اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الثقافة الشعبيّة والثقافة العالمة بـين المعنى والمصطلح مقاربة اثنوموسيقولوجيّة حول الأغنية الشعبيّة
لاشك أن دراسة الثقافة الشعبية لبعض المجتمعات، تعد من الأمور بالغة الأهمية في الكشف عن مستويات التفكير وطرائق التعبير عن ...

مارسيل أولبرنـت الرحيل المفاجىء .. بصمت وهدوء
استرعى انتباهي للمرة الأولى وقوفه جانباً من قاعة اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة الدولية للفن الشعبي بمدينة براغ التشيكي...

الأصول المعجمية لبعض التّعبيرات الأجنبيّة ذات الصّبغة التّراثـيّة في اللهجَة البَحريـنيّة مقاربة لظاهرة الاقتراض اللغويّ في العاميّة البحرينة (الجزء الثاني)
تناولت دراسة "الأصول المعجمية لبعض التّعبيرات الأجنبيّة ذات الصّبغة التّراثيّة في اللهجَة البَحرينيّة" في جزئها الأول تأ...
39
Issue 39
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
عصرنـة العمل الحرفي التقليدي: رصد بعض مظاهر التغير
العدد 39 - ثقافة مادية

د.يوسف بواتاون - كاتب من المغرب

تمثل دراسة الحرف التقليدية أحد أبرز المواضيع التي لقيت اهتماما عميقا وعريقا في حقل التراث الشعبي، السوسيولوجيا وكذا علم الاجتماع، باعتبارها من المواضيع ذات الأبعاد الثقافية والاجتماعية والحضارية والتاريخية والاقتصادية، التي شكلت ولا زالت تشكل قاعدة أساسية للبحث داخل مختلف الحقول المعرفية التي تهتم بدراسة الحرف التقليدية كتنظيم اجتماعي وثقافي، يعبر عن عادات، تقاليد، معتقدات، أعراف، وباقي المظاهر السوسيو-ثقافية التي تمكن من فهم نمط عيش وحياة الجماعة الحرفية.
لذلك، حاولت من خلال هذا المقال، دق ناقوس الخطر الذي يهدد استمرارية هذا التراث الحرفي التقليدي كفضاء للإنتاج والعمل، لإبراز هوية الحرفي وتحقيق ذاته، لإنتاج القيم والمعايير الحرفية، وكفضاء أيضا لفهم عادات ومعتقدات وتقاليد الحرفة...، من خلال دراسة التغيرات التي تشهدها مختلف الحرف التقليدية بالمغرب خاصة حرفة النحاس بمدينة فاس المغربية.
وتجدر الإشارة إلى أنني استعملت في هذا المقال مصطلح الحرف التقليدية بدلا من مصطلح الصناعة التقليدية، على اعتبار أن مفهوم الحرف والحرفة هو الذي كان سائدا في أسلوب الإنتاج ما قبل الكولونيالي (الاستعماري)، حيث كانت حرفة النحاس وغيرها من الحرف المنتشرة داخل المدينة العتيقة لفاس، تغطي مجموعة من الاحتياجات الضرورية للمجتمع، كما ساهمت في "تحقيق نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي داخل هذا المجتمع". أما في المرحلة الكولونيالية فقد أصبح مفهوم الحرف التقليدية يطلق عليه اسم الصناعة التقليدية (Artisanat). ولعل تسمية الحرف التقليدية بـ (Artisanat) المشتقة من(Art) فن، فيه كثير من التجني على منتوجاتها بحيث لم تعد كما هي في سالف عصرها، تستعمل للاستخدام اليومي، بل لقد مورس عليها ما عمل الأجانب على اعتباره من قبيل التحف المنزلية أو آثار الأمم، "وأضحى استعمالها في خبر كان وصرنا نحن أيضا نتأسى بنظرتهم إلى هذه الصناعات اليدوية على أنها من قبيل التراث ولا نعتبرها مجالا حيا ينتج لنا ما نستخدمه في حياتنا اليومية" (الرايص، 2007 : 48).
لقد تواجدت حرفة النحاس بمدينة فاس منذ القديم، وكانت الأدوات المصنوعة بفاس من النحاس تصدر إلى الخارج كالبرتغال وبريطانيا وغيرهما. أما بالنسبة للمبادلات في النحاس بالمدينة فكانت تتم في سوقين: سوق السكاكة حيث يباع النحاس الجديد، وهو سوق يومي، أما الوحدة المباعة فيه فهي المثقال؛ ثم سوق الصفارين وهو " سوق يباع فيه النحاس الجديد والقديم ويقام مرة في كل أسبوع" (مزين، 1986 : 520).
لذلك، مثلت صناعة النحاس مصدر افتخار لأهل فاس، إذ كانت تأتي بعد صناعة النسيج، وقد كان حرفيو النحاس يبدأون عمليات التصنيع بتفصيل صفائح النحاس إلى قطع بواسطة الأمقاص وفق الأبعاد المطلوبة، ثم الضرب عليها بالمطارق قصد تطويعها خاصة إذا كانت سميكة. لذلك، ميز التعدد أشغال النحاسين، وهو ما تطلب تعدد تخصصات الحرفيين ومساعديهم، التي شملت النقش والخرط والتلحيم والتلميع، فضلا عن "تطويع المعدن بالضرب بالمطارق الذي كان يخص الأواني ذات الحجم الكبير كالمستعملة في الطبخ على النار" (الخلابي، 2008 : 129).
على هذا الأساس، يهدف هذا المقال الحالي إلى دراسة ورصد مختلف مظاهر التغير الذي مس نظام العمل التقليدي بحرفة النحاس، والوقوف عند أهم الانعكاسات السوسيو-اقتصادية والمجالية التي أدت إلى عصرنة العمل الحرفي التقليدي وأفقدت حرفة النحاس تلك الخصوصيات التقليدية. فحرفة النحاس كما سنؤكد من خلال تحليل المعطيات الميدانية، لم تتمكن من الصمود في وجه باقي المنتجات الأجنبية المستوردة والمتميزة برخص ثمنها وجودتها، كما غزت الحرفة مفاهيم رأسمالية مثل حرية الإنتاج، ومبادئ مثل الحصول على الربح بأيسر الطرق وبأقل وقت وأقل تكلفة، حيث لجأ مجموعة من حرفيي النحاس إلى شراء الآلات الحديثة وإدخالها في دورة الإنتاج، واستغنوا بذلك عن أدوات الإنتاج التقليدية، مما دفع بنا إلى دراسة مختلف مظاهر التغير التي مست النظم التقليدية لتنظيم حرفة النحاس ومحاولة فهم أسبابها ومشكلاتها التي تعيق العمل الحرفي التقليدي.
فما هي مظاهر التغير التي مست الخصوصيات السوسيو- ثقافية لحرفة النحاس؟ ما هي أسباب هذا التغير؟ كيف أثرت التغيرات السوسيو- مجـالـية عـلى النـظـم التـقلـيدية للحرفة وما هـي انعكاساتها؟ مـا هـي تصورات الحرفيـين حول هذه التغيرات؟

خصوصيات حرفة النحاس
رصد بعض مظاهر التغير
مفهوم التغير: محاولة تحديد:
يعتبر موضوع التغير الاجتماعي من أهم الموضوعات التي شغلت علماء الاجتماع، ويستدل على ذلك من كثرة التعاريف التي وضعها الباحثون لهذا المفهوم، بالإضافة إلى تعدد النظريات السوسيولوجية التي تحاول تفسير أسباب التغير الاجتماعي (لطفي، د.ت.:151).
لذلك، من الصعب كما يرى عالم الاجتماع "أنتوني غيدنز"(1) إيجاد تعريف موحد وشامل للتغير الاجتماعي، لأن كل شيء في حياتنا عرضة للتغير المستمر، وعلى حد تعبير الفيلسوف اليوناني القديم "هيرقليطس"، فإن المرء لا يستحم في النهر مرتين، ورغم دقة هذه الملاحظة وصدقها الواقعي، فإننا نميل في العادة إلى إسباغ طابع الثبات والديمومة، ولو لفترات محددة، على أنفسنا وعلى ما حولنا. ورغم ما يحدث من وجوه التغير، سواء أكانت طفيفة أم كبيرة، فإننا "نظل نعتقد أن للنهر شكلا ثابتا، وأن للإنسان ولشخصيته ملامح تبقى على حالها من دون تغير"(غيدنز، د.ت.: 105).
لكن عموما، ينظر للتغير الاجتماعي على أنه كل تبدل للبنية الاجتماعية، وهو تبدل قابل للملاحظة على مدى زمني معين، حيث يطال بشكل مستمر، البنية الاجتماعية أو وظائف التنظيم الاجتماعي لجماعة ما (الجماعة الحرفية)، كما أنه يساهم في تغيير مجرى هاته الأخيرة، وهو بذلك يمس مختلف البنيات والمؤسسات الاجتماعية، ويأخذ سمات متنوعة اجتماعية، اقتصادية وثقافية، ويتحدد التغير الاجتماعي من خلال العناصر المتحكمة فيه والشروط التي أوجدته (عبد الخلقي، 2005: 30).
التغير الاجتماعي إذن، يعني كل ما يحدث في المجتمع من تحولات في نظمه ومؤسساته وثقافته وعاداته وأعرافه عبر الزمان، من مرحلة إلى مرحلة ومن جيل إلى جيل.
على هذا الأساس، جرى تفسير التغير من زاويتين افتراضيتين مختلفتين: "الأولى زاوية القائلين بأن مجمل المجتمعات تتوجه نحو حالة مثالية أفضـل، والثـانية زاوية القائلين بأن التغير هو تراجع ونكوص"(خليل، 1984: 74).
إن حقيقة التغير شغلت عقول كثير من المفكرين، ولاتزال تثير عددا كبيرا من التساؤلات التي لم يجد لها علماء الاجتماع حتى الآن إجابات شافية. ومن أمثلة هذه التساؤلات نذكر: ما هو الاتجاه الذي يسير فيه التغير الاجتماعي؟ هل يتجه نحو هدف معين؟ ما هو الشكل أو الأشكال التي يتشكل بها التغير الاجتماعي؟ هل التغير في عصرنا الحاضر أسرع مما كان عليه في الماضي؟ هل سيكون التغير في المستقبل أكثر سرعة مما هو عليه الآن؟ ما هو مصدر التغير الاجتماعي؟ وأخيرا، ما الذي يجب عمله لضبط عملية التغير والتحكم فيها؟ (لطفي، د.ت.: 74).
هذه هي بعض التساؤلات المحيرة التي يثيرها موضوع التغير الاجتماعي؛ هي محيرة ليس فقط لصعوبة الإجابة عليها، بل لما لها من صلة وثيقة بمصير الإنسانية. فالتغير الاجتماعي معناه التغير الإنساني، وكل تغير في المجتمع ينعكس أثره على الإنسان بالضرورة، من ثم يجب الاهتمام "بدراسة موضوع التغير الاجتماعي، مع التركيز بصفة خاصة على محاولة التعرف على أهم مصادر هذا التغير" (لطفي، د.ت.:153).
لكن في الحقيقة، إمكانية التعرف على مصادر التغير الاجتماعي، وإيجاد تصنيف موحد لعوامل التغير الاجتماعي في ظل هذا التشعب النظري لعلم الاجتماع، لهو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، فعملية تصنيف وتحديد عوامل التغير هي بحد ذاتها جزء من عملية التنظير، وهي بالتالي لا بد وأن تتأثر "بالخلفيات الاجتماعية والإيديولوجية للكاتب"(الزعبي، 1991 : 73).
فقد ذهب "هيغل" ثم "ماركس" إلى القول بأن التغير هو نتيجة للتناقضات، وذهب آخرون مثل "روبرت نيسبت"(2) إلى اعتباره نتاجا رئيسيا لأسباب خارجية؛ أما "إيميل دوركهايم" فكان يعتقد أنه يمكن تفسير التغير الاجتماعي بالرجوع إلى العامل الديموغرافي، وكان يؤكد في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعي" على أن "الانتقال من التضامن العضوي الذي يميز المجتمع الحديث، رهين بعامل أساسي هو التزايد السكاني في المجتمع" (امعمري، 2010 : 99).
كما يرى "تالكوت بارسونز" في عملية التصنيع التي عرفها المجتمع الغربي من جهة، وشكل الأسرة النووية من جهة أخرى، عاملين أساسيين في حدوث تغير ملموس داخل المجتمع. ولكي تكون أفكار "بارسونز" حول التغير منسجمة مع نظريته البنيوية - الوظيفية، كان هذا الأخير يدعو، من جهة أخرى، إلى "التمييز بين نوعين من التغير الاجتماعي: التغير البنيوي (Changement Structurel) كتغير يشمل (البنية الاجتماعية(3) بكاملها، والتغير في التوازن (Changement d’équilibre) كتغير يحدث داخل البنية دون تغيرها تغيرا جذريا" (امعمري، 2010 : 100).
يضاف إلى "بارسونز"(4) أن البعض اتخذوا من بعض العوامل الاجتماعية أسبابا محددة للتغير. "فمونتيسكيو"(5) يرى بأن نمو التجارة الدولية هو سبب التغير، واعتبره "ماركس" نتيجة للتنظيم الاقتصادي للمجتمعات، وهو حسب "أوغست كونت"(6) ناتج عن التطور العلمي والتقني، أما "فوستيل دي كولانج"(7)فيعزو التغير إلى الدين بدرجة أولى (خليل، 1984 : 74).
عموما، كانت هذه محاولة لتحديد مفهوم التغير وأهم العوامل والمصادر المتحكمة فيه، باعتباره من المواضيع المهمة والصعبة التي يهتم بدراستها علم الاجتماع، لننتقل في المحور التالي إلى رصد بعض مظاهر التغير الذي مس الخصوصيات التقليدية لنظام العمل بحرفة النحاس.
النظام التقليدي لحرفة النحاس: مظاهر التغير:
يتميز تنظيم العمل بحرفة النحاس بخصوصياته التقليدية التي تميزه، والتي تتشكل من ثوابته التاريخية والثقافية المتوارثة من جيل إلى جيل. لكن رغم هذه الخصوصيات يجد هذا التنظيم الحرفي نفسه مرغما على اقتحام فضاء ثقافة مخالفة ومتباينة، ويتعرض ضمن جوانب حياته التقليدية لوطأة التعديلات والتغيرات الناتجة من تبني أساليب الحياة الحديثة، ومن التوسع في استخدام وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، ومن تغير البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع وفقا لضرورات التحضر والتحديث.
لذلك، فدراسة التغير الذي مس الخصوصيات التقليدية للتنظيم الحرفي يساعد بلا شك في إثراء فهمنا للثقافة الحرفية وتفاعلاتها المختلفة في ظل عالم متغير.
في ذات السياق، عندما كنا نطلب من بعض الحرفيين (عينة الدراسة) تحديد بعض مظاهر التغير داخل حرفة النحاس، كانت أجوبتهم تأتي دائما مختلفة، ويحيلونني على "الحرفيين المعلمين" كبار السن، باعتبارهم أقدر الناس على وصف التغيرات التي عرفتها الحرفة. الملاحظ من خلال بعض المقابلات التي أجريتها مع بعض معلمي الحرفة، أن أهم التغيرات التي عرفتها حرفة النحاس: تغير العلاقات الاجتماعية داخل التنظيم الحرفي، خاصة علاقة المعلم/المتعلم؛ هذا ما أكده أحد الحرفيين قائلا: "العلاقة ما بين المعلم والمتعلم تغيرت ولم تعد كالسابق، حيث كان الاحترام والطاعة وتقبل النصيحة هو السائد...، أصلا المتعلم لم يعد موجودا في الحرفة، لأن الحرفة تشعر شباب هذا الجيل بالملل ولا توفر لهم متطلباتهم الكبيرة، ولم تعد لهم القدرة على الصبر وتعلم الصنعة، والمتعلم في هذا الوقت لن يتحمل معلم الحرفة ويصبر على توبيخاته وأوامره وطرقه التقليدية في تعليم الحرفة وأسرارها"(8).
معنى هذا القول، أن المتعلم لم يعد موجودا بحرفة النحاس نتيجة عوامل عدة ومختلفة، أهمها عدم الرغبة في امتهان الحرف التقليدية وعدم القدرة على الصبر أثناء العمل الحرفي، حيث أصبح جيل الحرفيين الصاعد ينظر للحرفة على أنها مهنة لا تواكب التطورات وتحديات العصر الحديث؛ وبسبب كذلك فقدان الحرفة بعضا من خصوصياتها التقليدية التي تنظم العمل الحرفي من قبيل خاصية الولاء واحترام معلم الحرفة، وغيرها من الخصوصيات التي فقدت طابعها التقليدي تدريجيا أمام تنامي مجموعة من المؤثرات الخارجية (العولمة، المنافسة الأجنبية...) التي تهدد النظم التقليدية للعمل الحرفي التقليدي بقطاع النحاس.
لقد تغيرت مفاهيم الطاعة (طاعة معلم الحرفة) والتضامن والجماعة الحرفية...، وتغيرت معها مختلف العادات والتقاليد الحرفية، إذ لم يعد ذلك التضامن بين حرفيي النحاس موجودا كما كان في السابق، كما تغير الطلب على منتجات الحرفة وتغير الذوق التقليدي للمستهلك، مما دفع بالحرفيين إلى ضرورة مواكبة التغيرات التي شهدها المجتمع المغربي، وأصبحت مضطرة إلى استخدام آلات حديثة في عملية الإنتاج الأجنبية المستوردة، والمتميزة بجودتها ورخص ثمنها، ومسايرتها للعصر والنمو الديموغرافي (بوعسرية، 1996 : 55).
من خلال المقابلات الميدانية والاستماع إلى أجوبة الحرفيين، تبين أن حرفة النحاس غزتها مفاهيم رأسمالية مثل الحرية في الإنتاج، ومبادئ أخرى مثل الحصول على الربح بأيسر السبل وفي أقل وقت وجهد، فأصبحت المنتجات الحرفية كما يقول المعلم "أحمد"(9): "يكتنفها الغش والرداءة في الصنع، فانعدم بذلك الشرف المهني في عملية التصنيع الذي كان يعتبر من أهم الأعراف التي توارثتها حرفة النحاس جيلا بعد جيل، وهذا قد ينعكس سلبا على مستقبل الحرفة ويؤدي إلى انحطاطها وتراجع الطلب على منتجاتها"(10).
لقد اختلف الحرفيون حول أسباب هذه التغيرات التي أدت إلى عصرنة العمل الحرفي التقليدي وفقدانه لخصوصياته التاريخية وأعرافه المتوارثة، لكن يبقى تأثير العولمة من أهم الأسباب التي تم الحديث عنها في أغلب المقابلات الميدانية، والتي انعكست سلبا على ذوق المستهلك، وعلى مهارة وإبداع الحرفي، الذي لم يعد يقبل بالعادات والتقاليد الحرفية، وأصبح هدفه الرئيسي، ليس الحفاظ على التنظيم التقليدي للحرفة، بل تحقيق الربح بأقل تكلفة وفي أسرع وقت ممكن، دون أي مراعاة للجودة والإتقان والإبداع في التصنيع، وهذا ما أكده أحد الحرفيين المستجوبين بقوله: "إن هذا الزمان ليس كزماننا القديم، لقد كثرت المصاريف ونعاني من غلاء المعيشة والأسعار، والحرفة لم تعد تلبي الحاجيات المادية التي تتماشى مع هذا العصر لأن مدخولها المادي محدود، مما دفع مجموعة من الصناع إلى اعتماد أساليب وتقنيات حديثة تضمن السرعة في الإنتاج والربح السريع، أما العادات والتقاليد وأساليب الإنتاج التقليدي، فإنها لن تستطيع أن تواجه المنافسة الأجنبية الحادة والسريعة، كما أن الذوق المغربي تغير، حيث لم يعد المستهلك يبحث عن منتجات نحاسية ذات الصنع التقليدي واليدوي، بل أصبح يبحث فقط عن المنتجات الأجنبية ذات السعر الرخيص وبدون جودة ولمسة حرفية تقليدية"(11).
يفهم من هذا القول، أن انعكاسات العولمة أثرت سلبا على البنية الرمزية للعمل الحرفي، خاصة عاداته وتقاليده وقيمه وكذا منتوجاته الثقافية. فقد أحدثت العولمة تغييرات جذرية في المواقع والمواقف وفي الاختيارات، وفرضت نمطا أحاديا من الأعراف والمبادئ، كما أحدثت تحولات عميقة في الأذواق والأساليب والممارسات، وفككت ما أسماه "بورديو" بــ "مصرف رؤوس الأموال الرمزية" و"أساليب العيش" "Habitus" (الهروي، 2004 : 61).
فبسبب العولمة، تفككت روابط العمل الحرفي التقليدي، وتقنن المشترك الاجتماعي الحرفي المتمثل في الجماعة الحرفية، وتحللت بذلك قيم التآزر وأشكال التضامن الميكانيكي والتعاون، وسادت الفردانية والغش وبعض القيم والسلوكيات التي جردت حرفة النحاس من خصوصياتها التقليدية المتميزة.
فمن خلال الملاحظة المباشرة لسلوكيات الحرفيين أثناء العمل الحرفي، ومن خلال كذلك بعض المقابلات مع معلمي حرفة النحاس، تبين أن المعايير الحرفية من تقاليد وعادات وأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك الحرفي، التي كانت تتميز في السابق بالضرورة والتلقائية والإلزامية، أصبحت اليوم تتميز بالنسبي والجزئي والاختياري، بسبب القيم الجديدة التي غزت التنظيم الحرفي، وغزت كذلك الأسر الحرفية عن طريق وسائل الاتصال والتواصل، حيث لحقها تغير كبير مثل قيم التعاون والتضامن بين أفراد حرفة النحاس، كما حدث كذلك تغير في المشاعر الجماعية الموحدة والموقف الجمعي الصادر عن روح الجماعة الحرفية.
تأكيدا لما سبق، سأحاول في المبحث الثاني رصد أهم الأسباب التي أدت إلى تغير النظام التقليدي لحرفة النحاس، خاصة الانعكسات السوسيو – اقتصادية والمجالية ونتائجها السلبية التي أدت إلى عصرنة العمل الحرفي بقطاع النحاس.

الانعكاسات السوسيو–اقتصادية والمجالية لعصرنة العمل الحرفي التقليدي
الانعكاسات السوسيو- اقتصادية:
تعتبر العصرنة "استراتيجية خاصة بالتكيف مع الظرفية الاقتصادية العالمية والمتمثلة في التحرير والعولمة والتخلص من بعض البنيات الإنتاجية التقليدية ذات الإنتاج الضعيف والتكلفة المرتفعة" (اعميرة، 2007 : 48).
على هذا الأساس، المقصود بعصرنة العمل الحرفي التقليدي، استعمال وسائل إنتاج عصرية وإدخال تقنيات جديدة من آلات ميكانيكية ومواد كيماوية، مما ساهم في فقدان الطابع التقليدي الذي يتميز به تنظيم العمل الحرفي، وتراجعت بشكل كبير مبيعات المنتجات النحاسية، وذلك بدءا منذ حوالي منتصف القرن 19م، عندما انهزم المغرب في معركتي إيسلي وتطوان، حيث اضطر لتوقيع مجموعة من الاتفاقيات التجارية مع بعض الدول الأوروبية خاصة تلك التي كانت لها أطماع استعمارية في المغرب ( إسبانيا، فرنسا...)، حيث "فتحت بنود هذه الاتفاقيات الاقتصادية البلاد على مصراعيها في وجه التجارة الدولية العصرية وقتذاك"(اعميرة، 2007: 47)، مما انعكس سلبا على التنظيم الداخلي لحرفة النحاس ذات الطابع التقليدي، وأصبح الحرفي أكثر تأثيرا بالتجهيز التقني العصري، ووضع بين نارين: إما الإنتاج السريع والمربح (العصرنة)، أو الإنتاج القليل والدخل الضعيف (الإنتاج التقليدي اليدوي).
هذا ما أكدته إحدى المقابلات مع أحد الحرفيين الذي صرح قائلا: "نحن في حرفة النحاس أصبحنا مطالبين بالاعتماد على بعض التقنيات الحديثة لنواكب تطورات السوق الحرفية ولنلبي بسرعة طلبات الزبائن، وهذا فيه إيجابية كبيرة من حيث السرعة في الإنتاج وقلة تكلفة التصنيع، أما الإنتاج التقليدي فلم تعد له أهمية كبيرة في ظل هذه التطورات والتغيرات التي يشهدها العالم، لأن الذوق الآن أصبح يتركز على رخاء المنتوج. أما المنتوج ذو الإنتاج التقليدي فهو يتميز بغلاء السعر ويأخذ وقتا طويلا في التصنيع، لذلك قل عليه الطلب، وأصبحنا ملزمين بمواكبة التغيرات الحاصلة لنضمن لقمة العيش"(12).
يتبين من خلال هذه الشهادة، أن أوضاع الصناعة التقليدية وحرفيي النحاس خاصة، دخلوا في دوامة رأسملة المجتمع، وتغير الأنماط الاستهلاكية والثقافية لكثير من السكان، وكان هذا من أهم الأسباب التي حتمت على قطاع النحاس بداية العصرنة والتحول.
في هذا السياق، تفاقمت مجموعة من النتائج السلبية وراء عصرنة العمل بحرفة النحاس، حيث نجد أن استعمال الآلة والتقنيات الحديثة قد حل محل عدد كبير من المعلمين والمتعلمين، الشيء الذي ساهم في تضخم عدد العاطلين الحرفيين، وبهذا يصبح الصانع المتضرر مستهدفا في مهاراته وابتكاراته، بل مستهدفا في عيشه ومستقبل أسرته، حيث يقول أحد الحرفيين في هذا السياق: "لقد أصبح عملي الفني وابتكاراتي في حرفة النحاس مهددة بالضياع أمام هذه الآلات الحديثة التي حلت محل العديد من "الحرفيين المتخصصين في النقش" بحرفة النحاس، وبالتالي مصدر الرزق أصبح في خطر، وأصبح مستقبل الأسرة والأبناء كذلك في خطر..."(13).
هذه النتائج مجتمعة تساهم في القضاء على الحس الفني والإرث الأصيل رمز حرفة النحاس منذ القدم، وهذا في حد ذاته مس بالتراث الأصيل وإن لم تمسه في جوهره فإنها مسته في جودته، نتيجة "تدهور نسبي في جودة المنتوجات التي تساهم الآلة في صناعتها مقارنة بما كانت عليه من قبل" (عميرة، 2007: 48).
رغم هذه النتائج السلبية للانعكاسات السوسيو- اقتصادية على حرفة النحاس، فهناك فئة من الحرفيين المستجوبين ممن يتفقون مع عصرنة العمل الحرفي ومواكبة التطورات الراهنة، فهم يرون بأن عصرنة حرفة النحاس تعني الزيادة في الإنتاج والتخفيف من كلفته، ووسيلة لمسايرة التنافسية الخارجية وذلك بإنتاج كمية كبيرة لتلبية الطلب والاستجابة لرغبات وطلبات المستهلك؛ هذا ما أكده أحد الحرفيين معبرا عن رأيه في إحدى المقابلات حول عصرنة العمل بحرفة النحاس قائلا: "لابد في هذا العصر المتطور أن نتخلى عن الإنتاج التقليدي ونستعمل أدوات وآلات وتقنيات حديثة في الإنتاج والتصنيع، لما لها من دور في إنتاج وصنع المنتجات النحاسية بأقل تكلفة وفي أسرع وقت ممكن"(14).
هذه كانت أهم الانعكاسات السوسيو- اقتصادية ونتائجها الإيجابية والسلبية وراء عصرنة العمل بحرفة النحاس، لننتقل بعد ذلك إلى رصد أهم الانعكاسات المجالية على الحرفة.
الانعكاسات المجالية:
عرف تنظيم العمل الحرفي بقطاع النحاس تغيرا مهما على المستوى المجالي، حيث انتقلت الحرفة من الورشات التقليدية التي كانت متواجدة بالمدينة العتيقة لفاس، إلى حي الصناعة التقليدية بعين النقبي، الذي أعطى انطلاقته صاحب الجلالة الملك محمد السادس ليدعم بذلك البنيات التحتية الإنتاجية في قطاع الصناعة التقليدية على مستوى مدينة فاس، وكذا للمساهمة في "إنقاذ المدينة العتيقة وإخراج الأنشطة الملوثة، هذا فضلا عما سيترتب عن ذلك من ارتفاع في وتيرة الاستثمار والتشغيل بالقطاع وتحسين ظروف عمل الصناع"(15).
فكميات السلع والموارد الأولية التي تتطلبها حرفة النحاس، وكذلك البنيات والآلات العصرية وحجمها وكتلتها وعدم ملائمتها مع البنيات التقـليـدية للبناء العتيق وظروف تنقلها، جعـل مـن الضرورة بأن تنتقل وحدات حرفة النحـاس إلى الحي الصناعي الجديد؛ إلا أن هذا الانتقال لم تجد معه حرفة النحاس المناخ العام المحيط بعملية الإنتاج ملائما لنشاطها بالمدينة العتيقة.
في هذا السياق، تحدث لنا المعلم "أحمد" عن إيجابيات وسلبيات مشروع الحي الصناعي "عين النقبي"، حيث قال في إحدى المقابلات: «إن مشروع حي الصناعة التقليدية له مجموعة من الإيجابيات تخص حرفة النحاس، حيث سيستفيد الحرفيون من أماكن وورشات عصرية تساعد على العمل وتوفر لهم الأمن الذي أصبح مفقودا تحت البنيات التقليدية للمدن العتيقة المهددة في أي وقت بالسقوط. لكن من سلبيات هذا الحي الجديد، هو أن حرفة النحاس مرتبطة بصناع آخرين يتواجدون بالمدينة العتيقة، وبالتالي عملية الإنتاج والتصنيع لن تكتمل بدون هؤلاء الصناع البعيدين عن الحي الصناعي، مما قد يطرح مجموعة من الصعوبات تهم عملية التصنيع..."(16).

خــلاصـــة
لقد حاولنا من خلال هذا المقال، رصد مختلف مظاهر التغير الذي مس نظام العمل التقليدي بحرفة النحاس، كما حاولنا الوقوف عند أهم الانعكاسات السوسيو - اقتصادية والمجالية التي أدت إلى عصرنة العمل الحرفي التقليدي وأفقدت حرفة النحاس خصوصياتها وطابعها التقليديين، حيث لم تتمكن الحرفة من الصمود في وجه باقي المنتجات الأجنبية المستوردة والمتميزة برخص ثمنها وجودتها. وقد أبانت الدراسة الميدانية المتعلقة بهذا المقال، أن حرفة النحاس غزتها مفاهيم رأسمالية مثل حرية الإنتاج، ومبادئ جديدة مثل الحصول على الربح بأيسر الطرق وبأقل وقت وأقل تكلفة، حيث لجأ مجموعة من حرفيي النحاس إلى شراء الآلات الحديثة وإدخالها في دورة الإنتاج، واستغنوا عن أدوات الإنتاج التقليدية، مما دفع بنا إلى دراسة مختلف مظاهر التغير التي مست النظم التقليدية لتنظيم حرفة النحاس ومحاولة فهم أسبابها ومشكلاتها التي تعيق العمل الحرفي التقليدي.
هذه إذن أهم التغيرات التي طالت حرفة النحاس، فمتطلبات التجديد والمكننة حتمت عليها هذا المصير، مما أدى إلى فقدانها للطابع التقليدي ولخصوصياتها الثقافية والاجتماعية المتوارثة. فالتحولات والتغيرات العميقة التي يشهدها العالم بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، باعتباره "مجتمعا انتقاليا يشهد خلخلة في بناه التقليدية ببروز مظاهر تحديثية على كافة المستويات" (أعراب، 2002: 183) ؛ كل هذه التحولات جعلت من حرفة النحاس مدعوة بكل إلحاح للملائمة والتأقلم ومواكبة متطلبات العصر الحالي، بمعنى آخر، يجب على حرفة النحاس أن لا تنغلق على نفسها و تصبح مستودعا شاهدا على أعراف وخصوصيات العصور الغابرة، بل هي مدعوة لضمان تعايش ذكي من خلال اعتمادها على المزاوجة بين "نزعة التأصيل ونزعة المعاصرة" (عميرة، 2007: 51).