اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الحُمَيد بن منصور.. الأصالة والحكمة اليمانية
لا يزال اليمنيون بـمختلف مناطقهم ومحافظاتهم يرددون أشعار وأقوال الحكيم اليماني الكبير/ الحُمَيد بن منصور، سواءً في أثناء...

الموروث الموسيقي الشعبي و علاقته بالطرق الصوفية في تونس من خلال نموذج
ارتبطت الموسيقى منذ القدم بالتقاليد والممارسات العقائدية والدّينية و تعتبر المجتمعات الإسلامية من بين الشعوب التي تبنت ا...

ألعاب الأطفال التراثية في تونس دراسة اثنوغرافية وانثروبولوجية
إن مسألة البحث في مضامين موروثاتنا الشعبية تقتضي في أحيان كثيرة أن نعود إلى ما تركه لنا أجدادنا مدونا في الذاكرة التي تح...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
ألعاب الأطفال التراثية في تونس دراسة اثنوغرافية وانثروبولوجية
العدد 38 - عادات وتقاليد

د. الهادي المسيلينــي
كاتب من تونس

 

إن مسألة البحث في مضامين موروثاتنا الشعبية تقتضي في أحيان كثيرة أن نعود إلى ما تركه لنا أجدادنا مدونا في الذاكرة التي تحكي تفاصيل حياتهم اليومية، وتوثق ما كانوا يمارسونه من أنشطة وطقوس وعادات وتقاليد وما كانوا يقيمونه من احتفالات في كل المناسبات الشعبية. وحينها سنكتشف الكثير من أوجه التلاقي والتشابه والتواصل بيننا وبينهم مما يعزز ارتباطنا بهم وانتمائنا إليهم. لذا، يقوم الباحثون في كل زمان ومكان بدراسة التراث وتحليله كي تتم دراسة المجتمع من خلاله، ولكي يتمكّن أفراد الشعب من إدراك أهميته وضرورة الحفاظ عليه نتيجة لذلك.
خاصة إذا ما اعتبرنا أن دراسة التراث اللعبي لا تقتصر على إلقاء الضوء على تاريخ ثقافة معينة فحسب، وإنما تساهم علاوة على ذلك في تحليل طبيعة العلاقات التي كانت تحدث أثناء اللعب وأنواع التفاعلات التي تنتج عنه. ومثل هذه الدراسة، بإمكانها أن تساعد على إبراز أهم الخصائص الثقافية لهذا الشعب مهما اختلفت الأحوال والأماكن والحقب التاريخية. فضلا عن ذلك، فإن هذه الألعاب تعد خير وسيلة تلقائية يعبّر بها الأفراد عن ذواتهم بكل حرية وتجرد، ودون أي قيد أو منع. ويبقى اللعب التراثي لدى الأطفال من أهم أدوات التفاعل والتواصل بين اللاعبين، وإن كان فردا فهو في الأساس ابن مجتمعه خضع لعملية غرس ثقافي شكلت طبعه ووجدانه، فانعكس هذا على الممارسة التي تبناها المجتمع وتداولها وحافظ عليها على مر السنين.

1. أهمية الدراسة
تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها دراسة علمية لألعاب الأطفال التراثية في تونس التي تستند في أغلب محاورها إلى إنجازات المناهج الحديثة ودورها في الكشف عن مدى ارتباط هذه الممارسات بواقع الإنسان في تلك الفترات الحالكة وقدرتها على تبيان همومه وقضاياه الوطنية والقومية والإنسانية. فضلا عن ذلك، تعتبر اللعبة التراثية بمثابة وثيقة لمرحلة تاريخية محددة تؤرخ لها اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وأن ما يعطي لدراسة الألعاب التراثية أهميتها الكبرى أيضا مساحة الانتشار والتداول، وكذلك المدى الزمني لاستمراريتها أي البعدين الأشهر: البعد التاريخي (الزمان) والبعد الجغرافي (المكان). وتزداد أهميتها أيضا نظرا لقلة البحوث التي تناولت هذا الموضوع ونقص الدراسات الأنثروبولوجية لألعاب الأطفال التراثية في المكتبات التونسية، وتغافل الباحثين عن الاهتمام بهذا الإرث الحركي على الرغم من المكانة المهمة التي حظي بها على مر العصور. إلى جانب ما شهدته هذه الألعاب من إهمال تحت تأثير عوامل التغير الداخلية والخارجية بسبب تأثير ثقافات أخرى أو بسبب محاولة التلاؤم مع مظاهر التغير المادي الذي أفرز ألعابا جديدة منها الألعاب المؤسساتية وكذلك (الألعاب التلفزيونية والإلكترونية).

2. مبررات اختيار الموضوع
إن المتتبع للبحوث المتعلقة بألعاب الأطفال التراثية يلاحظ بشكل واضح ودقيق قلة اهتمام الباحثين بهذا الصنف من التراث بشكل ملحوظ ولم يسجل ولم يحفظ كحال بقية أنواع التراث الأخرى. وبقيت هذه الممارسات تعاني من إهمال وتهميش فكري وثقافي، على الرغم مما تحمله من معان ودلالات تمس الكثير من مجالات الحياة. ولئن عمد جل الباحثين من أبناء هذا البلد إلى جمع ودراسة أغلب ألوان التراث الشعبي المتشعب والمتناثر في كامل أنحاء البلاد حفاظا عليه من التلف، فإن التراث اللعبي لم يلتفت إليه المؤرخون والكتاب والعلماء بالقدر الكافي، وبقي يتناقله الناس شفويا أو تقليدا جيلا بعد جيل، مما يعرضه للضياع والنسيان والإهمال، إضافة لما اعتراه من التحوير والتعديل سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون نتيجة للتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. وإذا كان الباحثون في المجال العربي منذ زمن ينظرون إلى الألعاب التراثية بنوع من التعالي والإهمال، بل وعدم الجدوى من دراستها، فإن الوقت قد حان للبحث في هذا الموروث الثقافي الشعبي وغربلته وتثمينه، والاعتناء به وإعطائه ما يستحق من عناية واهتمام، لأن مثل هذه الممارسات هي في واقع الأمر المعبر الحقيقي عن شخصيتنا وأصالتنا وعن هويتنا الثقافية. هذا ما يفسر و يبرر في الآن نفسه سبب اختيارنا لموضوع ألعاب الأطفال التراثية لأنه بقي مجالا منسيا مع أنه يحمل مضامين ودلالات عميقة. لذا، سنعمل على جمع وتوثيق وتصنيف وتحليل هذه الممارسات في علاقتها بثقافة الوسط الإجتماعي الذي نشأت وتطورت فيه عبر دراسة معطيات الواقع الميداني الذي أفرزها ومدى تأثيرها على شخصية الطفل في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها بلادنا خلال العقود الماضية.

3. إشكالية الدراسة
عالجت هذه الدراسة إشكالية تصنيف ألعاب الأطفال التراثية ودورها في التعبير عن أحداث الواقع، ورصد الشكل الذي كانت تعرض به اللعبة قضايا الإنسان وصراعاته المختلفة مع شؤون الحياة. إلى جانب قيام اللعبة برصد التغير والتطور اللذين يشهدهما المجتمع ودعمه وترويجه وذلك حسب السياق الاجتماعي الذي تتنزل فيه. وبالخصوص حينما تتولى اللعبة نقل الثقافة التقليدية والقيام بالحفاظ على العادات والتقاليد التي يتبناها المجتمع. وتتلخص مشكلة البحث في الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما أصناف ألعاب الأطفال التراثية التي يمارسها الصغار والكبار في مختلف الجهات التونسية؟ وما الدلالات التي يمكن استخراجها من أنواع اللعب التراثي الممارس؟.
وفي سبيل الإجابة عن أحد أسئلة البحث سعينا للتثبت من الفرضية التالية:
أن الألعاب الجماعية تتسم بنظام من القواعد يعكس شبكات من التواصل والتفاعل الاجتماعي مما يؤدي إلى الترابط بين القوانين المسيرة لسلوك اللاعب أثناء اللعب وسلوك أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه.

4. أهداف الدراسة
عملت الدراسة على تشخيص الواقع الفعلي لألعاب الأطفال التراثية في الجهات التونسية والتي كانت تمثل حينذاك مكونا أساسيا للنسيج الثقافي والاجتماعي وتعبر عن روح الشعب ووجدانه وعاداته وتقاليده. وعملت على تحليل مضامين الألعاب في علاقتها بالزمان والمكان بما أنها كانت تحمل في طياتها صورا لمختلف جوانب الحياة الاجتماعية. كما كانت تهدف أساسا إلى تعريف الفرد طفلا كان أو كهلا بجزء من تراثه - تاريخه هويته الثقافية التي تربط حاضره بماضيه وإلى رفع درجة حنينه إليه في علاقة جدلية تأبى عليه القطع مع ما فيه انتماء وتجذر في المحيط والواقع المحلي. و ترمي أيضا إلى جمع ووصف وتصنيف الألعاب التراثية التونسية والوقوف على وظائفها الاجتماعية والثقافية وما تتضمنه أصنافها من دلالات ومعان وما تتيحه مناسبات اللعب من فرص لتكوين العلاقات وتقمص الأدوار واحترام النظم الاجتماعية ودعم للقيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية. إلى جانب الكشف عن الخصوصيات الثقافية التي تنفرد بها كل جهة من جهات البلاد في تعاطي هذه الألعاب، وتحديد أهميتها في تشكيل شخصية الطفل وتنمية مواهبه وقدراته الإبداعية.

5. منهجية البحث الميداني
اعتمدت الدراسة على أدوات المنهج الأنثروبولوجي في جمع ألعاب الأطفال التراثية، بعد أن تم تطويعها للقيام بهذه المهمة وذلك من خلال اعتماد جذاذات فنية تتضمن كل المتغيرات المرتبطة باللعبة والتي سيقع توظيفها فيما بعد في عملية التصنيف. كما وقع استخدم المنهج الإتنوغرافي الوصفي، لوصف مراحل سير هذه الألعاب وقواعدها، ومقارنة البعض منها وبيان أوجه الشبه والاختلاف فيما بينها في مختلف جهات الجمهورية. ولقد أفادنا هذا المنهج في ملامسة النماذج المتوفرة من هذه الألعاب و التعرف على أنواعها في المجتمع التونسي وأشهرها وأكثرها انتشارا. واستطاعت هذه المنهجية برمتها أن تزودنا بمعلومات ميدانية حول الممارسين للعب التراثي لاسيما الأطفال منهم والشباب والكبار أيضا وطرق ممارستهم بقواعدها وأنظمتها في أغلب الجهات التونسية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. إلى جانب ذلك، فقد كان تناولنا لهذا الموضوع ليس فقط من حيث وصف للعبة التي قد تلعب بأشكال مختلفة حتى بين القرى والمدن المتجاورة بل تجاوزنا إلى ما هو أعمق من ذلك حيث تطرقنا إلى مضامين هذه الألعاب وما تحققه من أهداف وفوائد اجتماعية ونفسية وفكرية وثقافية.
وقد تمكن الباحث من جمع 200 لعبة تراثية من مختلف مناطق البلاد، وذلك بالاعتماد على روايات الشيوخ والعجائز، وعلى الذاكرة التي لا تمتد بعيدا لاستغراق هذه الممارسات. وعلى الرغم من وجود عدد قليل من المؤلفات التي استعنا بها قدر الإمكان، إلا أننا سعينا جاهدين إلى جمع ما تسنى لنا جمعه من هذه الألعاب وحرصنا كل الحرص على ألا نتصرف مطلقا في وصفها وقمنا بنقلها كما سمعناها، أو كما نعرفها فإذا كان هناك تناقض أو نقص أو زيادة في اللعبة فإنما يعود لخصوصية كل منطقة وليس إلى الخطأ أو الصواب؛ فاللعبة الواحدة قد توضع لها قوانين تختلف من منطقة إلى أخرى. وفي الشأن ذاته فكثيرا ما تتشابه أسماء بعض الألعاب أو يتشابه وصفها مع تحريف في الاسم بحسب المناطق فعمدنا إلى ذكرها في موضعها كلما تسنى ذلك ومقارنتها مع نفس اللعبة التي تمارس في مناطق أخرى، وإن كانت اللعبة نفسها تحمل اسما مختلفا في منطقة أخرى. وقد تم تناولها من جميع الجوانب: وصف مراحل سيرها، ومن ثم تناولنا الجانب التاريخي والنفسي والاجتماعي والحديث عما تمثله هذه الألعاب وعما ترمز إليه. وقد اخترنا أن تكون المدونة في شكل جذاذات فنية لكل لعبة تتضمن كل واحدة منها عدة متغيرات منها سبب التسمية ومناطق انتشار اللعبة والمكان المفضل لممارستها وأدواتها وعدد المشاركين فيها والسن الذي تمارس فيه اللعبة، وأي خصوصية لها وما يشابهها في الألعاب الحديثة. وأشرنا إلى نظام الاقتراع والفوز والخسارة إن وجدت. واختتمنا البعض منها بتعليق خاص لما توحي به وما ترمز إليه والفوائد التي تحققها. ومن بين هذه الألعاب ما هو موسمي وتلعب من دون الحاجة إلى أدوات معقدة وأنها بدائية تستمد أدواتها مما يتوافر في البيئة. كما يؤدى أغلبها بشكل جماعي بحيث تنمي الحس الجماعي والمشاركة وربط علاقات صداقة والتكيف مع المحيط الاجتماعي وإذكاء روح المنافسة والروح الرياضية. كما تكون ألعابا فردية بسيطة يمارسها الأطفال بكل تلقائية وتتشابه الألعاب فيما بينها، فما كانوا يلعبونه في قابس، كانوا يلعبونه بسوسة أو ببنزرت وقد تختلف هذه الألعاب من منطقة إلى أخرى من حيث طريقة اللعب أو التسمية أو المواد المستعملة في اللعب. وأخيرا نشير إلى أن هذا الكم الهائل من الألعاب هو ما توصلنا إليه وما كان يمارس في بلادنا ليكون ذلك سجلا أمينا لهذه الألعاب التراثية، آملا أن يستكمل هذا الجانب، ويضاف إليه من قبل كل من يتمكن من العثور على نقص فيه. وبذلك نستطيع بجهودنا مجتمعة أن نستكمل كثيرا من الحلقات المفقودة قبل فوات الأوان.

6. الجانب النظري
خصائص اللعب ومميزاته:
يرى علماء النفس أن اللعب يمثل أرقى وسائل التعبير عن حياة الأطفال، ويشكل عالمهم الخاص بكل ما فيه من خبرات تؤدي إلى تنمية جميع جوانب النمو (الإدراكي، الانفعالي، الاجتماعي، المعرفي، الحركي). وتمكن الطفل من القدرة على التخيل والابتكار والتفكير اللامحدود. كما يعد اللعب مظهرا من مظاهر السلوك الإنساني في مرحلة الطفولة التي تعتبر مرحلة وضع اللبنات الأولى في تكوين شخصية الفرد، حيث تجمع نظريات علم النفس رغم اختلافها على أهمية هذه المرحلة في تكوين شخصية الفرد. ويعني اللعب في اللغة اللاتينية التسلية واللهو، وكلمة لعبة تعني الوسيط والرغبة في اللعب حسب رأي، "ليدويغ ويتجنستن"(1)، وهو أحد الفلاسفة الذين أعطوا تعريفا للعب وبيّن عناصره كالقواعد والمنافسة التي تميز كل لعبة. وبيّن كذلك أن مفهوم اللعب لا يمكن تعريفه بشكل عرضي بسيط، لأن اللعب في نظره يشكل سلسلة من التعريفات يكون القاسم المشترك بينها هو اللغة، باعتبار أن النشاط الإنساني برمته يعتمد كليا على اللغة، ولأن كل نشاط يعتبر لغة أو بمعنى آخر "إذا لم نستطع الكلام فيجب أن نصمت". لذلك يصبح اللعب نشاطا تلقائيا يمثل معطى أوليا في ذات الوقت كالكلام. وتمتد جذور اللعب إلى أصول التطور الإنساني، وتظهر أهميته في اكتساب الفرد للصفات الأساسية اللازمة لمواجهة تحديات العصر. وللعب أثر قوي على الفرد، فهو يثير قدرته على التفكير ويعمل على توسيع آفاقه، فمن خلاله يمكن للطفل أن يتعلم كثيرا من جوانب الحياة، فهو يمنح الطفل مواقف حياتية متنوعة ليتعلم النموذج الأمثل في تكوين العلاقات المتبادلة كالمشاركة والتعاون وغيرها.
يبدأ اللعب بالظهور مبكرا لدى الطفل، لكنه لا يتضح إلا من خلال بعض ردود الأفعال الواعية وهي ليست كثيرة، وتكون في الغالب في شكل رد فعل بواسطة حركات تلقائية مرئية كما يصفها "بياجي وانهيلدر"(2). لذلك ظل اللعب ذاك النشاط الحر الذي يمارس لذاته، وهو ميل من أقوى الميول وأكثرها قيمة في التربية الاجتماعية والرياضية والخلقية. إذا، فهو سلوك طبيعي وتلقائي صادر عن رغبة الشخص أو الجماعة، قد يكون نشاطا فكريا أو بدنيا مرتبطا بقواعد معينة. وهو كذلك وسيطا تربويا يتكيف بموجبه الأطفال مع ظروف حياتهم عن طريق تقليد سلوك الآخرين من خلال تبادل الآراء والأدوار وإيجاد الحلول والتعود على احترام القواعد، مما جعل الكثير من الملاحظين يتحدثون عن جدية اللعب لكونه لا يكون بالضرورة حاضرا في كل الأوقات. ففي الصغر يميل الطفل إلى اللعب الانفرادي وكلما تقدمت به السن ازداد ميله إلى اللعب الجماعي. واللعب بدوره يمكنه من الخروج عن المعتاد، لأنه نشاط بدني وفكري حر ومجاني يعتمد على التمثيل والخيال ويسهر على تمكين الطفل من التسلية والترويح عن النفس. وتتنوع الألعاب بتنوع مراحل نمو الطفل، وهي ذات وقع خاص على نفسه وعلى جسمه، فاللعب يرافق الطفل منذ نعومة أظفاره. فحركات الجنين في بطن أمه مثلا تعتبر شكلا من أشكال اللعب. و يقوم الطفل حينها بحركات تلقائية تميل إلى اللعب واللهو، وهي كما وصفها "شاتو" Château، "حركة تتجه نحو الأمام، نحو عمق العقل، ونحو عالم النضج"(3). ويدفع اللعب الطفل إلى احترام القواعد الطبيعية من خلال الحركات والكلام وأشكال التعبير الأخرى، والأهم من كل ذلك هو الدفء العاطفي الذي يكتنف فضاء اللعب. وبهذا الصدد، فإن مراحل اللعب وأهدافه تحكمها جملة من القواعد تنظم طبيعة المنافسة والتفاعل بين اللاعبين. وهو ما يؤيد رأي "بارلوبا"، أن الألعاب سواء كانت تقليدية أو مؤسساتية لها قواعد تحكمها تنظم الاحتكاك والمنافسة، وبدون قواعد لا يوجد لعب رياضي، بل توجد وسائط ثقافية تساهم في تنظيم بعض الوضعيات الحركية (أنشطة رياضية)، وتترك مجالا واسعا لاعتماد وضعيات حركية ذات قواعد مضبوطة(4). إذا، فاللعب بإمكانه أن يحرر الطفل من قيود الضوابط والقواعد ليتمتع بأحداث يود أن يعيشها، وهي فرصته الوحيدة لكي يتصرف بكل حرية دون التقيد بالقوانين المادية والاجتماعية.
يتميز اللعب بخصائص متنوعة كتوقيت اللعب وعدد اللاعبين وفضاء اللعب وأدواته، هذا إلى جانب أن اللعبة الواحدة قد تتطور عناصرها في البيئة التي نشأت فيها تطورا قد يبعدها عن طبيعتها الحقيقية. وتتميز هذه الألعاب بنظام من القواعد قد يتغير حسب المناطق التي يمارس فيها هذا النشاط. ولهذا السبب، فإن الإطار الجغرافي وخصوصية الفضاء وتقاليد الجهة تتدخل في سير هذه الممارسة. إلى جانب ذلك، فإن أنشطة اللعب متنوعة في شكلها ومضمونها وطرق ممارستها، ويتفق هذا الاختلاف مع مستويات وخصائص نمو الأطفال في الأعمار المختلفة، استجابة لمطالب النمو واحتياجات الطفولة في كل مرحلة من مراحلها. لذا، تمتاز مرحلة الطفولة عن غيرها من المراحل بحب اللعب والمرح، وعدم الاكتراث بمشاغل الدنيا ومتاعبها. ويتمتع الأطفال بخاصية التلقي مما تجعلهم كالورقة البيضاء التي لم يكتب عليها شيء بعد، ولهذا يتلقى الأطفال النقوش الأولى التي تنير لهم طرق الحياة من البيئة المحيطة بهم لا سيما في المنزل حيث تترسخ في أذهانهم تربية الآباء التي تطبع فيهم بطابعها الخاص، وتترك فيهم بصماتها الواضحة التي يصعب محوها فيما بعد.
وهذا يعني أن اللعب نشاط مهم يمارسه الطفل، "فيسهم بدور رئيسي وحيوي في بناء شخصيته بأبعادها وسماتها كافة"(5). وقد كانت هذه الألعاب منذ زمن طويل وسيلة فعالة ومؤثرة في تربية الطفل، قصد إعداده وتوجيهه بما يتناسب وتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية. لذا، نعتقد أن الألعاب التراثية ليست أنشطة عبثية لا جدوى من ورائها، وإنما هي ممارسة تثمن القدرات الجدية للأطفال. وتزود الفرد بانطباعات جديدة من خلال إحداث التفاعل مع عناصر البيئة وإدراك معاني الأشياء. وتعمل على توجيه الأطفال وإكسابهم العادات السلوكية التي تتفق مع قيم وعادات وتقاليد المجتمع الذي ينتمون إليه. وهنا تجدر الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية وهو أن الطفل في هذه الفترة يكون مستعدا لاستقبال كل ما يعترضه ويتميز بسرعة الاكتساب والتخزين، فما ينطبع في المخيلة منذ الصغر يصعب حذفه من ذاكرة الطفل فيما بعد. إذا، فالألعاب هي مجال لتنمية قواعد السلوك والنظام حتى في حالات التعرض لمواقف غير مألوفة، وكذلك تنمي القدرة على ترفيه النفس وتسليتها وتملأ أوقات الفراغ. وهنا يمكن تلخيص أهم الخصائص التي تميز اللعب كالآتي:
تتناقص أنشطة اللعب من حيث كميتها مع تقدم عمر الطفل، ويعزى ذلك إلى أن وقت الطفل الفائض يتناقص مع ظهور اهتمامات وأنشطة متنوعة تشغله عن اللعب مثل الواجبات المدرسية والمنزلية وبعض الهوايات أو الميولات الأخرى. وكذلك يتناقص النشاط الجسمي المبذول في اللعب مع تزايد عمر الطفل وبلوغ سن النضج، وتزداد عنده الألعاب ذات الطابع العقلي والمعرفي. وعليه، فإنه يأخذ بانتقاء ألعاب معينة دون غيرها من بينها الألعاب الرياضية(6). إذن، فاللعب استخدام للمعارف ووسيلة لتدقيقها وإغنائها وطريق لنمو قدرات الطفل وقواه المعرفية والأخلاقية. وبالتالي، تعد التلقائية والعفوية من أهم الخصائص المميزة لنشاط اللعب خصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة. فالطفل يلعب في كل مكان داخل المنزل أو خارجه وفي كل الأوقات غير أن هذا النشاط لا يلبث أن يتحول تدريجيا ليأخذ شكل نشاط منظم تحكمه القواعد والضوابط المحددة. ومع تطور نمو الطفل يحل النظام محل التلقائية خاصة وأن اللعب في شكله الواسع نشاط جماعي، فالمشاركون فيه يجمعون على فكرة واحدة ويحمل كل منهم قسطا من الخبرة والفعالية، ويخضع للقواعد التي يمليها عليه دوره في اللعب(7). وهي في الغالب ألعاب بسيطة ومتدرجة في صعوبتها من السهل الذي يتناسب مع الصغار إلى الصعب الذي يتناسب مع الكبار مما يجعلها صالحة لكل الأعمار.
والألعاب التراثية على غرار الأنشطة اللعبية الأخرى تبني الأدوار وتنظم ردود الأفعال خاصة في علاقة الأطفال فيما بينهم حيث يتمكن الطفل بانخراطه في اللعبة من تطوير قدراته وصقل مواهبه وتأكيد ذاته لأنه لا يرتاد فقط عالم الأشياء في زمن اللعب وإنما يتعرف في ذات الوقت على ردود أفعال الآخرين نحوه، وبذلك يكتشف الأسلوب المناسب لبناء العلاقات الاجتماعية. فضلا عن ذلك فهى تلعب دورا بنّاء لنمو شخصيات الأطفال وتوازنها داخليا لأنها تلبي رغباتهم وتُشبع ميولهم إلى حب المعرفة والاطلاع، مما يساعد على فهم شخصياتهم والكشف عن قدراتهم عقليا ونفسيا وثقافيا. كما تسهر هذه الألعاب على تحقيق وظائف متعددة لفائدة الفرد منها: تنمية القوة البنيوية لجسم الإنسان وتدريبه على الصنع والابتكار كما تنمي لديه روح الجماعة وتحمل الصعاب وملكة الاعتماد على النفس لتشكيل ألعابه من المواد المتوفرة في بيئته، فتراه يبحث ويفتش هنا وهناك حتى يحقق ما يصبو إليه لتحقيق حلمه في إنجاز لعبته. لذا، فإن وظائف اللعب لا تقتصر على تنمية القدرات الحركية والمعرفية فقط، بل تعمل على تنمية كل جوانب شخصية الطفل.

7. وظائف اللعب أهميته
7. 1 الوظيفة النفسية-الحركية للعب:
يعد اللعب جزءا من عملية نمو الطفل تقوم باستغلال الطاقة الحركية الزائدة واستثمار أمثل للطاقة العضلية وتقوية بنية الطفل (عضلاته وأعضاء الجسم المختلفة) وتحسين مهارات الطفل النفسية - الحركية (الأداء الحركي) وبهذه الطريقة يحرك أعضاء جسمه ويتحسس المواد التي تصل إليها يداه فيتلمسها وينظر إليها مليا وأحيانا يمتصها أو يقطعها وبهذا المعنى تتسع دائرة تجاربه شيئا فشيئا(8). وقد أشار "برول" (Brule) في مقال له إلى نفس الفكرة وهي أن النشاط اللعبي يعني اختيار حياة تتميز بالتدرج لتنمية الجانب النفسي - الحركي فهي تنمي لدى الطفل القدرات البدنية واليدوية وتقوي ذكاءه لأن الطفل حسب رأيه بصدد لعب دور مهم في تمرين الذاكرة والتعرف على الأشكال والأحجام والمسافات وكذلك تحريك الأطراف واكتشاف مكونات المحيط تدريجيا(9). وبالتالي يؤدي اللعب دورا أساسيا في تنمية عضلات الطفل على نحو سليم وإنضاجها وتدريب كل أعضاء جسمه بشكل فعال، وإكسابها المهارات الحركية المختلفة التي تنطوي على أهداف تربوية. لذا، فاللعب يمثل من الناحية التربوية أداة فعالة في تكوين النظام القيمي والأخلاقي من خلال نشاطاته. كما يتعلم الطفل من خلاله مهارات أخرى مثل الاكتشاف وتجميع الأشياء وتنمية الحواس بتعويدها وتدريبها على معرفة حقيقة الأشياء من خلال ملمسها أو صوتها أو لونها أو شكلها.
7. 2 الوظيفة التربوية للعب:
يقوم اللعب بإعداد الطفل للحياة لكي يكتسب الكثير من معايير السلوك، ويعمل على تنمية المهارات البدنية بشكل مستمر عن طريق استخدام اليدين والرجلين. إلى جانب تنمية المهارات العقلية عبر إكساب الأطفال بعض المفاهيم العقلية كالمفاهيم المتصلة بالحساب (تسلسل الأرقام) والعلوم (الماء والهواء) واللغة وغيرها. لذلك أصبح من الضروري أن يكون التعلم هو الشكل النهائي للعب، لأن الطفل يجب أن يتمتع بمرحلة تعليمية مثمرة باعتبار أن الطفل يتعلم عن طريق اللعب. وبالتالي، يمكن التأكيد على أن وظائف اللعب كثيرة فهو أداة بيداغوجية أساسية تعمل على إكساب الأطفال مهارات أساسية في مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والرياضيات واللغة والفنون(10). واللعب يفسح المجال أمام الطفل لكي يتعلم الشيء الكثير من خلال أدوات اللعب المختلفة، كمعرفة الأشكال والألوان والأحجام وفائدة كل منها ومعلومات كثيرة لا يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى. ولهذا يعتبر اللعب مجالا تربويا ووسيلة فعالة لتنمية الملاحظة والتفكير والخيال والإرادة عند الأطفال. ويبقى اللعب من أنجح الوسائل التربوية لأنه نشاط طبيعي خاصة في مراحل الطفولة، فيشغل كوسيلة للتربية العقلية وتطوير الكلام لدى الطفل وبذلك تصبح اللعبة مدرسة يكتسب من خلالها الطفل قواعد وعادات وسلوك الأفراد وتساعده في التعرف على الأشياء واكتشاف خصائصها الطبيعية. فهو يتعلم في لعبة واحدة السلامة والأمن ومبادئ السلوك الاجتماعي، فيشبع حاجته إلى الرضا والسرور والنجاح والمغامرة والتعبير عن النفس وغيرها، فإذا أهمل جانب من جوانب النمو أثر ذلك كله على تربيته المتكاملة.
7. 3 الوظيفة النفسية والعلاجية للعب:
يستطيع الطفل من خلال اللعب التعبير عن مشاعره بطريقة يثبت من خلالها ذاته، كأن يختار اللعبة التي يريدها للترويح عن النفس من خلال الاستمتاع باللعب وتنمية قدرات التفكير والتخيل والفهم وتنمية القيم الاجتماعية. فاللعب إذن وسيلة طبيعية توفر للطفل الفرصة لإطلاق طاقاته والتخفيف من توتراته، ويحقق وظيفة هامة من الناحية الذاتية حيث يكتشف عن طريق اللعب الشيء الكثير عن نفسه كمعرفة قدراته ومهاراته والتعرف على مشاكله بنفسه وكيف يمكن مواجهتها(11). إذا، فاللعب يعد وسيلة فعالة في اكتشاف شخصية الطفل وإمكاناته النفسية والعقلية والثقافية عن طريق مشاركته في الأدوار المختلفة حين يتفاعل وينافس ويجرب ويتعلم التقيد بسلوك معين والقدرة على تقمص سلوك آخر بهدف التخفيف من الضغوط الخارجية. فالطفل بحاجة إلى وسيلة هامة مثل اللعب لكي يواجه بواسطته كل الصعوبات التي تعترضه وخاصة منها تلك التي تخلقها الضغوط المفروضة عليه من بيئته ومن الأساليب الغير الرشيدة في تربية الأبناء. ويعتبر اللعب من الطرق الفعالة للعلاج النفسي يلجأ إليه المربون لمساعدتهم على حل بعض المشكلات التي يعاني منها الأطفال مثل الاضطرابات النفسية والعقلية والحركية، وهو ما يعرف بطريقة العلاج باللعب أو باللعب العلاجي. وعليه، إن نشاط اللعب يكون غالبا له مغزى ومعنى خاصة وأن الأطفال الذين يأتون من منازل مضطربة يجدون في النشاط اللعبي أكبر معين لهم للتعبير عن مشكلاتهم الخاصة والتنفيس عنها وهذه الوسيلة تخفف من توتر شعورهم إذا كان مدرسوهم على علم بحقيقة أحوالهم المنزلية فيحضرون لهم الأدوات اللازمة ويشجعونهم على اللعب بها(12). ويعتبر البعض اللعب كوسيلة علاجية من خلال الدور الذي تلعبه الجماعة في تغيير سلوك الطفل، فعن طريقه يستطيع الطفل أن يعبر عن احتياجاته وأن يخفي دوافعه ومشكلاته الخاصة أو قد يستخدم اللعب ليحصل على الهدوء والراحة وإشباع رغباته.
7. 4 الوظيفة الرمزية و الإبداعية:
تعني أن استعمال الرموز من أهم خصائص لعب الأطفال لأنه يربط الطفل بواقعه بعلاقة خاصة فيعبر عن هذا الواقع بطرق مختلفة يترجمها بشكل شخصي ويعالج الأحداث حسب منطق يكونه بمفرده. وهنا يعتقد "بياجي" أن اللعب الرمزي ضروري لفائدة الطفل لكي يتعايش مع الأحداث التي يحاكيها، وأن كل فعل يقوم به له معنى محدد فالعصا يمكن أن تكون حصانا، كما يمكن أن تكون بندقية أو شخصية يتحدث معها(13). ومن هنا يمكن أن تتحقق للطفل فرصة التعبير عن مشاعره وإدراك القيم والاتجاهات وتطوير مهاراته واكتساب المعارف وتعلم القيم الاجتماعية وتهيئته لمواجهة مواقف مشابهة في حياته الواقعية اللاحقة في جو اجتماعي مشترك. واللعب هو الطريقة الوحيدة الجيدة لتعلم صغار الأطفال الأفعال(14). وربما نضيف أيضا وظيفة اللعب في تنمية القدرة على التفكير والمهارات العقلية المساعدة على نجاح عملية التعلم الذاتي فضلا عن كون اللعب وسيلة تفاعل وتطوير مع البيئة وتعلم واكتساب لأنماط سلوك مختلفة، وتطوير هذه الأنماط(15). لذلك ترتكز ممارسة هذه الألعاب على التحفيز المعنوي الذي يرفع مستوى الأداء والتفوق بصور تلقائية ورمزية تفتح المجال أمام الأطفال والشباب صورا للإبداع والابتكار من خلال بذل الجهد في تصميم ألعابهم وتطوير أشكالها انطلاقا مما يتوفر لهم من خامات ووسائل في البيئة المحيطة بهم. إلى جانب ذلك، تساعد ألعاب الصنع الطفل على التفكير وتنمي لديه ملكة الابتكار، فيقوم الطفل بصنع الأدوات اللازمة للعبة من مواد البيئة المتاحة له. ويستطيع الطفل أن يبتكر أشياء أخرى في علاقة بالألعاب التي يمارسها سواء من خلال ألعاب الصنع أوالتمثيل أو غيرها. خاصة وأن اللعب الحقيقي كما يعتقد البعض هو لعب ابتكار وتجديد، والواقع أن الطفل حين يلعب فإنه كثيرا ما يبتكر أو يستحدث مواقف جديدة وكأن لعبه هو بمثابة تحرر من سلطة البالغين التي يخضع لها في حياته الواقعية. وأن الأطفال هم صانعو اللعب ومبدعوه لأنهم يعكسون فيه تجاربهم ويختبرون معارفهم. ويستطيع الطفل أن يعبر عن طاقاته الإبداعية وذلك بأن يجرب الأفكار التي يحملها ويحولها إلى أفعال أو حركات إبداعية مما يؤدي إلى الكشف المبكر عن هواياته وإمكانياته والعمل على تنميتها وصقلها.
7. 5 الوظيفة الاجتمـاعية:
يعد اللعب حسب "شاتو" CHATEAU، أداة حقيقية للتعاون بين الأطفال في اتجاه تبادل الخبرات والأفعال الجماعية. لذلك نجد الطفل يبحث عن مجموعة تناسب مستواه وقدراته، مما يمكنه من الثقة بالنفس واحترام الآخر والسعي إلى الاندماج في المجموعة وهو ما يسميه "بياجي" التعاون الأصيل(16)، والذي بفضله يقتنع الطفل بوجود الآخرين لإتمام عملية التنشئة الاجتماعية. كما يتيح اللعب للطفل ممارسة أدوار اجتماعية هامة، مرة يكون قائدا لمجموعته ومرة أخرى يقوم بتقليد وظيفة أو مهنة معينة. كما يكتسب المهارات الاجتماعية في التعامل مع الآخرين ويصبح الطفل قادرا على التكيف الاجتماعي من خلال تعايشه مع بقية اللاعبين والمشاركة في اللعب والتدرب على اتخاذ القرار وتطبيق القيم الاجتماعية في التعامل مع الآخرين. ولا يفوتنا أن نذكر بأن وظائف اللعب لها ميزة حيوية في التأقلم الاجتماعي ذلك لأن شعور الطفل بالرغبة للعب يعزز المهارات الاجتماعية والنمو العقلي. إلى جانب بعض الوظائف الأخرى وهي مساعدة الطفل على تجاوز الصعوبات و إيجاد الحلول للعراقيل التي تعترضه(17) . في حين يبقى اللعب فرصة للترويح عن النفس والروح وطريق مناسب للمزاج الطيب، وهو ما ينطبق على الألعاب المنتظمة والتي تمارس بدون ضغوطات. ومن زاوية أخرى، يمكن أن نجد الترفيه والتسلية في التعلم عن طريق اللعب، وهنا يرى "شاتو" CHATEAU، "أن الإنسان ليس متلق سلبيا ولكنه كائن يتلقى التربية ليضع قدمه في طريق مجتمع الراشدين، إنه حركة تمضي إلى الأمام أو بعبارة أوضح، إنها اندفاع نحو الرشد"(18) . وتتمثل في أن الطفل عبارة عن قوة تنمو بنسق متدرج حين نجده يحاول أن يشارك الكبار في مجالسهم، كما يحاول أن يقلد أخاه الأكبر أو أباه. وكذلك تحاول البنت الصغيرة من جهتها أن تقوم بأعمال المنزل والطبخ، إلا أن هذا الاندفاع يأخذ صورا أخرى غير منتظمة حينما نجد الطفل الصغير يقوم بأعمال كلها حركات لا مبالية.
وترجع أهمية اللعب في حياة الطفل لأنه يتعرف من خلاله على كل من يحيط به، ويكتسب العديد من التجارب والخبرات، ويعرف الكثير عن بيئته التي يعيش فيها. كما يعمل اللعب التراثي على تقوية إرادة الطفل، إذ أنه يعلم الطفل الالتزام باللعبة والتقيد بقواعدها كما يعلمه القدرة على التحمل والصبر حيث يمكن اعتبار اللعب بمثابة مدرسة حياتية يتعلم منها الطفل الانصياع والتقيد بمبادئ اللعب ونظمه وبالتالي احترام حقوق الآخرين وتقديرهم. ولو تساءلنا أي الثقافتين أبعد تأثيرا في نفسية الطفل وتكوين شخصيته الثقافة المدرسية أم الثقافة الشعبية؟، فإننا نجيب بدون تردد بأن الثقافة الشعبية أبعد تأثيرا في نفسية الطفل وهذا هو السر في تعلق الطفل بمأثوراته المتصلة بالأغاني والألعاب والألغاز والحكايات أكثر من تعلقه بحكايات المدرسة وأغانيها وألعابها(19). واستنادا لما تقدم يكتسب اللعب أهمية كبرى من خلال طبيعته ووظائفه، وأبعاده التربوية والاجتماعية والتي يتوجب الأخذ بها منذ مراحل الطفولة المبكرة. وللعب آثاره الفاعلة ودوره المحوري في تشكيل جوانب شخصية الطفل الجسدية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، بل إنه انطلاقة للتحرر من قيود القوانين الطبيعية التي قد تحول بينه وبين التجريب واستخدام الوسائل دون ضرورة للربط بينها وبين الغايات أو النتائج إنه فرصة للطفل كي يتصرف بحرية دون التقيد بقوانين الواقع المادي والاجتماعي. وبالتالي، يمكننا إجمال فوائد اللعب وأهميته كونه يجعل الأطفال يكتشفون من خلاله أنفسهم والعالم المحيط بهم. وينمون عضلاتهم ويجربون ويبدعون ويركزون ويطورون ويخترعون ويكتشفون ليتعلموا مهارات جديدة ويتعاونوا مع الآخرين. وتقوم الألعاب التراثية بكل هذه المهام لأنها حصيلة ثقافة موروثة ذات جذور تاريخية وذات فوائد وهي إما جماعية تحتوي على أسس وقوانين أو أنها فردية تتميز بالبساطة وتمارس بأسلوب وطريقة تعكس الجو النفسي لمحيط اللعب(20). وبناء عليه، لابد من الحفاظ عليها قدر الإمكان ومحاولة تطويرها مع الحفاظ على طابعها الشعبي والتراثي. لأن الحفاظ على ثقافتنا وتراثنا يتم من خلال الاحتفاظ بمثل هذه الممارسات التي تلعب دورا مهما في صونه وتسجيله وتوثيقه وحفظه. بما يحقق توازنا واضحا بين ما ورثته عن الماضي المعبر عن أصالتها وشخصيتها ونتاج الحاضر بما فيه من ألعاب رياضية متنوعة تطورت مع مقتضيات هذا العصر.
8. الجانب الميداني
تصنيف ألعاب الأطفال التراثية بحسب عدد اللاعبين:
تتنوع أنشطة اللعب عند الأطفال من حيث شكلها ومضمونها وطرق آدائها، ويعود هذا التنوع إلى الاختلاف في مستوى نمو الأطفال وخصائص كل مرحلة عمرية من جهة وإلى الظروف الثقافية والاجتماعية المحيطة بالطفل من جهة أخرى. فهو أكثر أنشطة الطفل ممارسة وبفضله يتعلم الطفل مهارات جديدة ‏ويساعده على تطوير مهاراته القديمة، إنه ورشة اجتماعية يجرب عليها الأدوار ‏المختلفة وضبط الانفعالات والتخفيف من مخاوف الأطفال سواء تم ذلك اللعب ‏بمفرده أو مع أقرانه. لذا، يمكن تصنيف الألعاب إلى الفئات التالية:
8. 1 الألعـاب الفرديـة:
يتصف اللعب الفردي بلعب الطفل بمفرده دون أفعال صريحة مع الأقران وأنه يميز لعب الأطفال الصغار. ويعرف بأنه لعب قد يشترك فيه طفل أو أكثر في الخامات أو في المساحة دون اللعب سوية. ويتميز اللعب الفردي بالسهولة في الشكل والأداء، وكثيرا ما يمارسه الأطفال دون سن العاشرة. ومن نماذج تلك الألعاب نذكر: الجري، نط الحبل، الحصان، الرمي بالسهم، الفلاش، السلوغي، العجلة، الطيارة، الخريرة وغيرها. وقد تبين من خلال الألعاب المدروسة أن الألعاب الفردية تقدر بنسبة 5 % من ألعاب المدونة. وهي ألعاب متنوعة تساعد الطفل على الاعتماد على نفسه واختبار قدراته خاصة حينما يقوم بصناعة لعبته لوحده. بينما يتخلى الأطفال عن هذه الألعاب في مرحلة المراهقة وما بعدها ويصبح الطابع التنافسي طاغيا على مجمل الألعاب حيث يصبح اهتمام الأطفال متمركزا على المبادرة والتحدي والسعي إلى التفوق. لذا، ينبغي أن ندرك أن اللعب الفردي ينبع من دافع ذاتي حقيقي لا يكتسبه الطفل بتعزيز الآخرين له فهو نشاط ‏تلقائي طبيعي لا دخل لأحد له في فرضه أو تعليمه، فهو يعبر عن ميل فطري لدى الفرد يكتشف الطفل ‏من خلاله ذاته ويطور إمكاناته العقلية والحسية والحركية بل يمكن الطفل من اكتساب ‏قيم ومهارات واتجاهات ضرورية للنمو الاجتماعي.
8. 2 ألعـاب فردية - جمـاعية:
يعتبر نمط اللعب الثنائي والثلاثي من أكثر الأنماط الذي يتلاءم مع اللعب الفردي - الجماعي، ويتضمن العديد من الألعاب المألوفة مثل الخربقة، الشطرنج، الدامة أو أي لعبة تعتمد على لاعبين فقط مثل لعب الأم مع طفلها في ألعاب المداعبة والتربيج ولعبة طباخ وغيرها. ويتألف هذا الصنف من ألعاب متنوعة تمارس بشكل فردي أو جماعي في نفس الوقت، منها الألعاب الحركية التي تعتمد على النشاط البدني والحركي ومنها: الجري، السباحة، البيس، النحلة، الطقة، السلوغي، رفع الأثقال ونط الحبل. وأيضا الألعاب الذهنية التي ترتبط بالعقل والتفكير وإعمال الخاطر كلعبة التشه وعدي كول والسيق وبيوت شاش وغيرها. كما ينتظم هذا الصنف من اللعب بمشاركة الطفل لأمه أو لأقرانه في بعض الألعاب التي يكون فيها التنافس فرديا، ولكن ليس هناك تقسيم عمل أو أدوار بين الأطفال. فكل طفل يلعب بمفرده ليختبر قدراته وليس بالضرورة أن يخضع لرغبات الأطفال الآخرين. وهي ألعاب لا تعتمد على فرق، وتتألف من ألعاب متنوعة تمارس دون فرق ولكنها تحافظ على الروح الجماعية مثلها مثل ألعاب الفرق تماما. وقد مثلت نسبتها 33 % من جملة ألعاب المدونة، وهي نسبة هامة تعكس مكانة هذا الصنف من اللعب لدى الأطفال. فهي توفر لهم مناخا يسوده التفاعل والتواصل لكن التنافس بين اللاعبين يظل تنافسا فرديا سواء في الألعاب الحركية، مثل (لعبة الحصان، لعبة السلوغي)، أو في الألعاب الذهنية، مثل (التشة، والخربقة). لذا، أعتقد أن هذا الصنف من اللعب يمثل أولى الأشكال غير المباشرة من اللعب الجماعي ويمكن اعتباره مقدمة للعب الجماعي الكامل والذي من خلاله يختبر كل طفل طبيعة الطفل الآخر ثم يبدؤون بالتدرج في إظهار جهودهم على التعاون. وهي في الحقيقة ألعاب اخترعها أفراد المجتمع لتدريب الطفل على الانتقال من اللعب الفردي إلى اللعب الجماعي لكي يتعلم قواعد الأخذ والعطاء وتنمو لديه روح المنافسة والمبادرة والمشاركة الجماعية.
8. 3 الألعـاب الجمـاعية:
يعد اللعب في شكله الواسع نشاطا جماعيا يشترك اللاعبون فيه قصد تحقيق المتعة والتسلية والترويح عن النفس. فهو نشاط يوحد جميع المشتركين فيه تحت فكرة واحدة ويحمل كل لاعب قسطا من الخيال والخبرة لتطوير الفكرة الجماعية، ويخضع في الوقت نفسه للقواعد التي يمليها عليه الدور الذي أخذه على عاتقه أثناء اللعب. لذا، فالألعاب الجماعية هي تلك التي تمارس بشكل جماعي ولا يأتي لعبها وآداؤها بواسطة فرد واحد، بل تتطلب عادة فريقا من الأطفال يقوده طفل واحد أو أكثر بحيث يستطيع هذا الفريق أن ينافس الفرق الأخرى ويسعى للتفوق عليها. وقد بلغت نسبتها 62 % من جملة ألعاب المدونة، بمعنى أنها أكبر نسبة من الألعاب التي تمارسها جميع الفئات العمرية. وتمتاز مثل هذه الألعاب بأنها تنمي روح المشاركة والتعاون وتقوية العلاقات مع الآخرين واحترام القوانين ونظام سير اللعب. وهي كذلك ألعاب حماسية تتطلب من اللاعب القدرة على التحمل والصبر وسرعة الحركة والخفة، والرشاقة وتحتوي على قوانين وضوابط تحكمها وتنظمها. ومن نماذج الألعاب الجماعية: (الغميضة، الشارة، الصيد واللبة، كسير عصي، الكرة والعكفة، سيدي اعطيني فلوسي، الكنز، بلال، عظم الساري، بوطبيلة، يا عشرة دونك عشرين) وغيرها. وهي تمثل جل الألعاب التي تتسم بالمشاركة والتنافس والتحدي، ومع ذلك فلم تهمل النواحي الذاتية في الفرد لتعمل على إعداده فرديا واجتماعيا في آن واحد، من خلال ألعاب فردية تنمي فيه الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية الذاتية، وأخرى جماعية تدربهم على التنافس وتزيد من تفاعلهم عن طريق إسهامها في النمو الاجتماعي لدى الأفراد.
تبين بيانات الرسم البياني أن نسبة الألعاب الفردية مثلت 5 % من جميع الألعاب، فيما تقدر نسبة الألعاب الفردية - الجماعية بـ33 % من الألعاب التي تضمنتها المدونة. في حين أن الألعاب الجماعية تمثل أكبر نسبة من الألعاب الممارسة بما يعادل 62 % من كل الألعاب المدروسة، مما يعني أن جل الألعاب التقليدية هي ألعاب جماعية يمارسها الأطفال والشباب لأنها ألعاب تنافسية تؤدى في نطاق المجموعات. وهنا نلاحظ أن هذا الكم الهائل من الألعاب الجماعية(21)
يعد الصفة الغالبة على محتوى ألعاب المدونة لأن هذه الطريقة في ممارسة الألعاب لها عمق الأثر في تكوين العلاقات الاجتماعية بين اللاعبين. فهي تساعد الفرد على تنمية حس المشاركة و القدرة على الاندماج والتكيف وربط علاقات مع أطفال آخرين. إلى جانب أنها تمنحنا طفلا أو شابا اجتماعيا بطبعه، كون غالبية هذه الألعاب يمارسها أكثر من شخصين، كما أن اللاعب في هذه الحالة يتعود شيئا فشيئا على المنافسة المباشرة مع أقرانه على عكس الألعاب الفردية التي تعود الطفل أو الشاب على الوحدة و العزلة والتمركز حول الذات.
وعليه، يتضح من خلال النسب التي تم عرضها أن ألعاب الأطفال التراثية هي إحدى الممارسات الموروثة التي تمارس غالبا بشكل جماعي(22)
بدافع المتعة والتسلية ولقضاء أوقات الفراغ بصورة جماعية فيها الكثير من التعاون الذي يعكس الجانب الإيجابي للحياة الاجتماعية السائدة آنذاك. مما يجعلها مجالا واسعا للتواصل وضبط السلوكات وترسيخ القيم والمعايير الأخلاقية التي يفرضها المجتمع. كما تحظى هذه الألعاب بأهمية كبيرة في حياة الصبيان والفتيات، لأنها خيارهم الوحيد للترفيه، حيث لا توجد بدائل سواها. ولا تتوقف ممارستها بهدف الترفيه فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك فهي تنمي كل جوانب شخصية الطفل وتعود الأطفال احترام قواعد اللعب وأداء أدوار قيادية أو ترديد أغاني خاصة باللعبة وسط مجموعات تتكون من أعداد مختلفة يلتزم فيها الجميع بشروط ونظام سير اللعب. وتبعا لذلك، فإن الألعاب الجماعية تمثل التدريب العملي الذي يمكن الفرد من التكيف مع الوسط الاجتماعي حينما يصبح راشدا في المستقبل بفضل ما تخلقه من فرص تعليمية نمائية في كل جوانب الشخصية. إذا، فهو يتضمن نوعا من السلوكات التي تستثيرها حاجات معينة عند الإنسان ومنها الحاجة إلى الانتماء والحاجة إلى الحب والحاجة إلى التقدير والنجاح. ولا يمكن بطبيعة الحال أن يكون هنالك تفاعل بين فردين دون أن يتم التواصل بينهما، فالتواصل يعد تعبيرا عن العلاقات بين الأفراد وذلك يعني نقل فكرة معينة أو معنى محدد في ذهن شخص ما إلى ذهن شخص آخر أو مجموعة من الأشخاص، وعن طريق التواصل يحدث التفاعل بين الأفراد. "فسلوك الفرد يفسر من خلال قيامه بالأدوار الاجتماعية المختلفة أثناء تفاعله مع غيره طبقا لخبرته التي اكتسبها وعلاقته الاجتماعية، فالتعامل بين الأفراد يتحدد وفق الأدوار المختلفة التي يقومون بها"(23). وبالتالي فإن التفاعل الاجتماعي كما تم وصفه يعد وسيلة تواصل وتفاهم بين أفراد المجموعة، فمن غير المعقول أن يتبادل أفراد المجموعة الأفكار دون أن يحدث تفاعل اجتماعي بين أفرادها. وفي هذا الشأن، أشار "الشناوي" إلى أنه "يحدث أثناء اللعب أنواع من التفاعل الحركي واللفظي تشكل ردود أفعال ينتج عنها تغيير في الأطراف المتدخلة، بحيث تؤدي إلى تعديل طريقة عملها مع تحسين سلوك أفرادها تبعا للاستجابات التي يستجيب لها الأفراد"(24). إضافة إلى أن لكل فعل رد فعل مما يؤدي إلى حدوث التفاعل الذي تحدثنا عنه. فعندما يقوم أحد أفراد المجموعة بسلوك ما وأداء معين فإنه يتوقع حدوث استجابة معينة من أفراد الجماعة إما ايجابية أو سلبية. كما أن هذا النوع من التفاعل يؤدي إلى ظهور القيادات والمهارات الفردية. ومن زاوية أخرى، تعد ألعاب الأطفال التراثية التي تمارس في إطار فرق فضاء مناسبا لنمو القيم الاجتماعية المقبولة حيث يتدرب الطفل على قيم الجماعة (الفريق) وعبر تفاعل اجتماعي ثري تدفعه إليه ظروف اللعبة يستخدم الطفل مهاراته الفردية وكل قدراته لصالح فريقه (لعبة كرة المعقاف). فيعتاد التعاون مع أفراد فريقه، وحين يكون هناك طفل في الفريق في وضع أفضل منه لإحراز هدف فيمرر الكرة له، لأن مصلحة الفريق فوق أية مصلحة شخصية. وبذلك يكون السبيل ممهدا له للمشاركة في المجموعة بالطرق التي ترتضيها لكي تتكون له شخصيته الاجتماعية عن طريق هذا التفاعل. وبالتالي، يمكن اعتبار مثل هذا التصنيف حاملا لكثير من المعاني والدلالات الاجتماعية النابعة من أنواع التفاعلات التي تحدث أثناء اللعب. فضلا عن ذلك، فهي تتيح للممارسين فرص اكتساب خبرات ومهارات كثيرة خاصة بمواقف الحياة اليومية بما فيها من تواصل لغوي وأداء وظيفي مما يؤدي إلى حثهم على المشاركة في تلك الألعاب وإلى تنمية التفاعل الاجتماعي بينهم والذي بفضله يتعلم الأطفال الصبر والاعتماد على النفس والالتزام بالنظام وطاعة الأوامر الصادرة عن القائد وغيرها. وتبعا لذلك، تحقق الألعاب الجماعية بعض الدلالات الاجتماعية منها: القبول، الانتماء، تقبل التنظيم الاجتماعي وترسيخ القيم الاجتماعية. وعليه، فإن مواقف اللعب طبقا للخصائص التي ذكرت توفر للطفل فرصا للتفاعل مع الآخرين فاللعب يسمح للطفل أن يجرب خياراته والحلول الممكنة، فالألعاب البسيطة هي ألعاب ذات قواعد وحدود تعطي كثيرا من الفرص للأطفال لتعلم احترام الآخرين واللعب بطريقة مقبولة لدى الجميع. ليس هذا فحسب بل إن الانتقال من لعبة إلى أخرى وتبادل الأدوار يمكنهم من تجريب الكثير من الأدوار الاجتماعية.
نخلص إذن، إلى أن الألعاب الجماعية تتضمن الكثير من الدلالات الاجتماعية لأن الإنسان كائن اجتماعي وحتى يكتسب طبيعته تلك وصفته الاجتماعية، فإنه لابد أن يعيش وسط جماعة، يتفاعل معها، ويتبادل معها عمليات التأثير والتأثر أثناء مراحل اللعب. فبمجرد وجود الطفل مع جماعة اللعب فإنه بحكم استعداده البيولوجي والنفسي يدخل في روابط وعلاقات من أجل إشباع حاجاته الأساسية(25)، فيبدأ بالاستجابة لكل من حوله (القبول)، بأن يعي خصائص الأشياء والمواقف والأفراد الذين يتفاعل معهم، وينتهج السلوكات التي ترتضيها الجماعة. ولكي يتم ذلك، فإنه لن يدخر جهدا من أجل نجاح عملية التواصل مع الآخرين، لكي يتعلم صفات الجنس ويكتسب اللغة والمعاني، وصور التعبير عن الحب والكراهية، والفخر والتقدير، وآداب السلوك ويأخذ أشكالا مختلفة من التعاون والتكيف والمنافسة والصراع والتخيل. بمعنى اكتساب الطفل إنسانيته بفضل اللعب الجماعي، فيصبح مندمجا ومتكيفا مع مجتمعه. ويكون اللعب حينئذ هو الوسيط الاجتماعي الذي يحيط بالطفل طيلة سنوات العمر الأولى، ويقوم بالأدوار الحاسمة في تكوين شخصية الطفل الاجتماعية، فينمي أسس المشاركة الاجتماعية والتفاعل مع الآخر والإحساس بمشاعره مما يساعده على تكوين أبعاد شخصيته المختلفة. وهنا يشير "محمد صوالحة" في كتابه "علم نفس اللعب"، إلى "أن اللعب الجماعي يساعد الطفل على التنبه إلى رأي الناس في تصرفاته، فهو يفكر فيما يقولون عنه من مدح أو ذم، ويتحرى ما يرضي الناس ليعمله ويبتعد عما يزعجهم"(26). إذا، فاللعب الجماعي يسمح للطفل بمراقبة آدائه وأن يعبر عن رأيه وما يتبادر في ذهنه ويستمع لنقد غيره ويسعى لإصلاح أخطائه. كما يتميز بالتعاون بين أفراد فريق الانتماء والتنافس مع الفريق الخصم وفق نظام من القواعد يحدد مسبقا حسب معايير متفق عليها. ويمنحنا هذا النظام فرصة المشاركة والتواصل والتفاعل بين الأفراد والجماعات. لذا، تنتظم الألعاب بقوانين مضبوطة تنظم طبيعة سيرها وفق قواعد متفق عليها بين اللاعبين ومن يخل بها يعاقب ويحرم من اللعب. وبالرغم من صرامة نظام القواعد في بعض الألعاب إلا أنه هناك ألعابا أخرى تمارس بدون قواعد، فالطفل يلعب وهو يشعر أنه غير محكوم بقواعد ملزمة تحد من حريته مما يبعث فيه إحساس بالمتعة والرضا ويجعله يعبر عن نفسه سواء باللفظ أو بالحركة لتلبية حاجياته وتنمية الروح الجماعية لديه دون ضغط أو مجهود مضاعف من أجل التمكن من الانتصار أو الفوز. وبالتالي فإن هذه الألعاب سواء كانت ذات قواعد أو بدونها فإنها خلقت من إبداع الفرد لتقوم بدورها في تكوينه الجسمي والنفسي والفكري والاجتماعي.
تصنيف ألعاب الأطفال التراثية حسب نظام القواعد:
يبدأ الطفل في معرفة قواعد اللعبة حينما يبلغ مرحلة اللعب الجماعي الذي يقوم على التعاون والتنافس وتبادل الأدوار. ففي لعبة الغميضة مثلا يتعلم مفهوم تبادل الأدوار في اللعب، غير أن بعض القواعد قد يصعب على الطفل فهمها لأول مرة لكنه سرعان ما يتدارك أمره ليستوعب القواعد المختلفة لأن الطفل يتعلم من خلال محاكاة الآخرين بشكل أساسي، فلا أحد يعلم الطفل كيف يلعب مثل تلك الألعاب. وهذا لا يعني أن اللعب يتم بصورة غير منتظمة أو غير مقننة بل هو لعب ينتظم بصورة ذاتية ويخضع لشروط وقواعد يلتزم بها اللاعبون بعقد أخلاقي غير مكتوب بل متفق عليه ضمنيا وبصورة تلقائية بين الأطفال. ويتعلم الأطفال هذه الألعاب عن طريق المشاهدة المباشرة والمشاركة الجزئية ثم الفعلية في الألعاب التي يميلون لممارستها مع أقرانهم.
تشير معطيات الرسم البياني أن 67 % من ألعاب المدونة هي ألعاب ذات قواعد وتعتمد على قوانين يلتزم بها الجميع أثناء اللعب. في حين أن 33 % من الألعاب هي ألعاب بدون قواعد أو خالية من القوانين تندرج في إطار الألعاب الفردية التلقائية أو لعب الأدوار. وتبعا لذلك، فقد احتلت الألعاب المقننة نسبة هامة من ألعاب المدونة، فهي التي تحدد سلوك اللاعبين الذين يجب عليهم التقيد بالقواعد لضمان السير العادي للعبة، فضلا عن كونها تسهر على تحقيق أهدافها وتتدخل في تحديد نتائجها. وتقوم في ذات الشأن بتنظيم عملية الاحتكاك والتنافس بين المشاركين أثناء سير اللعبة. وغالبا ما يبدأ الأطفال في ممارسة اللعب المقنن بداية من سبع سنوات فما فوق في مرحلة اللعب الجماعي حينما تتراجع مكانة اللعب الإيهامي والتمثيلي لتأخذ مكانه هذه الألعاب لكونها تلزم اللاعب باحترام قواعد اللعب وقوانينه. غير أنه لا يمكن الجزم بأن أطفالنا ينتقلون إلى هذا الصنف من اللعب في حدود السنة السابعة من العمر وذلك يعود إلى طبيعة البيئة المحلية وتأثيراتها. فاللعب المقنن تختلف بدايته من جهة إلى أخرى، حيث نجد الكثير من هذه الألعاب تمارس في بعض المناطق بداية من أواخر السنة السادسة من العمر خلافا لمناطق أخرى. وهو عامل يساعد هؤلاء الأطفال على تحمل المسؤولية في سن مبكرة والتعود على احترام نظام اللعب والمشاركة والانتماء إلى المجموعة ليتمكن تدريجيا من التدرب على القيام بالأدوار التي تنتظره في المستقبل.
ويجب التذكير أن هذا التدرج مرتبط بتطور قدرات الفرد حيث تكون قدرة تحكم الطفل في نفسه ضعيفة في مقتبل العمر، وما أن يتدرج اللاعبون في النمو حتى تظهر القواعد والقوانين وتتدرج في الزيادة فتتطلب ضبطا مضطردا للنفس، مثل عدم اللعب إلا في الدور المخصص (لعبة الصيد واللبة). وعدم عبور خط البداية في السباق إلا بعد الإشارة (لعبة القائد والجنود) وضرورة تصويب الكرة بشكل معين بدلا من رميها بطريقة عشوائية (الكرة الساجنة). وهكذا، نأتي إلى مرحلة البلوغ، وفيها نصل إلى الألعاب الجماعية بطرقها المحددة بقوانينها الدقيقة وبقيودها وجزاءاتها. ولن يكون هناك مجالات الخبرة للفتى أو الفتاة فرص أكثر حيوية من تلك الصعاب الجماعية لاكتساب القدرة على الضبط، ولا نواحي أكثر واقعية من تلك الألعاب للتدريب من أجل الوصول إلى هذه القدرة. وفي الشأن ذاته، يرى البعض أن الإحترام المتبادل بين الأطفال أثناء سير النشاط وإدراك كل منهم لضرورة تطبيق قواعد اللعب وفق ما يراه الأطفال يتيح كلاهما للطفل فرصة التلاؤم مع رغبات المشتركين معه في اللعب فضلا عن التلاؤم لدوافعه وحاجته في اللعب، وهو أمر يجعل مثل هذه الألعاب تسهم في تكوين أخلاق الطفل التعاونية من خلال التزام كل طفل بقواعد اللعب. كما أن حالات التغير المستمر في شكل اللعبة وفي طرق ممارستها من مكان إلى آخر هي عوامل استغلها الباحث ليستعين بها لرصد الخصوصيات الثقافية في كل جهة ودراسة هذه التغيرات في علاقتها بالبيئات الإجتماعية والطبيعية.
إلى جانب ذلك، فإن ألعاب الأطفال التراثية تمتاز بكونهـا تتجاوز في كثير من الأحيان القواعد المقننة والمبادئ الملزمة التي تعرفها الأنشطـة الرياضية اليوم وتعويضهـا بالعفوية والحريـة والتلقائية التي تمكن الأطفـال من التعبير عن ذواتهم وشخصياتهم الخلاقـة. خاصة وأن أجمل ما في الألعاب التراثية أنها غير محكومة بهالـة مقدسة من القوانين فيجوز تغييـر جزء من قواعدها بالإضـافة أو بالحذف حسب ما تقتضيه طبيعة اللعبة ونظـام سيرها. وفي الآن نفسه، "يمكن أن يختار الأطفال بأنفسهم قواعد اللعبة التي يريدون ممارستها"(27). ومن خلال موافقة المشاركين على قواعد اللعبة تصبح حينئذ مقبولة من قبل الجميع. وهو ما يعبر عنه "اوريو"، "بأن الطفل أثناء اللعب يحافظ على استقلاليته، وبإمكانه تغيير قواعد اللعبة بكل حرية، بما يضمن لـه إمكانية الخلق والإبتكار"(28). وفي ذات السيـاق، يرى "وينيكوت" في كتابه "اللعب والحقيقة"، "أن اللعب الحر مخيف لأنه لا يذعن للقواعد، ويمكن أن يخترع قواعد جديدة، فهو يتغير ويتكرر باستمرار"(29). وأشار أيضا إلى أن الأطفال يستمتعون باللعب ويتمكنون بواسطته من التوحد أثناء اللعب الجماعي حيث يمكن مشاهدتهم وهم يبنون منزلا ويقومون بأدوار أسرية مختلفة. بمعنى أن القواعد في مثل هذه الألعاب ليست ثابتة، وإنما يمكن أن تتغير حسب رغبة المشاركين وحسب فضاء اللعب. ويمكن أن يختار اللاعبون أنفسهم قواعد تتناسب مع مهاراتهم في أداء هذه اللعبة أو تلك والتي عادة ما تكون متدرجة شيئا فشيئا نحو التعقيد. وعليه، فإن حضور القواعد في اللعبة هي من أهم دعائم تأسيس علم الفعل الحركي "لبارلوبا"، ليؤكد أن هذا التقنين هو الذي يقوم بتأطير سير اللعبة ويتحكم في تنظيم نتائجها ويحدد السياق الاجتماعي الذي تؤدى فيه. لذا، يمكن أن تشهد هذه القواعد جملة من المتغيرات حسب الفضاءات والأوقات والأوضاع الحركية التي ترافق اللعبة. ورغم تباين قواعد تنظيمها وطرق ممارستها واختلاف أسماء اللعبة الواحدة من جهة إلى أخرى، فقد تبين أن غالبية الألعاب المدروسة هي ألعاب تحكمها قواعد تضبط عملية التنافس والتفاعل بين اللاعبين وتنظم طريقة سيرها. وفي المقابل، فإن الألعاب المقننة تمارس بشكل طبيعي في حدود ثمانية سنوات، وهي في أغلبها ألعاب رياضية تحمل طابعا تنافسيا لأنها تحتاج أكثر من غيرها إلى قواعد تنظم سيرها. وهذا الصنف من الألعاب يمكن كلا الجنسين من احترام قوانين اللعب وترتيب الأدوار وهو ما تجسده ألعاب الحفرة والبيس والزيزتا واللقفة وغيرها. فاحترام الدور وإنتظاره يعد من بين السلوكات التي تسعى هذه الألعاب إلى تعليمها للطفل ليلتزم بها ويتقيد بضوابطها. وبالرغم من بساطة هذه الألعاب واقتصارها على عدد غير محدد من اللاعبين إلا أنها تتمتع بجملة من القواعد والأنظمة العرفية التي تحكمها. فهي ليست ألعابا تمارس وفق أهواء المشاركين بل تحكمها قوانين صارمة ومن يخل بإحدى قواعد اللعب يعتبر خارج اللعبة ويوبخ من زملائه، ولا تتاح له فرصة المشاركة معهم في الألعاب مرة أخرى.
وهكذا، تهتم جميع الألعاب التي نحن بصدد دراستها بالسلوك الإجتماعي والمقصود هنا هو أن يتأثر اللاعب بوجود الآخرين في كثير من أصناف اللعب، حيث تعكس اللعبة العديد من القواعد التي تحث اللاعب على سلوك معين وتطالب الطفل بالإمتناع عن بعض السلوكيات والممارسات التي يرفضها المجتمع. وفي الآن نفسه تقوم اللعبة بتقديم نقد لبعض السلوكيات المستحدثة حتى ولو كان جزءا من المجتمع يتبناها. وأكثر من ذلك، فإن اللعب الجماعي يدفع الطفل للانضباط والتقيد بالقواعد، كما يعوده على المشاركة والتحمل والصبر وانتظار الدور والإصرار والتحدي لقدرات المنافس. وكلها صفات وخصائص تجعل اللعب بمثابة مدرسة حقيقية حياتية يتعلم منها الطفل الانصياع والتقيد بمبادئ المجتمع ونظمه. وهنا تظهر أهمية اللعب ذي القواعد والتفاعلات التي تحدث أثناءه، فهو يمنح الفرد القدرة على النمو الاجتماعي وتهذيب سلوكه وبناء اتجاهاته الاجتماعية، ويدفعه إلى تعزيز الشعور والإحساس بمسؤوليته وواجباته ليكون عضوا فاعلا في المجتمع. فضلا عن ذلك إن ممارسة الألعاب منذ سن مبكرة تهيئ الأطفال للمشاركة والتوافق والاندماج مع الآخرين، فهو وسيلة ضرورية للتفاعل الاجتماعي، حيث يؤدي إلى تعميق الوعي وتوطيد العلاقات بين مختلف الأفراد، سواء ضمن الفريق الواحد أو ضمن الفرق المشاركة. فعملية التفاعل والتكيف الإجتماعي التي تتم أثناء اللعب هي عملية حقيقية نابعة من طبيعة هذه الممارسات القائمة على الاحترام والفهم المشترك والمتبادل بين اللاعبين. وتتنوع هذه العمليات في اللعب بين تنافس وصراع وتعاون يقوم بين الأفراد أو بين الفرد وجماعته أو بين المجموعات فيما بينها. وهنا تتم عملية التفاعل بين الأفراد وثقافة مجتمعهم ومن خلال هذا التفاعل والتواصل تنشأ القواعد والنظم والمعايير والتقاليد والأعراف، ومن ثم تصبح هذه الثقافة ملزمة للأفراد تطبع سلوكهم لأنها ليست نتاجا للحظة الحاضرة وإنما هي نتاج للتفاعل الاجتماعي في الماضي والحاضر والمستقبل.
وعليه، يسهم اللعب الجماعي في تعديل سلوك الطفل وجعله قادرا على تحمل المسؤولية الاجتماعية ويغرس فيه قيمة الاعتراف بحقوق الآخرين ومراعاتها وهذه الخطوة من أهم خطوات التربية والتنشئة الاجتماعية التي يكرسها اللعب. إذ أنه لكي يعترف الطفل بحقوق الآخرين يجب أن يخضع مع رفاقه لقواعد اللعبة ويعتبر الخضوع لهذه القواعد أول الدروس التي يتعلمها الطفل من حياته مع الآخرين. وفي ذات السياق، يجب الإشارة إلى أن اللعب لا يتأثر فقط بالقواعد التي تمليها جماعة اللعب وإنما يتأثر اللعب أيضا بالفضاء الذي يمارس فيه وبالأدوات المستعملة في كل لعبة. وكذلك يتأثر بأوقات الممارسة ومواسمها، لذلك تتطلب كل لعبة فضاء مناسبا لممارستها بحسب نوعيتها وطبيعة نظام سيرها. خاصة وأن فضاء اللعب يعد مكونا من المكونات الأساسية التي تساهم في نجاح السير الطبيعي للعبة.
وفي ذات الشأن، يرى "عثمان عابد" في وصفه لأهمية اللعب عند الطفل: "أن اللعب إذا كان فرديا أو جماعيا، داخل البيت أو خارجه، يفسح المجال للطفل ليحقق ذاته ويكتشف قدراته حيث يتمكن من التمييز بين ما في وسعه فعله وما لا يستطيع فعله، فتزداد ثقته بنفسه، لأنه وصل إلى هدفه دون مساعدة الكبار"(30). وهذا ما يفسر مجددا أن الأطفال والشبان يتعلّمون الكثير أثناء اللعب ويستفيدون من أفكار بعضهم البعض وفي معظم الأحيان يتعاونون في القيام بأدوار مهمّة تعكس قدراتهم على استيعابهم لمعايير السلوك الاجتماعي، فالدور الذي يلعبه الطفل لا يمثّل في هذه الحالة حلقة وصل بينه وبين اللاعب الذي أمامه فقط، بل يستند أيضا إلى العلاقات المتبادلة بينه وبين كل المشاركين والتي تكمن من ورائها معايير سلوكية معيّنة يبدأ الطفل في إدراكها شيئا فشيئا فيمارسها ويعيشها لتصبح جزءا من ذاته. ففي لعبة «شد الحبل» أو لعبة "شد خوك" يتعاون الأفراد من نفس الفريق ويتضامنون في سبيل تحقيق الانتصار على الطرف الآخر. وهذا التفاعل بين الطرفين يشكل معايير هامة ترتكز حول قيمة التعاون والشجاعة والتضامن بين كلا أفراد الفريقين لتحقيق النصر. لذلك يكون الطفل في هذه الحالة مدفوعا إلى الانتماء الجماعي وإلى الوحدة والتكتّل مع الآخرين، حتّى يتسنى له تحقيق الفوز على الفريق المنافس بينما يحاول الفريق الثاني انتهاز فرصة للإطاحة بمنافسيهم من خلال تعاونهم الجماعي والدفاع عن بعضهم البعض خاصّة لمن تظهر عليه علامات الضعف والتراجع في بذل المجهود. وبطبيعة الحال، فإن كل المهارات والقدرات والأنماط السلوكية تتكون من الأنشطة التي يندمج فيها الطفل وهو يتأثّر بجماعة رفاقه ويكون تفاعله معهم قويا يتراوح بين التعاون والتضاد، فيشعر الطفل بعضويته داخل المجموعة وبأهمية تأثيره فيها ويصبح قادرا على التواجد في أي مكان وذلك حسب الألعاب المتنوعة والأدوار المتعددة التي يقوم بها. فالتفاعل بشكليه المذكورين يقوم على نفس آليات التواصل وتحافظ الأداة على صدارة الترتيب رغم أن الألعاب التي يظهر فيها التفاعل بشكل مضاد ليست كلها ألعابا تنافسية لكنها تمارس بشكل جماعي. أما ألعاب الفرق فهي تقوم على نوعين من التفاعل يتمثل في التضاد مع الفريق المنافس والتعاون مع فريق الإنتماء مثل لعبة شد الحبل كما ذكرنا سابقا. وقد لعبت الأداة دورها في خدمة نوعين من التفاعل سواء في شكل منافسة تعتمد على التضاد أو علاقة تضامن ودعم ينبني على التعاون، وهي في الأصل عملية تدريب على أدوار المستقبل. وغالبا ما يريد المجتمع من خلال هذه الألعاب أن يدرب أطفاله على العمل الجماعي ليؤهلهم إلى أدوار القيادة ليكونوا قادرين على تحمل مسؤولياتهم بجدارة في حياتهم المستقبلية. وهي في ذات الوقت تعد من بين أهم وسائل التربية على النظام و تكوين النسق الأخلاقي لدى الطفل. لذا، تهتم جميع الألعاب التي نحن بصدد دراستها بالسلوك الإجتماعي والمقصود هنا هو أن يتأثر اللاعب بوجود الآخرين في كثير من أصناف اللعب، حيث تعكس اللعبة العديد من القواعد التي تحث اللاعب على سلوك معين، وتطالب الطفل بالإمتناع عن بعض السلوكيات والممارسات التي يرفضها المجتمع. وفي الآن نفسه تقوم اللعبة بتقديم نقد لبعض السلوكيات المستحدثة حتى ولو كان جزءا من المجتمع يتبناها. ويجب أن يلتزم بذلك أثناء اللعب وضرورة أن يتفاعل مع رفاقه سواء بالحركة أو باللفظ أو بالإشارة. وهكذا يتدعم ارتباطه بالآخرين من رفاق اللعب ويكتسب الوعي بالقيود والضوابط التي تفرضها الجماعة على الفرد.
وعلى ضوء كل المعطيات التي ذكرت خاصة منها ارتفاع نسب الألعاب الجماعية و المقننة وتأثير كليهما في سلوك الطفل نقر بصحة الفرضية التي مفادها أن الألعاب الجماعية تتسم بنظام من القواعد يعكس شبكات من التواصل والتفاعل الاجتماعي مما يؤدي إلى الترابط بين القوانين المسيرة لسلوك اللاعب أثناء اللعب والسلوك اليومي لأفراد للمجتمع الذي ينتمي إليه. وقد بينت النتائج التي تم عرضها والمتعلقة خاصة باللعب الجماعي سواء بواسطة الأدوات أو بدونها أو تلك التي تحكمها قواعد وما تتضمنه من تفاعلات متنوعة أثناء اللعب بأن تفاعل الفرد مع الآخرين ينجم عنه تعديل وتغير في سلوك اللاعب نتيجة للتفاعلات القائمة بينه وبين بقية اللاعبين. وهذا هو أساس اللعب الجماعي وتلك مسؤوليته. فألوان النشاط في اللعب لا تعد فقط مظاهر اجتماعية لها قيمتها المادية والمعنوية فحسب، وإنما تعتبر أيضا معيارا حقيقيا للتكيف الاجتماعي لأنه بدون اشتراك الطفل في الألعاب لا تسنح له فرصة تجربة الخطأ والصواب أو الشعور بفرحة النجاح أو لذة المغامرة، وغير ذلك من التجارب التي تبني الأخلاق ومبادئ السلوك وتكون الشخصية بصفة عامة. وبهذا الشكل، تعتبر الألعاب الجماعية بمثابة مجتمع مصغر يتفاعل معها الطفل والشاب من أجل تشكيل شخصيته وفرض وجوده فيمتثل لقواعدها لكي يتدرب على الإمتثال لقوانين المجتمع خارج إطار اللعب. إلى جانب ذلك يكون للألعاب دور في التنشئة الاجتماعية من خلال المساهمة في وضع قانون اللعبة واحترامه والانضباط لمعاييره، مع ما يصاحب كل هذه الأنشطة من انفعالات وتنمية للاتجاهات وتصريف للعواطف وتخفيف التوترات وتقوية الانتماء إلى الجماعة. وقد لاحظنا من خلال الألعاب التي رصدناها أو شاركنا في ممارستها أن ميزتها عن الألعاب الحديثة تتمثل في أن معظمها له مساس متين بتقاليد المجتمع الذي يرتبط بروابط الأسرة الواحدة فيسهل التقاء الشباب مع بعضهم وكذلك الفتيات. فالأنشطة اللعبية الجماعية تتسم بالثراء ووفرة العمليات والتفاعلات الإجتماعية التي من شأنها إكساب اللاعب عددا كبيرا من القيم والخبرات والخصائص الإجتماعية المرغوبة والتي بدورها تعمل على تنمية الجوانب الإجتماعية في شخصيته وتساعده على التنشئة والتكيف مع مقتضيات المجتمع ونظمه ومعاييره الاجتماعية والأخلاقية.

خــــــاتمة:
خلصت الدراسة إلى أهمية توثيق و تصنيف ألعاب الأطفال التراثية التونسية وفق العديد من المتغيرات (المكان، الزمان، المجال، السن، الجنس، عدد المشاركين، الأدوات، نظام القواعد) وغيرها، وعملت على تحليل كل متغير على حدة واستخراج الدلالات الناتجة عن كل عنصر من عناصرها. ثم تعرضت كذلك إلى تصنيف الألعاب بحسب نوع اللعبة ووفق أهم الوظائف التي تقوم بها. و من أهم النتائج التي تم التوصل إليها أن ألعاب الأطفال التراثية تتميز بالتنوع والثراء، فمن خلال دراسة وتحليل المنطق الداخلي والمنطق الخارجي للعبة تمكننا من التعرف على أهم أبعادها ودلالاتها النفسية والاجتماعية والثقافية. وقد أظهرت نتائج البحث أن اللعب التراثي يزداد تنوعا أو يقل تنوعا من بيئة اجتماعية إلى أخرى، فهو يزداد في الأحياء الشعبية من المدن، وكذلك في الريف، ويقل في البادية والمناطق الجبلية. وقد تبين في ذات الوقت اختلاف في ممارسة بعض الألعاب من الريف إلى المدينة ومن مناطق الجنوب إلى مناطق الشمال رغم وجود بعض نقاط الالتقاء والتداخل في كثير من الأحيان. لذا، فإن جميع الأمثلة التي تم تحليلها في هذه الدراسة توضح بشكل جلي الترابط الوثيق بين الممارسة اللعبية والخصائص الثقافية والحضارية للمجتمع التونسي بما أنها تعد من أهم العوامل المساهمة في التنشئة الاجتماعية للأطفال. وذلك يعني أن هذه الألعاب ذات قيمة اجتماعية من شأنها أن تحدث مردودا اجتماعيا يمكن الطفل من الاندماج في المجموعة وأن يصبح أكثر استيعابا للقيم والمبادئ الجماعيّة والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة. فالطفل بحاجة أن يكون لعبه جماعياً، فهو يتعلم فيه مشاركة الآخرين فرحهم وتنافسهم ومودتهم أي كل ما تحمله العلاقات الاجتماعية من معاني إنسانية. وهكذا، يسهم اللعب الجماعي بفضل قواعده في تعديل سلوك الطفل وجعله قادرا على تحمل المسؤولية الجماعية ويغرس فيه قيمة الاعتراف بحقوق الآخرين ومراعاتها وهذه الخطوة من أهم خطوات التربية والتنشئة الاجتماعية التي يكرسها اللعب. وعليه، فنحن أمام مجتمع تقليدي مرتبط بهويته الثقافية ينبني على نظام جماعي يرفض كل مظاهر الفردية أو الأحادية، ويشيد بالانتماء للجماعة التي تعد صاحبة القرار في كل شؤون الحياة. وفي إطار هذه المعادلة يصبح اللعب مجالا ينبغي أن يلتزم بهذا النظام باعتباره عاملا من عوامل التنشئة التي تغلب الجماعة عن الفرد، وتصبح المجموعة حسب هذا الطرح هي التي تتحكم في سلوك الفرد، فيقل اللعب الفردي ويصبح اللعب في الغالب جماعيا. وقد كانت الألعاب التراثية بمثابة المرآة العاكسة لثقافة المجتمع بكل صورها وتجلياتها. فضلا عن ذلك، فإن أهم الوظائف التي كانت تقوم بها تلك الألعاب هي المحافظة على ثقافة المجتمع واستقرارها ورسوخها وتعميقها في نفوس الأفراد. إلى جانب ذلك فإن تشابه الألعاب التراثية في المجتمع التونسي يدل على وحدة الثقافة التي تساعد على تماسك أفراد المجتمع ووحدته بل يمكن وصفها أيضا بأنها وسيلة فعالة لنقل قيم التضامن والتنوع والوعي الثقافي. لذلك يجب الحفاظ عليها قدر الإمكان والحرص على مزيد الاهتمام بدراستها وتطويرها لأنها تشكل جزءا لا يتجزأ من شخصيتنا ومن هويتنا الثقافية.