اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الثقافة الشعبيّة والثقافة العالمة بـين المعنى والمصطلح مقاربة اثنوموسيقولوجيّة حول الأغنية الشعبيّة
لاشك أن دراسة الثقافة الشعبية لبعض المجتمعات، تعد من الأمور بالغة الأهمية في الكشف عن مستويات التفكير وطرائق التعبير عن ...

عصرنـة العمل الحرفي التقليدي: رصد بعض مظاهر التغير
تمثل دراسة الحرف التقليدية أحد أبرز المواضيع التي لقيت اهتماما عميقا وعريقا في حقل التراث الشعبي، السوسيولوجيا وكذا علم ...

الرقصات الشعبية في الواحات البحرية
الواحات البحرية هي واحدة من خمس واحات كبرى تنتشر في صحراء مصر الغربية، وهي تجمعات تاريخية صنعت حياة منذ آلاف السنين رغم ...
39
Issue 39
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
مسرحية كثاكـالـي (Kathakali)، الفن الكلاسيكي من تراث الهند
العدد 39 - أدب شعبي

أ.محمدعلي الوافي كرواتل - كاتب من  الهند

بلاد الهند مهد الحضارات ومنبع الثقافات، نشأ في خصوبة أرضها التراث والثقافات وترعرع على شواطئ أنهارها العلوم والحضارات، وبصمت الهند علاماتها في مجال الزراعة والتجارة والعمران والفنون، وحققت مجدا لم تحققه أمة من الأمم. بل هي التي قننت قوانين الحضارة وأسُسَ التراث، لأن الحضارة والثقافة والتراث قد بدأت في الهند مع بداية الإنسانية، كما تشير إليها الوثائق التاريخية للإنسانية، أن أبا البشر نبي الله آدم عليه السلام نزل في الهند، وجعلها أول مسكن للإنسانية. ومع مرور الزمن وصلت إلى ساحلها الحضارات اليونانية والإغريقية والمنغولية والعربية والإنجليزية، واكتسبت الهند من هذه الحضارات العظمية الجوانب الإيجابية من العلم والأدب والثقافة والفنون، حتى صار النتاج الهندي في خارطة التراث شيئا يلفت إلى مكنوزاتها أنظار العالم.
والتراث، كلاسيكيا كان أو فولكلوريا يعتبر بكل تنوعاته المنبع العذب الذي يشرب منه الإنسان بالرغم من كل ما نلمسه ونراه ونحسه اليوم من تجديد وتحديث للأمور الحياتية. وفي هذا المضمار تجذب ولاية كيرالا الواقعة في أقصى جنوب الهند أنظار آلاف الزوار المحليين والسياح الأجانب إلى طبيعتها وتراثها باحتضانها مختلف أنواع الفنون الكلاسيكية والفولكلورية. ونظرا لاجتماع كل هذه الفنون الكلاسيكية والفولكلورية، فإن كيرالا يشكل واقعا اجتماعيا وثقافيا وحضاريا وتراثيا. مميزا قائما بذاته.
لايمكن الكتابة في الفنون الكلاسيكية في كـيرالا إلا بـعـد الإشـارة إلــى الــرقــص كثاكالي (Kathakali) وهو الرقص المسرحي الكلاسيكي، شهير لمكياج شخصياته في أشكال ملونة، ولاختلاف أزيائه الجميلة، ولتقسيم إيماءات الفنان المتنوعة، ولحركات جسمية واضحة. ويعرض هذا الفن الكلاسيكي مع آلات موسيقية مختلفة الإيقاع. ويجد هذا الفنُ الكلاسيكي أصلَه في سطور كلاسيكية من تاريخ ولاية كيرالا، ويرجع تاريخها إلى القرن السابع عشرة الميلادي، وقد أضيف إليه بعضُ التطورات في جانب الأزياء والحركات والإيماءات والمواضيع والأنغام والآلات الموسيقية.

تاريخ مسرحية كثاكالي
الفنون الجميلة - كما نسميها الآن - أو الآداب الرفيعة كما يسميها أهل الفنون، هي الموسيقي، والشعر، والنثر، والبناء، والرسم، والنحت، والرقص، والغناء، والتمثيل. وغاية هذه الفنون جميعها هو الجمال، والجمال ذاتي في أذهاننا، فالعالم أو الكون نفسه ليس جميلا أو قبيحا، وإنما الجمال والقبح اعتباران ذهنيان.
الرقص والموسيقى لغة من لغات التعبير عند الإنسان البدائي - الفقير بوسائل التعبير، وهو منذ أن بدأ حياته البدائية الأولى مع الوحوش، كان يعرض مختلف المشاعر الإنسانية من الأمل إلى اليأس من القسوة إلى الرقة من الغم إلى الفرح بمختلف أنواع التعبير، لأن الرقص يرتبط بوجود الإنسان أصلا عندما كان عاجزا عن التعبير بالكلمات، فاستعمل لغة الجسد في التعبير عن مختلف الحالات الشعورية والفكرية النفسية. فمثلاً هناك رقصات للفرح وهناك رقصات للحزن، وهناك رقصات لنزول المطر واستنزاله في حياة الإنسان البدائي، ورقصات للسحر والكيد بالأعداء، ورقصات للحرب والمعارك، وكل هذه الرقصات تصاحبها موسيقى أو ألحان تناسبها.
ويعتقد أن هذا الفن الكلاسيكي كثاكالي تطور من إحدى هذه الرقصات القديمة، ألا وهو رقص كريشناناتم (Krishnanattam)، أي الرقص التعبدي المسرحي أمام إلاه كرشنا(1)، الإله الأسطوري في الديانة الهندوسية، وقد أوجد هذا الفن التمثيلي إلى الوجود الملك ساموتري(2) ماناويدان راجا (Manavedan Raja) المتـوفى سـنة 1658م، الحــاكـم في شمال كـيرالا. وفي يــوم مـن الأيــام رأى المـلـك كوتاراكارا (Kottarakkara Thampuran) هـذا التـعـبـيـر الكلاسيكي، وأعجب بروعته وصارت نفسه تميل إليه وتنجذب به حتى طلب الملك كـوتــاراكارا (Kottarakkara Thampuran) مـن الملك ســـامــوتري أن يـرسل إلى بلدة كوتاراكـارا (Kottarakkara) فرقة تمثيلية لهذا الفن الكلاسيكي، ولكن بسبب تنافس سياسي كان بين هاتين المملكتين رفض ساموتري طـلـبه، ولـم يرسـل الملك سـامــوتــــري فــرقــة كريشنـاناتم (Krishnanattam) إلـى بلدة كوتاراكارا (Kottarakkara).
ولما رفض الملك ساموتري رغبة الملك كوتاراكرا (Kottarakkara Thampuran) في إرسال الفرقة المسرحية، تهيجت حـمـيـة نفـس المـلـك كـوتـاراكـارا (Kottarakkara Thampuran) حتى أمـر بـإبداع صورة فنـيـة أروع من رقص كريشناناتم (Krishnanattam)، وحمّس الملك أصحاب البلاط من الفنانين المبدعين حتى أتوا برقصة فنية رائعة جميلة، فهــي رقصــة رامــاناطــم (Ramanattam). والفـــرق الأسـاسـي بيـن هـذيـن التـعـبـيريـن الكلاسيكيين، هو أن اللغة المستخدمة في رقصة كريشناناتم (Krishnanattam) هي اللغة السانسكريتية (Sanskrit) بينما تُستخدم اللغة المليالمية (Malayalam) في رقصة راماناطم (Ramanattam)، وهذا النوع الأخير تطور فيما بعد إلـى فن آطاكتها (Attakatha). وأما كثاكالي فهي تجـــد أصــولــهــا ومصادرها في هذا النوع الثاني وهو رقصة راماناطم(3).

مراحل التطور لرقصة كثاكالي
هـذه الرقصـة الـكـلاسيـكية كغيرها مـن الفنون مـرت بمراحـل التطور العديدة لتصـل إلى ما وصلـت إليه الآن. وفي البدء كان هذا الفن مجرد رقصة يمثلها الفنانون ليُفرِحوا بها الملوكَ ومن في بلاطهم الملكي. ثم بأيدي هؤلاء الفنانين المبدعين الماهرين تطورت هذه الشاكلة الكلاسيكية. وصارت هذه الرقصة الكلاسيكية شكلا من أشكال الأداء المسرحي يقوم على تقنيات الرقص التعبيري، ترافقه الموسيقى والإيماء والإيحاء والمشاهد والخشبة المسرحية. ومن أهم خصائص هذا الفن الكلاسيكي الاعتماد الكلّي على الإيحاءات بالعيون ثم الرموز بأصابع اليدين.
وكما تشير إليه الصفحات التاريخية المليبارية، تتعلق بداية هذا النوع المسرحي الكلاسيكي بالجهود التي قام بها الملك كوتاراكرا (Kottarakkarathampuran)، إلا أن الفنانين الماهرين الذين أتوا من بعده، جاءوا بإبداعات متنوعة في رقصة كثاكالي، وأضافوا إليها إبداعاتهم الرائعة وإسهاماتهم الثمينة حتى تطورت شاكلتها إلى المستوى حيث نشاهدها اليوم. وألحق هؤلاء المبدعون إلى كثاكالي التقاليد الرائعة مثل بوراباد (Purappad) وثودايام (Thodayam) وميلابادام (Melappadam) إضافة إلى المكياج والأزياء المبرقشة والأدوات الموسيقية مثل الطبل والعود والناي. حتى بدأت هذه الرقصة الكلاسيكية تتجه نحو تقنيات جديدة في محاولتها للخروج عن الإطار التقليدي الذي سيطر على الأساليب الفنية القديمة، وذلك بأيدي هؤلاء العظماء النبلاء المحدثين.وتجدر الإشارة هنا إلى شخصيتين فريدتين في تاريخ تطور هذه الرقصة الكلاسيكية، وهما فيتاثو راجا (Vettathu Raja) وكليبنغاتو ناراينان نمبودري (Klipangattu Narayanan Namboothiri)، ولا يخفى على أحد يلقي نظرة عابرة في صفحات تاريخ هذا الفن الهندي دورهما الريادي في تطوير هذا الفن الكلاسيكي. وبمسـاهمة هـؤلاء الفنانين المهرة تطور هذا الفن الكلاسيكي إلـى درجـة عـالية بحيث أضافوا إلى شاكلتها البهاء والرونق الكلاسيكي.
يتفق الأكاديميون المتخصصون في الفنون الكلاسيكية الهندية على أن القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي لرقصة كثاكالي لما فيها من الحركات الحيوية والنشاطات الفعالة من جانب الممثلين والراقصين والمغنين، وللفنان المبدع إيرايامان تامبي(4) (Erayamman Thambi) يـد طـويـلة في إثــراء الأغنية الرقصية في كثاكالي.
والقصص التمثيلية في مسرحية كثاكالي تنتمي إلى الديانة الهندوسية، وخصوصا إلى الطبقة العليا من الديانة الهندوسية. وكما يشير إليه اسمه رامناطم (Ramanattam) - المسرحية المتعلقة بـ راما(5) (Rama)، الإله الهندوسي - تعتبر قصة رامايانا(6) (Ramayana) أول قصة عرضت في مسرحية كثاكالي. ومع مرور الزمن أضيفت الملاحم الهندوسية وبوراناس القديمة أو الأساطير الهندوسية القديمة إلى قائمة المواضيع فيما بعد.

ميزات الرقصة كثاكالي
يشابه كثاكالي مشابهة كبيرة برقص كريشناناتم المذكـور ورقص كودياتام(7) (Koodiyatam) ورقص أشــتـابـــادياتام(8) (Ashtapadiyattam)، كما هي تشتمل على عدة عناصر أخرى من أشكال الفن التقليدي وشعائر الدين الهندوسي وفــولكلـور الـــقــرون الوسطى، مــثل موديتو(9) (Mudiyettu) وثيياتو(10) (Thiyyattu) وثيّام (Theyyam) وباداياني (Padayani) إضافة إلى فنون فولكلورية هي أصغر شعبية من قبلها مثل بوراتو نادكم (Porattunatakam) مع كالاري بــيــاتو(11) (Kalarippayattu) لما للأخير منها تأثير عظيم في تكوين لغة الجسد (Body Language) في رقصة كثاكالي. ويجلب المشاهدين المثَقفين إلى كثاكالي، استخـدامُ اللغة المليالمية بمزيج من اللغة السانسكريتية حيث تصير لغة ثالثة تسمى ماني براوالام (Manipravalam)، ومن ثم يبدو كثاكالي أكثر وضاحة وشفافية للحضور.
ومن أهم ميزات الرقصة كثاكالي ارتباطُها بكل الفنون الأخرى سواء كانت في صورة عناصر أساسية يجب توافرها في عرض كثاكالي كالموسيقي والحركة الجسدية والإيماءات العينية والديكور والمكياج، أو كانت في صورة عناصر مكمِّلة غير أساسية كالمشاهد والمسرح. وأما ميزته الأخرى في القصص المعروضة فهــــي أن كثاكالي في الماضي القريب كان يتناول الأساطير الهـــنــدوســـيـة للعــــــرض والــتـــحــلـــيل، إلا أن الــتــقــنــيــات والتطورات التي أضيفت إلى هذا الفن الرقصي قد جعله يأخذ من القصص العالمية الرائعة والمسرحيات الشهيرة موضوعه للعرض والتحليل، حتى عرضت مســرحية الملك ليار (King Lear) وأوطيلوا (Othello) لــلأديب الإنجليزي الشهـير شيكسبير في الرقصة كثاكالي.
والرقصة كثاكالي ليس خاصة بالفتيات ذوات الحركات الناعمة كما هو الحال في بعض الفنون الكلاسيكية الرائجة في كيرالا مثل ثيرواثيراكالي (Thiruvathira Kali)، ومارغام كالي (Margam Kali)، وبالعكس إن الرجال يؤدون الأدوار المهمة في الرقصة كثاكالي، لأن الأداء الحركي والجسمي والاستخدام الإيقاعي للقدمين والرموز بالأصابع والإيحاءات بملامح الوجه والعينين، يكون أليق بالرجال عندما يعبرون معاني سامية.

المراحل التدريبية
بعد أن اعتمدت الرقصة كثاكالي على المظاهر الجسمية والحركات البدنية فإن الفنان يحتاج أولا إلى الانطلاق الجسمي والانقياد البدني، لأن المشاهدين المتذوقين لا ينظرون إلى الأزياء ولا إلى الرقصة إلا بعد أن أعجبوا بحركات الفنان الرقصية، ومن أجل هذا السبب الرئيسي لا يمكن الدخول إلى مسرح هذا الفن الكلاسيكي إلا لمن له مواهب جسمية ومظاهر بدنية رائعة من الدارسين. وهناك مراحل شتى ليتجاوز الدارس كي يكون فنانا حاذقا ماهرا في الرقصة كثاكالي. ومن أهم المراحل التي ينبغي الدارس أن يتجاوزها فهي ما يلي:
أبياسنارمبم (Abyasanaarambam)
يعني بداية التدريب:
يبدأ الفنان التدريب في الرقصة كثاكالي في صبيحة يوم مبارك حسب مواقع النجوم والنوء في كالاري (Kalari). يقدم المدرب كاتشا (Kacha) يعني الزي الرسمي وميزوك (Mezhukku) يعني الدهن التقليدي إلى الطالب المتدرب أمام النار المقدسة أو المصباح المقدس الذي يوضع في كالاري (Kalari) حيث يبدؤون بهذا التقليد الرائع علاقةً القداسة بين المدرب والمتدرب. وبعد هذا التقديم التقليدي الرسمي يبدأ التمارين الرقصية في زي كثاكالي الرسمي، من العدو والوثوب والتمارين الرجلية والبدنية حتى يسيل جسد المتمرن بالعرق بهذه التمارين الشاقة.
أبــيــاســـانــا كـالام (Abyasana kalam)
يعني مدة التدريب:
يبدأ الراقص التمارين من اثني عشر عمرا أو أربعة عشر عمرا ليكون جسد الراقص أكثر انطلاقا وأحسن انقيادا للحركات الرقصية في كثاكالي. وقد كانوا يبدؤون التمارين الجسمية في عمر السادسة أو السابعة إلا أن أكثر المدربين يبدؤون التدريب في عمر المراهقة. ومدة التدريب أو التمارين تطول عشر سنوات تحت رعاية مدرب ماهر. وتستغرق هذه المدة الطويلة للتدريب الرقصي والتمرين الجسمي ليكون ذهن الراقص وجسده متحدين في الرقصة كثاكالي.
باتراوترنا كرمام (Pathravathranakramam)
يعني مراحل العرض أو الظهور (Debut):
بعد أن أحسن الطالب المراهق بعض التمارين الجسدية والتداريب الرقصية، يتقدم إلى المسرح كي يعرض بعض الرقصات البدائية في الرقصة كثاكالي، ويأخذ في البداية بعض الرقصات السهلة، مثل زي شري كريشنا (Sree Krishna Vesham)، لأن زي كريشنا سهل بالنسبة إلى الأزياء الأخرى تعرض في رقصة كثاكالي، وهذه الرقصات البدائية تعرف بــ كوتي تارام (Kuttitaram) أي الرقص البدائي. وفي الرقص البدائي يعتمد الفنان على الرقص الجسدي أكثر من أي جوانب أخرى في رقصة كثاكالي.
وبعد أن أتم الراقص الرقص البدائي يتطرق إلى الرقص الوسطي وهذا يعرف باسم إداتارام (Edattharam)، وفي هذه المرحلة يكثر دور الإيماءات الجسدية والتمثيل بالبدن، أي أن الحركات الجسدية قليلة في هذه المرحلة بالنسبة إلى المرحلة الأولى أي الرقص البدائي. ومن هذه المرحلة يُمرَّن الطالب في الزي الرئيسي مثل باتشا (Pacha) أي الزي الأخضر وكـــاتـــي (Katthi) الـزي الــســكـيــنـي وسـتري ويشـم (Sthree vesham) أي الزي النسائي وويلا ثادي (Vellatthaadi) أي زي اللحية البيضاء وتشوانا ثادي (Chuvanna thadi) أي زي اللحية الحمراء.
وأخيرا يصل الفنان إلى المرحلة الأخيرة وهي مـرحـــلة آديــاواســـانــام (Adyavasanam) أي الكمال. وفي هذه المرحلة الأخيرة تكون الحركات الجسمية والرقصات البدنية قليلة بالنسبة إلى ما قبلها من المرحلتين. وفي هذه المرحلة يعتمد الفنان على التمثيل الجسدي والإيماء العيني والتمايل الجسمي أكثر من غيرها. لأن المشاهدين المتذوقين يمكن لهم أن يفهموا القصص المعروضة بمجرد إيماءات الفنان وإيحاءاته وتمايل أجساده. أي يعبر الفنان بحركاته الإيحائية المعاني السامية بالركون إلى الإمكانيات الفيزيائية الممنوحة للجسد عن انفعالاته الفنية، حيث يطبق الفنان هذه القدرة الجسدية بالرقص والتمثيل والإيماءات والإيحاءات. وكثيرا يعتمد الفنان على الحركة الجسدية ودلالتها المعرفية والجمالية كي يعبر عما يجيش في نفس الفنان.
أوزتشل (Uzhitchil) أي التدليك في آيورفيدا:
هو شكل من أشكال العلاج بالتدليك في آيورفيدا(12). يعرض الإنسان للتدليك كي يتجدد الجهاز العصبي والعضلات في الجسم، ولكي تتحفز الدورة الدموية في الجسم الإنساني. والطالب المتمرن في الرقصة كثاكالي يعرض لهذا التدليك البدني كي يكون جسمه أكثر انقيادا وانطواعا لما يطلب منه أداؤه في الحركات البدنية. أما الزمن الموقت لبداية التمارين في الرقصة كثاكالي فهو من شهر ميدونام(13) (Midunam)إلى شهر وريشتيكام(14) (Vrishchikam)، وفي هذه الشهور الستة يكلف الطالب ببعض التمارين الرقصية إلا أن العناية البالغة تعطى للتدليك البدني في الأشهر الثلاثة الأولى. وفي هذه المدة يُعطى الراقصُ العناية الفائقة مثل الأطعمة الدسمية ذوات البروتينات، وكذلك يحظر الراقص من النوم في النهار باعتقاد أن كثرة النوم في هذه المدة سوف تؤثر في بدن الراقص تأثيرا سلبيا. ويتولى هذا التدليك الماهرون المتخصصون بالأعصاب والعضلات في الجسم الإنساني إلا أن الهفوة اليسيرة تؤدي إلى الإعاقة المزمنة لدى الراقص.

الإيحاءات والإشارات في الرقصة كثاكالي
ليس كثاكالي مجرد رقص يؤدي الجسد فيه الحركات التعبيرية، بل إنه دون ذلك لغة متكاملة يتولى الجسد النطق بها، فإذن فالراقص يتولى ترجمة مشاعره النفسانية والوجدانية للمشاهدين. والرقص هو المعبر الأكبر عن كل ما يجيش في الذات الإنسانية عن الأفراح والأتراح، مثل أي فنون أخرى فالرقصة كثاكالي أيضا يعكس جوهر الإنسان وجلوده للمشاهدين. وفي كل لحظة في رقصة كثاكالي تحضر مشاعر الفنان وتغيب. فهذه المشاعر الوجدانية في نفس الراقص لا تصل إلى المتفرجين إلا عن طريق التمثيل يؤدي به الراقص دوره في أحسن وجه، وإلا فتنهار روعة هذا الفن الكلاسيكي عند المشاهدين.

الإشارات بالأصابع في كثاكالي
ولتكملة دور التمثيل في مسرحية كثاكالي يحتاج الفنان المبدع إلى الحركات الجسمانية ثم إلى الإيحاءات والإيماءات بالعيون لتطبيق المشاعر النفسانية في ملامح الوجه، لأن التعبير بالحروف والكلمات قليل في كثاكالي بالنسبة إلى الحركات البدنية التي يؤديها الفنان ويسوغها المشاهدون. وفي هذا المضمار يطبق الفنان أصابعه في الإشارة بدل النطق والتعبير، لأن الرموز والإشارات بالأصابع واليد تنوب عن اللغة الإنسانية في كل المجتمع إلا أن معنى الإشارة باليد يختلف عن مجتمع إلى مجتمع. لأن حركات اليد تحمل معنى يختلف حسب الثقافات والأوطان. والفنانون الماهرون في كثاكالي قاموا بتقسيم التعابير اليدوية في المسرحية إلى أنواع مختلفة للإشارة إلى معنى لا تأتي به إلا تلك الحركات اليدوية، وهي كما يلي:
باثاكام (Pathaakam): أن يبسط بطن الكف ثم يلوي البنصر إلى الداخل قليلا.
مودراكيام (Mudhraakyam): أن تقرب بين السبابة والإبهام بحيث تكون بينهما حلقة، ثم ينصب الأصابع الباقية.
كاتاكام (Katakam): وبوضع طرف الوسطى تحت الإبهام في صورة مدراكيم (Mudhraakyam) المذكورة، فتتكون إشارة كاتاكام (Katakam).
موشطي (Musti): حينما تمس الإصبع في طرف السبابة مع طي الأصابع الأخرى تتكون موشطي.
كـارتـاري موكام (Kartharee Mukham): أن يرفع الخنصر بعد أن يطوي الأصابع الثلاثة البـقـية قليلا، ثم أن يمس طرف الإبهام وسط الوسطى.
شوكاتونتام (Shukathundam): أن تطوى السبابة على شاكلة حاجب العين بعد أن توضع الإبهام على الوسطى المطوية، ثم أن تطوى الأصابع البقية بعد النصب.
كابيثام (Kapitham): أن تطوي الوسطى بوضع الخنصر على الوسطى بعد أن طواها جيدا.
حامساباكشلم (Hamsapaksham): أن يبسط الكف والأصابع كما ينبغي، ثم يفرق بين الأصابع والإبهام.
شيكارم (Shikaram): إشارة شيكارم تساوي صـورة إشـارة كـابتام في صورتها إلا أن الوسطى تبرز إلى الأمام قليلا كما تبرز السبابة إلى الوراء قليلا.
حامساسيام (Hamsasyam): أن يجمع أطراف الإبـهام والــسـبـابة والوسطى بعـد أن تنصب الأصابـع البقية.
أنجالي (Anjali): أن ترفع الأصابع كلها مع انقباض بطن الكف إلى الوارء قليلا.
أردا جاندرام (Arddhachandram): أن تطوى الأصابع كلها سوى الإبهام والسبابة فتتكون إشارة أردا جاندرم.
موكورام (Mukuram): أن يجمع بين الإبهام والوسطى والبنصر مطوية، ثم أن ترفع الإصبعين الباقيتين، فتتكون إشارة موكورام.
موكولام (Mukulam): أن يـجـمـع بين أطـراف الأصـابـع الخمسة، فتتشكل إشارة موكولام.
بهرامارام (Bhramaram): أن تنصب الأصابع كلها مفرقة إلا السبابة وهي تطوى قليلا، فتتكون إشارة بهرامارام.
سوجـيكاموكـم (Soojika Mukam): أن تنصب السبابة فقط، ثم أن تطوى بقية الأصابع الثلاثة مع تقريب الإبهام إليها، فتتكون إشارة سوجيكاموكم.
فــــلاوم (Pallavam): أن تـــوضع الإبهــام تحت البنصر بعد نصب الأصابع البقية، فتتشكل إشارة فلاوم.
تريباثاكم (Thripathaakam): توضع الإبهام بعد أن طويت قليلا تحت السبابة، ثم تنصب الأصابع الباقية، فتتكون إشارة تري فاتكم.
مروغا شيرشم (Mruga Sheersham): أن تقرب أطراف البنصر والوسطى إلى الإبهام، ثم أن تنصب الخنصر والسبابة.
سربا شيراس (Sarppa Shirassu): أن يقرب بين الأصابع كلها، ثم يطوى بطن الكف إلى الوراء قليلا، فتتشكل إشارة سربا شيراس.
واردامانــــاكـام (Varddhamanakam): أن يمس بطرف السبابة على الخط الثاني في الإبهـام، بحيث تلوى الأصـابع البـاقـية بشكل جميل.
أرالام (Aralam): أن يمس بطرف الإبهام على الخط الثاني في السبابة، بحيث تلوى الأصابع الباقية بشكل جميل.
أورنا نابام (Oorna Nabham): أن تطوى الأصابع كلها على شاكلة رجل العنكبوت، فتتكون إشارة أورنا نابم.
كاداكا موكام (Kadaka Mukam): أن تطوى الأصابع كلها بعد إدخال الإبهام من بين الوسطى والبنصر، فتصير إشارة كدكا موكم.

المكياج في كثاكالي
تـوزع الأزياء المـخـتلفة المسـتـخدمة في رقــصـة كثاكالي حسب القصص المعروضة، لأن القصص في كثاكالي تنتمي إلى قصص أسطورية في الديانة الهندوسية، فرقصة كثاكالي يأخذ القصص المختلفة للعرض في المسرح أمام المشاهدين. ويشترط فيه أن تختلف أزياء الراقصين وفقا للقصص المعروضة، حتى يتمكن للمشاهدين من التمييز بين القصص المتمثلة أمامهم. لأن أزياء الممثلين ومكياجهم في مسرحية كثاكالي لها جملة من الوظائف التي تعزز من قيمة الرقص ومصداقية المسرح. وغالبا، يتصدى لمهمة هذا المكياج في مسرح كثاكالي المحترفون في حقل تصميم الملابس. وتقسمت الأزياء في مسرحية كثاكالي إلى سبعة أنواع وفقا لشخصيات القصص الأسطورية الهندوسية. فهي: "باتشا - كاتي - كاري - ثادي - مينوك - بازوبو - بالاواكا".
باتشا (Pacha) يعني الأخضر:
الراقص في مسرح كثاكالي يلبس الزي باتشا أو الأخضر، ليمثل دور الشجعان والأخيار والشخصيات الخيرية. يُميَّز بين الأزياء نظرا إلى ما وضع في وجوههم من المكياج ولونه. فمثلا - في زي باتشا - يضع الراقص المكياج الأخضر في وجهه. ويلبس في هذا الزي الإزار الأبيض والقميص الأحمر، وكذا الإكليل والمكياج الذي يحتاج إليها الراقص في استكمال تمثيله. ومع ذلك قد يختلف الإزار والقميص وفقا للشخصيات الأسطورية المختلفة للتمييز بين الشخصيات المتشابهة.
كاثي (Kathi) يعني السكين:
والراقص في كثاكالي يتحلى بهذا المكياج الرائع كي يمثل دور الأشخاص ذوي الشخصيات الازدواجية بين الخير والشر. وفي هذا الزي تتمتع الشخصيات بصفات ملكية باسلة تجمع بين الصفات الحسنة والشريرة. وقد انقسم هذا الزي كاثي (Kathi) إلى نوعين هما نيدوم كاثي (Nedum Kathi) وكوروم كاثي (Kurumkathi). ولكن النوع الثاني كوروم كاثي (Kurumkathi) وهو الرائج في زمننا هذا(15). ويتميز الزي كاثي (Kathi) بصورة السكين والسيف إزاء أنف الراقص بحيث يكون طرفه تحت عينيه. ويمثل الراقص في زي كاثي (Kathi) كل من الأدوار المسرحية لدوريودنا(16) (Duryodhana)، وكيجاكا(17) (Keejaka)، وراوانا(18) (Ravana)، وناراكاسورا(19) (Narakaaura).
كاري (Kari) الفحم:
المكياج المستخدم في هذا الزي الرقصي تكون سوداء تماما، ومع ذلك يدلي الفنان شعره الأسود الكثيف كي يعرض الفنان بهذا المكياج الأسود أدوار الأشخاص ذوي الشخصيات الشريرة. وينقسم الزي كاري (Kari) إلى نوعين هما آن كاري (Aan Kari) أي الرجل الأسود وبين كاري (Pen Kari) أي المرأة السوداء. والراقص المسرحي يلبس زي آن كاري كي يمثل دور الأعرابي من القصص الهندوسية الأسطورية مثل نالا جاريتم(20) (Nala charitham)، وكــيــراتـم(21) (Kiraatham)، وجــوروداكـشــيـنــا(22) (Guru Dakshina). بينما يلبس الراقص زي بين كاري (Kari) كي يمثل الأدوار النسائية مثل شخصية سيمهيكا (Simhika)، وناكراتوندي (Nakrathundi)، وشورباناكا (Shurpanaka)، وبوتانا (Poothana)، وهيديمبي (Hidimbi). وكل هؤلاء الشخصيات العفريتية في الأسطورة الهندوسية. ويساوي الزي آن كاري (Aan Kari) بالزي بين كاري (Pen Kari) في لونها ومكياجها إلا أن تزيين الوجه والثدي يكون زائدا في زي بين كاري (Pen Kari).
ثادي (Thadi) يعني اللحية:
وهذا الزي في رقصة كثاكالي ينقسم إلى نوعين، هما تشووانا ثادي (Chuvanna Thadi) أي اللحية الحمراء، وويلا ثادي (Vella Thadi) أي اللحية البيضاء، وكاروتا ثادي (Karutha Thadi) أي اللحية السوداء. أما اللحية الحمراء فهي للإشارة إلى الشخصيات الأسطورية الشريرة والقاتلة. فيضع الممثل في هذا الزي الأصواف والأبوار الحمراء في وجهه كي يعرض شخصيته الدموية والشريرة في مسرح كثاكالي. علاوة على ذلك يزين الممثل جبهته وأنفه باللون الأحمر كي يضيف إلى شخصيته الملامح الوحشية والتدميرية. وتأتي في هذا الزي الشخصيات الأسطورية الهندوسية مثــل دوشــاسـنا (Dushyasana) وتـريـكارتان (Thrikarthan) وبـــاكـاســـورا (Bakasura)، وجــاراســانــدا (Jarasandha)، شيشوبــالان(23) (Shishupalan).
كما يتبادر إلى ذهن القارئ، فإن الزي ويلا ثادي (Vella Thadi) يعني اللحية البيضاء، يُستخدم في مسرح كثاكالي للإشارة إلى الشخصيات الحسنة. ويتميز هذا الزي باستخدامه في تمثيل دور هانومان(24) (Role of Hanuman). ويعرف هذا الزي باسم وتامودي (Vatta Mudi) أي الشعر المستدير، لأن الممثل في هذا الزي يجعل شعر رأسه مستديرا في صورة إكليل. وليستكمل المكياج في هذا الزي يحتاج الممثل إلى وقت طويل بالنسبة إلى الأزياء الأخرى الباقية. وتجيء الشخصيتان الأسطوريتان البارزتان تحت هذا الزي، هما هانومان(Hanuman)، وناراسيمها(25) (Narasimha).
كروتا ثادي (Karuttha Thadi) أي اللحية السوداء:
كما يشير إليه العنوان فإن الممثل في هذا الزي يرتدي أزياء سوداء تماما، إلا أنه يزين جانبا يسيرا من وجهه باللون الأحمر، ثم يغطي جميع بدنه باللون الأسود، حتى الإكليل فوق رأسه يكون لونه سوادا. ولا توجد في هذا الزي إلا شخصية واحدة في مسرح كثاكالي، فهي شخصية كالي(26) (Kali) في قصة نالاجاريتام (Nalacharitham) المسرحية.
مينوك (Minukku) يعني المصقل أو المزين:
وتحت هذا الزي تأتي الشخصيات الناعمة من النساء وسنياسي(27) (Sanyasi) يعني الناسك الهندوسي. وسمي هذا الزي بمينوك (Minukku) يعني المصقل لأنه يزين فيه الممثل وجهه كي يكون مصقلا بالمساحيق الطبيعية. والشخصيات النسوية في مسرحية كثاكالي تأتي تحت هذا الزي الجميل، وكذلك النساك الهندوسيون أيضا يجيؤون بهذا المكياج المسرحي، إلا أن النساك يختلفون في مكياجهم كما تختلف شخصياتهم الأسطورية. وأبرز الشخصيات في هذا المكياج هم نارادا (Narada)، ووسيشتها (Vasishta)، ودرواساو (Durvasavu)، وشوكرا (Shukra)، وفاراشو راما (Parashurama)، وويشوا ميترا (Vishwamithra). وكل هؤلاء نساك مقربون في الديانة الهندوسية الأسطورية.
بازوبو(Pazhuppu) يعني الناضجة:
وهذا الزي يستخدم في رقصة كثاكالي للتمثيل بأدوار الآلهة الهندوسية المقدسة، مثل شيفا (Lord Shiva) هو شيڤا أو شِوَ، أحد أهم الآلهة في الهندوسية، وغالبا ما يسمى «المسيطر»، وهو أحد الآلهة في التريمورتي (Thrimurthi) إلى جانب براهما الخالق (Lord Brahma, The Creator) وفيشنو الحافظ (Lord Vishnu, The Protector). وفي الشيفية (Shaivism) هو الإله الأعلى، أما في فروع الهندوسية الأخرى فهو يعبد كواحد من خمسة مظاهر إلهية. وينعكس كونه الإله الرئيسي في الشيفية (Shaivism).
بالاواكا (Palavaka) يعني المخلط:
وهناك أزياء أخرى تختلف عن الأزياء الرئيسية، مثل الجبان والخادم، وهذه الشخصيات تجيء في زي بالاواكا. وتتميز هذه الشخصيات بمقدرتهم على الفكاهة والمزاح. وهذه الشخصيات تظهر في مسرحية كثاكالي لإثارة المزاح والضحك عند المشاهدين.
وهذا المزيج من المكياج المسرحي الرئيسي مع الأزياء الثانوية الجميلة ثم علاقتها المتبادلة بين الحركات الجسدية تعد من الأمور الحيوية في مسرحية كثاكالي، لأن الفنانين والفلاسفة منذ أرسطو عبروا عن رأيهم القائل بأن الشكل هو الجانب الجوهري في الفن، هو الجانب الأعلى، الجانب الروحي، وأن المضمون هو الجانب الثانوي، الناقص الذي لم يتوفر له من النقاء ما يجعله واقعا كاملا. ويرى هؤلاء المفكرون أن الشكل الخالص هو جوهر الواقع، وأن هناك حافزا يدفع كافة أشكال المادة للذوبان في الشكل إلى أقصى مدى، أي يدفعها للتحول إلى شكل وبذلك تحقق كمال الشكل ومن ثم تحقق الكمال في ذاته، وأن كل ما في هذا العالم هو مزيج من الشكل والمادة(28). وهذا المزيج بين المكياج المسرحي والحركات الجسدية يعطي لمسرحية كثاكالي أبعادا رئيسيا عند المشاهدين، وكذا يشير إلى أن المكياج في مسرحية كثاكالي يعطي مذاقا للرقص وقيمته وقدرته على جذب المشاهدين دون أن تفقد سماتها كفن بصري بالأساس.

التمثيل في مسرحية كثاكالي
ومنذ وجوده كان الإنسان يمارس عددا من الرقصات لغرض السيطرة على مصاعب الحياة ومشاكله اليومية. وكما أسلفت خلال هذه السطور، الفنان المبدع يحتاج إلى الحركات الجسمانية ثم إلى الإيحاءات والإيماءات بالعيون لتطبيق المشاعر النفسانية في ملامح الوجه ليكتمل التمثيل والرقص في مسرحية كتها كالي، لأن التعبير بالحروف والكلمات قليل في هذا الفن الكلاسيكي بالنسبة إلى الحركات البدنية التي يؤديها الفنان ويتمتعها المشاهدون. ملامح الوجه أو إظهار المشاعر الأساسية التسعة أمر ضروري في كثير من الأشكال الفنية الكلاسيكية الهندية. يطبقها الفنان لتكتمل مواهبه الفنية مع مفاد القصص العرضية، مثل الرقص، والمسرح، والسينيما، وغيرها.
المشاعر الأساسية التسعة
أو ناوا راساس (Navarasas)
ألبوثام (Albutham):
يعني الدهشة أو المفاجأة: وهي شعور يتجلى في الإنسان عند حدوث أمر لم يكن يصدق انه سيحدث معه في يوم من الأيام مثل ما يسفر عند رؤيته ما وراء الطبيعة كالجن أو السحر أو حتى الألعاب السحرية التي تقدم في العروض أو المهرجانات(29).
بياناكام (Bhayanakam):
يعني الخوف: الخوف هو شعور قوي ومزعج تجاه خطر، إما حقيقي أو خيالي. الخوف هو العدو الأعظم للإنسان، فالخوف هو السبب وراء الفشل والمرض وخلل العلاقات الإنسانية. ويخاف ملايين الناس من الماضي، والمستقبل، والشيخوخة، والجنون، والموت. ولكن الخوف ماهو إلا فكرة في عقلك الباطن وهذا يعني أنك تخشى أفكارك(30).
هاسيام (Hasyam):
يعني ما يثير السخرية والاستهزاء: وهي مشاعر نفسانية تثيرها السخرية ويرافقها الاستهزاء. وبه يضحك الإنسان من شخص أو من شيء ما بطريقة قاسية ومؤذية، ويكون هذا الفعل سببا في استضحاك من يشاهد هذا المنظر.
بيبالسام (Bheebalsam):
يعني الاشمئزاز: يمكن وصف الاشمئزاز بأنه شعور أساسي في كل المخلوقات لها دور في حماية الكائن الحي من تناول الأطعمة المحتمل احتواؤها على مواد ضارة وبذلك يقلل من فرص الإصابة بالأمراض. وهو أحد المشاعر الأساسية ودائمًا ما يرتبط بالأشياء التي تبدو غير نظيفة أو غير صالحة للأكل أو معدية أو ملطّخة بالدماء أو غير ذلك من الصفات الكريهة(31).
كارونام (Karunam):
يعني الرحمة: فهذه من إحدى المشاعر الأساسية في الإنسان، إلا أن المعنى هنا في مسرحية كتها كالي مزيج من الرحمة والأسف والحزن. أو بمعنى آخر إن معنى الكلمة هنا للإشارة إلى المشاعر النفسية التي تتألم لأوجاع المجتمع المحيط به.
راودرام (Roudram):
يعني الغضب: الغضب هو انفعال، ويشمل التاثير الجسدي للغضب زيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم، ومستويات الادرينالين والنورادرينالين، بعضهم وضح الغضب كجزء من شجار أو حركة استجابة سريعة من المخ لتهديد محتمل من الضرر. ويصبح الغضب الشعور السائد سلوكيا، ذهنيا، وفسيولوجيا عندما يأخذ الشخص الاختيار الواعي لاتخاذ إجراءات على الفور من شأنها وقف السلوك التهديدي من قوة أخرى خارجية. المصطلح الإنكليزي الأصل يأتي من مصطلح أنجر (Anger) من اللغةالنورسية القديمة. يمكن أن يؤدي الغضب إلى أشياء كثيرة جسديا وعقليا. التعبير الخارجي عن الغضب يمكن العثور عليه في تعبيرات الوجه، ولغة الجسد، والاستجابات الفسيولوجية، وأحيانا في الأفعال العامة من الاعتداء. البشر والحيوانات غير البشرية على سبيل المثال تصنع أصوات عالية، محاولة جعل شكلها الخارجي أكبر، تكشف عن أسنانها، وتحدق بأعينها(32).
شانتم (Shantham):
يعني الهدوء، وهو طمأنينة القلب والنفس من المشاعر الجياشة. أو خلوّها من المشاعر المقلقة أو المزعجة. ظهرت كلمة الهدوء في العديد من النصوص الدينية بدءا من الكتابات البوذية، حيث يشير النساك البوذيون إلى الهدوء في الجسم، والفكر والوعي. وانتهاء إلى الآيات القرآنية. فذلك في سورة الفجر حيث وردت فيها الآية {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية}(33).
شــريــنــكــارام (Srinkaram):
يـعــنـي الـحــب الرومانسي يعرف بأنه المرحلة الانتقالية بين الحب الأفلاطوني والحب الجنسي، حيث أنه يتعدى الحب الأفلاطوني ولا يصل إلى الحب الجنسي رغم الرغبة الشديدة لدى الحبيبين إلى إيصاله لمرحلة الجنس كونها غريزة فطرنا عليها، إلا أن حبهم الشديد لبعض قد يمنعهم من السقوط لمرحلة الجنس المحرم وعليه الانتظار إلى أن يصلوا مرحلة الزواج حتى يتم الحب الجنسي في الثقافات الشرقية التي توصف بأنها محافظة، وهذا لا يعني أن الزوجين سيكون حبهما جنسياً بحتا، بل العكس ستكون رومانسيتهما هي المحفز للجنس بينهما أي أن حبهما الرومانسي يجعلهما محبين لبعضهما جنسياً. وعليه أغلب العاشقين يرون أن الحب الرومانسي هو أسمى درجات العشق لدى الحبيبين لما يحمله من شوق لبعضهما وكبت لرغبة جنسية قد تخف لدى وصولهما لمرحلة الجنس، ولا ننسى أن نذكر بأن الحب الرومانسي لا يخلو من بعض الممارسات المحفزة جنسياً والتي لا تنتمي إلى فقرة الإيلاج الجنسي كالتقبيل والمداعبة وما شابه(34).
ويرام (Veeram):
يعني الجرأة والإقدام، هي عكس الخجل. والشخص الجريء يمكن أن يكون على استعداد للمخاطرة بالتعرض للخزي أو الرفض في المواقف الاجتماعية، كما يكون على استعداد لكسر قواعد الإتيكيت أو الأدب. ويمكن أن يطلب الشخص الجريء للغاية المال بعنف، أو يمكن أن يدفع شخص ما بصفة دائمة لتنفيذ بعض المطالب، وما إلى ذلك. ولا يكون الشخص الجريء مذمومًا بالضرورة، فيمكن أن يكون الشخص جريئًا، مع كونه هادئًا. وبالتالي، يمكن أن ننظر إلى الجرأة الزائدة عن الحد على أنها وقاحة أو تغطرس. وفي خارج السياق الاجتماعي، فإن «الجرأة» يمكن أن تشير كذلك إلى استعداد الشخص للقيام بالأمور، حتى تلك التي تنطوي على المخاطر، وبالتالي فإنها تكون مرادفًا بشكل كبير للشجاعة(35).

الموسيقى في كثاكالي
تمثل الموسيقى قطاعا رئيسيا في مسرحية كثاكالي، لأن الموسيقى ترتبط بالإنسان في رحلته الطويلة منذ بداية التاريخ عبر الأجيال. وقد اعتبر أفلاطون الفن الموسيقى إحدى المحركات الرئيسية السامية للبشر. كان للموسيقى البعد الديني والاجتماعي لأنها كانت تربط بين الآلهة والإنسان في الأيام الماضية كما أن لها البعد الرئيسي في أيامنا هذه، وكان الهند مركزا للحضارات القديمة والتراث الجميل قد أثر بصماته الواضحة في الفن الموسيقى.
ولتحقيق أهم عناصر التذوق في مسرحية كثاكالي قد ربط الفنانون القدماء بين الموسيقى والرقص المسرحي كثاكالي. ولتتميم هذا الغرض التمتعي طبق الأكاديميون المحترفون الأدوات الموسيقية من الطبل والطاسة والناي وغيرها، لأن الإيقاع وتوافق الأصوات بالأدوات الموسيقية يشقان طريقهما إلى أعماق نفوس المشاهدين في كثاكالي ويكسبان الجمال والروعة في قلوبهم، كما تضفي البهجة واللذة إلى خواطرهم.

الطبل في كثاكالي
وهذا الطبل عبارة عن آلة موسيقية أسطوانية الشكل، وهي آلة خشبية مجوفة من الداخل يجلب الخشب، ارتفاعه 44 سم تقريبا وقطره 31سم، توضع على كلتا الجهتين جلد بقر حيث تثبت على الفتحة بواسطة طوق من الخيزران (سابقا) يسمى عقال، حاليا بطوق حديدي، ثم يتم ربط كلتا الجهتين بحبل متواصل يعقد بشكل خاص على شكل المثلثات، وتختلف نوعية الجلد لكل عن الأخرى، فالجهة الشمالية يستخدم فيها جلد من منطقة الخصر وهي التي تصدر صوت (التك)، وتسمى شمالي، أما الجهة الأخرى فتسمى رأس الطبل، ويستخدم فيها جلد من منطقة الفخذ أو الظهر، وهي التي تصدر صوت(الدم)، يطرق العازف الطبل في كثاكالي وهو قائم، وغالبا يستخدم يديه في العزف، تجدر الإشارة إلى أن الطبل هذا يستخدم في غالبية الفنون الهندية، وتستخدم العصا أحيانا في الطرق عليه، فهذه العصى تسمى عود الطبل (Drum Stick).

الطاسة في كثاكالي
وهي عبارة عن صنجات معدنية، كانت تصنع من النحاس (زوج من الصنج) صغير الحجم يكون قطر الواحد منها 11.5 سم تقريبا، يربط في وسطها خيط، يسمح للعازف بمسكها منها، وهي من الآلات ذاتية التصويت (diophone)، وتستخدم هذه الآلة أيضا في فنون كلاسيكية وشعبية أخرى.
وفي النهاية يحلو لي القول: الكلمات لا تستعمل في الرقصة كثاكالي كأداة التعبير لمخاطبة المشاهدين والجمهور، بل إنما الاعتماد أساسا على اللغة الجسدية والحركية كشكل من أشكال الاتصال غير اللفظي لتوصيل معنى الرقص الفني إلى المشاهدين. والحركة لا يقصر اعتمادُها على الجسد الذي يؤدي هذه الحركات، بل الاعتماد على الإيماءات والإيحاءات ثم على الرموز بالأصابع وعلى الإشارات بملامح الوجه. وليكتمل هذا الفن، يحتاج الرقص إلى امتزاج التمثيل والغناء، لأنهما شيئان لا بد منهما لعرض هذا الفن التراثي الهندي، ويتم الرونق والجمال لهذه الرقصة المسرحية الكلاسيكية عندما يلتقيان ويتداخلان ويكتملان معا في شخصية متميزة موهوبة.