»(44).
والقصبة اليوم أحد أهم الآثار المعمارية المعاصرة لمنطقة عبدة، بكل حمولتها الجمالية وبتنوع وغنى المدارس الهندسية التي تتشكل منها خاصة المرجعية البرتغالية والإسلامية في الأبواب وبأطراف وزوايا الأسوار أو المرجعية الموحدية المعتمدة في إعلاء السور ونوعية وطبيعة الحجارة غير المنجورة المعتمدة فيه، هذا إلى جانب غزارة أشكال التزيين الداخلي من السقوف الجبلية الملونة والمزخرفة إلى الجبس الملون والحجر الأصفر المنجور(45).
19 - قصبة أبي الجنود والقصبة الموحدية وقصبة تامدرت وقصبة الخميس بفاس:
وكل منها يقع في منطقة استراتيجية تحفظ وتحرس بابا خاصا بها.
فإذا كانت القصبتان الأوليتان تحرس باب المحروق والمنطقة المجاورة له فقد كانت قصبة تامدرت التي هي من بناء السعديين تحرس باب الفتوح وباب الخوخة ثم الباب الحمراء. وقد شيدت قصبة تامدرت عام 1549 في عهد محمد الشيخ أي بعد دخوله الدخول الأول.
وإذا كانت قصبة تامدرت من بناء السعديين، فإن قصبة أبي الجنود مرينية قديمة حيث أن المرينيين استقروا بها قبل انتقالهم إلى المدينة البيضاء. وتامدرت ربما هو لفظ أصله المدرى أي المكان الذي يذرى به الحب، وكان أهل فاس في العصور المتقدمة ينقلون حصائدهم إلى ذلك المكان فيذرونها به ويطمرونها داخل السور خوفا عليها من اللصوص، أما في العهد السعدي فقد بنيت بهذا المكان أي على يسار الخارج من باب الفتوح في الزاوية التي ينحرف فيها سور المدينة من الجنوب الشرقي إلى الشمال قصبة عسكرية واليوم هي قشلة للقوات المساعدة (46).
ويرى المرحوم محمد المنوني أن قصبة الخميس المعروفة بقصبة (شراكة) هي مرينية البناء، ويدل على ذلك قطعة كبيرة من سورها التي لا تختلف عن هيئة السور المحيط بالقصر المريني بما في ذلك الشرفات والأبراج المقوية، وقد صار الجانب الشرقي منها مركزا لمستشفى ابن الخطيب كما صار الجانب الغريب مركزا لثانوية القرويين.
أما السلطان العلوي الرشيد بن الشريف فقد أعاد بناء بعض السور الساقط جهة معهد الشراردة وباب الساكمة وكانت ثكنة عسكرية في عهد السعديين، وكان صاحب القصبة في عهد بني مرين يسمى (المشرف) بشرف على السلطة المحلية وهو الواسطة بينها وبين السلطة العليا(47).
أما الباحث محمد مزين فقد وضح أن قصبة أبي الجنود هي في الحقيقة قصبتان بجوار الطالعة التي تقع إلى شمال الطالعة، وهي القصبة الموحدية ولها بابان: الباب المحروق وباب الوادي، ثم هناك قصبة ثانية استعملها المرينيون وتقع إلى جنوب القصبة الأولى قرب الطالعة أيضا ولا زال برج من أبراجها ماثل إلى يومنا هذا قرب المسجد الذي بني قرب (جبان السبيل)(48).
وقد بني باب بوجلود الحالي (أبي الجنود) وفتح سنة 1331ه/1913م، أما باب بوجلود الأصلي فهو الباب الصغير الواقع على يمين الخارج من الباب الكبير الحديث وفيه اليوم مركز الشرطة، وهو من أشهر أبواب مدينة فاس على الإطلاق، وهناك مجموعة من المآثر مصنفة لقيمتها ولأهميتها، ومنها أساسا أسوار وأبراج وأبواب وقصبة الشراردة.
وقصبة الفلاليين، وباب بوجلود، وفندق النجارين والسور العام بفاس ودار البطحاء وقنطرة وادي النجاة وغيرها من المعالم.
20 -قصبة زاوية مولاي عبد الملك:
مؤسسها مولاي عبد المالك، أول من واجه المستعمر الفرنسي سنة 1919م، وهي من أجمل القصبات التي تثير انتباه الزائر لقلعة مكونة، وهو مار بمنطقة آيت يحيى، تتميز بتصميمها المعماري المخالف للمعمار ذي الأبراج المعروفة في هذه المنطقة. فهي قصبة تمتد عالية في الفضاء، إذ تضم أزيد من خمسة طوابق. تتميز مرافقها بالرياضات التي تتخللها الحدائق والجنان، إضافة إلى كونها كانت مركز إشعاع ديني وتعليمي، وشهدت الكثير من الأحداث. يشكل سقفها لوحة آية في الجمال بالنقش على الجبس والفسيفساء والزخرفة الأندلسية المتميزة بإبداعات الجنوب المغربي الأصيل(49).
21 - قصبة آيت عائشة:
قصبة أمازيغية معروفة (بتغرمت نايت عائشة) واحدة من أجمل القصبات في منطقة (بوتغرار) بأعالي جبال قلعة مكونة. قصبة تعلوها أبراج أربعة تمتد في العلو، مزخرفة بما يسمونه (النقش على الطوب) وهي في منحدر حافة جبل بوتغرار. يزيد عمرها على ثلاثة قرون ولكنها ما زالت تزخر بالحياة أبا عن جد يتوارثونها ويقطنونها. يمتزج جمالها المعماري بالفضاء الطبيعي الخلاب ليشكلا لوحة آية في الجمال(50).
22 - قصبة آيت سعيد:
تقع بدوار أولاد سعيد بواحة سكورة وتشكل واحدة من القصبات الجميلة، يزيد عمرها على القرنين، بني أسها بالطوب وأبراجها لاتخضع لهندسة متوازنة بينها، إذ تجد أن عرض هذا البرج لايتساوى مع عرض البرج الآخر، مع العلم أن علو كل برج في قصبات سكورة ينتهي بالضيق في الأعلى. غير أن قصبة آيت سعيد حادت عن هذا الأسلوب لتجد أن بعض الأبراج بنفس المقاس من الأسفل إلى الأعلى. وفي أخرى تعرف بعضا من الضيق ولكن دون فرق شاسع. مزخرفة بنقوش مشكلة من الطوب مع فتحات صغيرة تسمح بالإطلالة المخفية. ورغم أن وارثيها لايقطنونها حاليا إلا أنهم بنوا بشكل حديث إلى جوارها، وهو ما يضمن حراستها، إنها تحفة معمارية جميلة تنم عن ذوق عال لمن برعوا في بنائها(51).
23 - قصبة أمريديل:
تطل على شعبة وادي الحجاج بواحة سكورة تم بناؤها خلال القرن السابع عشر الميلادي من طرف السي محمد السكوري الناصري، تتميز بأبراجها المزخرفة بالطوب والمبنية من الطين والقش المحلي، يعتبرها المختصون في مجال المعمار بمنطقة درعة أجمل قصبة بواحة سكورة على الإطلاق. وكانت في عهد الاستعمار الفرنسي مقرا لتجمع المقاومين والوطنيين ومكانا لإخفاء الأسلحة والذخيرة. صورتها لا تخلوا منها كتيبات السياحة ولابعض المجلات التي تتحدث عن الجنوب المغربي كما ترتبط صورتها بورقة (الخمسين درهما)، لها جماليتها الخاصة رغم محاولات القيام بصيانتها من طرف وارثيها من أبناء الناصري إلا أنه من الضروري الاهتمام بها كتراث معماري متميز بالجنوب المغربي الذي يعرف إقبالا كبيرا من طرف السواح الأجانب(52).
24 - قصبة موحداش:
واحدة من القصبات التي شيدها الباشا الكلاوي العميل السابق للاستعمار الفرنسي، وهي تحمل اسم أحد خلفائه. تعلو الهضبة وتطل على الشريط الأخضر لواحة آيت سدرات الجبل، أبراجها تمتد في الفضاء، وتقف جدرانها شامخة لتشكل تحفة رائعة أبدعتها أيادي الصانع المغربي. يقف الزائر مشدوها أمام قصبة موحداش يتأمل أبراجها ويكتشف سحر بهائها، ما زالت صامدة تواجه عوادي الزمن(53).
25 - قصبة تيفولتوت:
على بعد ثماني كيلومترات غرب مدينة ورزازات جنوب المغرب، تطل هذه القصبة من أعلى ربوة صخرية على الوادي وواحة نخيل، كانت في الأصل ملكية لخصم قائد ورزازات، قبل أن تتحول إلى إقامة للباشا الكلاوي. وقد وجد المخرجون السينمائيون فيها محطة نموذجية لتصوير بعض الأفلام.
26 -قصبة آيت بن حدو:
تقع بدائرة أمرزكان على بعد (30) كيلمتر من مدينة ورزازات، ويؤكد بعض علماء الآثار أنها بنيت لأول مرة في عهد دولة المرابطين في القرن الحادي عشر الميلادي حيث كان يسكنها أمغار بنحدو، كان سكانها من الأمازيغ إلى جانب الحراطين (العبيد) واليهود. تبلغ مساحة القصبة الإجمالية حوالي 1300 متر مربع، ويطل على وادي أونيلا، حيث يجري نهر صغير يعرف بالواد المالح. يتوسطها مسجد بمرافقه من غرفتين وقاعة للصلاة وملحقة لطلبة القرآن الكريم، وبئر وساحة عمومية تخصص للحفلات والرقصات التقليدية، ومخازن ومرافق أخرى مر بها السلطان الحسن الأول خلال حركته الأولى سنة 1893م في طريقه إلى مراكش عبر تلوات. أصبحت في ملك عائلة الكلاوي بعدم ما تصاهر أفرادها مع سكان القصبة.
صنفتها اليونسكو ضمن التراث العالمي منذ سنة 1987م نظرا للقيمة العمرانية والتاريخية لهذه المعلمة. تشهد زيارات مكثفة لأفواج السياح الأجانب القاصدين مدينة ورزازات(54).
27 - قصبة السمارة:
وتوجد بمدينة السّمارة بالصحراء المغربية، بناها الشيخ ماء العينين سنة 1899م، واختار لها مكانا استراتيجيا هاما، فهي بعيدة عن الساحل، وشكلت مركزا عسكريا هاما بالنسبة للمجاهدين الصحراويين. وكانت تتكون من عدة بنايات بلغ عددها ثماني عشرة بناية، محاطة بسور متوسط الارتفاع. والبناء الرئيسي بها هو مكان سكنى الشيخ ماء العينين، ويضم عدة قاعات مخصصة لاستقبال الضيوف، ومكان للخدم ومستودع لخزن المواد الغذائية وقاعات مخصصة للحريم ومسجدا، وأسواق لتزويد القبائل بكل ما يحتاجون إليه من مواد غذائية، وصهريج ضخم لتخزين المياه وتجميعها، ومحطة لاستراحة أصحاب القوافل التجارية، بالإضافة إلى سجن كبير أسفل القصبة، التي كان لها خمسة أبواب تؤدي كلها إلى الداخل وهي:
باب لحْجَبْ: وتوجد بالجنوب مخصصة لدخول الجمال المحملة بالسلع.
باب الشرق: توجد بالشرق.
باب الساحل: توجد بالغرب.
باب الشمال: توجد بالشمال مخصصة لاستقبال الضيوف.
باب بالشمال الشرقي: مخصصة لدخول المصلين إلى المسجد.
وقد تعرضت القصبة لقصف الطائرات الحربية والمدفعية الفرنسية كرد فعل عنيف ضد أتباع الشيخ ماء العينين الذين قاموا بسلسلة من الهجومات ضد المراكز الفرنسية بمنطقة آدرار سنة 1913م. وتم إنقاد الباب الرئيسي الضخم للقصبة وما يزال يحتفظ برونقه، ويوجد الآن ضمن محتويات المتحف الذي أقيم داخل زاوية الشيخ ماء العينين(55).
ولا تكاد تخلو أي مدينة مغربية عتيقة سواء أكانت كبيرة أو متوسطة أو صغيرة من قصبة أو أكثر كجنس معماري مغربي أصيل تتميز بخصائص جمالية منها ما هو قائم يصارع عوادي الزمان ومنها ما أهمل ودخل عالم التهميش والنسيان، ومنها ما اندثر ولم يعد يظهر منه إلا الأطلال البادية كظاهر الوشم على اليد. والأمل في الجهات المسؤولة وطنيا ومحليا أن تعيد الاعتبار لهذا التراث الثقافي والمعماري لتستمر حلقات الأخذ والعطاء وبناء الحضارات والثقافات.
- وقد ذكر المرحوم الصديق بن العربي في كتابه «المغرب» العديد من أسماء هذه القصبات المنتشرة في جهات المغرب، كما أورد الباحث الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله في موسوعته المغربية أسماء بعض هذه القصبات نذكرها هنا تعميما للفائدة:
قصبة أكادير بناها أبو عبد الله الشيخ السعدي سنة 947هـ(56).
قصبة أكوراي يرجع عهدها إلى العصر الاسماعيلي، تقع على بعد ثلاثين كيلمتر من مدينة مكناس(57).
قصبة إيدني تقـع في الطـريق الـرابـط بين مراكش وتـرودانـت(58).
قصبة الحمام بين أزرو وخنيفرة وهي من العصر الاسماعيلي(59).
قصبة بنقاسم النكادي أحد أبطال المقاومة بتافيلالت، تقع على مقربة من الريصاني(60).
قصبة العرائش، جدد بناءها السلطان اسماعيل العلوي بعد ما حررها من الاحتلال الاسباني سنة 1101ه(61).
قصبة الشماعية بين مراكش وآسفي، كان يتعلم فيها الأمراء العلويون فنون الرماية وركوب الخيل(62).
قصبة الوليدية على شاطئ المحيط الأطلسي بين الجديدة وآسفي بنيت في عهد الوليد بن زيدان السعدي سنة 1044ه(63).
قصبة القائد برشيد التي بنيت في أواخر القرن التاسع عشر ثم تهدمت خلال حركة المقاومة في أوائل القرن العشرين، تقع جنوب الدار البيضاء وهي مدينة برشيد اليوم(64).
قصبة بن الكوش وهي مدينة بني ملال اليوم التي يرجع تاريخ بنائها إلى عهد السلطان سليمان العلوي(65).
قصبة بوفكران جنوب مكناس في الطريق المؤدية إلى الحاجب من بناء العلويين (66).قصبة تاريخية لم يبق منها إلا الأطلال.
قصبة بتحناوت في طريق أسني قرب مولاي ابراهيم(67).
قصبة بتلوين بناحية سوس، وهي قصبة تاريخية متهدمة تقع على بعد مائة كيلمتر من تارودانت(68).
قصبة بتمارة حديثة البناء، قرب مدينة الرباط(69).
قصبة القائد الكلولي بتمنار بين الصويرة وأكادير(70).
قصبة كبيرة قرب تمصلوحت بناحية مـراكـش، شبيهة بقصبات الأطلس(71).
قصبة تاريخية بدمنات(72).
قصبة طلعة يعقوب في الطريق بين مراكش وتارودانت عبر الأطلس الكبير، وتوجد على مقربة منها أطلال مدينة تينمل الموحدية(73).
قصبة مرشوش بين بنسليمان والرماني(74).
قصبة بعين اللوح، قرب أزرو وهي من العهد الاسماعيلي(75).
قصبة من العصر الاسماعيلي بعيون سيدي ملول بين مدينتي وجدة وتازة(76).
قصبة مولاي اسماعيل قرب مدينة مليلية المحتلة وهي اليوم (فرخانة)(77).
قصبة الصخيرات وقصبة بوزنيقة من بناء السلطان عبد الرحمن العلوي لتأمين الطرق(78).
قصبة العيون بنيت عام 1090ه، من طرف السلطان اسماعيل العلـوي، بين مدينة وجدة وتاوريرت(79).
قصبة النوار بفاس، بناها محمد الناصر المـوحـدي عام 600ه(80).
قصبة تاوريرت وهي من القصبات المحصنة التي شكلت نواة تاريخية للمجموعة السكنية بمدينة وارزازات، وتعتبر اليوم مكانا مهما يجتذب السياح إليه(81).
يضاف إلى ذلك العديد من القصبات في جهة تافيلالت والتي قام السلاطين العلويون بتشييدها في هذه المنطقة لإيواء بعض أبناء العائلة الشريفة واستقرارهم بالمنطقة وذلك منذ عهد السلطان اسماعيل إلى عصر السلطان عبد الرحمن بن هشام نذكر منها: قصبة مولاي المامون، وقصبة مولاي أحمد الذهبي، وقصبة مولاي المستعين، وقصبة المولى المكتفي والقصبة الاسماعيلية وقصبة مولاي الشيخ وقصبة أولاد يوسف وقصبة عمارة، وقصبة أولاد عائشة وغيرها من القصبات المنتشرة في المنطقة.
ويحتوي حوض درعة بمفرده على ما يقارب من ثلاثمائة قصبة من بين ألف قصبة تم إحصاؤها بالمغرب، ونصف هذا العدد تقريبا مهدد بالانهيار، ويمكن اعتبار ما بين (160 و 170) قصبة هي التي في حالة جيدة إلا أنها تحظى كلها بأهمية الزوار. وفضلا عن ذلك، فالنشاط السياحي قد ساعد على إعطاء سمعة عالمية للتراث المعماري لهذه القصبات من خلال الخرائط والصور والتصوير السينمائي.
لقد كانت هذه القصبات منذ عصور إحدى معالم الاستقرار السكاني بالمنطقة. ويذكر مارمول كاربخال في كتابه (افريقيا) أن السعديين كانوا يمارسون الحكم على واحات وادي درعة انطلاقا من مجموعة من القصبات المحصنة كقصبة (تامنوكالت) بمزجيطة، وقصبة (المخزن)، وقصبة (أفرا) بواحة (تينزولين) وقصبة (تامكروت) بفزواطة، وقصبة (تاكمادارت) وقصبة (تركالة) بالمحاميد وغيرها من القصبات المنتشرة على طول واحات درعه(82). وكان سلاطين الدولة السعدية وعمالهم بدرعة يحرصون على شحن هذه القصبات بالحاميات العسكرية لحماية سكانها من هجومات القبائل الصحراوية. وقد لعبت دورا مهما في تاريخ المغرب.
28 -قصبات الجنوب:
يقصد عادة بقصبات الجنوب القصور المشيدة في أماكن عالية كالتلال المجاورة لمجاري المياه، ويقصد بها أيضا المساكن الحصينة التي بنيت في المناطق القريبة من الصحراء. إلا أن الاستعمال الشائع قد وسع من مفهوم (القصبات) وصارت هذه التسمية تطلق على غالبية الهندسة المعمارية في جنوب المغرب والتي تندرج تحتها كل البنايات التي يتواجد فيها عنصر من عناصر التحصين: قرى أو مجموعة من المنازل المسورة.
ففي الأطلس نجد ما يسمى بتغمرت أي الدار المحصنة وهي دار مربعة تقوم في أركانها الأربعة أبراج وفي سورها مدخل واحد يتصل بغرفة تحاذيها ثلاث غرف أخرى في باقي الواجهات الداخلية. ويوجد عند البربر أيضا ما يسمى بالمخازن المحصنة أي إيغرم وهي عبارة عن أجنحة منفصلة تنفتح في ساحة داخلية وتقوم البناية كلها على شاهق في نقطة استراتيجية لذلك تستخدم للمؤن وكقلعة يلجأ إليها الناس عند الخطر. وأكبر منها دار أو قصر كبار القواد في الأطلسين الأكبر والأوسط، وتقام في الغالب على ضفة نهر أو هوة أو على قمة جبل وتحتوي على سكنى القائد ودور الخدم ومستودعات التموين، والساحات والحدائق والاصطبلات، والكل محاط بسور تعلوه حصون وقلاع تشرف على المدشر أو القرية الصغيرة المحاذية. وكلها تقدم ميزات مشتركة تثير الإعجاب: تكامل في الوسط الطبيعي، وتلاءم مع المتطلبات المادية والاجتماعية للتعاونيات التي تشيدها، وانسجام في التناسب، وهي معان من الوقار، وفعالية الديكور.
وتمثل الهندسة المعمارية لهذه القصبات العتيقة مميزات وخصائص معروفة عن الفن المعماري التقليدي حيث البناء بالتراب المدكوك على شكل قوالب مستطيلة الشكل في تداخل أفقي وعمودي في حين تركز على الجدار يذهب طولها أو عرضها في عرض الجدار ولا يبدو منها إلا الطرف الأصغر للقوالب العمودية(83).
إن هذه الخصائص والمميزات تبرهن على سيادة الأصالة في هذه الهندسة وعلى قيم تاريخية وفنية أيضا. وقد أشار المهندس البريطاني الشهير السير باسل سبنس الذي صمم كاتدرائية كوفنتري الجديدة وأشرف على تشييدها، وذلك بعد أن اطلع على هذه البنايات إلى أنه يوجد فني هندسي قديم يمثل هذا التصميم المدهش، فهي في نظره متقدمة عن هندسة المدن التي نعرفها في أيامنا هذه، بأشكالها وطراز ساحاتها، وانحناءاتها المستطيلة الجميلة غير المنظورة(84).
فالتناسق والتناغم الذي يمثل أجزاء هذه القصبات وصفاء المقومات التي تركز عليها، والدقة المحكمة في بناء أبراج الزاوية وجمال المنظر الذي يحيط بها تجعل من الهندسة التقليدية القديمة فنا يفرض نفسه ويوحي بالإعجاب.