اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

حكايات من النوبة والمحرق ودراسات حول العامية وصورة الحاكم.. وتجربة شبابية جديدة
نقدم في هذا الملف مجموعة متنوعة من الدراسات من كل من مصر والبحرين واليمن السعيد، فضلاً عن عرض لمحتويات مجلة الموروث الإم...

ألعاب الأطفال التراثية في تونس دراسة اثنوغرافية وانثروبولوجية
إن مسألة البحث في مضامين موروثاتنا الشعبية تقتضي في أحيان كثيرة أن نعود إلى ما تركه لنا أجدادنا مدونا في الذاكرة التي تح...

الموروث الموسيقي الشعبي و علاقته بالطرق الصوفية في تونس من خلال نموذج
ارتبطت الموسيقى منذ القدم بالتقاليد والممارسات العقائدية والدّينية و تعتبر المجتمعات الإسلامية من بين الشعوب التي تبنت ا...
38
Issue 38
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
المواصفات القياسية في التراث الثقافي غير المادي
العدد 38 - آفاق

د. طارق المالكي
كاتب من المملكة المغربية

لم ينل التقييس ما يستحقه من دراسة تليق بأهميته في الحفاظ على الموروث الشعبي رغم كون الاتفاقيات الدولية تؤكد عليه بشكل صريح أو ضمني، فعندما نتأمل في ما دعت إليه توصية الفولكلور(1) سنة 1989 من أهداف واجراءات، لا سيما الإجراء القاضي بإعداد نظام موحد لتصنيف الفولكلور، والتأكيد على الحاجة إلى التنسيق بين نظم التصنيف التي تستخدمها المؤسسات المختلفة، نلاحظ أن التوصية تحمل دعوة ضمنية إلى التوافق وتوحيد الجهود الميدانية في توثيق وتصنيف الفولكلور، بمعنى آخر تدعو إلى تقييس الممارسة التراثية، في البداية نتساءل ما المقصود بالتقييس وما هي أنواعه؟ وهل يمكن تطبيقه على ممارسة انسانية في حجم توثيق التراث الثقافي غير المادي؟ وما فائدة دخول التقييس العلمي والضبط المصطلحي إلى مجال توثيق التراث الشفهي؟ وهل يمكنه أن يفضي إلى تحسين جودة عمليات صيانة المأثور؟
سنتطرق إلى هذا الأسئلة وغيرها من خلال الوقوف عند بعض التجارب الدولية التي اجتهدت في وضع مقاييس للتراث بشقيه الملموس وغير الملموس مركزين بشكل خاص على المكونات غير المادية.

1. تعريف التقييس:
التقييس(2) هو نشاط مؤسسي تقوم به هيئة متخصصة ومعترف بها دوليا (مثلا منظمة ايزو)، أو إقليميا (على سبيل المثال الإتحاد الأوروبي)، أو وطنيا (مثل الهيئة المغربية للتقييس)، يسعى التقييس إلى تحقيق تفاهم وتوافق مشترك في إحدى المجالات الفكرية، والعلمية، والتقنية والاقتصادية، من خلال صياغة مواصفات قياسية تتضمن تعاريف، وشروطا، أو خصائص، أو مقاييس، أو أساليب معيارية لمادة أو شيء، أو عملية، أو وسيلة بهدف تحقيق درجة مثلى من التنظيم في مجال معين، بذلك يصبح التقييس وسيلة مهمة للتواصل بين المستعملين من جهة، والمنتجين من جهة أخرى، ويعد التقييس أحد مظاهر وتجليات العولمة التي يشهدها العالم الآن، فقد تداخلت وتشابكت مصالح المجتمعات البشرية حديثا، ما فرض على العالم البحث عن وسيلة للتفاهم وإيجاد أشكال من التوافقات وترجمتها في شكل معايير قياسية ذات طبيعة دولية متفق عليها من قبل الشركات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، والذي سرع من تنامي عمليات التقييس العالمي هو ركوب المجتمعات البشرية موجة التواصل الشبكي، وظهور تقنيات وتكنولوجيات جديدة استوجبت قواعد موحدة لتبادل الاستخدامات.
1 . 2. التقييس بحكم القانون وبحكم الواقع:
التقييس بالمعنى الذي تحدثنا عنه سابقا ليس هو التقييس الوحيد الذي ينظم تعاملات المؤسسات والشركات، بل هناك نوع آخر من التقييس لا تذكره صراحة أدبيات الموضوع؛ وهو التقييس بحكم الواقع مقابل التقييس بحكم القانون، الفرق بينهما واضح، ويتجلى في كون التقييس بحكم القانون تقوم بوضع معاييره الحكومات أو اللجان قصد تعزيز المواءمة، وتسمى معايير بحكم القانون لأن "لها قوة القانون، على أن العديد من المعايير الأكثر نجاحا على مستوى التطبيق هي المعايير السارية بحكم الواقع، أي التي يكتشفها السوق فأغلب الساعات التناظرية تعمل في اتجاه عقارب الساعة... وليس هناك قانون يقول إنها يجب أن تكون كذلك، وإنما هي تؤدي الغرض فقط، وسيرتبط العملاء بتلك المعايير القياسية ارتباطا وثيقا، إلا إذا ظهر شيء آخر أفضل بصورة لافتة... لأن المعايير القياسية السارية بحكم الواقع يدعمها السوق وليس قوة القانون، فإن اختيارها يتم للأسباب الفعلية ويتم استبدالها عندما يظهر شيء أفضل بصورة فعلية وملموسة، تماما مثلما حل القرص المدمج (CD) محل الأسطوانة الفونوغرافية"(3).
ومن ضمن أكثر الأمثلة دلالة على التقييس بحكم الواقع المتصلة بالتراث الثقافي هو شيوع تصنيف الجوهري للتراث الشعبي الذي ظهر منذ الستينات في سياق إنشاء أدلة للبحث الميداني حيث قام التصنيف على ستة أقسام رئيسة وهي: المعتقدات الشعبية، الأدب الشعبي، الفنون الشعبية والثقافة المادية ورغم تقادمه فإن أغلب المشتغلين بالتراث لا يزالون يقسمون التراث ويوزعون مواده على مقاسه.
في هذا المقال ستنصرف جهودنا لبحث المعايير بحكم القانون والتي تقوم بها المؤسسات الدولية، وسنقتصر على المؤسسات الآتية:
مؤسسة ISO:
تعمل المنظمة الدولية للتقييس على وضع مواصفات قياسية ترتبط بالتجارة والصناعة والثقافة، تأسست المنظمة سنة 1947، ويوجد مقرها في جنيف بسويسرا، وتضم ممثلين من عدة منظمات قومية للمعايير.
مؤسسة ICOM:
تأسست مؤسسة المجلس الدولي للمتاحف سنة 1946، مثل شبكة عالمية من المتاحف والخبراء مهتمة بتطوير وحماية التراث الثقافي والطبيعي الحاضر والمستقبل ، والمادي وغير المادي ، تضم حوالي 30000 عضوا موزعين في 137 دولة، عملت مع منظمة ايزو على إصدار مواصفة قياسية ذات صلة بالتراث الثقافي غير المادي.
مؤسسة W3C:
تشتغل هذه المنظمة العالمية، منذ تأسيسها سنة 1994 على يد برنار لي، بتطوير الفضاء الشبكي، ويتشكل طاقمها البشري من 62 موظف دائمين يشغلون رئاسة مجموعات البحث والتطوير، تتألف المنظمة من 350 عضو مشارك وأعضاء المنظمة عبارة عن كبريات الشركات والدول، تمون المنظمة من الأعضاء المسجلين بها، تساهم فرنسا مثلا مابين 1950 و68000 دولار.
1 . 3. خصائص التقييس:
تتمتع المواصفة القياسية بمجموعة من الخصائص الفنية نذكر من أهمها:
الاجماع والتوافق:
يعتبر التوافق من أبرز وأولى الصفات التي يجب أن تتمتع بها المواصفة القياسية، وحتى تبلغ المواصفة هذه الدرجة من التوافقية يتعين أن تحظى بمشاركة أكبر قدر ممكن من الأفراد أو الجهات، يجمعهم اهتمام مشترك، كما أنه ينبغي أن تحقق منفعة عامة تتعدى من قاموا بوضعها إلى جميع المعنيين بالمواصفة من منتجين ، ومستخدمين أو مستهلكين...
التحيين:
لا يكفــي عنــصر الإجــماع أو التــوافــق في تـحديد المواصـفة القياسية لأن التوافق ناجم عن ظروف خاصــة مـرتبـط بـزمـن إصـدار المواصـفة، وكــما أن لكــل زمن مستجداته وظروفه الخاصة فإنه يتعين تحديث المواصفــة القياسية بطريقة دورية أو حسب الظروف لــضــمـــان مــواكــبــتــهــا للــوضـــع الحــاضــــر والتـطـــورات التكنولــوجـية والاجـتـمـاعـية.
مرجعية المواصفة القياسية:
تعتبر المواصفة القياسية وثيقة مرجعية في مجال أو نشاط معين، وتستمد سلطتها المرجعية من كونها حازت على اعتراف واتفاق دولي أو إقليمي أو وطني، وكل ما كانت هذه صفته تعين الاحتكام إليه في كل ما جاءت به من تشريعات ومواصفات قانونية وصناعية.
الاتاحة:
يمكن للجميع الإطلاع والحصول على المواصفة القياسية دون أي قيد أو شرط، هكذا يسمح للجميع الحصول على جميع المواصفات التي أقرتها منظمة ايزو من بوابتها الإلكترونية على الرابط الآتي؛ www.iso.org/iso/fr.
1 . 4. التقييس في التراث دواعيه ومسوغاته:
قبل الخوض في هذا المضمار يمكننا التساؤل عن مدى إمكانية اخضاع مجال انساني مثل التراث الثقافي غير المادي للتقييس والمعيرة، علما أنه موضوع عرضة للظن وتباين وجهات النظر، فكيف للتقييس وهو مجال نشأ - في الأساس - لضبط السلع والمنتجات الصناعية أن يتعدى إلى مجال التراث الثقافي غير المادي؟ ألا يمكن اعتبار اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي ضرب من التقييس فرضت نوعا من التحكم في توجيه الممارسة التراثية نحو ملاءمتها مع المواثيق الدولية ؟
لعل أهم شيء يجدر الإشارة إليه وتأكيده ونحن نتحدث عن التقييس ومجالاته أنه بقدر تغلغل النشاط الفكري في العمل وارتباطه بالمؤسسات بقدر ما تزداد الحاجة إلى تقييسه وضبط مصطلحاته بحيث إذا دخله التقييس أخرجه من الفوضى الاصطلاحية وما يترتب عنها من ضياع في الجهود وأدخله إلى حضيرة العلوم والضبط وما يفضي ذلك إليه من اقتصاد في الجهد، هذا المبدأ ينطبق أكثر على التراث الشعبي بمختلف فروعه وبيان ذلك من وجهين:
توثيق التراث هي عملية فنية تقوم بها مؤسسات حكومية وأفراد متخصصون ومتى علمنا أن هذه العملية تتطلب خطة محكمة في الجمع واتفاقا مسبقا على ما ينبغي توثيقه وما يتوجب تركه فإنه من المنطقي أن يحصل إجماع حول أساليب الجمع والحصر بين الموثقين قبل مباشرة العمل وهذا هو صلب التقييس الذي نتحدث عنه في هذا المقال.
أغلب العناصر التراثية تختلف مسمياتها من منطقة إلى أخرى بحسب اللجات المحلية وتعدد الواقع اللغوي والجغرافي في الوطن العربي ما يفرض على الباحث في التراث تعلم اللهجات حتى يقف عند هذه المسميات المختلفة لكن هذا الأمر متعذر، ذلك ما يستدعي وضع صنافة متفق عليها بين المتخصصين من أجل توحيد الواصفات العليا ومن شأن هذا الاتفاق توحيد نظم استرجاع العناصر المطلوبة بدقة عالية، وهذا ما يتكلف به المكنز ونظم التصنيف الأخرى التي سنتحدث عنها في موضع لاحق من هذا المقال.

2. المواصفــات القــياســية فــي مجــال التــراث الشــعبي غــير المــادي
2. 1. مــــركز تــوثيـــق التـــراث الحـضـــاري والطـــبـيــعــــي:
ظل التقييس من الأهداف الأساسية التي عكفت شعبة التراث بمركز التراث الحضاري والطبيعي(4)على تحقيقها وفرضها على جمهور الموثقين في مجال علم الفولكلور من خلال "إستراتيجية عامة تهدف لإنشاء وحدة أرشيف رقمي للمأثورات الشعبية باستخدام تكنولوجيا المعلومات، بحيث يعمل هذا الأرشيف على توحيد عمليات التوثيق في المؤسسات المعنية بالفولكلور، ووضع مواصفات قياسية (standard) للتوثيق ونشرها على المؤسسات المتخصصة.."(5)
ويأتي ظهور مكنز الفولكلور من ثمرات هذا المشروع الــذي سيــعــد "مرجعا نستند إليه في حماية الـفــولــكــلــــور"(6)، وكـــأداة عــلــمــيــة تــمــكــن مــن خــلالــها "بناء قاعدة بيانات إلكترونية تقوم على توحيد المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالتراث الشعبي"(7)، ولن تقف قاعدة البيانات عند الحدود الجغرافية لـــمـصـــر وإنــمـــا ســتــمــتــد لـتـغــطــيــة "المـــأثــورات الشــعــبية للمنطقة العربية في منهج موحد لجمع عناصر المأثور الشعبي العربي"(8).
عندما نمعن النظر في هذه الاستشهادات نستشف أنها تجتمع لتأكيد معنى واحد، وهو رغبة مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي على توحيد الجهود العربية في توثيق التراث غير المادي، من خلال وضع مواصفات قياسية خاصة بالتراث، تؤسس لمرجعية عربية نستند إليها في حماية التراث، وبذلك يمكن اعتبار مشروع المركز أول بادرة في طريق تقييس عربي لتوثيق المأثور الشعبي، بل لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن المركز بمصر هو أول مؤسسة عالمية تطمح إلى إصدار مقاييس علمية في التراث غير المادي، فكان له السبق في اصدار مواصفات قياسية في هذا المجال من خلال بناء مكنز الفولكلور.
صدرت أول طبعة لهذا الكتاب عام 2005 عن مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي التابع لمكتبة الإسكندرية، ويضم المكنز ما يقارب 8000 واصفة مغطيا مواضيع الفولكلور بموضوعاته المتعددة في إطار ستة أقسام رئيسة:
موضوعات الفولكلور العامة
المعتقدات والمعارف الشعبية
العادات والتقاليد
الأدب الشعبي
الفنون الشعبية
الثقافة المادية
وقد قام مكنز الفولكلور في الأساس على "جمع المصطلحات من المصادر الميدانية الموثقة، وتكشيف الوثائق الفولكلورية بأشكالها المتعددة، فضلا عن جمع المصطلحات من مصادر أخرى، وعموما كانت المصادر المعتمد عليها تندرج تحت الفئات التالية: قوائم المصطلحات ، خطط التصنيف، أدلة العمل الميداني، الموسوعات وقواميس المصطلحات، الكشافات والمستخلصات، فحص الإنتاج الفكري أو التكشيف الفعلي للوثائق، فحص أسئلة المستفيدين وآراء الخبراء"(9) وينقسم المكنز إلى قسمين:
القسم المصنف ويشمل الواصفات الفولكلورية حسب التصنيف الموضوعي لها وهي ستة موضوعات رئيسية، وهو يتبع التقسيم الهرمي للموضوعات من العام إلى الخاص إلى الأكثر خصوصية.
القسم الهجائي يشمل واصفات القسم المصنف فــضــلا عــن الواصفـــات غـــير المســتخدمــة، مــرتبــة ترتيبا هجائيا.
يعتبر مكنز الفولكلور من أهم المشاريع الدولية في مادة الفولكلور، وقد استغرق إعداده على ما يزيد الخمس سنوات، وقد حاز المكنز على اعتراف العديد من المنظمات الدولية، ويعد أنموذجا رائدا في ميدان توثيق الفولكلور، ولا أدل على ذلك من خروج مؤتمر اجتماع خبراء الجامعة العربية بتوصية تعميم تجربة المكنز على باقي الدول العربية، وصولا إلى "إعداد مكنـز جامع يضم التراث الشعبي العربي بشكل عام"(10). ويكون "عبارة عن حصر لمواضيع التراث الشعبي، وتفرعاتها، وتنوعها بأرقام خاصة بكل موضوع، يتم تخزينها في الحواسب الالكترونية. وبذلك يتوفر لنا الأسلوب المنهجي الموحد في التعامل مع قضايا المأثورات الشعبية، جمعاً وتسجيلاً وحفظاً"(11).
ويسعى مكنز الفولكلور إلى تحقيق مجموعة من الطموحات العلمية، تتجلى في تلبية مجموعة من الحاجيات:
تلبيـة حاجة المجتمع العربي فى الوقت الراهن لحـفـــــــــــظ وأرشــــــــــفـــة التـــــــراث الشــــــــعــبي المـــــــادي والــــــلامـــادي.
توحيد المصطلح الفولكلوري العربي.
صيانة التراث الشعبي العربي من عوامل السلب وطمس الهوية .
إيجاد شرعية لتطبيق قوانين الحماية الفكرية للفولكلور(12).
إن أهمية وأصالة مشروع مكنز الفولكلور لا تنحصر في الفائدة العلمية التي يقدمها للباحثين، وإنما تعود أساسا إلى هدفين بعيدي المدى:
الهدف الأول هو مأسسة مكنز الفولكلور، وهذه المأسسة تعتبر خطوة ذات أهمية تاريخية وعلمية كبيرة نحو توحيد للتعاطي مع المسألة التراثية، وقد توجت هذه الخطوة بمشروع ذاكرة العالم العربي، الذي "تـــم اعــتــمــاده مــن مـجــلـس وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي عقد فى تونس - يونيو 2006، كما دعم المشروع وزراء الثقافة العرب. وتقرر تكوين اللجنة التنفيذية للمشروع من ممثلين للدول العربية وخبراء في مجالات التراث المختلفة وكذلك خبراء في توثيق التراث وتقوم اللجنة بالإشراف المباشر على تنفيذ المشروع ومتابعة تنفيذ أهدافه العامة والمرحلية. علي ان يتولى مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي مهمة القيام بأعمال وحدة التنسيق لإدارة هذا المشروع مع تحديد المدة الزمنية للمشروع بأربع سنوات تبدأ فى يوليو 2007 وتنتهي في يوليو"(13).
أما الهدف المركزي الثاني؛ فيتجلى في إعداد نموذج توثيقي يصلح للتطبيق كمعيار عربي لتكشيف واسترجاع المعلومات المتعلقة بالتراث الثقافي غير المادي، وحمل المؤسسات العربية المشتغلة بالتراث، لا سيما غير المادي منه، على تطبيق هذا المعيار، وهو ما اصطلحنا عليه سابقا بتقييس التراث.
لكن هذه الطموحات للأسف تصطدم بمشكل إدارة مكـــنـز الفولــكــلـــور؛ حيــث إنـــها اعــتــمدت على الجهود الفردية لمصطفى جاد في الإعداد وإن قامت بنشره هيئة علمية كبيرة(14)، ما يجعله دون أن يصل إلى درجة المعيارية باعتبار أن المعيارية والتقييس هو ثمرة عمل جماعي يساهم في إعداده فريق متكامل من المتخصصين والفنيين في الميدان، كما يجب أن "يتم إعداد المكنز في إطار مؤسسات قادرة على الدعم المستمر للمكنز ابتداء من التخطيط له... وضرورة التحديث المنتظم للمكنز من أجل مواكبة التطورات الحديثة"(15).

2. 2. مكنز المركز المغربي للتراث الشعبي والمخطوطات:
من إعداد مجموعة من الباحثين المغاربة يحتضنهم المركز المغربي للتراث الشعبي والمخطوطات، تحت إشراف الدكتورة سعيدة عزيزي، ويعتبر أول تجربة مغربية في ميدان التكشيف التراثي ، وجاء المكنز تلبية لاحتياجات الباحثين المغاربة في مجال التراث الشعبي المغربي، فقام بتغطية أربع مجالات تراثية؛ المعتقدات والمعارف الشعبية، العادات والتقاليد، الاداب الشعبية والثقافة المادية، جاء المكنز في مناخ ثقافي يتسم بندرة البحوث التوثيقية في التراث المغربي.

2. 3. مشروع المكنز الوطني الأردني للتراث الشعبي:
سيشارك في إعداد هذا المشروع الأردني الضخم طلبة وباحثون ينتمون إلى خمس جامعات أردنية وهي؛ الجامعة الأردنية، جامعة اليرموك، جامعة مؤتة، الجامعة الهاشمية، جامعة الزيتونة الخاصة بإشراف ورعاية وزارة الثقافة ممثلة بمديرية التراث ويهدف المشروع إلى "إحياء التراث الأردني وحفظه من الضياع، من خلال تكوين قاعدة معلومات أردنية في مجال المأثورات الشعبية وذلك بعد جمع الألفاظ المتداولة وشرح معانيها وضبطها وتشكيلها، وتعتمد قاعدة المعلومات هذه على النص المكتوب والصور الفوتوغرافية وأفلام الفيديو والنص الصوتي»(16).
كما أن مشروع المكنز سيغطي الموضوعات الرئيسية التالية: المعتقدات والمعارف الشعبية، العادات والتقاليد، الأدب الشعبي، الفنون الشعبية، ثم الثقافة المادية.
أما من الناحية الإدارية فقد أحدثت مديرية التراث التابعة لوزارة الثقافة الأردنية لجنة وزارية تحت رئاسة الدكتور هاني العمد تسهر على إنجاز وتتبع المكنز التراثي الأردني من خلال المهام التالية:
اختيار موضوعات التراث المراد جمع مفرداتها وتعريفها.
إقرار الخطة التنفيذية، بما فيها خطة العمل والـمـــوازنــــة الــتــقــديـرية للمشــروع والاحتـــياجـــات الـلازمـة لتــنفــيذهــا.
مناقشة التقارير والأبحاث التي يقدمها الباحثون حول المفردات المطلوب جمعها، وبيان الرأي فيها واقتراح التعديلات أو الإجراءات التي تراها مناسبة تمهيداً لاعتمادها(17).
وأخيرا يتم حوسبة المواد التراثية المتحصلة من عملية الجمع وإدخالها في قاعدة البيانات وَفق بطاقة جمع التراث الشعبي، ثم تعرض في نهاية المطاف في موقع إلكتروني تابع لوزارة .

2. 4. مكنز جمعية الفولكلور الأمريكية(18):
وضعت جمعية الفولكلور الأمريكية رهن إشارة كل باحث في الفولكلور على شبكة الانترنيت مكنزا ضخما أحادي اللغة يضم 17٫210 واصفة، تغطي ثلاثة مجالات أساسية وهي الفولكلور، علم موسيقى الشعوب والإثنولوجيا، وقد طورت الجمعية المكنز بالتنسيق مع مركز الفنون الشعبية الأمريكية(19) التابع لمكتبة الكونغرس مدعوما ماديا من قبل مؤسسة اندرو ميلون(20).
يحتوي المكنز الإثنولوجي الأمريكي على خمسة وعشرين قسما رئيسيا ويندرج تحت كل قسم رئيسي عدة فروع، وهكذا يتشعب المكنز إلى أن ينتهي إلى الواصفة التي ليست لها فروع، تتوزع على الشكل الآتي:
الواصفات الرئيسية
باللغة الانجليزية عدد الواصفات المتضمنة في كل قسم الواصفات الرئيسية
باللغة بالعربية
art 36 الفن
beings 11 الكائنات
belief 15 المعتقدات
dance 132 الرقص
disciplines 7 التخصصات
documentation 2 التوثيق
education 17 التربية
entertainment and recreation 29 التسلية والترفيه
foodways 12 أنماط الغذاء
general 24 مواضيع عامة
health 23 الصحة
language 21 اللغة
law and governance 27 القوانين والحكم
material culture 4 الثقافة المادية
migration and settlement 7 الهجرة والتعمير
music 28 الموسيقى
performance 31 الأداء
research, theory, and methodology 9 البحث ونظريات ومناهج العلوم
ritual 35 العادات
social dynamics 12 الديناميات الإجتماعية
space and place 24 أماكن وفضاءات
time 24 الزمن
transmission 12 الانتقال
verbal arts and literature 16 الفنون والأدب الشفهي
work 10 الشغل
تنتظم الواصفات في بناء هرمي وقد ذيلت كل واصفة بتبصرة توضيحية تشرح الغرض من المصطلح وتبين للمستعمل طريقة استخدامه سواء في البحث أو التكشيف، من خلال هذه الشروحات يمكن تحديد المجال الموضوعي لكل قسم على حدة فضلا عن الواصفات الفرعية التي تنضوي تحتها.
ومواكبة للتطورات التقنية في الويب لاسيما مع دخول الفضاء الشبكي الحالي إلى الويب الدلالي Semantic Web وتطور علم التكشيف الحاسوبي قام الفريق المكلف بتحديث المكنز بتخريجه في صورة حاسوبية (21) متطورة استفادت من تقنيات ولغات الويب الدلالي فجاء المكنز على صيغة "نظام تنظيم المعرفة البسيط"(22) الذي يُعرف اختصارا SKOS.
2. 5. المجلس الدولي للمتاحف:
تم استصدار أول مقياس دولي(23) من قبل المنظمة الدولية للمقاييس ISO له صلة مباشرة بالتراث الثقافي يتعلق الأمر بمعيار "ISO 21127 :2006"٠(24).
في الأصل كان هذا المعيار عبارة عن نموذج مفاهيمي مرجعي(25) "CRM" من أعمال مجموعة البحث(26) التابعة لمنظمة "CIDOC"٠(27)، وقد تطلب إعداد هذا المشروع عشر سنوات من العمل ، وفي اليوم التاسع من شهر ماي سنة 2006، تم تبنيه من قبل المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس(28).
ويروم هذا المقياس إلى وضع الأسس العامة لتبادل المعلومات بين المؤسسات المهتمة بالتراث الثقافي باعتماد نظام الانطلوجيات(29) الحاسوبية، وإن دل هذا التوجه الجديد في التوثيق القياسي على شيء فإنما يدل على أمرين أساسين:
يكمن الأمر الأول في الأهمية الخاصة التي يوليها المجتمـــع الـــدولــي في تــوحــيد المقــاييـس مــن أجــل التعاطي لصيانة التراث الثقافي غير المادي بطرق حديثة مواكبة للتطورات الحاصلة في المعلوميات.
أما الأمر الثاني فيتجلى في نوع التقنيات الموظفة من أجل تحقيق هذا الغرض يتعلق الأمر بجهاز مفاهيمي ينتمي لأدبيات الويب الدلالي، وهي مرحلة جديدة تتميز بإيلاء للجانب الدلالي في المعالجة الآلية للمعلومات والوثائق اعتبارا خاصا، متجاوزا للأشكال التقليدية(30) نحو معالجة "دلالية" تمكن الحواسيب من فهم واسترجاع المملفات والمضامين من الأرشيف وسرعة تداولها وتخزينها، ومن ثم تحسين استثمارها.
ومن شأن هذا المقياس توفير للمكتبيين والموثقين والعاملين في المتاحف خريطة مفهومية للتراث المادي المتحفي تقوم على شبكة من التعريفات والعلاقات تستخدم لوصف المفاهيم وارتباطاتها المستعملة في توثيق التراث الثقافي(31) وبعد تبنيه من قبل العديد من المتاحف والمنظمات التراثية الثقافية كإطار مرجعي في توثيق عناصرها المتحفية اكتسب هذا المقياس صيتا كبيرا في الأدبيات التوثيقية، واستقطب دراسات كثيرة أغنته لاحقا بالعديد من التعديلات.
لكن ما يأخذ على هذه المواصفة القياسية أنها أولت أهمية بالغة للجانب المادي في التراث الثقافي على حساب المكونات غير المادية، ويعود سبب هذا التغييب إلى كون المنظمة التي احتضنت مشروع إعداد المواصفة القياسية تشتغل في مجال المتحفيات، ومتى علمنا أن مجال اهتمام المتحفي ينحصر في الأشياء المادية المتحيزة في المكان، والتي تتمتع بصفات عيانية، فإنه من الطبيعي أن يتدثر المقياس بلباس مادي. ذلك ما خلص إليه نيك كروفست بقوله(32):
"ان معايير التوثيق الحالية مثل المعيار الذي وضعته منظمة المجلس الدولي للمتاحف يرجح كفة توثيق العناصر المادية. ولا يلائم وصف المواد غير المحسوسة مثل العروض الفرجوية، الاحداث، التقاليد والمعتقدات الدينية"(33).
تداركت منظمة المجلس الدولي للمتاحف هذا الإغفال في مؤتمرها الواحد والعشرين المنعقد بسيول في الثامن من شهر أكتوبر سنة 2004، وذلك بعدما أشادت بدور التراث غير المادي في حماية التنوع الثقافي العالمي، وإقرارها باتفاقية حماية التراث غير المادي(34)، لكن هذا الإقرار لم ينفذ إلى المواصفة القياسية ولا إلى ما تصدره من تعديلات، الشيء الذي يحملنا على القول أن هذا النموذج في حاجة ماسة إلى توسيع وتدارك حتى يسع الجوانب غير المادية.
ذلك ما أكد عليه نيك كروفتس حيث قال في النشرة الاخبارية التي تصدرها المنظمة(35):
"خصص مؤتمر المجلس الدولي للمتاحف المنعقد بسيول سنة 2004 لمناقشة قضية التراث غير المادي، لكن منذ ذلك الحين لم نسجل أي تقدم يذكر في إعطاء المتاحف الوسائل الملائمة من أجل توثيق وصون التراث غير المادي"(36).
كل ذلك وعيا منها بأن هذا النوع من المعارف يشكل قنطرة لا غنى لنا منها في معرفة حقيقة الأشياء المتحفية لذلك أشار نيك كروفس في حديثه عن المتحفية في علاقتها بالتراث المحكي إلى أن فهم الأشياء المادية يحتاج إلى العلم بالمعارف الثقافية التي تحيط بها. وبدون هذا الفهم تبدو هذه الاشياء فارغة من معناها في اشارة صريحة إلى ضرورة العناية بالمكون الشعبي غير المادي في توصيف الاشياء المتحفية(37) يقول نيك: "التأكيد على أهمية التراث الثقافي غير المادي يذكرنا بمدى ضرورة المعارف الثقافية في فهم العناصر الثقافية وبدون هذه المعارف تصبح عناصر المتحف فارغة من المعنى"(38).
2. 6. مكنز التراث الثقافي الاسباني:
أعدت وزارة التربية والثقافة والرياضة الإسبانية(39) مكنزا للتراث الثقافي الإسباني، يهدف المكنز إلى "تعريف المواطنين بالثراء الثقافي الاسباني من خلال المفردات المستخدمة في تحديد وتصنيف ووصف وفهرسة التراث"(40)، والمكنز متاح على شبكة الانترنيت(41).
ومنذ التاسع عشر من شهر أكتوبر من سنة 2015 اتخذ المكنز صورة حاسوبية حديثة أهلته لدخول عصر الويب الدلالي من خلال ترجمته إلى صيغ حاسوبية(42) استفادت من لغات الويب الدلالي (RDF (RDF/XML, Notation3,RDF/JSON, JSON-LD..).
7.2. شبكة الممارسات الثقافية لجون دي بيرجي:
خرجت هذه الشبكة التصنيفية من رحم الأبحاث العلمية في مجال الاثنولوجيا التي أنجزها ثلة من علماء الأعراق بجامعة لافال الكندية تحت رعاية العالم الاثنولوجي جون دي بيرجي، الذي قام بتطوير منهجية موحدة ومتوافقة مع طبيعة موضوع التراث الثقافي غير المادي بكندا، وتدور الصنافة حول ثلاثة أقطاب رئيسية؛ المجال العرفي، المجال العملي، المجال الرمزي والتعبيري.
انطلق جون دي بيرجي من الممارسات الثقافية الحية والعادات مدخلا لمقاربة ثقافة مجموعة بشرية ما باعتبار أن الثقافة هي "مجموعة من الممارسات الدينامية وتمثلاتها"(43)، ومن ثم "لدراسة أساليب الحياة والأشكال التي تأخذها، يتعين ملاحظة الممارسات الثقافية للفاعلين الاجتماعيين". فالثقافة لا تكشف نفسها إلا من خلال السلوك الاجتماعي والتصرفات وأفعال الفاعلين الاجتماعيين، أو باختصار انها تتمظهر في نسق من الأداءات.
اعتمدت هذه الشبكة منطلقا عمليا لتأسيس أرشيف الفولكلور الكندي(44) والهايتي(45) الذي اتخذ صورة أكبر قاعدة بيانات في أمريكا.

خلاصة:
من خلال هذا العرض المختصر للمقاييس التراثية يمكن الخروج بملاحظتين رئيستين:
أنه يمكن تصنيف هذه المقاييس إلى ثلاثة أقسام: صنف تقليدي ارتبط بشكل كبير بعلم المكتبيات والتوثيق (مكنز الفولكلور المصري، مكنز التراث الشعبي المغربي والأردني) وصنف حديث استفاد من تقنيات متقدمة لاسيما لغات الويب الدلالي (مكنز جمعية الفولكلور الأمريكية، المكنز الثقافي الاسباني، النموذج المرجعي للمفاهيم)، إذا كان الصنفان السابقان قد ركزا على فلسفة في التوثيق تقوم على محور «الحفظ - الوثيقة»، فإن الصنف الثالث (شبكة الممارسات الثقافية لجون دي بيرجي) قد خصت اهتماما نوعيا للجانب الحي من التراث الشعبي غير المادي فكان مدار اهتمامه على محور طرفاه «الصون - الفعل».
أن المكانز العربية في حاجة إلى تحديث من جهتين: من جهة توحيد جهود المهتمين بالتراث للخروج بمواصفة قياسية موحدة تعتمد من قبل منظمة عربية جامعة، أما من جهة ثانية فإن المكانز الحالية تحتاج إلى تحيين من حيث مضمونها وتقنياتها لا سيما وأن المعايير المكنزية والانطلوجية قد تغيرت بشكل كبير مع دخول عصر الويب الدلالي.