اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

ملامح الثّقافة الشّعبيّة في أشعار بشّار بن برد
لا شكّ أنّ الشّعر العربي القديم قد عرف تحوّلا واضحا في العصر العبّاسي الأوّل أو شهد «هزّة» عدّها البعض &laqu...

الدلة .. السلعة والرمز التراثي
على غلاف عددنا هذا صانع بحريني يتفنن في إبداع النقش على دلة جديدة بين يديه. والدلة جمعها دلال هي الوعاء المستخدم في تحضي...

المنظمة الدولية للفن الشعبي في اجتماعات لجنة اليونسكو الحكومية الدولية بكوريا الجنوبية «4 - 9 ديسمبر 2017»
عقدت بجزيرة جيجو بكوريا الجنوبية الدورة الثانية عشرة للجنة اليونسكو الدولية الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي خلال ا...
40
Issue 40
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الأمثال والأقوال المأثورة
العدد 40 - أدب شعبي

بقلم: أ.ج.غريماص
ترجمة: عبد الحميد بورايو

في اللغة، تتميّز الأمثال والأقوال المأثورة بوضوح عن مجموع الكلام بتغيير النغمة: يكون لدينا عندئذ شعور بأنّ المتحدّث يتخلّى طوعا عن صوته متّخذا صوتا آخر لكي ينطق بمقطع من كلام ليس له، وإنما يستشهد به فقط. يبقى على علماء الصوتيات أن يوضّحوا على ماذا يقوم بالضبط هذا التغيير في النغمة. من خلال التلقّي وحده، يمكن الادّعاء بأنّ مثلا ما أو قولاً مأثورًا يظهران كعنصرين من سنن خصوصيّ، مدرج ضمن الرسائل المتبادَلة.
- إذا ما اعتبرت الأمثال والأقوال المأثورة عناصر دالّة لسنن خصوصيّ، يمكن قبول أنّها، في اختيارها في حدود لغة ما وفترة تاريخيّة معطاة، تشكّل سلاسل مكتملة. عندئذ تكون دراستها، مُدْرَكَة كوصف لنسق دلالة مغلق، ممكنة. يكفي اعتبارها جميعا كدوالّ وافتراض أنّ لها دلالة شاملة: الوصف التخطيطي والبنيويّ لصعيد الدالّ يضع في الحسبان تشكّلات مدلولها.
إضافة إلى ذلك؛ التساؤل حول الخصائص الشكلية للأمثال والأقوال المأثورة، إذا ما كانت قد بدت تعطي لأوّل وهلة العلامات الأولى حول الدلالة الشكلية لهذا السنن الخصوصي الذي نعبّر من خلاله، كما قيل منذ القديم، عن«حكمة الأمم». (بنفس الطريقة دراسة أشكال أدبية يتحقّق من خلالها «نوع» ما، يمكنها أن تضع في الحسبان الدلالة الشكلية لنوع أدبيّ). إنه هذا البحث عن الخصائص الشكلية الذي سوف تتمّ بلورته هنا.

مقاطع السلسلة النظمية، عناصر هذا السنن، يمكنها أن تُصَنَّفَ حسب أبعاد الوحدات التركيبيّة حيث تتحقّق داخلها:
1 -أبعاد الجملة المركبة:
مطرات صغيرة تتلف طرقا كبيرة.
Ce sont les petites pluies qui gâtent les grands chemins.
من يريد أن يقتل كلبه يتهمه بالسعار.
Qui veut tuer son chien, l’accuse de rage.
2 -أبعاد الجملة البسيطة proposition:
برميل السمك تفوح منه رائحة الرنكة.
(كلّ إناء بما فيه يرشح).
La caque sont toujours le hareng.
في المستحيل ليس هناك ما يُتَمَسَّكُ به
A l’impossible nul n’est tenu
3 -أبعاد الجملة البسيطة الخالية من الفعلproposition sans verbe:
إثر المطر، الطقس الجميل.
Après la pluie, le beau temps.
ضجيج عال، جار سوء.
Grand clocher, mauvais voisin.
ملاحظة1: لابدّ من استبعاد الجمل البسيطة-الردود من هذه القائمة، من صنف:
ريح الصد يدّي ما يردّ (تْهَنْيَة).
(Le) bon débarras.
لهذا السبب ولذاك.
Et pour cause A d’autre .
التي – حسب اصطلاح جاكبسون - لاتنتمي لسنن ضمن الرسالة، لكنها تحضر كرسائل داخل القصة.
ملاحظة2: لابدّ من الآن ملاحظة أن هذه التمييزات حسب أبعاد الوحدات التركيبية لا تبدو مفيدة: في الحقيقة، إنها الجملة المركّبة ذات الصياغة الثنائيّة التي تميّز جميع العناصر السيميائيّة المتوقّعة.
- في المقابل، هناك تمايز آخر، يظهر لنا مهمّا: الفصل بين جميع العناصر السيميائيّة باعتبارها عناصر لها دلالة حافّة وأخرى ليست كذلك. نقصد بالدلالة الحافّة نقل مدلول من حقل دلاليّ (أين يأخذ مكانه إلى جانب الدال) إلى آخر.
فـالأمثال هي عناصر لها دلالة حافّة. فعند القول:
أهلا يا نظّارات، وداعا يا فتيات.
Bonjours lunettes, adieu fillettes.
لا يقع المدلول في مستوى دلالة النظّارات أو الفتيات، معنى المثل يوجد هنا أين تجري الاعتبارات المتعلقة بالشباب والشيخوخة.
أمّا الأقوال المأثورة، فهي على العكس من ذلك، عناصر ليست لها دلالة حافّة؛ فلسنا في حاجة إلى البحث عن دلالة أخرى:
شيء مَوْعُودٌ به، شيء مُسْتَحَقٌّ.
(وَعْدُ الْمَرْءِ دَيْنٌ عَلَيْهِ).
Chose promise, chose due.
بعيدا عن القصـدية المباشـرة حيـث توجـد هـذه الـدلالـة.
- البحث عن المميزات الشكلية للأمثال وللأقوال المأثورة يظهر متوافقا، لأنّ المميّزات الشكليّة التي يمكن وصفها قليلا ما تلتقي جميعا في مثال واحد. هذا الأمر مع ذلك لا يدهش اللساني؛ فوجود les te (المفردة التي لا تحقّق شكليّا التضادّ: مذكّر عكس مؤنث)، أو voix (أين الفرق بين مفرد عكس جمع غير مسجّل، حتى كتابة)، لا يشكّك في المقولات الجنسية والعدديّة؛ ولا بالنسبة لمؤرّخ الفنّ: فالكاتدرائيّات المختلفة لا تتجمّع فيها أبدا جميع الملامح المميّزة للفنّ القوطي.
تتميّز الأمثال والأقوال المأثورة دائما، من وجهة نظر شكليّة، بـالطابع الموروث لبنائها النحويّ:
1 -بغياب أداة التعريف l’article:
كَلْبٌ جَيِّدٌ أَصْلُهُ صَيَّاد.
[وَلْد اَلْفَارْ حَفَّارْ].
Bon chien chasse de race.
عُشْبٌ فَاسِدٌ سَرِيعُ النَمَاء
Mauvaise herbe pousse vite.
2 -بغياب الصلة l’antécédent:
مَنْ نَامَ تَعَشَّى.
[لي فاتو الطعام يقول تعشّيت].
Qui dort dine.
من عنده امرأة، عنده حرب.
Qui femme a, guerre a.
3 -بعدم مراعاة النظام المتواضَع عليه في الكلمات:
بالظفر يعرف الأسد.
A l’ongle on connait le lion.
4 -بعض الخصائص المعجميّة الموروثة تسمح بالذات بتأريخ الأمثال أو الأقوال المأثورة:
القناعة أكثر من ثروة.
Contentement passe richesse.
لأوّل وهلة، تردّنا الملامح الموروثة للأمثال والأقوال المأثورة لعصر تكوينها. تسمح دراسة تاريخيّة متعمّقة بتأريخها تأريخا مضبوطا، توضّح أكيدا بأنّ الشكل الموروث هو ضروريّ لها، وبأنّه يمثّل أحد ملامحها الجوهريّة.
بطبيعتها اللفظيّة، باختيار صيغ وأزمنة مستعملة (مع استبعاد غيرها)، تكون الأمثال والأقوال المأثورة في صيغة:
1 -الحاضر المعيّن présent de l’indicatif:
المبالغة عدوّة الجودة.
[الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّ].
Le mieux est l’ennemi du bien.
الثعلب يعظ الدجاج.
Le renard prêche aux poules.
2 -الأمرl’impératif:
ساعد نفسك تساعدك السماء.
Aide-toi, le ciel t’aidera.
افعل ما تفكّر فيه إن عجزت عن فعل ما ترغب فيه.
Fais ce que tu penses si tu ne peux pas faire ce que tu veux.
3 - الأمر المصاغ في الحاضر المعيّن يجمع بين الإمكانيتين:
لابدّ من ربط الكيس قبل أن يمتلئ.
Il faut lier le sac avant qu’il soit plein.
عليك ألاّ توقض القطّ النائم.
[ابعد على الشرّ وغنّيلو].
Il ne faut pas réveiller le chat qui dort.
- تبدو البنية الإيقاعيّة الثنائيّة للأمثال وللأقوال المأثورة كملمح شكليّ مميّز أكثر عموميّة من أبعاد الوحدات التركيبيّة التي تتحقّق داخلها. إنّه إذن في مستوى الجمل المركّبة المنغّمة، يجب البحث عن عناصر تفسير طابعها الأصليّ.
1 -تضادّ جملتين بسيطتين propositions
إرادة المرأة...من إرادة الله
Ce que femme veut ... Dieu le veut
2 -تضادّ جملتين بسيطتين خاليتين من الفعل:
اليوم بالزهرات ... غدا بالعبرات
Aujourd’hui en fleurs ... demain en pleurs
3 -تضادّ مجموعتين من الكلمات ضمن جملة بسيطة:
بالظفر ... يُعْرَفُ الأسد
A l’ongle ... on connait le lion
ملاحظة3: تأتي القافية وكذلك السجع ليؤكّدا هذا التضادّ الثنائي:
للزّيجات وللأموات... يسعى إبليس بثبات.
Aux mariages et aux morts ... le diable fait son effort.
دوريّان على سنبلة... لن يبقيا على محبّة.
Deux moineaux sur un épi ... ne sont pas longtemps amis.
تكون البنية الإيقاعيّة الثنائيّة دائما مدعّمة باستعمال تضادّات عبى لبصعيد المعجمي، حيث يبدو القصد واضحا.
1 -تكرار الكلمات La répétition des mots
على قدر الرؤوس، على قدر الرؤى.
Autant de têtes, autant d’avis.
إرادة المرأة، من إرادة الله.
Ce que femme veut, Dieu le veut.
2 -وضع أزواج تضادّية من الكلمات في حضور نظمي:
أهلا يا نظّارات، وداعا يا فتيات.
Bonjours lunettes, adieu fillettes.
مَطْرَات صغيرة تُتْلِفُ طرقا كبيرة.
Ce sont les petites pluies qui gâtent les grands chemins.
في المسير الطويل يَثْقُلُ الْحَمْلُ القليل.
Au long aller petit fardeau pèse.
لا تدّعي هذه التلميحات القليلة استفراغ وصف الخصائص الشكلية للأمثال وللأقوال المأثورة. مع ذلك يمكنها العثور عمّا هو خاصّ بصفة كافية ويسمح، في هذه المرحلة، بصياغة بعض الملاحظات حول دلالة الشكل المثلي والقولي.
- ترجع الصياغة الموروثة للأمثال والأقوال المأثورة المتضمّنة في سلسلة الخطاب الحاليّ، فيما يظهر، إلى ماض غير محدّد، يضفي عليها نوعا من السلـطة التي تنتمـي لـ «حكمة القـدمـاء». يمثّل طابع القدم المميّز للأمثال إذن وضعا خارج الزمن للدلالات التي تحتويها؛ إنها طريقة شبيهة بـ«كان في قديم الزمان» التي تُسْتَهَلُّ بها الحكايات والخرافات، الموجّهة لموضعة الحقائق المكتشفة في القصة في زمن «الآلهة والأبطال».
- إنّ استخدام الزمن الحاضر وصيغ التعيين indicatif أو الأمر impératif، يتعارض بصفة واضحة مع ما قلناه قبل قليل، يكشف أكثر عن الوضع الشاذّ للمثل أو للقول المأثور في الخطاب. فالحاضر المستعمل هنا يصبح الزمن اللّاتاريخي الخالص الذي يساعد على تلفّظ حقائق مطلقة، تحت شكل استنتاجات بسيطة. ويضمن الأمر بدوره، عن طريق تأسيس قواعد للسلوك خارج الزمن، دوام قانون أخلاقيّ لا يتغيّر.
- إننا، في الوضع الراهن للأبحاث حول الجمل المركّبة المنغّمة، لا نقدّم سوى فرضيّات تمسّ دلالة البنيات الثنائيّة. يبدو مع ذلك دالاًّ أنّ الجملة المركّبة، لمّا تُدْرَكُ في الشكل النغمي الثنائي، تظهر كبنية واضحة ومغلقة في نفس الوقت. لابدّ من انتظار نتائج الأبحاث حول التضادّ ما بين البنيات الثنائيّة التي تميّز الكتابة التقليديّة، والإيقاعات الثلاثيّة للرومنسيّين، لكي يمكن اعتبارها كدوالّ (في أنساقنا الرمزيّة، في تمثيلاتنا أو في طموحاتنا) لعالم مكتمل، متوازن، هانئ.
- يستسلم الانسياب «الأسلوبي» للعناصر المعجميّة المكوّنة للأمثال وللأقوال المأثورة بسهولة كبيرة للتأويل.
إنّ تكرار نفس العنصر المعجميّ في طرفي البنية المثليّة والقوليّة من صنف:
على قدر الرؤوس، على قدر الرؤى
Autant de têtes, autant d’avis
بعيدٌ عن العين، بعيدٌ عن القلب
Loin des yeux, loin du cœur
يسمح بإقامة علاقة مُتَبَادَلَة ما بين المقطعين كما هما متمفصلين: هذا التقارب للأشياء وللسلوكات المتشابهة يميل نحو تكوين أقسام كبرى من العلاقات الْمُتَبَادَلَة ويُعِينُ بصفة ملحوظة على ترتيب العالَم الأخلاقيّ الذي ينبثق عنه مجتمعٌ ما.
إنّ تحقيق أزواج تضادّيّة، على الصعيد النظمي، والتي هي منتظمة تحديدا مثل:
اليوم زهرات، وغدا عبرات
Aujourd’hui en fleurs, demain en pleurs
في إنتاجها لتضادّات جديدة من صنف: زهرات عكس عبرات، تتوسّل بالطريقة الوحيدة غير التركيبيّة الممكنة –التتابع- من أجل توضيح علاقات السببيّة، التحديد، التبعيّة، جاعلة إيّاها مشاركة في «طبيعة الأشياء»، لأنها تنتمي لنسق وليس لسلوكات فرديّة.
يمكن لدراسة العلاقات المتبادلة وأزواج التضادّات القابلة للتنضيد فيما بينها، أن تسمح بإقامة موضوعاتيّة وبنية نسق الدلالات المغلق الذي يكوّن مجموع الأمثال والأقوال المأثورة لجماعة لغويّة في فترة تاريخيّة معيّنة.
- إنّ التفسيرات القليلة السابقة موجّهة للتسليم بوجود حقل دلاليّ مستقلّ، مؤكّدة الطبيعة الشكلية الذاتيّة لعناصر سيميائيّة تُدْعَى عادة في الأدبيّات الكلاسيكيّة أمثالا وأقوالا مأثورة.
نحن مقتنعون بأنّ الوصف المنهجيّ للأمثال وللأقوال المأثورة، المهمّ في حدّ ذاته، يستطيع أن يقترح عناصر لتفسير مسائل الأسلوبيّة، ويُعِين، عن طريق القائمة المستفرغة للعلاقات المتبادلة والأزواج التضادّية التي يُعْثَرُ عليها في الأمثال، على دراسة رمزيات أخرى: رمزيات الأساطير، الأحلام، الفولكلور.