اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

التراث الثقافي والمواريث الشعبية الموريتانية
تعيش موريتانيا معركة التنمية والتقدم بجل مصاعبها، ومعركة تأكيد الهوية معاً، بعد أن رسمت حدودها سكين الاستعمار الحادة. وا...

الموروث الموسيقي الشعبي و علاقته بالطرق الصوفية في تونس من خلال نموذج
ارتبطت الموسيقى منذ القدم بالتقاليد والممارسات العقائدية والدّينية و تعتبر المجتمعات الإسلامية من بين الشعوب التي تبنت ا...

جمع الثقافة الشعبية ... ماذا بعد
بعد مرور ما يقرب من ستة عقود من الجمع الممنهج للثقافة الشعبية العربية سبقتها قرون من جمع تم على أيدي المستشرقين والرحالة...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
عـتـيـقـة وصـامـدة الـربـابـة.. آلـة الـنـغـم والـشـجـن فـي الـفـن الـشـعـبـي
العدد 38 - موسيقى وأداء حركي

أ. حسني عبد الحافظ
كاتب من جمهورية مصر العربية

 

إذا لم يأتك الحديث عنها، فهي آلة موسيقية، ليست كأي آلة، إنها من أقدم وأشهر الآلات التي ما زال لها حضور قوي، في مجالس السمر، وأفراح البادية، والأرياف، وتُعنى بها جل فِرق الفنون الشعبية، وتحرص على استخدامها في المهرجانات التراثية والسياحية، قال عنها المؤرخ والفيلسوف الألماني هايني "إنها آلة لها أمزجة البشر".. يُقدِم على صناعتها كثير من الحرفيين المهرة، الذين ينتشرون في مناطق مُتفرِّقة من المعمورة العربية، حيث أنهم توارثوا هذه الصناعة عن آبائهم وأجدادهم، ورغم العائد المادي القليل، إلاَّ أن عددا من هؤلاء الصُنَّاع يؤكدون أنهم ماضون في حِفظ هذه الآلة التراثية العريقة، ومنعها من الاندثار، بل والعمل على ذيوعها وانتشارها، برغم غزو آلات الديجتال التي تـهــدد خـصـوصـيتـهـا.
فماذا عن تاريخ آلة الربابة..؟
وما أهميتها في الفن الشعبي..؟
1. فــي الـلـغــة
أورد غير مُعجم من المعاجم اللغوية الذائعة، كلمة (رباب)، بفتح الراء، بمعنى السحاب الأبيض، الذي يتشكَّل على هيئة نُتَف القُطن، تحت السحاب المُتجمِّع، ذكر ذلك الإمام محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، في مختار الصحاح، وأضاف: الرباب، هو السحاب الأبيض المرئي، والواحدة ربابة، وافقه في ذلك صاحب معجم المُنجد، فقال: الرباب، واحدته ربابة، وهو السحاب الأبيض، وأضاف: وهو آلة الطرب..وفي المعجم الوجيز، هو "آلة شعبية ذات وتر واحد". وفي المصباح المنير، قال العلاَّمة أحمد بن محمد بن علي المقري، في المعنى اللغوي، "الربى: الشاة التي وضعت حديثــًا، وقيل التي تُحبس في البيت للبنها. والجمع رباب، بضم الراء. وورد في معجم المعاني الجامع: ربابة، بفتح الراء اسم، والجمع رباب، وهو السحاب الأبيض، وفي الموسيقى هي آلة طرب شعبية، ذات وتر واحد، تُشبه الكمنجة في شكلها، وكان الراوي قد قصَّ لنا السيرة الهلالية على الربابة".
وفي تفسيرهما للعِلاقة بين المعنى اللغوي، واسم الآلة الموسيقية، أشار كُل من أ.د. عبد الحميد حمام، ود. رامي حداد، إلى أن العرب "رُبما استعاروا كلمة رباب، من السحاب الذي يجر نفسه من مكان لأخر، كما يجر القوس على الوتر، أمـَّا الربابة بكسر الراء وتشديدها، فتعني الخيط الذي تُشد به السهام، وقد تكون لذلك علاقة بالتسمية، حيث أن الآلات الوترية تطوَّرت عن القوس، والنشاب الذي كان يُستعمل قديمــًا في صيد الحيوانات، إلى أن أتى ذلك القنَّاص المُتشوِّق للنغم، فحوَّل ترددات الوتر، بعد إفلات السهم، إلى ألحان ونغم»..وعند المُعجميين الفُرس، فإن كلمة الربابة تعني (رن)، أو (أران)، وهي مأخوذة من فِعل (رسيب)، في اللغة الفارسية .
2. أصــل الـــربــابـــة
وحول منشأ أو أصل الربابة، تباينت المصادر، ولم تتفق على رأي واحد، فثمة من ينسبها إلى المصريين القُُدماء، مُستندًا على رسومات بدائية لها، على جُدران بعض المقابر والمعابد، في المناطق الأثرية بميت رهينة وأبو سمبل ودهشور، إلاَّ أنه تبيَّن بدراسة تفاصيل شكل هذه الآلة أنها آلة الطنبور الفرعونية ذات الوترين.. وتنسبها مصادر أخرى إلى الهند، حيث استُخدِمت آلة موسيقية في مناطق الجنوب والشرق، تُدعى آلة "رافانا سترون" Ravana Stron، وذلك في الألفية الرابعة قبل الميلاد، إلاَّ أن غير واحد من خُبراء ومُحترفي صناعة الآلات الموسيقية الشعبية، أكد أن رسومات هذه الآلة أشبه بـ(البربط)، وليس له قوس يُجَر به.. وترى بعض المصادر أن الربابة أصلها بلاد الرافدين، حيث وِجدت لها رسوم تعود إلى عهد السومريين، وأن العراقيين توارثوها وطوروها عبر التاريخ، حتى وصلت إلى ما يُعرف عندهم حتى الآن باسم (الجوزة).. وقيل أن أصولها في الشمال من هضبة الأناضول، حيث تعيش القبائل والبدو الرُحَّل.. وفي مصادر أُخرى هي ذات أصول تعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وفي ذلك ثمة قِصَّة شهيرة مفادها :أن خلافــًا نشب بين رجل وزوجته، تطوَّر إلى اتهامه لها اتهامــًا باطلاً بالخيانة، وأدرك فيما بعد أنه كان مُخطئــًا، مماحدا بالزوجة للنزوح لأهلها، في بني طيء، رافضة مُحاولات الوساطة التي قام بها زوجها لاسترجاعها، حتى بلغ بها الأمر أن وضعت شرطــًا تعجيزيــًا للعودة، قائلة "لن أعود حتى يتكلَّم العود"، قاصدة بذلك عود الشجر أو الخشب، وبحسب الراوية احتار الرجل في أمرها، فذهب إلى امرأة اشتهرت بالعقل والحِكمة، وقصَّ عليها ما حدث، فصمتت لبعض الوقت، ثم قالت له: هوِّن عليك، الأمر بسيط، وطلبت منه إحضار عود من "عوشز"، وهو نبات صحراوي، يُسمِّيه البعض "عوسج"، وبرغم استغرابه لهذا الطلب، إلاَّ أنه انصاع لما قالته المرأة الحكيمة، واحضر ما طلبت، فقالت له: ابدأ بإحداث خُرق في رأس هذا العود من الأطراف، ففعل، ثم قالت: احضر جلد "حوار" - الحوار هو ابن الناقة ــ ففعل، وأمرته بأن يحشو هذا الجلد بأوراق نبتة تُدعى "العرفج"، وأخيرًا طلبت منه إحضار سبيبــًا من ذيل الخيل، وقالت: اجعل هذا السبيب في العود الذي خرقته، ثم قالت: اعزِف الآن، فإن العود سوف يتكلَّم، أي يصدر صوتــًا مُلحنــًا، ووسط دهشة الرجل، قالت: هذا هو المطلوب..!! فأسرع إلى أهل زوجته، وطلب مُقابلتها، ليُخبرها أنه فعل المُستحيل لإرضائها، وها هو يُلبِّي شرطها، ويجعل لها العود يتكلم.. ثم أنشد لها هذا البيت:
يا بنت لا يعجبك صوت الربابة
تراه جلد حوير فوق عيدان
وتذهب العديد من المصادر، إلى أن آلة الربابة انتقلت من شبه الجزيرة العربية، وانتشرت في مناطق كثيرة من العالم، وصارت تُمثل آلة النغم والشجن لدى قبائل وشعوب مُختلفة، يقول المؤرخ الغربي هنري جورج فارمر: عبرت الآلة البحر الأحمر، عن طريق بطن من بطون قبيلة سليم في اليمن، إبان القرن الثاني من هجرة المُصطفى صلي الله عليه وسلم، لتصل إلى صعيد مصر، وتتسع دائرة انتشارها، وتصعد إلى أوجها في عهد الدولة الأيوبية، حيث صارت آلة الطرب الشعبي الأولى، التي تُصاحب رواة السِّير والملاحم الشعبية.. وقد انتقلت إلى بلدان جنوب أوروبا، مع تعديل طفيف في الشكل، واشتهرت في الريف الفرنسي باسم آلة "رابلا"، وفي أسبانيا عُرِفت بــ"رابيل"، و"راب"، و"رابيكين"، وفي إيطاليا أُطلِق عليها "ريبك"، وعن طريق البرتغاليين انتقلت إلى ما وراء الأطلسي، حيث انتشرت في مناطق مُتفرِّقة من البرازيل، تحت اسم روبيكا (Rubeca)..وفي دراسته حول "الانثربولوجيا وربابة عرب الجزيرة"، يقول الباحث راشد بن جعيسن: لقد فتحت هذه الآلة أفاقــًا واسعة أمام مُخترعي الآلات الوترية، حيث هُذِّبت الكمنجة المُقتبسة من آلة الربابة، بعد انتقالها إلى أوروبا، وهذَّب عنها الغربيون أربعة آلات وترية أخرى، هي الكمان، والفيولا، والشيلو، والكونترباص، لقد صنعوها بمقاييس هندسية لتُصبح المنهج الموسيقي الجديد لعزف السيمفونيات والكونشرتو.

3. وصــف الآلــــة
والربابة في صورتها الأصلية والبسيطة، والتي تناقلتها المصادر التاريخية، هي آلة ذات وتر واحد، تتألَّف بشكل أساسي من الأجزاء التالية:
الهيكل: وهو مُربَّع خشبي، يميل إلى الاستطالة، مثقوب من ضلعيه القصيرين حتى يسمح بمرور عصا طويلة، هي عُنق الربابة، التي يتم تركيب الوتر عليها.
الطاره: وهي الجلد المشدود على جانبي الربابة، من الأعلى والأسفل، ويُشد هذا الجلد على نحو جيد، بواسطة خيوط متينة، تشبَّك في أطرافه، وقد تُستَخدَم دبابيس خاصة، أو رزَّات تُغرز في الجلد وخشبة الطارة معــًا، وتؤدي نفس الغرض .
السبيب: وهو شَعَر يؤخذ غالبــًا من ذيل الحصان أو الفرس، حيث يُصنع منه وتر الربابة، وكذا وتر القوس، ويُثبَّت من أطرافه بخيط متين .
الكرَّاب : وهو المشد الذي يكون في الطرف البعيد من عصا الربابة أو ساقها، ووظيفته تتمثل في ضبط شدَّة وتر السبيب إلى المُستوى المُناسب للعزف وتوليد النغمات.. والفعل كَرب، يكرِب، بمعنى: شَدَّ، يشِد .
القوس : وهو يُصنع في الغالب من الخيزران، أو عود الرُمَّان، لمرونة مثل هكذا عيدان، وطراوتها، وقد يُصنع من عيدان أخرى تتسم بالمرونة، بحيث تؤدِّي نفس الغرض، ويطلِق بعض أهل الصنعة على القوس اسم آخر هو "السوَّاق"، كونه يمر ذهابــًا وإيابــًا على وتر الربابة .
الغزال: وهو قِطعة رفيعة من الخشب، توضع تحت الطرف السُفلي لوتر الربابة، فترفعه عن الطاره، حتى لا يُلامسها عند الضغط عليه أثناء العزف.
المخدة: وهي قِطعة قُماش صغيرة، توضع تحت الطرف السُفلي لوتر الربابة، ووظيفتها كوظيفة الغزال في الجهة المُقابلة .

4. مــراحـــل الــتــصــنــيــع
وبحسب غير واحد من الحرفيين، الذين توارثوا الصناعة اليدوية لآلة الربابة، فإنها لكي تخرج بصورتها النهائية التي نعرفها، فإنها تمر بعِدة مراحل، كما يقول أحد أشهر صانعيها وهو الحاج أبو محمد الأغا، يُمكن تتبعها على النحو التالي:
المرحلة الأولى: حيث يتم تحضير الهيكل الخشبي، من خِلال شراء دف زان من ورشة النجارة (المنتشرة)، بطول 55 سنتيمتر تقريبــًا..يُنشر ويشذب، ثم يوضع على طرفيه حجران، ويُنقع في برميل ماء، لمُدة يوم كامل، حتى يصير رطبــًا، ويقبل التقوُّس بعد وضع حجر ثالث في وسطه، ثم نعمل أُذنين على طرفي الهيكل، بقياسات تتجاوز السنتيمتر الواحد بقليل من كل طرف، وفي الوسط نقوم بالقدح بوضع العوارض الخشبية، مع ضرورة نشر الزوائد، ومن ثم يأخذ القفص الخشبي شكله النهائي، ويُصبح جاهزًا لاستقبال الجلِد.
المرحلة الثانية: حيث نأتي بالجلد، وأفضله ما كان من الغزال، فإن لم يكن أتينا بجلد ماعز أو غيره، ثم نبدأ بتطويع الجلد، وبشره، ونزيل منه كُل المُخلَّفات، ويُصبح أملس، ثم نقوم بعد ذلك بتعليقه، حتى ييبس، وتُغادره الروائح، ثم نأخذه ونضعه في ماء نظيف، حتى يلين ويطرى من جديد، ويكون جاهزًا للشد على الهيكل الخشبي، بحيث نثبِّته على العوارض من الجهتين .
المرحلة الثالثة: وتكون بتهيئة الشعر المأخوذ من ذيل الخيل، فبعد تركيب الرقبة، نأتي بقِطعة جلد ونشقها من الطرفين، ونضعها بسيخ حديدي، ونُسرِّح بها الشعر، ونعقدها من طرفي الربابة، وهذه المسألة تحتاج إلى مهارة فنيَّة من الصناع، كونها تتعلَّق بضبط الصوت عند المُستوى المطلوب.
المرحلة الرابعة: حيث يتم تحضير القوس، وهو من خشب الزان أو الجوز أو نحوهما، ونربطه من طرفيه بنسله ذيل الخيل الذي حضَّرناه، وقد يستعمِل بعض الحرفيين نوعا من السِلك المعدني، وتُصبح الربابة بعد ذلك مُكتملة في شكلها النهائي، وجاهزة للعزف عليها.. مع الإشارة إلى أن بعض الزبائن يوصون الصانع بإدخال نقوش تزينيه، حيث أنهم يعتبرونها ليس فقط آلة موسيقية يُعزف عليها، ولكن أيضـًا تُحفة فنية فلكلورية توضع في الصالونات.
5. الــعــزف عــلــى الـــربــابـــة
وبعد أن تعرَّفنا على مراحل تصنيع آلة الربابة من الحاج أبو محمد الآغا، التقينا بأحد أشهر عازفي الربابة، في بر صعيد مصر، وهو الحاج إسماعيل أبو السِباع، ليُطلعنا على الطريقة الصحيحة للعزف على الربابة، فقال: إن العزف على الربابة بسيط وسهل، ولكن إتقان العزف يحتاج إلى مزيد من الوقت للتدريب واكتساب الخِبرة، ويُفضَّل قُبيل العزف، دعك الوترين، سبيب الربابة، وسبيب القوس، وذلك بقِطعة من اللبان الجاوي (الجاونية)، والذي يتألَّف من الصمغ والشب، وتُسمَّى هذه العملية "تطعيم السبيب"، وفائدتها شد الوترين، وزيادة خشونتهما، ومن ثم الحصول عند التقائهما بالحركة، على الصوت الذي يُريده العازف، ويكون العزف على الربابة بطريقة الجر، وذلك بتمرير وتر القوس على وتر الربابة، وتحتاج الأصوات الصادرة من الربابة إلى التنغيم والتغيير في درجاتها الصوتية، وذلك يتم بطريقة التنقيط، أو الضغط على الوتر، قُرب أعلى عُنق الربابة، فتتناسب النغمات المُتغيِّرة بتغيير طول الوتر وشدُّه، بتلك الصادرة عن احتكاك وتر القوس بوتر الربابة، ويكون ذلك على حسب الوزن اللحني، الذي يُريد العازف الوصول إليه، والمُتناسب مع حالته الشعورية والنفسية، والمُتوائم مع طبيعة الزجل أو الشِعر الذي يُنشده، وللربابة ثمة ألحان عامة معروفة، من أكثرها ذيوعـًا الهجيني، والمسحوب، والصخري، والزرعة، والدلعونا، والشروقي، والبستة، والنايل، والعتابة، والسويلحي، والسامري، والخمشي، والهلالي..ويبدأ عازف الربابة بالهجيني، فإن أتقنه انتقل إلى غيره.. ويُضيف: عادة تُعزف الربابة وهي في وضع رأسي، أو مائل قليلاً، ولها طريقتان الأولى إذا كان العازف واقفــًا، فإنه يسند نهاية السفود على خِصره الأيسر، والثانية إذا كان جالســًا، فإنه يسند السفود على فخذه الأيسر، وسواء أكان العازف هو من يُلقي النص (المؤدِّي/المُنشِد)، أو مُصاحبــًا له، فإنه يجب أن يمتلك إحساسـًا مُرهفـًا، وذاكرة قوية، ومهارة في الأداء.. وعادة يستخدم العازفون ثلاثة أصابع، من أجل أن تُساير الجُمل الموسيقية، صوت المؤدِّي.

6. أشـــكـال مُـخــتــلــفــــة
وإذا كانت الربابة، كما عرفها العرب عبر تاريخهم، لها من السِمات والخصائص ما يُميِّزها، ويجعلها مُتفرِّدة ومُحتفظة بمكانتها بين الآلات الوترية، فإن التنوُّع في أشكالها وخامات تصنيعها، وما أُطلِق عليها من أسماء مُتباينة، لم يُفقدها أصالة هذه السِمات والخصائص التي تتشارك فيها، مع فروق طفيفة.
لقد عرَف العرب سبعة أشكال من الرباب، وهي:
المُربَّع.
المُدوَّر.
القارب.
الكُمثري.
النِصف كروي (المٌقبب).
الطنبوري.
الصندوق المكشوف.
وفي شِبه الجزيرة العربية، فإن الشكل السائد للربابة، هو صندوقها الخشبي المُستطيل، بينما في المغرب العربي تسود الربابة ذات الصندوق الخشبي النصف بيضاوي (المُقبب)، وفي مصر وأجزاء من الشام والعراق ، تنتشر الربابة ذات الصندوق المدور (الدائري)، وتشتهر في العراق خصوصــًا باسم (الجوزة)، ويُطلِق عليها السودانيون اسم (أم كيكي)، وتشتهر عند قبائل الطوارق باسم (إيمزاد)، ولدي قوميات الامهرا والتغراي في أثيوبيا يُطلقون عليها (الماسنقو)، ويشتهر العازف هناك باسم (الازماري) .
وبرغم أنها في الأصل ذات وتر واحد، إلاَّ أن البعض يُزوِّدها بوتر آخر، ويجعل الوترين مُتساويين في الغِلظ، بينما آخرون يجعلونها ذات وترين مُختلفين في الغِلظ، بل وأدخل عليها البعض أربعة أوتار بتفاضل غِلظ كل اثنين منهما على الآخرين، مع إمكانية نزع كُل هذه الأوتار، وإعادتها إلى الوتر الواحد..وكان نفر من الباحثين المعنيين بالتأريخ الموسيقي، والذين صاحبوا الحملة الفرنسية على مصر، قد صنَّفوا الرباب، في الموسوعة الشهيرة (وصف مصر)، إلى نوعين:
رباب الشاعر :
وهو المُزوَّد بوتر واحد، قال عنه المؤرخ أ.د. محمود أحمد الحفني، في كتابه عِلم الآلات الموسيقية "صندوقه على شكل مُربَّع، مقوس جانباه إلى الداخل شيئــًا ما"، وقد سُمِّي بالشاعر كونه يُصاحب شعراء البادية، وكذا الحكواتي المُتجوِّل في بعض المُدن التي تقع على أطراف البوادي، في بلاد الشام والعراق ومصر وأطراف شبه الجزيرة العربية.
ــ رباب المُغنِّي :
وهو ذو الوترين أو أكثر، وصفه المؤرِّخ والمستشرق أدوارد وليم لين، بقوله "يُمكن تحويله بسهولة إلى النوع الأوَّل، وطوله يصل إلى نحو اثنين وثلاثين بوصة، وجسمه إطار من الخشب، وعلى صدره دون ظهره ثمة رِق (جلد)، وسيخ من حديد، والوتر من شعر وذيل الخيل، وقوس الرباب طوله ثمان وعشرون بوصة، يُشبه قوس الكمان"، وورد في موسوعة وصف مصر، لعُلماء الحملة الفرنسية، أن رباب المُغنِّي "اقتصر استخدامه كُلِّية على مُصاحبة الصوت البشري، سواء في الغناء العادي، أو في إنشاد الرواية الشعرية (الملاحم)"، وهم يستخدمونه في مصر على نحو مُقارب لما كانت القيثارة تستخدم عليه في الزمن القديم، وعلى غرار ما كان الإغريق يستخدِمون تلك الآلة الموسيقية التي كانوا يطلقون عليها اسم الفوناسكوس، أو النوثاريون، أي المُنغَّمة Phonas - Cos وTonarion، ولم نر قط هذه الآلة قد صاحبتها آلات أخرى، أو صحبت هي آلات موسيقية، من نوع تلك التي يستخدمونها في العزف الجماعي في مصر، أو في موسيقات الاحتفالات الرسمية، أو مُناسبات المسرَّات العامة".
8. فــي مُــؤلــفــات الــتــراث الــعــربــي
وقد حظيت الربابة بمكانة جيِّدة، في كثير من مؤلَّفات التراث العربي، لكبار الباحثين والعُلماء، من أمثال أبي نصر الفارابي،الذي أسهب في الحديث عنها، بمُصنَّفه الموسوم "الموسيقي الكبير"، ومن أبرز الأمور التي أشار إليها، عدم زيادة أوتار الرباب على أربع، ومن نص ما قاله : "هي من الآلات التي تُستَخرج نغماتها بقِسمة الأوتار التي تُستعمل فيها، فرُبما استُعمِل فيها وتر واحد، وربما استعمل اثنان مُتساويان، وربما استُعمِل وتران متفاضلا الغِلظ، ويجعل أزيدهما غِلظــًا حالة في هذه الآلة كحالة المُثنى في العود، وقليلاً ما يستعملون فيها أربعة أوتار، وفي أسفلها قائمة على خِلقة زبيبة الطنبور، وقد جرت عادة مُستعمليها على الأكثر بأن يستخرجوا نغمها، في أماكن من أوتارها، معلومة عندهم بالنغم، حتى اعتادوا سماعها فيها، من غير أن يحدوا تلك الأماكن بدساتين، لكن يتحرون عند استعمالهم لها، أن يضعوا أصابعهم من أوتارها، على الأمكنة التي يخرج منها النغم المُعتاد عندهم"، ثم يتحدَّث الفارابي على أدق التفاصيل في طريقة العزف، ومواقع الأصابع، السبابة والوسطى والبنصر والخنصر، على الوتر، ثم يتبع ذلك بالتسويات المُختلفة لوتري الربابة، وأنواع نغمها.. وما دراسة الفارابي لهذه الآلة، بكُل هذا التفصيل، إلاَّ دليلا قويـا على المكانة الكبيرة التــي حظــــيت بهـــا، إبـــــــان العـصـــــــر العباســــــي، برغم ســـــــيـــادة آلــــــة العود.. ويـــرى كُـــــل من أ.د. عـــبد الحـــمــيد حــمـــام، ود. رامي حداد، أن سِر مكانتها واستمراريتها، إنما يكمن في كونها الآلة الوترية الوحيدة، التي يُمكن أن يستمر صوتها، مادام القوس يجُر أوتارها، مُقابل تلاشي أصوات الآلات الوترية الأخرى بسرعة، لأنها تُنقر نقرًا..وكان العلاَّمة الخليل بن أحمد الفراهيدي، قد أشار إليها، وأورد في غير مُصنـَّف من مصنفاته بعض التفاصيل عنها، وأكَّد على ذيوع صيتها لدى كثير من قبائل العرب.. وذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا، في كتابة الموسوم "الشفاء"، وذلك عند حديثه عن الآلات الوترية التي تُجَر.. كما ذكرها صاحب كتاب "الكافي في الموسيقي"، ابن ذيلة، واصفــًا إياها ومُعددًا مزاياها وموقعها بين الآلات الموسيقية الوترية..وفي مُصنـَّفة الشهير "صُبح الأعشى" ذكرها القلقشندي.. وذكر ابن الفقيه في جغرافيته، أن آلة الربابة كانت معروفة ومُستعمَلة على نطاق واسع، يمتد من مصر إلى السند.. ويذكر صاحب كتاب "كشف الهموم والكرب في شرح آلة الطرب"، أن السُلطان الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، الذي حكم الدولة الأيوبية في مصر، كان يعشق سماع هذه الآلة، وشجَّع على انتشارها، وأغدق بالعطايا على الماهرين في صناعتها، وكذا العازفين عليها.. ومن أصحاب المؤلَّفات الشهيرة في التراث العربي، الذين ذكروا آلة الربابة وامتدحوها، العلاَّمة عمرو بن بحر الجاحظ، الذي أثنى عليها في مجموعة رسائله..وعالم الاجتماع عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، في مُقدمته.. والحسين بن زيد (ت 440هـ) أحد تلاميذ ابن سينا، الذي قال عنها الكثير في غير مخطوطة له، ومن أبرز ما قاله: "إن الربابة هي أكثر من غيرها مُحاكاة للحن، وتناسقًا معه".. وفي رسائل أخوان الصفا وخِلاَّن الألفة والوفا، ورد ذكر لها..وعلى امتداد العصرين الجاهلي والإسلامي، امتدح كثير من كِبار الشعراء، آلة الربابة، وهذا يحتاج إلى دراسة مُستقلَّة.

9. نــغـــم وشـــجــن
إن من أهم أسرار استمرار هذه الآلة العريقة، القادمة من عُمق التاريخ، والتي يفوح منها عبق الحضارة الإنسانية، أنها آلة نغم وشجن، فهي بحق كما قال الفيلسوف الألماني هايني "لها أمزجة البشر".. لقد كانت ومازالت رفيقة ابن الصحراء في حِلِّه وترحاله، يحملها معه، وهو يقطع تلك الفيافي والمفازات بامتداد الصحراء، على قدميه، أو على راحلته، وبين إبله وأغنامه.. وفي محطات استراحته، تحت ظِل شجرة، أو على كثيب رملي، أو على صخرة، ظلَّلها جبل شاهق، يبدأ بمؤانستها ليتمازج صوت حنجرته، مع وتر الربابة، وينشأ بينهما إيقاع من نوع خاص.
إنها صوت مُعبِّر، يُصاحب السُمَّار والشـُعراء، يتكلَّم بلُغتهم، ويمدهم بدفق إيقاعي تحفيزي، وحول مكنون هذه العلاقة، يقول الأديب والناقد السعودي أ.د. عبد الله الغذامي: إن هذه العلاقة هي علاقة عضويَّة، فالأمر لا يقف عند مُجرَّد المُصاحبة الحسِّية، ولكن القضية تتسع لتشمل وجود التمثيل الثقافي للإنسان.. ويُضيف موضِّحــًا: إذا كان للصوت سُلطانه في القوَّة والتأثير، وله مداه في التمدد والتماهي، فإن الربابة في ثقافتنا تأتي بوصفها صوتــًا مُصاحبــًا لصوت اللُغة، وإذا كان للربابة وتر ثابت فيها، وآخر مُتحرِّك في يد العازف، كما الصوت البشري على حبلين صوتيين، فإن حركة اليد، وتضافرها مع الصوت، يُصعِّد لُغة الجسد مع اللغة الطبيعية، ومن ثم يتحفَّز العازف / المُنشِد، وتنشط قُدراته على التعبير، وتُصبح الربابة وكأنها تتكلَّم وتتحرَّك مع المُنشِد، وجُزءًا عضويــًا في عملية الفِعل الإبداعي، وهذا ما يجعل أهلنا في البادية يأنسون بالربابة، ويتآخون معها، في وِحدة مُتكاملة، في البراري، حيث تتوالد الأصوات حُرَّة طليقة، وينساب النص الشِعري، كما هطول المطر.
وبتكوينها وخصائصها، فإن آلة الربابة تتميَّز عن غيرها من الآلات الموسيقية الأخرى، بأنها تُتيح للعازف/ المُنشِد، التعبير الصادق عن أحزانه وآلامه، وأفراحه أيضـًا، حيث يُمكن جر اللحن البطيء أو السريع عليها، وكذا الهادئ والصاخب، والقصير الوزن الطويل الوزن من الشِعر واللحن.. ومن طرائف الوقائع التاريخية، أن الربابة كانت أداة يستعملها البدوي للدفاع عن نفسه، ليس بضرب خصمه بها، لا سمح الله، وإنما بطلب العزف عليها، في الحالات التي يكون الأمر تحديا، حيث يقول شِعرًا على الربابة، يرد به اتهاما لشخصه، أو لصديقه، أو لحبيبته، أو حتى لعشيرته.
وإذا كانت الربابة ابنة الصحراء، فإنها انتشرت في المناطق الريفية، وغزت كثيرا من المُدن، من خِلال المدَّاحين، ورواة السِير الشعبية، وفِرق الفنون الفلكلورية، التي لها مُستمعوها ومُريدوها في الموالد، والاحتفالات الصوفية، والليالي الرمضانية،حيث تُروى الحكايات والملاحم الشعبية، التي يعشقها الكثيرون، كقِصة عنترة بن شداد، وأسطورة الزير سالم، وبطولات أبو زيد الهلالي.. وفي كثير من الأفراح والأعراس الشعبية، تكون الربابة حاضرة بقوَّة.. ولكونها آلة النغم والشجن، فقد تغنَّت بها المُطرِبة الجزائرية وردة، رحمها الله، في إحدى أغانيها الوطنية الشهيرة، عندما قالت: "وأنا على الربابة بغني".. ومن الجدير أن تظل آلة الربابة سفيرة النغم والشجن العربي، من خِلال المُشاركة الدائمة في المُناسبات الشعبية، والمهرجانات السياحية التراثية، التي تقام حول العالم..