اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الحُمَيد بن منصور.. الأصالة والحكمة اليمانية
لا يزال اليمنيون بـمختلف مناطقهم ومحافظاتهم يرددون أشعار وأقوال الحكيم اليماني الكبير/ الحُمَيد بن منصور، سواءً في أثناء...

السيرة الهلالية والتلقي الشعبي دراسة في أشكال الاستجابة الجماهيرية
يمكن القول - من منظور علاقات القوة بين القارئ/ الجمهور والنص الأدبي المدون- "إن هناك علاقة سيطرة أو تبعية أو تكافؤ بين ا...

من أنواع الزهيري النعماني أو الموّال الأحمر
على مدى أكثر من عقدين من الزمان, وأنا أبحث وأتابع كل شاردة وواردة قيلت عن فن الزهيري سواء كانت رأي أم وجهة نظر تتعلق بنش...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الحُمَيد بن منصور.. الأصالة والحكمة اليمانية
العدد 38 - أدب شعبي

أ. محمـــد علــي ثامـــر
كاتب وباحث مــن اليمــن

 

لا يزال اليمنيون بـمختلف مناطقهم ومحافظاتهم يرددون أشعار وأقوال الحكيم اليماني الكبير/ الحُمَيد بن منصور، سواءً في أثناء تأديتهم للأعمال الزراعية أو في انتهاج مجالاتهم الحياتية الأخرى، ويرون بأنها دافع حماسي وتشجيعي لهم لإنجاز تلك الأعمال بسرعةٍ كبيرةٍ وبعزمٍ لا يلين؛ كما أن هذه الحكم تعدُّ نابعةً من عمق التقاليد والعادات والأعراف الشعبية اليمنية، فتراهم يرددونها في مجالسهم وأسمارهم، بل ووصل الأمر أن جيلاً من الشعراء الجُدُد بدأوا في نسج قصائدهم على نفس تلك الحكم فيوردون حكمةً من حكم الحُمَيد بن منصور لتكون لازمة افتتاح لقصائدهم التي يواصلون سـرد أبياتها الشعرية.
ويُورد الأستاذ/ خالد الرويشان في دراسةً سابقة(5): بأن "الثقافة الشفهية فـي اليمن تُمثل رُكناً مُهماً فـي بنيان الثقافةِ اليمنيةِ، وأن نوعاً واحداً منها والمتمثل في الأمثال الشعبية والتي يتداولها الناس عبر أجيالٍ متعددةٍ، وبعضها بيتُ شعرٍ أو حتى نصف بيت، وهي بالآلاف، تتشابه وتختلف وتأتلف بين مختلف المناطق اليمنية؛ لأنها خِبرةُ قرونٍ، وخلاصةُ تجربةٍ، فإن تأثيرها كبير، وآثارها فـي النظام الاجتماعي والثقافـي مُتعدّد".
أما الدكتور/ أحمد علي الهمداني فيرى "أن الثقافة الشفاهية تشكِّل حياة الشعب، فهمه للعالم المحيط به، أراؤه الجمالية - الأخلاقية، مفاهيمه الاجتماعية - التاريخية والسياسية، الفلسفية والجمالية الفنية؛ فتمتاز بعمق الفكرة، كما تمتاز بكونها ذات مواصفاتٍ فنيةٍ عالية، متنوعةٍ كل التنوع، ومتعددةٍ كل التعدد»(6)..
ويرى الأستاذ/ حسين سالم باصديق في كتابه (في التراث الشعبي اليمني) بقوله: "لقد ساهم تراثنا الشعبي في إحياء ذِكرانا الماضية، ذِكرى الأجداد القُدامى، فكل قطعةٍ من تراثنا تعطي الدلالات التاريخية على ماضينا وعلينا أن ندرسه سواءً كان تمجيداً أو تنكيلاً.. ولأن التراث الشعبي يفخر به الناس فلذلك تحب الجماهير ترديد هذا التراث باستمرار لما في ذلك من شعورٍ بالفخر والاعتزاز بالماضي المليء بالبطولات والحضارات والمفاخر"(7).
وهنا سنتحدث عن شخصيةٍ يـمنيةٍ مغمورةٍ جداً، ربـما لا يعرفها الكثير من أبناء الإقليم الذي نعيش فيه، ولكنه محفوظٌ في قلوب كل اليمنيين، سواءً في ريفهم والحضـر، فعندما يدندن المرء ببعضٍ من حكم الحُمَيد بن منصور حتى يلتفت إليك بعض من حولك ويرددون معك مقطوعاتٍ أخرى من تلك الحكم والأقوال الشهيرة.. وقد يورد بعض الكُتَّاب والباحثين بأن الحُمَيد بن منصور هو حكيمٌ زراعيٌّ فحسب؛ ولكن من يبحث ويتقصَّى عنه سيجد بأنه ابنُ الريف اليمني وباني مدرجاته وصانع إنجازاته؛ فهو الحكيم الزراعي، والعالم الفلكي، وفيلسوف الحياة وذاكرتها، وهو الأديب والشاعر الذي قلما تجد له مثيل، كان وما يزال محفوظاً إسماً ومواقف، أقوالاً وقصصاً حية فـي ذاكرة اليمن وأبنائه منذ قديم الزمان وحتى الآن، بل وصارت أقواله أمثالاً وحِكماً تُسافر عبر عشـرات السنين، وتسكن في أعماق التاريخ.

1. فيا ترى من هو الحُمَيد بن منصور؟!
(الحُمَيد) بضمِ الحاء وفتحٍ للميم، لا يعرف إن كان اسم (منصور) هو اسم والده أم هو اسمٌ لعائلته (لقبه) والأصح أنه لقبٌ لأسـرةٍ يـمنيةٍ عريقة، كثيرة العدد، عاشت وتعيش في مناطق كثيرة على امتداد الخارطة اليمنية، وعند البحث عن أسـرة منصور(8) نجد بأنهم من أفخاذ قبائل قيفة، ويقطنون في مديرية السوادية حالياً، كما نجد بأن هناك أفرعٍا من أسـرة (منصور) تقطن مديرية حبيش بمحافظة إب، وفي مديرية السودة بمحافظة عمران، وفي مديرية الرجم بمحافظة المحويت.. كما أن منهم فخذاً آخر يقطنون في مديرية ذي السفال جنوب غرب مدينة إب.. ويرجعون إلى قبيلةٍ من قبائل يافع هم (اليحاويون)، نسبةً إلى (يحيى) وهم الساكنون في الرخمة من بلاد يافع.
ويذكُر المؤرخ العلامة القاضي/ محمد بن علي الأكوع الحوالي: أن نسبهم ينتهي إلى الوزير موفق الدين علي بن محمد اليحيوي المعروف بالصَّاحب الذي كان وزيراً للملك المؤيد داوود بن الملك المظفر يوسف الرسولي، وهذا الوزير يرتفع نسبه إلى يافع القبيلة المشهورة والمنسوبة إلى يافع السـرور بن زيد بن ناعته بن شرحبيل بن الحارث بن زيد بن يريم ذي رُعَيْن الأكبر ثم إلى جُشم الكبرى بن عبد شمس ثم إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن نبي الله هود عليه السلام.
وعُرِفُوا بهذا اللقب - أي منصور - باسم جدهم الشيخ منصور بن نصـر بن عبدالله بن علوان بن عبدالرحمن بن زيد بن أسعد اليحيوي اليافعي الحميري، وكان جدهم المذكور من علماء الفقه، متمكناً من علوم العربية، أديباً وشاعراً.. وهو مع ذلك من كبار رؤساء بلاده، متميزاً بالجود والكرم، فكان يتقاطر إليه بعض العلماء من زبيد(9).

2. مولده ومكان نشأته
ينسب العديد من المؤرخين وكُتَّاب التراث الشفاهي في بلادنا بأن مولده في مدينة رداع أو في مكيراس بمحافظة البيضاء، ولعل من التقيناهم يروون بأنه ولد في مدينة جبن بمحافظة الضالع، بينما هناك من يقول بأنه عوذلي والآخر يقول يافعي والبعض يقولون أنه من أبناء محافظة إب أو من أبناء منطقة الحجرية بـمحافظة تعز، وهناك من ينسبه إلى قبيلة بني هلال المعروفة تاريخياً بـ"سيرة بني هلال" التي عاشت في مرخة بشبوة قبل الإسلام، ومن ثم هاجرت إلى شمال أفريقيا، ومنها انحدر الحُمَيد بن منصور الهلالي.
كما أن شاعر اليمن الكبير/ عبدالله البردوني أورد في كتابه (فنون الأدب الشعبي في اليمن) بأنه من تهامة، حيث اعتبره - البرودني - بأنه حكيم تهامة الموازي في رأيه لحكيم الجبال (علي بن زايد)، ويقول الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز المقالح: "بعض الذين كتبوا عن الحُمَيد بن منصور لا يذكرون إلاَّ أنه نشأ في المنطقة الشـرقية، والمنطقة الشـرقية من البلاد تـمتد من عُمان إلى عدن"(10).. أما الأديب الكبير/ عمر الجاوي فيرى "أنه مزارعٌ من شـرق مدينة البيضاء كما يبدو من أحكامه ومن التسميات التي أوردها"(11).
بل ويذكر الأستاذ المرحوم/ عبدالرحمن طيب بعكر الحضـرمي في كتابه (كيف غنَّت تهامة) "بأن اسم الحُمَيد بن منصور يكثر وروده على الألسن في سائر تهامة وتتداول ما يؤثر عنه من أقوالٍ حكيمةٍ وتجاربٍ نافعة إلى حدّ أن يتوهم السامع أنه حكيم هذا الإقليم" ولكنه تلافى ذلك بقوله "غير أن البحث عن أبسط معالم حياته أين وَلِدَ؟ ومتى؟ وأين مات ومتى؟ يكشف عن عدم وجود هذا الرجل في سائر الإقليم ومن ثم عدم ولادته فيه أو وفاته به أو الانتماء إليه...."(12).
ولعل المرحوم/ الحضـرمي قد ذهب بعيداً أيضاً في تحديد مكان ولادة حكيمنا (الحُمَيد بن منصور) حيث أشار إلى أن المؤلف السوداني/ محمد صالح ضِـرار (1892-1972م) وقد أورد في كتابه (تاريخ سواكن والبحر الأحمر) "أن شخصية الحُمَيد بن منصور عاش عبر عقود القرن التاسع عشـر الميلادي، وأن مهده الأول هو مدينة ينبع الحجازية الساحلية المعروفة، فيها ولد، ومنها خرج إلى البحر وأصبح ذا خبرةٍ في البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي تُضَارع خبرة ابن ماجد..." (13).
وهنا من يعرف شخصية الحُمَيد بن منصور ويحفظ أشعاره وأقاويله، ويُدرك فرادة وجزالة المعاني التي تحملها تلك الأقوال والأشعار حتماً سيعرف بأن حكيمنا هذا لم يعش في تهامة - كمـا قال البردوني - ولم يعش أيضاً في الحجاز أو في مدينة سواكن السودانية - كمـا أورده المؤرخ الحضـرمي والمؤلف السوداني ضِـرار، فالحُمَيد ومن خلال أشعاره وأقواله لم يذكر البحر إطلاقاً، كما لم يذكر بعض المناطق بالتحديد كالمناطق الساحلية أو الصحراوية.. ويتضح هنا بأن هناك التباساً واضحاً بين شخصيتنا (الحُمَيد بن منصور) وبين بعض الشخصيات الأخرى؛ فمثلاً ورد في كتاب (شعر ونثر من حضـرموت) للمستشـرق الأوروبي/ روبرت سارجنت نبذةً عن شاعر القول والحكمة (بو عامر) ونسبه على أنه هو الحُمَيد بن منصور، وأنه عاش في منطقة (بور) - وهي بلدةٌ واقعة في الوادي الرئيسي بين مدينتي تريم وسيئون بـمحافظة حضرموت-، وقد وصل بالبعض إلى الخلط بين شخصية "الحُمَيد بن منصور" وبين شخصية "علي بن زايد" واعتبرهما شخصيةً واحدةً وليسوا بشخصين، وهذه غلطةٌ كبيرةٌ يدحضها الشاعر البرودني في كتابه (الثقافة الشعبية.. تجارب وأقاويل يمنية) بقوله: "نجد أن جانبا مهما من الثقافة الشعبية تتمثل في وصايا الحكماء الذين كانوا ينبغون من فترةٍ إلى فترة، وعلى كثرة الحكماء في كل جيل، فإن الحكماء المعدودين المعتبرين ثلاثة هم: علي بن زايد، والحُمَيد بن منصور، وحزام بن مرشد الشبثي..."(14).
وكما سبق وأن أشـرت فإن الباحث يستطيع تحديد مكان ولادة ونشأة حياته سواءً من خلال أشعاره وأقواله أو من خلال معرفته باللهجات اليمنية المحلية المتعددة والمتنوعة سيعرف من أي المناطق هو والتي دونت بها أشعاره وغلبت على أقواله، أو من خلال السفر والترحال(15) إلى السلسلة الجبلية الممتدة بين البيضاء ويافع والضالع والتي تحمل نفس الطِباع ونفس النسيج المجتمعي مع المنطقة الشـرقية والجنوبية وبعض المناطق الوسطى وهي ما كانت تُسمَّى بـ"اليمن الأسفل" على عكس الحكيم علي بن زايد الذي تُردّد أشعاره وأقواله بكثرةٍ في ما يُسمَّى بـ"اليمن الأعلى"، فعند السفر إلى هذه المنطقة تحديداً تجد آلاف الأقوال التي تتحدث عن سيرة الحُمَيد بن منصور وعن أحاديثه وقصصه وحكاياته التي سنورد بعضاً منها في سياق دراستنا هذه.

3. زمانه وسيرة حياته
لا يُعرف بالتحديد في أي عصـرٍ عاش حكيمنا الحُمَيد بن منصور ولكن تجد بأنه مغمورٌ ومطمورٌ بالفعل لا مجازاً، فقد لا تجدُّ مراجع ومؤلفاتٍ مطبوعةٍ عن الحُمَيد إلا ما ندر؛ وإن وِجد فمن باب السـرد لقسمٍ خاصٍ من حياة اليمنيين وأعمالهم.. ويورد الأستاذ/ حسين سالم باصديق في مقدمة كتابه (في التراث الشعبي اليمني) بأنه "من الصعب على المرء أن يجد العون السهل لتحصيل المعلومات حول التراث الشعبي اليمني وهو يجمعه من كل مكان، فذلك أمرٌ عسيرٌ يتطلب جهداً كبيراً وسعياً متواصلاً واهتماماً عظيماً سيما وأنه تنعدم في الساحة اليمنية المعلومات المطلوبة مجموعةً في كتاب أو كتبٍ معينة إلا ما ندر جداً..."(16).
ولا أعرف لماذا شاعرنا الكبير/ البردوني لم يورد في كتبه المتخصصة في الأدب الشعبي ولم يفرد فصلاً أو جزءاً منها للحُمَيد بن منصور؛ فلربما كان (علي بن زايد) أقرب إليه من الحُمَيد، فهو من منطقةٍ قريبةٍ جداً من منطقة ومسقط رأس المرحوم البرودني، فهو أسـرد لابن زايد الكثير من فصول كتبه، بل ووصل به الحال إلى إصدار كتابٍ منفردٍ وخاصٍ هو (أقوال علي بن زايد).
ومؤخرا صدر كتاب للأكاديمي الدكتور/ علي صالح الخلاقي بعنوان (الحكيم الفلاح الحميد بن منصور.. شخصيته وأقواله) حيث أشار بقوله: «منذ طفولتي المبكرة في يافع (سَـرْوْ حِمْيَرْ) وفي بيئة زراعية، حيث الأرض هي المصدر الأساس للرزق ومجال العمل لغالبية السكان، كنت أستمتع بـمواويل المزارعين وهم يرددون أقوال الحُمَيد بن منصور بألحانٍ بديعةٍ ومواويل عذبةٍ أثناء قيامهم بحرث الأرض وتسويتها وتهيئتها وبذرها...»(17).
ويذهب بعض المؤلفين والكُتَّاب بأن الحُمَيد بن منصور قد عاش في العصور الإسلامية الأولى ويُستدل على ذلك عند مخاطبته لابنه (محمد):-
قال الحُمَيد بن منصور
ما أحلى البلد يا محمد
ما أحلى البلد بالشواجب
أما الدكتور الخلاقي ففي كتابه يسـرد بأن "مِمن ذكروا العصـر الذي عاش فيه الحُمَيد بن منصور المؤرخ/ محمد علي بن عوض باحنان حيث يعتبره من أهل القرن السابع الهجري، ويضعه مع الحكيم (بو عامر) أول من عُرِفَ من قدماء الحضارم من شعراء العامية أو الشعر الدارجي، وذكر أنه أورد نزراً يسيراً من أشعارهما وأخبارهما في كتابه "تاريخ الأحقاف"... ومثله ذهب علي بن أحمد العطاس إذ يشير إلى أنه عاش في القرن السابع الهجري/الرابع عشر الميلادي، أما الشاعر الحضـرمي "أبو بشـر" فيرجعه إلى وقتٍ متأخرٍ وتحديداً يذكر أن زمن حياته كان في أواسط القرن الثامن عشـر الميلادي، أما الباحث الروسي أناطولي أغاريشيف الذي جَمَعَ (أحكام علي بن زايد) في كتابٍ، حيث يذكر أن الحُمَيد بن منصور قد عاصـر الحكيم (علي بن زايد) وكان صديقاً له، ويعتقد أنهما عاشا على الأرجح في النصف الأول من القرن السادس عشـر الميلادي.
ومما تقدم نرى اتساع شقة الخلاف في تحديد عصـر الحُمَيد بن منصور وزمن حياته، ومِثل هذا الخلاف نجده في تحديد عصـر أمثاله من الحكماء كعلي بن زايد وأبو عامر وغيرهما»(18).
ولكن ويتضح من بعض القصص والحكايات أو الأقاويل التي سـردت من بعض كبار السن الذين التقينا بهم فيحكون بأنه عاش ما بين عقود القرنين الثامن عشـر والتاسع عشـر الميلادي، وأنه لم يهاجر إلى مدينة خارج منطقته ولم يذهب إلى البحر ولم يتعلم الملاحة وركوب واستخدام السفن، فهو ابن منطقته الجبلية ذات المناظر الزراعية الخلابة ومدرجاتها الممشوقة والمتراتبة جمالاً وتنسيقاً وروحاً هائمة، كرَّس حياته كلها من أجل أن يقدم خبراته وفلسفاته لزملائه المزارعين، غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم، دونما تـمييزٍ أو تقديمٍ أو تأخير.

4. أقواله في الزراعة والفلاحة
يتغزَّل حكيمنا الحُمَيد بن منصور في الزراعة والفلاحة والتي تبدأ من وقت البذر والحراثة في فصل الصيف وحتى موسم الحصاد في فصل الخريف، وقد اتسمت أقواله بلازمة افتتاح تبدأ بقوله: "يقول الحُمَيد بن منصور"، كما كان يفعل قرينه في الحكمة والأقوال المأثورة الحكيم (علي بن زايد) والتي تبدأ بالقول: "يقول علي وِلْد زايد" - فيا لهذه الحكمة في ذلك؛ وكأن الموضوع عبارة عن حفظٍ للحقوق الفكرية من جهة، وخوفاً من السـرقة والاستغلال وأيضاً التمييز عن أقوال الآخرين من جهةٍ أخرى، وهذه الدلالة قد اسنتتجها الكاتب الروسي/ أغاريشيف في كتابه الصغير (أحكام علي بن زايد).. وأصبحت هذه اللازمة الآن تنتهج من قبل الكثير من الشعراء الشعبيين في بلادنا حيث يقومون ببدء كتابتها كلازمةٍ لافتتاح قصائدهم، ومن ثم يواصلون سـرد أبياتهم الشعرية فمثلاً: "يقول يحيى عمر"، "يقول ابن سحلول"، "اليافعي قال".... وخلافهم.
يقول الحُمَيد بن منصور: (19)
لولا العتب والملامَهْ
لا قول للثور يا باه(20)
لا قول: يا بو عيالي
باعمل على ثور زاحف(21)
ولا تكاليف(22) الأصْحاب
سَوَّيت للحَبْ(23) مفتاحْ
والطُعْم(24) سبعة مفاتيح
ويواصل الحُمَيد إصـراره على الاهتمام بالزراعة، والقيام بتنفيذ مواسمه أولاً بأول، وأن يخرج المزراعون للعمل باكراً، وها هو يوصي أولاده الأربعة بأن يخرجوا عندما يذهب الفلاحون للعمل في حقولهم ووديانهم في الصباح الباكر حتى يعودوا إلى المنازل في المساء، وذلك في موسم الصيف والحراثة وإصلاح ما أحدثته سيول الأمطار من خرابٍ وتلفٍ للمدرجات الزراعية، ويورد القاضي/ يحيى بن يحيى العنسـي في كتابه (المواقيت الزراعية)(25) بعضاً من الأمثال والحِكم للحُمَيد بن منصور والتي يتداولها الناس في مديرية مكيراس بالبيضاء:
يقول الحُمَيد بن منصور
يا مربعه(26) يا عيال(27)
لا تُرقِدُوا مسـرح(28) الناس
وتسـرحوا احلُ(29) يأووا(30)
ويوصي حكيمنا بضرورة الانتباه لمواقيت موسم بذر الذرة في الصيف، وتوقيت موسم البذر على المعالم الزراعية هو أحد العوامل الأساسية في جودة ثـمار المحاصيل الزراعية حيث يورد القاضي العنسـي(31) بأقوالٍ لا زالت تردد في منطقة لودر بـمحافظة أبين وما جاورها:
يقول الحُمَيد بن منصور:
الحبُّ كل تنابيت(32)
غير المواسم لها حلال(33)
أما في ضواحي مدينة تعز فيورد القاضي العنسـي(34) بأمثلةٍ للحُمَيد بن منصور، توضح بأنه إذا فطرت أشجار التين وصارت الأوراق كبيرة، فلينصـرف المزارعون إلى حراثة أراضيهم تـمهيداً وإعداداً لموسم الصيف والذي يبدأ في أواخر شهر فبراير/ شباط والأول من شهر مارس/ آذار:
يقول الحُمَيد بن منصور:
إذا قِدْ ورق البلس(35)
مثل آذان الفرس(36)
لَعْنَ أبو(37) من زَاد جلس
ليستدرك ضـرورة الانتباه أيضاً للمواسم الزراعية موسماً موسما فيورد القاضي العنسي(38) أيضاً قولاً للحُمَيد بن منصور وهو:
يقول الحُمَيد بن منصور:
عَلِبْ(39) علابها(40)
وسُهيل(41) ربَّاها
وآب(42) أبوها وأمها
والمال عند الحميد بن منصور له أهمية كبيرة؛ فـــأي حكيـــمٍ يعبر عن المال فلا يقصد الحلي والمجوهرات الذهبية والفضية وذات الأحجار الكريمة، وإنما يقصد بالمال المزارع الخصبة والمرافق التي تسقيها حتى اقترن المال بالرجال لاضطرار كلٌّ منهما إلى الآخر، وإن إجادة الأرض بفضل إجادة الحرث، ومن هنا فالحُمَيد يُقدِّس الأرض، بل إنه يرفع عظمة سلطان الأرض فوق كل السلطانات، فهو سلطانُ السلاطين؛ لأنه لا يَرخُص كبضائع السوق أيام الكساد، ولا تَضُـرّه المعارك الحربية كالناس، ولا يتعرَّض للأمراض الوبائية التي تتعرض لها المواشي فتسقط لذبح السكاكين، فيدعو الحُمَيد إلى الصبر والمصابرة على الأرض والذوبان في أعماقها لأنها أسخى عطاءً من أصحاب الدكاكين - جمع دُكان وهو البقالة الصغيرة(43):
يقول الحُمَيد بن منصور
المال(44) شيخُ السَّلاطين
لا ينقصه رخصُ الأسعار
ولا تضـرُّه سكاكين
من كان عالمال صبَّار
ما يلتجي للدكاكين
وفي مقطع آخر يوضح معنى (المال) حيث يقول:
يقول الحُمَيد بن منصور
المال ما هو دراهم
ولا الغِنى في المواشي
المال عَوْجَات لِسوام
مترادفه شي على شي
إذا برق بارق الخوف
فلا تحمل ولا شي
ولا برق بارق الصيف
ظلت جفنها جهاشي(45)
ويريد الحُمَيد أن يلفتنا إلى أن المال - الأراضي الزراعية - هي مصدر الدخل لعموم اليمنيين على امتداد الخارطة، فهي التي تساعدهم على تربية أبنائهم، وعلى تكفل حاجياتهم من مأكلٍ ومشـربٍ وملابس، حيث يستطيع المـرء الشـراء لكل حاجيات أسـرته مقابل بيع جزء من حبوبها.
يقول الحُمَيد بن منصور
إنْ جِربتي(46) رأس مالي
هي ذي تربي عيالي
يُعبر هنا عن ما يفكر به كل مزارع في وقت الصيف حيث تكثر الأعمال, وخاصة في أيام البذار (الذَّري) حيث يتمنى الفلاح أن يقوم بـما يقوم به ثلاثة مزارعين في آنٍ واحدة، وهذه الأقوال الحماسية التي تشجع المزارعين عند سماعها على خوض غمار المواسم برباطة جأشٍ وبعزمٍ لا يلين.
يقول الحُمَيد بن منصور
يا ليتني وقت صيفي
بَتُول وأقع(47) ثلاثه
سَالِقْ(48) وذَارِيْ(49) ودَكَّاك(50)
واسْلُق(51) سُلق مِثْل لَمْيَال(52)
مِـثْـل السِّـهُـوم الْـقَـدِيِّــهْ(53)
ويروي الدكتور الخلاقي في كتابه "الآنف الذكر" قصةً عن الحُمَيد وحبه للأرض والحراثة، حيث يقول: يُروى أن امرأة مرَّت مصادفةً بجانب الحُمَيد ابن منصور وهو يحرث الأرض، وكانت الثيران (الضمد) تسير بسـرعة وهي تجرُّ المِحراث، والحُمَيد يسير بعدها منتشياً وبيده مقبض المِحراث، فظنت تلك المرأة أن الحُميد قد دخلته النشوة بمجرد رؤيته لها، فقالت له:
يا ذا البتُول دَلاَ دَلَا(54) بأثوارك
مانا بهَوْدَكْ(55) ولا أحد بأخوارك(56)
فرد عليها الحُمَيد فور سـماعها قائلاً:
الأرض أرضي والضَّمَيْد(57) ضَمَيْدي
والمال بخَصْـري من حيث ماشا أتْنَقِّيْ(58)
فخاب ظن تلك المرأة المتطفلة، حين فاجأها بأنه لم يلتفت إليها كما تظن، وظلَّ الحُمَيد يعزف أنشودة حبه للأرض، على أنغام المِحراث الذي يشق به الأرض.
وهنا يدعو الذَّاري - من يضع الحب في الأتلام - بأن يرقُ الذري وينسق الخطوات حتى لا يتكاثر النبات فيأكل بعضه بعضا.
يقول الحُمَيد بن منصور
يا ذاري الحب رقه(59)
على الخِطِى والبناني
كما يقول:
قال الحُمَيد بن منصور
طلعت أنا رأس مِشْوَاف(60)
طلعت بَعْجَبْ على أبتال(61)
الجِيْد لا هَجَّر اليوم
شَمَّر(62) وعَكّى(63) غُبَاره
والفسل(64) لا هَجَّر(65) اليوم
دوَّر(66) لرأسه ظلاله
وهنا يعاتب في هذا القول الحارس السـيء الذي يلحق ضـرراً بالمحاصيل التي يفترض أنه يحميها من أذى وأضـرار غيره.
قال الحُمَيد بن منصور
وا شارحه(67) راس ذَا الحَيْد(68)
كَمَّلَشْ(69) زرع الشواجب(70)
على سَبُوْلَهْ سَبُوْلَهْ(71)
يلفت الحُمَيد انتباه الشارحة وهي المرأة التي تحرس المزروعات إلى أنها قد أخطأت في التركيز على مراقبة الغراب وهو عادةً لا يأكل الزرع فيما تغض الطرف عن أسـراب الطيور التي أكلت من الحبوب ملاحه أي أحسنه من أطراف الأرض.
قال الحُمَيد بن منصور
وا شارحه رأس ذَا الحيد
كم با تكون الشـراحه؟(72)
قالت لما الزرع ينجح(73)
ينجح بليلة صُـرابه(74)

5. حِكَمِه في فلسفة الحياة
المتابع لكل أقوال وأحاديث وقصص الحميد بن منصور، يجد أن حكمه الحياتية والفلسفية كثيرةٌ وغزيرةٌ فهو ليس بحكيمٍ زراعيٍّ فقط وإنما فيلسوفٍ وأديبٍ وشاعر؛ ليتساءل المرء يا ترى لماذا يحفظ عامة الناس لتلك الحِكم والأقوال؟! هل لقصـرها أم لعمق معانيها ودلالاتها المجازية؟ والإجابة على هذه التساؤلات تتكون من شقين هامين هما: الحُمَيد بن منصور وإن كان مغموراً مطموراً فهو الحكيم المجدُّ المُثابر، محبٌّ لأرضه وناسه، مُقدِّماً الخير للناس من حوله، مُصلِحاً اجتماعياً يسعى لنشـر الخير والسلم بين أبناء قومه، فهو شبيهٌ بلقمان الحكيم وأكثم بن صيفي وبيدبا - صاحب كليلة ودمنة - والأحنف بن قيس، بل وأرسطو وأفلاطون، وإن لم يكن شبيها فهو وصيفٌ بهم تـماماً... أما الشق الثاني فلعظمة وجزالة وعمق أقواله وحِكمه؛ وإن كان الحُمَيد قد رحل في زمنٍ غابرٍ وسنواتٍ ماضية، ولكن حِكمه باقيةٌ ومتوارثةٌ من جيلٍ إلى أجيال، بل وتتغلغل في نفس المرء بقدر تغلغلها في الوصف الجمالي من اللغة والمعنى والصورة الجمالية.
يقول الحُمَيد بن منصور
مَنْ يَحْمَدْ الرَّبْ زَادَهْ
زَادَهْ مِنْ الخَيْر زَادَهْ
زَادَهْ مَزِيْد(75) الجَرَادَهْ
ذِيْ لا بَدَت(76) نَجْد زَادَهْ
وبعد الحمد لله ها هو يوضح معنى الصداقة ويحدد معالمها وأوصاف صديقه وضـرورة أن يكون شخصاً محترماً وذا أخلاقٍ حميدة، كما يوصـي بحفظ اللسان من كل نابئة قد ينطق بها المرء.
يقول الحُمَيد بن منصور
إنْ صاحبي جيدْ أنا جيدْ
وإن صاحبي فسلْ ذليتْ
احفظ لسانَكْ لتسلمْ
وإلاَّ يِدقُون لِهْ قَيدْ
الذِيبْ لا تأمنْ الذِيبْ
ولا عَرجْ لك بِـرجلِهْ
فيا ترى هل هذه الأمثال والأقوال والحكم نابعةً عن حكاياتٍ زمنيةٍ أو وقائع تاريخية حدثت في ذاك الزمان؟! أم أنها تدوينٌ وتوثيقٌ لزمنٍ كان الرقي المجتمعي في أوج زمانه ورقيه وتقدمه؟! والإجابة هنا لشاعر اليمن الكبير المرحوم/ عبدالله البردوني حيث يقول: "يتساءل هواة الأدب عند سماع كل نصٍ عن مناسبة قوله، لأنهم اعتادوا سماع الآداب في مناسبات: كالأحداث، والمواسم، والأعياد، لذلك فإن الأمثال تنبع من حكاياتٍ أو تنعزل فيها الحكايات، أو يخلق الحكاؤون كل مثلٍ خلفية حكاياتية، لأن الشـيء يأتي من مثيله، حتى الشكوى العامة فإنها ذات حكاية..."(77).
وهنا يوضح أهمية التربية للأبناء والاعتناء بهم كما يعتني المرء بأرضه؛ فتربية الأبناء تغني النفس عن الأموال الكثيرة والطائلة، فلا ينفع المرء إلا ماله ولا يخدمه وينفعه إلا أبناؤه.
يقول الحُمَيد بن منصور
دَعَيْتْ يَامَالْ يَامَالْ
ماجَابَنِيْ غير مَالي
ولانفعني سوى ابْنِيْ
ويقول أيضاً:
يقول الحُمَيد بن منصور
آخر زماني خياره
من حين شبّوا(78) عيالي
والمال وَدَّى(79) ثماره
ويوضح حكيمنا أهمية العلاقات الأسـرية داخل مكون الأسـرة الواحدة بل يشير إلى أسلوب التعامل مع الزوجة وضـرورة الأخذ بخاطرها وجعلها سعيدةً هانئة، وسينعكس ذلك حتماً في مساعدتها لزوجها في أعماله، وإذا حدث العكس تجعل من حياته جحيماً لا يطاق بل ويصل الأمر بها إلى الدعوة عليه بالويل والثبور، وأن تأخذه الساحرة ذاك الكائن المرعب في حياة المجتمع الريفي والتي تأتي على شكل طائر أسود كبير ذي منظرٍ بشعٍ وكئيب وذات مخالب كبيرة، وتأخذ من تريد وتذهب به إلى الجبل ليتزوجها ولا يعود نهائياً لأسـرته، وإن عاد فيكون فاقد العقل والإحساس - أي مجنوناً بالمرَّة :
قال الحُمَيد بن منصور
لا نامت الزَّوجه أوَّل
تِصْبُح تناديك باسمك
وَتَخْرِجْ الثَّوْر قَبْلَكْ
تِنْذُق(80) له الطُعْم باكر(81)
وان نمت قبل المُرَيِّهْ(82)
تصبح تِدَعِّيْ(83) على ابْنَكْ
تقُول جِنِّي يشلَّك(84)
تِشِلّ أبُوك السَّواحر
وله أيضاً:
يقول الحُمَيد بن منصور
لا قد سَبَرْ(85) هاجس(86) البيت
تَسْبُرْ جميع الهواجس
وان قد عُطِلْ هاجس البيت
ضاعت جميع الهواجس
وهنا يُفسِّـر أحلام الراعيات الصبايا ويستقرئ ما يتمنين في المستقبل، وكأنه يسـرد لهن بعضاً من قصص عالم ألف ليلة وليلة:
قال الحُمَيد بن منصور
وا ذه(87) الثلاث الرَّواعي(88)
لو كان لكن ما تـمنين
الأوله قد تِـمَنَّهْ(89)
حُصناً منيعاً بِحُراس
والثانية ذي تِـمَنَّهْ
وادي بنا(90) يزرع أهْدَاس(91)
يزرع حَنَانِيْ وهِدَّاس
والثالثة قد تِـمَنَّهْ
شاباً مليحاً أحسن الناس
وهنا يُغازل فتاةً جميلةً مليحةً، ويعرض عليها الزواج به وأنه على استعدادٍ لدفع ما يريده والدها من مهرٍ لها:
يقول الحُمَيد بن منصور
وَا بِنْت وا ذِه المَلِيْحِهْ
يا رَيْت أبُوْش(92) با يِبِيْعش(93)
باربعميه وا مليحه
وِلاَ تِرَجَّلْ(94) فزدناه
قرشين والاَّ ثلاثة
ولا يغفل عن الحُمَيد بن منصور ذكر الموت وأن هذه الحياة ستنتهي حتماً، حيث يورد بعضاً من أقواله وحِكمه في هذا المجال:
يقول الحُمَيد بن منصور
لا حَول يا مالك الموت
ذي ما نِجي منك هارب
حُمَيْدْ قد جا المحَجَّهْ(95)
والموت قد جا المُقارب(96)
6. نظراته للمجتمع وأسلوب التعايش
وينتقل بنا الحُمَيد بن منصور في سـرد فلسفته العجيبة للحياة بحيث يواصل الدخول إلى أعمق الأماكن أهميةً في الحياة، ويحاول شـرح وتوضيح أسلوب التعايش فيما بين الناس؛ فهاهو يحارب الطمع والجشع فيما لدى الناس الآخرين، بل ويطالب بأن يتمتع المرء بالقناعة والرضا بما قسمه الله له وإن كان قليلاً.
يقول الحُمَيد بن منصور
لو كان حق(97) ابن عمك
مثل الجبل ما ينالك
ما ينفعك ذي مع خُوك
ولا سِـراجه يُضـي لك
ومن القناعة ينتقل بنا إلى حب الوطن ، حيث يقدم دروساً في الوطنية والإيثار بالنفس من أجل أن ينعم الوطن بالأمن والاستقرار والازدهار، ويتضح هنا – للقارئ الكريم – بأنه يخاطب ولده (محمد) فقط، ولكنه يخاطب كل إنسانٍ فينا بضـرورة الحفاظ على الوطن حتى وصل التشبيه بأن جعل الوطن محروساً بالأراضـي الزراعية التي تحميه وتحافظ عليه كما تعمل حواجب النساء الجميلات في حمايتها للعيون.. ولا شك هنا أن الحُمَيد الذي جُبِلَ على حبِّ الأرض لا يرى جمالها وهي تُحرث إلاَّ باكتمال زينتها النهائية عند إتـمام العمل.
يقول الحُمَيد بن منصور
ما أحلى البلد يا محمد
ما أحلى البلد بالشواجب(98)
مثل النساء بالحواجب
الطين كله حلاوه
حاله توريد(99) حاله
ماشي(100) من الطِّيب خيبه(101)
إن كان لا خاب مولاه(102)
ومن ثم يتعمق بنا أكثر فأكثر، فها هو يصف لنا بعضاً من رحلاته وتنقلاته في بعض المناطق اليمنية، سارداً جمالها وما حباها الله مــن النعــم كـــالوديان والجداول المائية، ويتضح لنا أيضاً أن الحُمَيد يحب الأرض كل الأرض بلا استثناء
يقول الحُمَيد بن منصور
خِيْرِةْ لِوِدِّهْ (ضـريان)(103)
واثنين ذي يلحقينه
وادي (بنا) هو و(حسَّان)(104)
ويلحقينه ثلاثه
(مرخَهْ)(105) و(خَوْرَهْ) 106) و(بَيْحَان)(107)
ومن حبه للأرض اليمنية إلى كرهه للغربة ومرارة الاغتراب عن الوطن الذي هو بحاجةٍ ماسةٍ لجهود كل أبنائه ومساهمتهم في بنائه وعمرانه، بل ويعدِّد ظروف الامتهان والذُّل في بلاد الغربة والاغتراب عن الوطن.
يقول الحُمَيد بن منصور
يا مَنْ خَرَجْ مِنْ بلاده
يصبر على ما جرى له
يصبر على البرد والجوع
والحَارِقَات الجَوافي(108)
ويضـرب هنا مثلاً بحنينه وشوقه إلى بلاده حيث يقول:
يقول الحُمَيد بن منصور
كلاً أوَى(109) لا بلاده
وأنا بلادي بعيده
بعيد من خَلْف رَدْمَانْ(110)
ومن خلف ردمان وادي
ومن الشوق لبلاده إلى الدعوة إلى الإصلاح بين الناس والعمل على حلحلة مشاكلهم وقضاياهم التي عادةً ما تكون من الدَّين حيث يرفض المدينون رد الديون لأصحابها، بل ويدعو الدائن للقبول بما جاء من المدين والمسامحة في الجزء المتبقي حتى يخرجا (الدائن والمدين) إلى الصلح بدلاً من نشوب المعارك والاقتتال فيما بينهما، أو ذهابهما إلى التقاضي حيث حبال التقاضي طويلة جداً
يقول الحُمَيد بن منصور
خيار لحكام(111) لصلاح(112)
يدي(113) من الدين نصفه
والنصف لا راح له راح

7. الوصايا.. الدُّرر المضيئة
كعادة الحكماء في كل زمانٍ ومكان، يحرصون على ترك موروثٍ خالد، وسفرٍ جميلٍ من الوصايا والموعظات التي تعلم الناس من بعدهم لشؤون حياتهم سواءً في أمورهم الخاصة أو علاقتهم مع المجتمع..
يقول الحُمَيد بن منصور
أوصيك يا محمد ابني ..
 أوصيك أربع وصايا
في الأوله بِر(114) نفسك..
وأخرج من الصوت الأول(115)
والثانية في ابن عمك..
قاتل معه قبل يقتل
والثالثة في دخيلك(116)..
عجل نعيشه ولو قل
والرابعة حرمة الويل(117)..
طلاقها قبل تحبل
أما الوصية الثانية فهي:-
يقول الحُمَيد بن منصور
يا سالم اليوم يا بني
واش(118) باتسوي(119) قفا(120) ابوك
في النسب والصهر والجار
وهنا يرد عليه إبنه:
يابه(121) ولو جاك(122) موتك
قد خذت(123) لك سبعة أعمار
الصهر لا جا لحرويه(124)
من البنيات لخيار(125)
والضيف لا جا لعشيه(126)
من خيرة الضأن لثبار(127)
والجار يخطي(128) علينا
وليس نخطي على الجار
ومن دخل بيت جاره
من غير حاجة فقد بار
ان كان شي وليمه
يعلم بها الطارش المار(129)
أما الوصية الثالثة فهي خليطٌ بين الزراعة وبين إكرام الضيف ولبس الملابس النظيفة وحضور اجتماعات القوم، ومن يفعل عكس كل ذلك يصبح مهاناً ومطروداً بل ويقعد في نهاية المجالس:
يقول الحُمَيد بن منصور
ذي ما بتل(130) ما تجمَّل(131)
ولا اَدْخَلْ الضَّيف لَوَّلْ(132)
ولا لبس ثوب ساتر
ولا حضر بالمحاضر
ولا دخل قالوا اخرج
ومجلسه بأسْفَلْ البيت(133)
وفي الختام ندرك جميعاً بأن الحكم والأمثال والأقوال تدل على عمق المعاني وعلى الدلالة الإيحائية، كما أنها تقوم على اختصار مجمل الحدث في كلماتٍ قليلةٍ متخذةٍ من القول المأثور (خير الكلام ما قلَّ ودلَّ) كما أن لهذه الحكم العديد من الأغراض والمعالجات لشتى نواحي الحياة ودروبها، فغلبت عليها اللهجة المحلية المقاربة للغة الفصحى، والحُمَيد يعدُّ واحداً ممن كتبوا الحِكم والمقولات المأثورة في بلادنا اليمن؛ إن لم يكن زعيمهم وقائدهم الحَكَمي، وفيلسوفهم الأدبي، ومرجعهم التاريخي؛ فهو ولِدَ في زمنٍ كان الرقي المجتمعي والتطور الأخلاقي في أوجهما ولهذا ترك لنا هذا الموروث الغني الذي يتوارثه الأجيال تلو الأجيال.