اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

حكايات من النوبة والمحرق ودراسات حول العامية وصورة الحاكم.. وتجربة شبابية جديدة
نقدم في هذا الملف مجموعة متنوعة من الدراسات من كل من مصر والبحرين واليمن السعيد، فضلاً عن عرض لمحتويات مجلة الموروث الإم...

الموروث الموسيقي الشعبي و علاقته بالطرق الصوفية في تونس من خلال نموذج
ارتبطت الموسيقى منذ القدم بالتقاليد والممارسات العقائدية والدّينية و تعتبر المجتمعات الإسلامية من بين الشعوب التي تبنت ا...

الأصالة والتلقائية فى المهن والحرف التقليدية صعيد مصر: أنموذجا
تمثل المهن والحرف أسلوب الحياة على الكرة الأرضية عموما وعلى أرض العالم العربى خصوصا بكل ماتنطوي عليه من تراث مادي ومعنوي...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب بالجنوب الشرقي للمغرب
العدد 38 - ثقافة مادية

أ. بشرى صدوق
كاتب من المغرب

 

يعرف المغرب اليوم موجة الحديث عن التراث العمراني كمنتوج ثقافي وسياحي، لذلك عرفت مجموعة من المعالم الثقافية عملية تأصيل واسعة. هذه الأخيرة ساهمت في التعريف بالثقافة المحلية وبالتنمية المحلية للعديد من المناطق المهمشة.
إن كون التراث المعماري المبني بالتراب مرآة تعكس قدرة المجتمعات في بساطتها على التكيف مع البيئة المناخية، والجغرافية والسوسيواِقتصادية، يجعل منه موضوع اِهتمام الباحثين. هذا المعمار عرف بالواحات المغربية عدة تحولات أفقدته وظيفته أو غيرتها؛ نتيجة الهجرة، والسياحة، والاِنفتاح على العالم. هذه العوامل وغيرها خلقت حركية داخلية وخارجية بالواحات، أدت إلى تهجين هذا المعمار وفقدان مهارات البناء القديمة، إلا أن هذا الأخير لم يندثر، واِستمر في شغله للمجال وطبعه للمشاهد الجغرافية في الواحات والأودية الجبلية للأطلس الكبير. لنلاحظ في الآونة الأخيرة أنه بدأ يعرف اِنتعاشا جراء سيرورة التأصيل، ومن هذا المنطلق اِرتأينا أن نقوم بمحاولة دراسة التراث المعماري ودينامكيته من خلال دراسة السكن القروي المبني بالتراب بمنطقة بومالن دادس (الجنوب الشرقي للمغرب) انطلاقا من تمثلات الفاعلين المحليين.
لقد عرفت منطقة بومالن دادس عدة تحولات؛ نتيجة الهجرة الدولية التي ساهمت في تحسين ظروف عيش المهاجرين وأُسرهم المستقرة بالوادي، ونتيجة تدخلات الدولة عبر إقامة البنيات التحتية من تعبيد للطرق وإيصال للماء والكهرباء، بالإضافة إلى اِنفتاح على السياحة الدولية. كل هذا ساهم في خلق سيرورة أدت إلى تأصيل التراث المعماري بالمنطقة. هذه السيرورة ساهمت في ظهور تغيرات أدت إلى تغيير الهيكلة المجالية والاجتماعية بالمنطقة، والى ظهور أنماط جديدة من المنازل ليست لها علاقة بالقصبات، والقصور، والأدوار التي كانت تطبعها. لتبدأ مرحلة البناء بالإسمنت المسلح، وظهور أنشطة اِقتصادية جديدة غير مرتبطة بالزراعة. إلا أنه بالموازاة مع هذا الاتجاه العام للتغيرات السوسيومجالية في الوادي، كانت هناك مبادرات خاصة، من طرف المهاجرين والأجانب الأوروبيين، لإعادة الاعتبار لهذا التراث لتوظيفه في مشاريع سياحية. بفعل هذه التغيرات أصبح للتراث المعماري مكانة اِقتصادية محضة أو رمزية. فما هي تجليات سيرورة تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب؟ كيف يتصورها ويتفاعل معها الفاعلون المحليون؟ كيف يساهم الاستثمار السياحي في تحريك هذه السيرورة؟ وإلى أي حد تساهم السياحة الثقافية في عملية تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب، وفي التنمية المحلية بوادي دادس؟
للإجابة على هذه الأسئلة. سنحاول في بداية الأمر تقديم الإشكالية، مع منهجية البحث والمفاهيم النظرية. قبل أن نبدأ بدراسة دينامية التراث المعماري المبني بالتراب في إطار التحولات السوسيواِقتصادية والمجالية التي يعرفها وادي دادس. لنقوم في الأخير بتحليل تمثلات الفاعلين المحليين اِتجاه هذا المعمار وسيرورة تأصيله.

1. المبحت الاول: إشكالية البحث
دراسة لسيرورة تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب:
إن أهمية دراسة التراث المعماري في هذا البحث يتعدى كونه وصفا لمميزات هذا المعمار وفوائده. فالدراسة تشمل سيرورة التأصيل، اِنطلاقا من تمثلات الفاعل المحلي، وتهتم بالدرجة الأولى بالتحولات التي جعلت من السكن القروي المبني بالتراب ببومالن دادس تراثا محليا طاله التحول. إن التغيرات التي عرفها هذا المعمار في وظائفه، من الوظيفة السكنية، والدفاعية، والإنتاجية إلى الوظيفة السياحية، تدفعنا لنتحدث عن سيرورة تحول الشيء، مما يحول دون اِندثاره وفنائه. إن التحولات التي يعرفها هذا الأخير في المجال الواحي، نتيجة لانقطاعات في سيرورة الأنظمة المجالية المحلية والإقليمية، بدءا بالتحولات التي رافقت التدخل الاستعماري، وانتهاء بالتثمين المحلي، غير من قيمة ودور المعمار المحلي بالوادي. فتغيرت بذلك علاقة الفاعلين المحليين به.
لقد ساهم الاِهتمام المحلي والأجنبي بالتراث المعماري في الرفع من قيمته، ليترك بذلك مجموعة من التمثلات في مخيلة الفاعلين. وفي دراستنا لهذه التمثلات يُمكن أن نتتبع تطور وتحول العلاقة بين هؤلاء والتراث التقليدي. إنها دراسة للدينامية الداخلية للمجتمع الدادسي في علاقته بالتراث، اِنطلاقا مما جاءت به السياحة الثقافية بالوادي.
لدراسة عملية تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب بوادي دادس، طرحنا مجموعة من الأسئلة من قبيل:
كيف ابتدأ الحديث عن المعمار المبني بالتراب كتراث محلي بوادي دادس؟
ما الذي يُوجه الفاعل المحلي نحو ترميم المعمار المبني بالتراب؟ ولماذا؟
كيف يتمثل الفاعلون المحليون الوظيفة السياحية للمعمار المبني بالتراب بالوادي؟
وكفرضيات للإجابة عن هذه الأسئلة اقترحنا ما يلي:
سيــــــــرورة تــــــأصـــــــيل التــــراث المعمـــــــاري المـــبــنـــــي بــــالتـــراب ابتــــدأت مـــع اِرتفــــاع الطلــــب الأجنــبـــــي (الســــائـــح) علـــيه.
تساهم السياحة عبر الاستثمار المحلي والأجنبي فـــي إعـــادة تـــأهـــيل وتـــرمـــيم التـــــراث المعــمـــــــاري المبني بالتراب.
يفقد المعمار المبني بالتراب قيمته الرمزية عندما يتحول إلى مشروع سياحي.
1. 1 منهجية البحث:
تنوع مصادر البحث ودواعي اختيار المنطقة
1.1.1 الدراسة البيبليوغرافية:
لمحاولة مقاربة موضوع دراستنا، كان لابد لنا من الإطلاع على الكتابات والأبحاث التي حاولت معالجة موضوع التراث وسيرورة تأصيله؛ من خلال دراسة خصوصية المنطقة السوسيواِقتصادية والمجالية، لذلك اعتمدنا على:
دراسة مميزات المعمار المبني بالتراب بالمناطق الجنوبية، من خلال كتاب كريم مولاي محمد:
Architectures régionales, région économique du sud (Karim. M.M ,1996).
دراسة الخصائص الثقافية والجغرافية للسفح الجنوبي للأطلس الكبير، من خلال دراسة الباحث محمد أيت حمزة لملامح التحولات السوسيومجالية في بحثه:
Mobilité socio-spatiale et développement local au sud de l’Atlas (Ait Hamza, 1999).
دراسة تحولات المعمار المبني بالتراب، وعلاقته بالفاعلين المحليين من خلال مقالة عبد العزيز التوري:
Le patrimoine architectural en terre au Maroc (Touri. A, 2010).
إن الدراسة التي جاء بها karim Moulay M’Hamed ليست فقط دراسة لمميزات المعمار المبني بالتراب وجماليته، بل أيضا دراسة للثقافة المحلية لمناطق الجنوب. إنها دراسة للمهارة المحلية في البناء ودوره في النظام الزراعي (مراقبة الحدائق الفلاحية) من جهة، ولأشكال البناء التقليدي للمعمار المبني بالتراب من جهة اخرى؛ هذه الأشكال تختلف باختلاف الوضع الاجتماعي والاقتصادي لصاحبه. فمسكن الغني يختلف في شكل برجه وزخرفته وحجمه عن مسكن الفقير.
ومنه، يمكن القول أن البناء المبني بالتراب لا يتكون فقط من مواد محلية، بل يحمل أيضا عادات وتقاليد المجتمع الذي يتواجد به. فالطقوس المصاحبة للبناء والتعاون بين أفراد الأسرة، يجعل منه تراثا ثقافيا باِمتياز. هذا الأخير أصبح اليوم في تراجع نتيجة الاِنفتاح على العالم عبر تطور وسائل المواصلات وكثافة التدفقات الهجرية والسياحية. هذه التدفقات ساهمت في وصول المواد الحديثة إلى مناطق الجنوب، وبالتالي في ظهور السكن الحديث الذي لا يتلاءم مع الظروف المناخية لهذه المناطق، مما أدى إلى تراجع البناء المبني بالتراب وما يُصاحبه من مهارات وتقاليد(1) .
وفي باب آخر درس الباحث Mohamed Ait Hamza، التحولات التي فرضتها الهجرة على السفح الجنوبي للأطلس الكبير. لقد بَينت الدراسة من خلال ثلاثة فصول، التغيرات التي مست المناطق الجنوبية للأطلس الكبير. فنجده قد تطرق في الفصل الأول للتحولات السوسيومجالية، ليس فقط على مستوى التنظيم القبلي والإداري، بل أيضا على مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لقد بين في هذا الفصل الدور الذي يلعبه الماء في التنظيم الزراعي، وكيفية توزيعه وحمايته، مما يفسر تواجد عدة معاهدات بين القبائل للحد من الصراعات القبلية. كما تطرق أيت حمزة لمكانة المهن اليدوية (النحت، والحدادة، والرعي، والبناء التقليدي...) التي عرفت اليوم تراجعا بسبب النظرة الدونية للعاملين بها.
وفي الفصل الثاني، تطرق الباحث للظروف الطبيعية الصعبة ومحدوديتها في إنتاج نظام زراعي تسويقي. لقد بين هذا الأخير كيف أدت المضخات الميكانيكية إلى تفكك الأسر بالقصور في فترة ما بعد الاستقلال، مساهمة بذلك في تراجع السكن الجماعي وتحرره من نقط تواجد الماء.
أما في الفصل الثالث، فتطرق إلى التحولات التي مست التنظيمات التقليدية. هذه الأخيرة تأثر دورها نتيجة ظهور مؤسسات الإدارة المحلية، وتراجع دور القبيلة، وفي المقابل ذلك ساهمت الهجرة في اِنفتاح الساكنة المحلية على العالم الخارجي(2) وظهور عدد من الممارسات أثرت على المجال الزراعي، فوضعت حدا للوظيفة الدفاعية للسكن التقليدي وروح التضامن التي كان يعكسها هذا التراث المعماري التقليدي(3).
أما، (Abdelaziz Touri - 2010)، فيُرجع سبب هذا التراجع إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها الأسرة المغربية اليوم، حيث أصبحت هذه الأخيرة تسعى للحصول على مسكن بأرخص ثمن، دون الاهتمام بالتراث المعماري المحلي، كما ساهم تحسن مستوى عيش الأُسر المادية في ظهور طرق جديدة في البناء أكثر حداثة(4).
لقد قدم لنا كل من الباحث أيت حمزة وكريم مولاي محمد تأثير العوامل الخارجية على المعمار المبني بالتراب والتغيرات التي مسته، إلا أنهما لم يتطرقا إلى تأثير هذا التراث على التنمية المحلية بالمنطقة، لذلك يحاول هذا البحث دراسة تأثير المشاريع التنموية على التراث المعماري بالوادي، وعلى المجال الاجتماعي والاقتصادي، اِنطلاقا من تمثلات الفاعلين المحليين وعلاقتهم بهذا التراث.
2.1.1 الدراسة الميدانية:
لدراسة سيرورة تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب، اِنطلاقا من تمثلات الفاعلين المحليين ببومالن دادس، اعتمدنا على المقابلة شبه الموجهة كأداة من أدوات المنهجية الكيفية. هذه المنهجية تهدف بالأساس إلى دراسة آراء وتصورات الفاعلين اِتجاه ظاهرة التحولات السوسيواِقتصادية والمجالية للتراث المعماري المبني بالتراب.
1.1. 1.2. مجال الدراسة:
يقع المجال المدروس في بيئة واحية منعزلة بين جبال الأطلس والتخوم الصحراوية الجافة بالمغرب. منطقة امتزجت فيها الظروف الطبيعية الصعبة بغياب سياسة تنموية فعالة رغم ما تتوفر عليها من موارد بشرية مهمة. إنها منطقة بومالن دادس. هذه المنطقة تقع على امتداد واد دادس بالجنوب الشرقي للمغرب، هو مجال ممتد طوليا على السفح الجنوبي لسلسلة الأطلس الكبير. هذا الموقع الجغرافي جعل منه نقطة اتصال وعبور بين مناطق جغرافية مهمة، هي تودغة وتافيلالت من جهة الشرق ودرعة جنوبا، ثم سوس غربا والأطلس الكبير شمالا(5). إن هذا الموقع الإستراتيجي للمنطقة جعل منها قبلة سياحية بامتياز، نظرا لما تتميز به من موروث طبيعي وثقافي مهم.
1.1. 2.2. المنهجية المتبعة:
لتحديد المحاور الرئيسية لدليل المقابلة قمنا بجولة استكشافية بالوادي، خلال هذه الفترة لاحظنا الدور الذي تلعبه الهجرة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضا على المستوى الاجتماعي. هذا التأثير مس أيضا التراث المعماري المبني بالتراب، إذ أصبحت المواد الحديثة تطغى على وسائل البناء التقليدية (التراب، القصب، الخشب...). لقد مكنتنا هذه الجولة من رصد مختلف أشكال المعمار المبني بالتراب؛ فهناك القصبات التي ظهرت بعدما انفجرت البنايات السوسيواقتصادية مما ساهم في ظهور عائلات قيادية تمثل السلطة المركزية... وهناك القصور وهي تجمعات سكنية محصنة بأسوار ولديها باب واحد، على الرغم من أنه كانت هناك قصور لديها أكثر من باب، وكانت تنقسم إلى مجالين مختلفين لكنهما متكاملين في آن واحد. فهناك المجال العمومي الذي يتجلى في المدخل، هذا الأخير ليس بابا ولكنه يضم بناء به منزل الحارس ومكان للحدادة، ثم دار القبيلة التي توجد في الطابق الأول(6)، ويقال له أيضا "تغرمت" أو إغرم بالأمازيغية أي القصر، وهناك "تادارت" أو "تكمي" أي المنزل الذي يميز الطبقة الفقيرة عن غيرها داخل المجتمع ويتميز باِرتفاع متوسط بالمقارنة مع اغرم.
ينتمي مجال دراستنا إلى دوار أيت يول وأيت إبريرن اللذين ينتميان إلى مشيخة توغازولي والجماعة المحلية أيت يول. هذه الجماعة يحدها شمالا، الجماعة القروية أيت سدرات الجبل السفلى، جنوبا سوق الخميس دادس، شرقا امضير-اكنيون، وغربا الجماعة القروية إغيل نومكون، وتبلغ مساحتها 277 كلم(7). كما تنتمي هذه الجماعة إلى قيادة أيت سدرات جبل، التابعة إداريا إلى جهة سوس ماسة درعة.
وهكذا، وجه دليل المقابلة الأول إلى الساكنة المحلية المستقرة والمهاجرة، بينما يوجه دليل المقابلة الثاني إلى المستثمرين بالمجال السياحي. فكانت عينتنا من المستثمرين إحدى عشر مستثمرا، أما عينة الأسر فكانت في الجدول (1).
لمقاربة تمثلات المستثمرين في الميدان السياحي، تم جرد جميع المشاريع السياحية المتواجدة في دوار أيت يول وأيت إبريرن، ثلاثة منهم في دوار أيت يول وثمانية في دوار أيت إبريرن عن طريق GPS. في هذه المرحلة استعنا أيضا بإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط HCP الغنية بالمعلومات الكمية فيما يخص التزايد الديمغرافي بالمنطقة وعلاقته بالتحولات التي يعرفها المعمار بالمنطقة من جهة، ومن جهة أُخرى اعتمدنا أيضا على تقرير:
Diagnostic Territorial Participatif de la commune rurale Ait Youl, (décembre 2009)
لــــدراسة الخصـــائــص الجــغــرافـــية وعـــلاقــتــها بالمعــمـــار المحلــي.
2.1. المفاهيم النظرية:
2.1. 1. مفهــــوم التــــراث بيــــن الثـــقـافــة والســـياحة:
يطلق مصطلح التراث الثقافي على مجموع نتاج الحضارات السابقة التي يتم توارثها من السلف إلى الخلف(9). لتحدد هوية المجتمع فتميزه في الحاضر وتربطه بالماضي. وسواء أكان التراث ماديا أو معنويا، فإنه بناء لكل ما هو اِجتماعي، فكري وحتى اِقتصادي. لقد تكون هذا الأخير نتيجة التراكمات الثقافية التي يعرفها المجتمع، لذلك اِرتبط مفهوم التراث ثقافيا بالإرث الذي يحدد الهوية الجماعية للمجتمعات.
إن التدخلات السياسية والاقتصادية التي يعرفها التراث اليوم يجعل من الصعب علينا تحديد المعايير التي يتم بها اختيار الشيء كتراث، إذ لم يعد الزمن والعمر يحدد قيمته التراثية(9) ، لذلك اعتبره الأنتروبولوجي أحمد السكونتي (Skounti, 2010) غير موجود. فعامل الزمن الذي كان يبني عليه المؤرخ تعريفه في المجال الثقافي سابقا، أصبح اليوم متجاوزا. لتصبح بذلك مسألة تأصيل الأشياء مرتبطة بمدى تقبل المجال لهذا التراث.
إن التراث المعماري المبني بالتراب بالمغرب أصبح اليوم جزءا من إستراتيجية سياحية تسعى إلى جعل هذا الأخير أكثر دينامية بجعله أداة للتنمية المحلية، عوض تحنيطه في مجال التراث الثقافي. ليتجاوز بذلك دوره في تجسيد الثقافة الأمازيغية والعلاقات الاجتماعية التي تربط المجتمع بالمسكن.
2.1. 2. فاعل التنمية المحلية:
تُعبر كلمة محلي عن كل ما هو قريب من المواطن، إنه كل ما يحيط به في المجال. داخل هذا المجال يكون الفاعل المحلي مجموعة من العلاقات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية تسعى إلى خلق دينامية لارفع من قيمة الموارد المحلية، في هذا الإطار نتحدث عن التنمية المجالية أو المحلية. فالتنمية المحلية تعتمد على عمل الفاعلين المحليين في التسويق للموارد المحلية التي تتميز بها منطقة ما عن باقي المناطق، سواء أكانت طبيعية أو ثقافية. وهنا نستحضر ما جاء به الكاتب شاكر إبراهيم (شاكر، 1980) في تعريفه لمفهوم التنمية حين قال "تنطوي التنمية على إحداث نوع من التغيير في المجتمع الذي تتوجه إليه، وهذا التغيير من الممكن أن يكون ماديا يسعى إلى رفع المستوى الاقتصادي والتكنولوجي لذات المجتمع، وقد يكون معنويا يستهدف تغيير اتجاهات الناس وتقاليدهم وميولهم"(10). هذا التغيير نحو تنمية اِقتصادية وثقافية لا يأتي من دون تأطير ومساعدة من الفاعلين من الأعلى (الدولة ومؤسسات مختصة)، الشيء الذي تفتقد إليه السياسات التنموية حاليا. فغلبة الطابع البيروقراطي الآمر، والخلافات، وتضارب المصالح بين مختلف الفاعلين، لاختلاف أهدافهم يجعل من الصعب على المجتمعات تحقيق تنمية فعالة خاصة في ظل الصعوبات الاقتصادية، والاجتماعية، وأيضا الجغرافية.
إن التراث المعماري المبني بالتراب، من بين الموارد المحلية التي من شأنها أن تُساهم في تحسين ظروف عيش ساكنة الواحات والمناطق الهشة. فعن طريق توظيف هذا التراث في الاستثمارات سيخضع هذا الأخير لعملية ترميم واسعة تمكنه من البقاء، والتعريف بالمجال المتواجد به. هذه الاستثمارات يشترط فيها أن تكون ساعيةً للرفع من قيمة المعمار المحلي والثقافة المحلية، ونابعةً من القاعدة؛ أي اِنطلاقا من الفاعلين المحليين، من الساكنة المحلية مرورا بالمهاجرين، والمستثمرين، والجمعيات المحلية...، ثم السلطات الوطنية، وليس نتيجة لضغوطات فاعلين دوليين.

2. المبحث الثاني:
دينــــامـــيـة التـــراث المـعـمـــاري المــبــنــي بـــالتــــراب فــــي إطـــــــار التحــــــولات السوسيواِقتصادية والمجالية بوادي دادس:
إن الطابع الشبه الصحراوي لمنطقة بومالن دادس وعدم خضوعها المباشر للتأثيرات البحرية، قد ساهم في عزلة هذه الأخيرة عن المغرب الأطلنتي. فالجبال المحيطة بالوادي من جهة الشمال والغرب، قد منعت تسرب الكتل الهوائية البحرية الرطبة على المجال، كما أن اِنفتاح هذا الأخير على المؤثرات الصحراوية، يفسر المناخ الشبه الصحراوي بالمنطقة. هذه الظروف الطبيعية للمنطقة أدت إلى ظهور عدة نزاعات قبلية بين القبائل بسبب ندرة الماء والأرض الصالحة للزراعة، الشيء الذي يفسر الطابع الدفاعي للمعمار المبني بالتراب. هذه الوظيفة سرعان ما سوف تختفي بعد الاستقلال. لتبدأ ساكنة المنطقة في البحث عن موارد خارجية تمكنها من تحسين مستوى عيشها (الهجرة).
إن الظروف الجغرافية والاجتماعية بالمنطقة، لم تمنع ساكنة بومالن دادس من الهجرة والاِنفتاح على العالم. هذا الانفتاح انعكس سلبا على المعمار المحلي المبني بالتراب، وعلى مهارات البناء القديمة. فبعدما كان المعمار التقليدي محور الحياة بالوادي لارتباطه بالوظيفة الإنتاجية والتنظيم الزراعي بالمنطقة، أصبح اليوم مرتبطا بالهجرة والسياحة. هذه الأخيرة أضحت تلعب دورا مهما في الاقتصاد المحلي. فما هو دور السياحة في تطور المعمار المبني بالتراب بمنطقة بومالن دادس؟ وما هي مراحل تحوله وأسباب تراجعه كمعمار محلي؟
2. 1. الوظائف التقليدية للمعمار المبني بالتراب في النظام الزراعي بدادس:
1.2. 1. تــوافــق المعمار المبني بالتراب مــع الخصــائــص الجغــرافــية لمنطـقـة بومالن دادس:
يتميز المعمار المبني بالتراب بدادس بقدرته على التكيف مع طبيعة المناخ الشبه صحراوي، مما دفع الساكنة المحلية قديما إلى البناء بالتراب. فقدرته على مقاومة الحرارة الأكثر اِرتفاعا في فصل الصيف، والأكثر اِنخفاضا في فصل الشتاء يجعله المعمار الأمثل للاستقرار بالوادي. لقد ساهم توفر المجال على مواد البناء من خشب أشجار الصفصاف وتربة طينية في منح المباني منظرا طبيعيا يمتزج فيها مع التضاريس المحيطة به.
إن توفر المعمار المبني بالتراب على جدران سميكة يجعل من الصعب على حرارة الشمس اختراقها في فصل الصيف وفي المقابل تزيد قدرتها على المحافظة على الحرارة في فصل الشتاء. هذه الجدران تتحلل طبيعيا مع توالي السنوات دون أي تأثير على البيئة، لذلك تقول إحدى المستثمرات الأجنبيات التي اختارت الاستقرار بالمنطقة "الساكنة لا تهتم بالتراث، إنهم يظنون أن المسكن المبني من الإسمنت أكثر حداثة من المسكن المبني بالتراب مع العلم أن العالم بأسره يتحدث الآن عن المساكن المبنية بالتراب، والخشب، وبكل ما هو طبيعي، لان من ايجابيات المسكن المبني بالتراب أنه إذا لم يرمم يهدم تلقائيا عكس المسكن الإسمنتي الذي يصبح كارثة بعد 30 سنة" (المقابلة رقم: p11).
إن الإلمام بالخصائص البيئية للمعمار المبني بالتراب، وعلاقته بمحيطه الجغرافي يتطلب حصول الفرد على مستوى تعليمي مرتفع. هذا العنصر يلعب دورا مهما في جعل الفرد قادرا على تحليل مختلف مكونات مجاله الجغرافي والبيئي، لذلك نجد أن 23 % من المبحوثين من الساكنة المحلية الحاصلين على تعليم جامعي يتحدثون عن فوائد هذا المعمار البيئية والصحية. كما ارتبط هذا المعمار أيضا بالجانب العاطفي مما يفسر رفض المبحوثين استغلاله من أجل تكوين مشاريع سياحية، فتصريح إحدى المبحوثات "لن أحول مسكني إلى مشروع سياحي، لأنه لا يمكن أن أُدخل سائحا إلى مسكني، فهذا غير لائق، وإذا أراد أولادي أن يستثمروا في مجال السياحة فعليهم ببناء مشروعهم في مكان آخر" (المقابلة رقم: 21pop) يدل على أن دخول السائح إلى المسكن المبني بالتراب يفقده قدسيته، فيصبح بذلك "نجسا".
هذا الجانب التقديسي للتراث المعماري يحتكم أيضا إلى عامل الزمن والقدم، فكلما زاد عمر المعمار المبني بالتراب كلما زادت قيمته الرمزية. ليصبح بناء مقدسا لا يجوز دمجه في مشاريع تنموية لأن ذلك من شأنه أن يفقده رمزيته.
إن المستوى التعليمي للفاعلين يلعب دورا مهما في تثمين المعمار المبني بالتراب، لكنه لا يساهم في بقائه وفي عملية الترميم. فالتكلفة المادية للبناء والترميم تثقل كاهل الساكنة المحلية، مما يفسر تجاوزهم للدور البيئي الذي يلعبه المعمار التقليدي، لصالح المعمار الحديث.
1.2. 2. وظائف المعمار المبني بالتراب: من الوظيفة الدفاعية والإنتاجية إلى الوظيفة الإيوائية
يعبر المعمار المبني بالتراب ببومالن دادس عن مجتمع قبلي يَنبني على التكافل وتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال زراعة معيشية مرتبطة بالوادي. تأسست حول هذا الوادي حياة اِجتماعية واِقتصادية مكنت الساكنة من تكوين نظام عيش خاص بهم، غير أن التحولات التي عرفها هذا المجتمع بفعل الهجرة والانفتاح على العالم، أفقد المعمار المحلي مجموعة من وظائفه، فلم يعد هناك مجال لإقامة أسوار وأبراج لأغراض دفاعية وأمنية، ولم تعد هناك ضرورة لوجود ساحة عمومية، ولا حي للحرف، ولا للضيوف، ولا لمخزن القبيلة(11). فالتنظيم الاجتماعي والاقتصادي الذي كان يعتمد على الزراعة بالوادي تغير بفعل الهجرة وعوامل أُخرى كالإحساس بالأمان نتيجة اِنتهاء الحروب التي كانت سببا في ظهور الوظيفة الدفاعية والإدارية لهذا المعمار.
إن التأصيل الذي عرفته المباني المبنية بالتراب محليا شجعت 64 % من المستثمرين على تحويل مساكنهم إلى مشاريع لإيواء السياح.
هذه المساكن كانت في البداية مُهملة بعدما انتقل أصحابها للاستقرار بجانب الطريق، ففي ظل التحولات السوسيواِقتصادية التي عرفتها المنطقة أهمل هذا النوع من المعمار التقليدي، في هذا الصدد يقول أحد المستثمرين المحليين "لقد كان أجدادنا يبنون بالتراب، أما جيل الثمانينات والتسعينات خصوصا المهاجرين منهم فقد فضلوا الإسمنت المسلح، ولولا السياح وحبهم لهذا النوع من المباني لما كنا قد عدنا للبناء بالتراب"(المقابلة رقم: p6).
إن اهتمام السياحة بالمباني المبنية بالتراب قد ساهم في الحفاظ على التراث المعماري بالمنطقة بعدما تراجعت وظيفته الإنتاجية. ليصبح بذلك التراث المعماري حكرا على المشاريع السياحية (مآوي، فنادق، نزل، مخيمات...).
2. 2. أسباب تدهور المباني المبنية بالتراب
تتعدد أسباب تدهور المعمار المبني بالتراب بين ما هو طبيعي وبشري، الطبيعي منه يأتي نتيجة اِرتفاع درجة الحرارة صيفا وانخفاضها شتاء نتيجة هطول الثلوج والأمطار والرياح الباردة والحارة، فأما البشري منه فيأتي نتيجة العامل الديمغرافي، والديني والسوسيواِقتصادي.
2.2. 1. دور الهجرة في انتشار السكن ذي ا لطابع الحضري
لقد ساهمت الهجرة التي عرفتها المنطقة في إحداث تحولات اِقتصادية واِجتماعية بمنطقة دادس منذ سنة 1960، مما اِنعكس إيجابا على مستوى عيش الساكنة المحلية، وسلبا على المعمار التقليدي لصالح المعمار الحديث. هذا النوع من البناء في المخيال الاجتماعي يعكس "التطور" والرفاهية منذ فترة السبعينات والثمانينات بالوادي، لذلك نجد أن الساكنة رغم تفضيلهم للبناء المحلي كنوع من الحنين للماضي يتجهون نحو البناء الحديث، في هذا الصدد يقول أحد المبحوثين "ان الناس يبنون أكثر بالإسمنت، لأن الإسمنت كان يعني الثراء بحكم أن المهاجرين الخارجيين كانوا يبنون به منذ 1980 و1990. أما المهاجرين الداخليين من الموظفين فلم يستعملوا الإسمنت إلا في سنة 2000، لأن الترميم بالنسبة لهم مكلف. انهم يختارون الإسمنت لأنهم لا يعرفون معنى التراث والفن، فهم يبحثون فقط عن المسكن"(المقابلة رقم: 2).
إن تقليد الساكنة المستقرة للمهاجرين في طريقة البناء أدى إلى تراجع البناء المحلي بالوادي. وهكذا، ظهرت المساكن الحضرية على طول الطريق بشكل مبعثر في المجال، عكس المعمار المحلي القديم الذي تتميز مساكنه بالتقارب الذي يعبر عن تلاحم سكان المنطقة وتضامنهم. ليفقد بذلك الوادي تجانسه مع الطبيعة .
لقد أدى فشل المعمار الحديث في التكيف مع اِرتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف وبرودة الطقس في فصل الشتاء إلى ظهور ظاهرة السكن المختلط (التراب والاسمنت). هذا النوع من السكن جعل التراث المعماري بالوادي معمارا هجينا تمتزج فيه المواد المحلية بالحديثة، مما أدى إلى تراجع المعمار القديم والمهارات القديمة في البناء داخل الوادي.
إن عدم قدرة البناء الحضري على التكيف مع الظروف المناخية للمنطقة، جعل ساكنة المنطقة تخصصه فقط للضيوف وتلجأ إلى إعادة ترميم الأجزاء القديمة المبنية بالتراب للاستقرار بها. هذه النظرة التحقيرية للبناء المبني بالتراب سرعان ما سوف تتغير بفعل عامل التعليم الذي رفع من مستوى الوعي والبعد التراثي للمعمار. ليصبح بذلك المعمار المحلي بمثابة عنصر هوية لأبناء المنطقة.
2.2. 2. التزايد الديمغرافي وظهور النزعة الفردية لتكوين أسر نووية
من أسباب تدهور المباني المبنية بالتراب الانتقال من السكن الجماعي إلى السكن الفردي، يقول أحد المبحوثين من ساكنة هذا الدوار في هذا الصدد «لقد كنا نقطن بجانب الوادي في البداية ثم اِنتقلنا إلى هنا، لأنه لم يعد صالحا للسكن؛ بحكم اننا أصبحنا أكثر عددا» (المقابلة رقم: pop15).
إن التزايد الديمغرافي بالوادي أدى إلى تدهور التراث المعماري، حيث اِنتقل عدد ساكنة جماعة أيت يول من 3972 نسمة سنة 1994 إلى 4466 نسمة سنة 2004(12). كما ساهم تراجع دور الجماعة كتنظيم تقليدي يسهر على عملية الترميم عن طريق جمع التبرعات أو ما يسمى "بالتويزا" إلى تراجع المعمار المحلي أيضا.
هذه النزعة الفردية والرغبة في الاستقلال لم تشجع على البناء بالتراب، فالاستقلال المادي للأفراد والرغبة في وتكوين أسر نووية دفع بالساكنة إلى بناء أجزاء أُخرى من الإسمنت والاكتفاء فقط بترميم الجزء القديم.
2.2. 3. الرغبة في التطور بالاعتماد على أساليب حديثة في البناء
لقد ساعدت عائدات الهجرة في تحسين مستوى عيش الساكنة، وبالتالي الرغبة في إثبات الغنى والرفاهية مما أدى إلى تراجع المعمار المحلي لتشييد معمار آخر حديث. لتتراجع بذلك التقنيات القديمة للبناء كتدلاكت أو عملية تطيين الجدران (عملية يتم فيها مزج الطين بالتبن)، لصالح تقنيات حديثة تعتمد بالأساس على الإسمنت والحديد.
إن الإصرار على ضرورة مواكبة التحولات جعلت المعمار الإسمنتي رمزا من رموز التطور. لقد أصبح الحديث عن البناء بالتراب في الوادي يعكس تأخرا فكريا أدى إلى تراجعه كمعمار محلي، مما تسبب في ضياع المهارات القديمة في البناء، وظهور ظاهرة السكن المختلط.
2.2. 4. تراجع اليد العاملة المؤهلة و ارتفاع كلفة الترميم
إن هجرة الحرفيين أدت إلى ارتفاع كلفة الترميم خاصة في ظل الظروف الطبيعية القاسية وفشلها في التكيف مع البناء الحديث، بالإضافة إلى التوسع العمراني المتزايد، وتزايد الطلب السياحي. كل هذا أدى إلى تراجعه كمعمار محلي، لذلك يقول أحد المهاجرين "السكان يفكرون في الجانب المادي رغم ما توفره المساكن المبنية بالتراب من فوائد، لأنها باردة صيفا ودافئة شتاء، لذلك فالأغلبية لا يهدمون المنازل المبنية بالتابوت (التراب)، بل يرممونها ويضيفون لها جزءا آخر مبنيا بالإسمنت" (المقابلة رقم: 2).
ومنه، فللعامل المادي دور مهم في تراجع المعمار المبني بالتراب، لذلك نجد من المستثمرين رغم اِرتفاع مستواهم التعليمي من يقول "إن الساكنة اليوم لم تعد تهتم بالمحافظة على التراث، لذا على الدولة أن تقوم بالمحافظة عليه، بالفعل دون خطابات من أشخاص لا يعيشون واقعنا. أنا شخصيا لن أقبل وأنا في سن الستين أن أُرمم مسكنا وأن أتحمل مصاريف ترميمه كلما كانت هناك تساقطات" (موظف) (المقابلة رقم:p 1).
2.2. 5. الإرث والملكية الجماعية:
تعتبر الملكية الجماعية للأرض في دادس أحد أهم الخصائص المميزة للعقار بمنطقة الجنوب الشرقي، مما يجعل من المستحيل على الساكنة المحلية أن تبيع مساكنها أو أراضيها. ومنه، توالي الأجيال وتزايد عدد الورثة الذي أدى بدوره إلى إهمال التراث المعماري. إن عدم قدرة الأفراد على تحمل مصاريف ترميم هذا الأخير عبر عنه مجموعة من المهاجرين الداخليين مثل قول أحدهم "تعاني المباني المبنية بالتراب من مشكل الإرث، إذ نجد عددا من المستثمرين الأجانب الذين يريدون ترميم هذه القصبات وعندما يريدون شراءها يجدونها في ملك الدوار بأكمله ومن الصعب إيجاد العائلات المالكة لأن منهم من هاجر" (المقابلة رقم: 2).
لقد أدى نظام الإرث إلى عدة نزاعات بين الأفراد بالوادي. فالقيمة المادية للعمارة الطينية نتيجة تأصيله، وتسليعه من طرف المستثمرين في الميدان السياحي، أدى إلى ترك الأفراد له لفض النزاع الأسري إلى أن يهدم بفعل عوامل طبيعية أو بشرية.
3.2. سـيـرورة إعــــادة تـــأهـــيــل المـعـمــار المـبنـي بـــالتـــراب:
لقد ساهمت السياحة في تثمين المعمار المحلي الذي تراجع نتيجة الهجرة منذ الستينات. الدور الذي لعبته السياحة في تثمين المعمار المبني بالتراب وتقديمه كمنتوج سياحي انعكست أثاره على الاقتصاد المحلي بالوادي.
فتوفر منطقة بومالن دادس على مؤهلات طبيعية وثقافية، مما يجعلها محط اهتمام السياح والمستثمرين عالميا. فالمبحوثون من الساكنة المحلية ممن لا يحبذون فكرة تواجد الاستثمارات السياحية بالمنطقة لا يتجاوزون 32 % من عينتنا. هذه النسبة تموقعت في دوار أيت إبريرن الذي يعرف اِرتفاعا في عدد مشاريعه السياحية. تعود أسباب الرفض فيه لأسباب طبيعية تتجلى في خوف الفاعلين من استهلاك السياح الغير معقلن للماء.
مع عملية تأصيل التراث المبني بالتراب دوليا من طرف المنظمات الدولية كتصنيف اليونيسكو لقصر أيت بن حدو كتراث عالمي(13) سنة 1987 كتراث إنساني، وعالمي، واهتمام المجال السينمائي به، ابتدأ الاهتمام المحلي به أيضا.
ومنه، بداية تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب عن طريق تأهيل وترميم المساكن القديمة وتحويلها لمشاريع سياحية (أنظر الشكل: 1)، وبالتالي تقديم منتوج جديد للسياحة المغربية.
إن كون 27 % فقط من الاستثمارات المبنية بالتراب دون مواد حديثة يدل على صعوبة الترميم، لذلك عمد 73 % من المستثمرين إلى وضع طبقة من التراب فوق البناء الإسمنتي من أجل جذب السياح دون الاهتمام برمزية التراث.
لقد ساهمت السياحة بشكل كبير في اِقتصاد المنطقة؛ بخلق فرص الشغل، والتعريف بالمنطقة وكذا المحافظة على المباني القديمة حسب 68 % من عينتنا. فساهمت بذلك في تأهيل المعمار المحلي الذي كان فارغا ومهملا (أنظر الخريطة: 1).
إن المعمار المبني بالتراب بالنسبة للمستثمرين المحليين يهدف بالدرجة الأولى إلى الربح وجذب أكبر عدد من السياح، بالإضافة إلى ذلك يسعى المستثمرون الأجانب إلى جعله مسكنا ثانويا لهم بالوادي. هذا المعمار القديم يفقد رمزيته وقدسيته بالنسبة للمحليين عندما يتحول إلى مشروع سياحي، لذلك تقول إحدى المبحوثات "لقد أسس عمي مشروعا سياحيا ولكنه أغلقه بعد أن كبر أبناؤه ولم يعودوا يريدون أن يستقبلوا السياح. إن ابنه رفض هذا المشروع رغم أنه كان قبلة لعدد كبير من السياح" (المقابلة رقم: pop10).
لقد ساهمت الوظيفة السياحية للمعمار المبني بالتراب في عودة البناء المحلي للوادي، إلا أنها أفقدته قدسيته، لكون المحال السياحة في المخيال المحلي رمزا للهو والترفيه، مما أفقد المكان قدسيته. فهذه المباني (القصور) قديما كانت مكانا لتلقين القرآن الكريم وتحولها لمشاريع سياحية غيرت نظرة الفاعلين إلى البناء، إذ بمجرد ما يتحول المسكن لمشروع سياحي يفقد دلالاته الرمزية والروحية ويصبح مجرد وسيلة للاستثمار والربح المادي، مما يفسر خروج الأسر منه للاستقرار في مسكن آخر.
إن مساهمة الاستثمارات السياحية في إعادة ترميم المباني القديمة لم يخل من سلبيات؛ فتسليع هذا التراث، وتزايد المعمار المختلط والهجين، والزحف العشوائي للمشاريع السياحية، وغياب تكوين للمستثمرين ألحق ضررا بالمجال البيئي والموارد المائية بالمنطقة، وبالتالي الإخلال بالتوازنات البيئية المحلية والنقص من الجدوى الاقتصادية للاستثمار بالوادي.

3. المبحث الثالث:
المعـــمـــــار المبـنــي بــالــــتـراب فـــي مخيــلة الفــــاعـلــــيـن المـحــلــــيـيـن
إن التــــأصــــيل الجمـــاعــــي للــــتــراث المعــمـــاري المــبـــنــــي بــالتـــراب لا يعـنــي بـــالضــرورة تــوحـــد مفهــــوم التــــراث عنــــد الفـــاعــلـــين المحلـيـــين. فالـعوامــل الاجتماعـــية، والاقتصـــادية، والثقافــية تتحكم بشكل كبير في علاقة هـــــؤلاء بالتـــــراث، هــــذه العـــــــوامـــــل تــــرتبــــط بمــــا هـــــــو مــــــادي أو رمزي.
1.3. المعمار المبني بالتراب: نحو أشكال هجينة من البناء
يلعب الجانب الاقتصادي دورا مهما في توجيه المستثمرين نحو ترميم التراث المعماري المبني بالتراب. هذا العامل الاقتصادي والمادي دفع 27 % من المستثمرين المحليين إلى إضافة طبقة أخرى من التراب على البناء الإسمنتي، لقد حاول هؤلاء بهذا النوع من المعمار جذب السياح إلى مشاريعهم السياحية.
إن النظرة المادية التي يُنظر بها للمعمار المبني بالتراب، باعتباره اِستثمارًا مربحًا غيرت من القيمة الرمزية لهذا الأخير، الشيء الذي يظهر بوضوح من خلال قول أحد المستثمرين "والله لقد هدمت مساكن بجواري من أجل بناء أُخرى بالإسمنت ولو ظلت تلك المباني لحد الآن لكانت بيعت اليوم بالملايين" (المقابلة رقم: p5) .
إن عدم اِهتمام هذه العينة من المستثمرين بالمهارات القديمة، نتج عنه تراجع قيمة المعمار المبني بالتراب الرمزية لصالح أخرى مادية. لقد أدت رغبة هؤلاء في جذب السياح دون تحمل مصاريف الترميم إلى تراجع المعمار المحلي، مما أفقده أصالته التي تعتمد بالأساس على المواد المحلية والبسيطة في البناء، لذا نجد انه فقط27 % من المستثمرين من استعملوا التراب والتقنيات التقليدية في البناء دون اللجوء إلى مواد ووسائل حديثة (أنظر الشكل: 2). يعود ذلك إلى تجربتهم في الميدان السياحي كمرشدين سياحيين أو عمال في مشاريع سياحية.
أما %46 من المستثمرين فقد فضلوا البناء بالمواد الحديثة. يعود اختيار هؤلاء للإسمنت من أجل بناء مشاريعهم السياحية، لكونهم كانوا من المهاجرين الأوائل الذين قرروا الاستقرار بالوادي عن طريق الاستثمار في المجال السياحي. هؤلاء تأثروا بشكل كبير بالتثمين الذي كان يعرفه المعمار الإسمنتي آنذاك باعتباره رمزا من رموز التطور، غير أن التثمين السياحي للتراث المعماري أدى إلى الرفع من قيمة المباني المبنية بالتراب، وبالتالي إلى الرفع من ثمن مواد البناء التقليدية واليد العاملة مما دفع بالأسر إلى الاحتفاظ بالبناء القديم وبناء جزء آخر حديث.
2.3. علاقة المستثمرين الأجانب بالمعمار المبني بالتراب
إن الجانب السياحي لمنطقة بومالن دادس جعلها موضوع اِهتمام السياح والمستثمرين الأجانب. فمورثوها الطبيعي والثقافي خاصة معمارها المبني بالتراب، دفع بالمستثمرين الأجانب إلى الاستثمار والاستقرار بالمنطقة، في هذا الصدد تقول إحدى المستثمرات بالمنطقة (69 سنة) "إننا لم نستقر هنا صدفة لقد كنا نزور المغرب من أجل المشي وتسلق الجبال في دادس وذلك لمدة 10 سنوات. وفي أحد الأيام قلت لنفسي إنني مرتاحة هنا بسبب المناخ الجيد لأن موطني يتميز بكثرة الرطوبة التي سببت لي الروماتيزم وهشاشة العظام، لذلك قررت التقاعد هنا. وفي سن الستين، استقريت هنا وحاولت شراء أرض لكنني لم أستطع، فاشتريت هذه القصبة التي كانت عبارة عن خراب" (المقابلة رقم: p11).
المستثمرون الأجانب يجدون في هذه المنطقة مجالا للاستثمار، نظرا لما تتميز بها من موارد طبيعية وثقافية، وكذلك فرصة لتغيير نمط العيش. هؤلاء يعتبرون أن المحليين غير قادرين على المحافظة على التراث المعماري بالوادي وغير قادرين على فهم معنى التراث، فارتفاع نسبة الأمية بالمنطقة يدفعهم إلى الاعتقاد أن عامل التعليم يلعب دورا مهما في توجيه الفرد نحو البناء بالتراب والترميم، لذلك تقول نفس المستثمرة «الأغلبية هنا لا تهتم بالمعمار المبني بالتراب لأن الحديث عن البيئة يتطلب الحصول على تعليم، وهنا لا يزال الأفراد لا يجيدون القراءة والكتابة، خصوصا الفتيات» (المقابلة رقم: p11).
إن اِرتفاع نسبة الأمية بجماعة أيت يول خاصة لدى العنصر النسوي (نسبة الأمية تزيد عن 51.5 % بين صفوف العنصر النسوي، في مقابل 15.5 % بالنسبة للذكور(14) لا يعني بالضرورة عدم اهتمام هؤلاء بالمعمار التقليدي، إذ نجد أن 18 % من أصل 23 % من المبحوثين المستقرين بالوادي لهم مستوى تعليمي جامعي غير أنهم توجهوا نحو استعمال مواد حديثة في البناء.
لقد أدى رفض الساكنة لبيع مساكنها المبنية بالتراب من أجل الاستثمار السياحي سواء للأجانب من بلد آخر أو من خارج المنطقة إلى تحنيط هذا التراث في قيمة رمزية، مما يحول دون استثماره في مشاريع تنموية. هذا الاهتمام نتج عنه توقف تام لهدم كل ما هو قديم والعمل على استغلاله في مشاريع اقتصادية. يقول أحد المستثمرين المتأثرين بنظرة الأجنبي للمعمار المبني بالتراب "في أحد الأيام اصطحبت سائحا إلى منزلنا، فأخبرني أن المسكن الآخر المبني بالتراب أفضل من هذا المبني بالإسمنت، رغم أننا صرفنا عليه مبالغ طائلة لبنائه وزخرفته. لهذا أفكر في أن أرمم المسكن القديم الذي نملكه وأتخذه مسكنا" (المقابلة رقم: 19 pop).
هذا التأثير الأجنبي على الساكنة المحلية ساهم بشكل كبير في عملية تثمين وتأصيل المعمار المبني بالتراب بالوادي بعدما كان عرضة للاندثار.
إن ما يميز هذا التدخل الأجنبي بالوادي هو تغييره للمعمار المحلي وإدخاله لمجموعة من المرافق الغريبة عن الثقافة المحلية كالمكتبة، قاعة الموسيقى، والمسابح (أنظر الصورة).... هذه الأخيرة كانت سبب رفض الساكنة المحلية لاستقرار الأجانب بينهم.

خاتمة
يعتبر التراث المعماري أحد الركائز الأساسية المُشكلة لهوية المجتمع لما يجسده من عادات ، وتقاليد المجتمع. يعبر هذا الأخير عن قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته ومحيطه، مما جعله محط تأصيل وتثمين جماعية من طرف الفاعلين والسياح ومحط اهتمام المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
لقد استطاع المعمار المبني بالتراب التكيف مع مختلف التحولات السوسيواِقتصادية والمجالية التي يعرفها المجتمع. فرغم التحولات التي فرضتها الهجرة بالوادي، ودورها في تراجع هذا المعمار المحلي لصالح البناء الحديث نجده قد عاد بقوة من خلال الوظيفة السياحية. هذه الوظيفة ساهمت بشكل كبير في ترميم عدد من المباني والمنشآت المبنية بالتراب. فعبر تحول هذه الأخيرة إلى مشاريع سياحية استطاع المعمار المبني بالتراب أن يستعيد قيمته المادية داخل المجتمع الدادسي. هذا الجانب الاقتصادي للسياحة ساهم في إنقاذ التراث المعماري بالمنطقة، عبر ترميمه وإعادة تأهيله بعدما تراجعت عدد من وظائفه. هذه العودة قد غيرت من معالم هذا التراث ليتم تسليعه من طرف المستثمرين المحليين في المجال السياحي نتيجة التنافس وافتقاد هؤلاء للتكوين. ومنه، تراجع قيمته الرمزية وظهور أشكال هجينة للمعمار المحلي من أجل جذب السياح.
إن عملية تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب ببومالن دادس قد تشكلت بشكل عفوي، لتصبح لها أهداف اِقتصادية تجاوزت بها المنظور التاريخي والتقديسي للتراث المعماري، فاِرتباط هذا المعمار بالطفولة وبماضي الفاعلين المحليين بالوادي لم يساهم في استمرار عملية ترميمه، غير أن اِرتباطه بالاستثمار السياحي جعله مساهما في الاقتصاد المحلي للمنطقة.
وبذلك تخضع عملية تأصيل التراث المعماري المبني بالتراب لعدة عوامل داخلية يتحكم بها العامل الديني، والجانب التعليمي والمادي للفاعلين المحليين، كما تخضع في نفس الوقت لعوامل خارجية نتيجة التثمين الدولي والأجنبي (السائح والمستثمر) الذي يظل رمزيا في غياب إستراتيجية تسويقية تمكن المستثمرين من تسويق منتوجهم وتحقيق الهدف من هذه المشاريع.