اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

تمثلات الموت في تاريخ المغرب من خلال أمثال شعبية وأقوال مأثورة
يرتبط معنى المثل في معاجم اللغة العربية بالتشبيه والمقارنة، فهو عند الفراهيدي «الشيء يُضرب للشيء فيُجعل مثله»...

مؤتمران عربيان بمصر والإمارات رؤى وتحولات بالمنصورة ونوادر جحا بالشارقة
نعرض في هذا العدد لمجموعة جديدة من الأبحاث العلمية المتنوعة في مجالات عدة من التراث الشعبي العربي، وذلك من خلال التعرف ع...

الثّابت والمتحوّل في طقوس الغذاء أثناء الضّيافة في المجتمع التّونسي: مقاربة أنثروبولوجيّة
تشمل الطّقوس مختلف الأحداث الاستثنائيّة واليوميّة، وتجمع بين ثنائيّات عديدة. فهي جادّة وصارمة ورسميّة أحيانا، وأحيانا أخ...
36
Issue 36
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
تاريخ مهنة القصارين في البحرين دراسة تاريخية تحليلية
العدد 36 - في الميدان

أ. حسين محمد حسين

كاتب من البحرين

من المهن القديمة في البحرين والتي انتهت ولم يعد يزاولها أحد منذ عدة عقود، هي مهنة غسيل الملابس والتي كانت تعرف في البحرين، وباقي البلدان العربية، باسم القِصارة أو مهنة القصارين. ولفظة القصارين جمع ومفردها القصّار وتعني الذي يقوم بغسل الملابس، وقد وردت هذه اللفظة في المعاجم العربية، جاء في معجم تاج العروس مادة (قصر):

«القَصّارُ والمُقَصِّر كشَدّادٍ ومُحَدِّث: مُحَوِّرُ الثِّيَاب ومُبَيِّضُها لأَنّه يَدُقُّها بالقَصَرَة التي هي القطْعَةُ من الخَشَب وهي من خَشَب العُنّاب لأَنّه لا نَارَ فيه كما قَالُوا وحِرْفَتُه القِصَارَة بالكَسْر على القيَاس. وقَصَرَ الثوبَ قِصَارَةً عن سيبويه وقَصَّرَه كلاهُمَا: حَوَّرَه ودَقَّه. وخَشَبَتُه المِقْصَرَة كمِكْنَسةٍ والقَصَرَةُ مُحَرَّكَةً أَيضاً».

 

وينسب لهذه المهنة فيقال القصّار أو القصاري، جاء في كتاب «لب اللباب في تحرير الأنساب» للسيوطي أن القصاري نسبة «إلى قصر الثياب كالقصار وإلى سكة القصارين بمرو» (السيوطي، طبعة دار الكتب العلمية 1991، ج2: ص 182). وتعتبر مهنة القِصارة من المهن الشاقة والتي عرفت منذ القدم بطبيعتها الشاقة، وقد صور لنا الشاعر أبو الحسين الجزار (توفي العام 1273م) مدى العناء الذي يعانيه القصار، وذلك في قوله (النجوم الزاهرة، ج7، ص292):

أحمل نفسي كل يوم وليلة

شروراً على من لا أفوز بخيره

كما سود القصّار في الشمس وجهه

ليجهد على تبييض أثواب غيره

هذا، وقد شكل القصارون، ومنذ القدم، طبقة عمالية مميزة، ولهذه الطبقة ذِكر في الحضارات القديمة، كالحضارات التي نشأت في وادي الرافدين والتي تأثرت بها حضارة دلمون التي نشأت في البحرين قديماً. هذا، وقد عثر في وادي الرافدين على نقوشات على قطع حجرية عبارة عن عقود تم برمها بين جماعة من القصارين وأفراد وعائلات معينة، ويعود تاريخ هذه العقود للقرن السادس قبل الميلاد (Waerzeggers 2006). أما في العصور الإسلامية، فقد تطورت مهنة القصارين لدرجة تخصيص سوق خاصة بها؛ وذلك عند بداية ظهور الأسواق التخصصية. يذكر، أنه منذ نشأة الأسواق في القرون الإسلامية الأولى في العديد من البلدان الإسلامية، تم اعتماد نموذجاً خاصاً من التقسيم يعتمد على إنشاء أسواق أو أحياء متخصصة في مهنة واحدة فقط. وبالتالي، ولكي نتمكن من تتبع تاريخ وجود مهنة القصارين، لابد لنا من توضيح هذا النموذج ومطابقته بالمجتمع البحريني القديم.

تطوير سوق للقصارين منذ القرون الإسلامية الأولى

أســــواق المـــدن الإســـلامــــية الــرئيـــسية في القــــرون الإسلامية الأولى، كانت تنظم بحسب نظام معين، فقد كانت لها تقاسيم متخصصة بحسب ترتيب معين. هذا، ويعتبر سوق البصرة واحد من أقدم هذه الأسواق. ويرى يوسف العلي في دراسته «أسواق البصرة في القرن الثالث والرابع للهجرة» أن أسواق البصرة، منذ بداية نشأتها، بدأت تتشكل بحسب نظام معين؛ حيث أخذت تنتظم في مجموعات تضم كل مجموعة الصناعات ذات المصالح المشتركة، ففي سوق المربد، مثلاً، نجد التبانين وسوق الإبل والدباغين في منطقة واحدة وكذلك القفالين على باب الصفارين، وتشكل كل مهنة سوقاً فرعية داخل السوق الكبيرة. ويرى العلي أن سوق البصرة ربما أصبح أنموذجاً يتبع؛ فقد تم إنشاء عدد من الأسواق على هذا الأساس، فيشير اسلم الواسطي إلى أن أسواق واسط قد بنيت على هذا الأساس، كما أن يزيد بن حاتم المهلبي البصري قام بتنظيم سوق القيروان متبعاً نفس الأسلوب ذاته، ولعله تأثر بأسواق مدينة البصرة (العلي 1973). كذلك أسواق مدينة تلمسان التي كانت قاعدة المغرب الأوسط، تم تقسيمها على نفس هذا الأساس (بن صديق 2013). ويلاحظ أن كل سوق تخصصية ينشأ عنها إما سوق يحمل اسم المهنة أو حي يحمل اسم المهنة ذاتها.

يذكر أنه ظهر في عددٍ من أسواق المدن الرئيسية التي ظهرت في القرون الإسلامية الأولى قسم خاص بمهنة القصارين، وتتم الإشارة لهذا القسم بمسميات مختلفة؛ ففي أسواق البصرة كان يسمى سوق القصارين (العلي 1973)، و في تلمسان عرف باسم حي القصارين (بن صديق 2013، ص 70)، وأحياناً تتم الإشارة لعين ماء خاصة بمهنة القِصارة، كعين القصارين التي اشتهرت في دمشق كمكان كانت تغسل فيها الملابس، وهذه العين لازالت معروفة حتى يومنا هذا (القاسمي وآخرون 1988، ص 353 – 354).

الأحياء التخصصية في البحرين

البحرين، كذلك، ليست استثناء، فقد نشأت فيها أسواق تخصصية بمثل نمط الأسواق السابقة، أي ظهور تجمعات متخصصة لأصحاب المهنة الواحدة. ففي المنامة، على سبيل المثال، لازال عدد من أحيائها تحمل أسماء مهن؛ فكل حي من هذه الأحياء كان به سوق خاصة بالمهنة التي سمي بها. بالطبع، هذا النظام عُرف في البحرين قبل نشأة سوق المنامة؛ فما بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر الميلاديين، كان في البحرين مركز تجاري نشط وكان يمثل المركز الحيوي القديم في البحرين في تلك الحقبة (Insoll 2005). ويتكون هذا المركز من المناطق المحيطة بمسجد الخميس، والتي تتمثل اليوم في عدة مناطق هي: جدحفص في الشمال، والبلاد القديم والخميس وأبو بهام في الجنوب، والبرهامة والصالحية في الشرق، وطشان والمصلى في الغرب. هذه المناطق بها أحياء تحمل أسماء مهن، وحتى من يسكن هذه الأحياء ارتبط اسمه بالمهنة ذاتها.

يذكر، أن جميع تلك المناطق كانت تعمل بصورة تعاونية، وكلها كانت تمثل ما يشبه المدينة المركزية، وإن اختلفت المسميات. فقد كانت كل منطقة من تلك المناطق تحمل جزءاً من الحضرية، وكلها تكمل بعضها البعض. فمثلما نشأت في المنامة أحياء وأسواق متخصصة، كانت هناك أحياء متخصصة في هذه المناطق التي كونت المركز التجاري القديم في البحرين. وعلى الرغم من عدم وجود دلائل تاريخية واضحة وصريحة تنص على ذلك، إلا أنه يمكن ترجيح أن بهذه المنطقة كانت العديد من الخدمات والأسواق المتخصصة، وذلك من خلال تتبع أماكنها بحسب تسميات الأحياء، أو كما تعرف عند العامة باسم فرگان مفردها فريگ. على سبيل المثال، عند تفحص أسماء الأحياء في جدحفص، نجد أن عدداً منها يدل على المهن التخصصية، مثل حي المحاسنية (الحلاقين)، وحي البناية، وحي الصاغة، وحي السوق. مثل هذه الأحياء ربما كانت منتشرة كأسواق في الماضي لكنها اندثرت ومسحت من الذاكرة الشعبية، ولم يبق إلا مسمى الحي.

كذلك، كان هناك حي قديم يُعرف بالصَفَافِير، وكان يقع على الشارع الرئيسي المار إلى عوالي غرباً عن الخميس وطشان، وقد سمي بذلك لأن به محطة تصفير النحاس (المبارك 2004، ص41). ولا يعرف موقع هذا الحي بالتحديد إلا أنه كان يقع على شارع عذاري، وكان يمر بالقرب منه ساب عذاري (بشمي 2000، ص 31).

وغرب مسجد الخميس توجد منطقة تعرف بالمصلى، وهي تعتبر من القرى القديمة التي شاع صيتها منذ القدم؛ فأقدم ذكر لقرية المصلى كمسمى جاء على نقش ساجة السيد يحيى الحسيني الذي توفي في العام 1405م (Kalus 1990, p.77). وتسمية المصلى، في الواقع، هي تسمية إسلامية «ويقصد بها عادة المكان الذي يتخذ مصلى تقام فيه صلاة العيدين، وكانوا عادة يختارون مثل هذه المصليات بعيداً عن العمران في مكان متسع نَزِه» (الجنبي 2012، ص 311). وقد انتشرت هذه العادة في البحرين وشرق الجزيرة العربية منذ قديم الزمان؛ وقد ترتب على ذلك وجود عدد من المناطق عرفت باسم المصلى في كلا المنطقتين (الجنبي 2012، ص 311). ولا نمتلك دليلا على بداية هذا العرف في البحرين، ولكن هناك أدلة واضحة أنه كان سائداً في فترة السيطرة العيونية، أي ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين؛ حيث كان من عادة الأمير العيوني أن يخرج إلى مصلى خاص، يسمى جرعاء المصلّى، عند صلاة العيدين في موكب مهيب بجميع زينته وخيله (الجنبي وآخرون 2012، ج5: ص 2769).

عين القصارين وتاريخ مهنة القصارة في البحرين

بالإضافة لتلك الأحياء المتخصصة، التي كانت موجودة في المركز التجاري الحيوي القديم، كانت توجد، وفي ضمن حدود هذا المركز، عين خاصة يجتمع فيها القصارون؛ حيث كانت تمارس فيها مهنة غسيل الملابس. وهذه العين كانت تعرف باسم عين القصارين (ثم خفف الاسم فأصبح اسمها عين قصاري)، مما يؤكد على وجود طبقة عاملة متخصصة، كانوا يعملون كقصارين في البحرين قديماً. وقد كانت عين القصارين ضخمة جداً، وبحسب التقسيم الحديث للمناطق التي كانت تمثل المركز التجاري القديم، فإن تلك العين كانت تمتد بصورة أساسية بين منطقتي البلاد القديم والبرهامة. ولضخامة هذه العين، وتعدد الينابيع بها، فقد كانت العين مقسومة إلى قسمين، عين قصاري الكبرى وعين قصاري الصغرى، وكل قسم كان يمثل عين مستقلة بذاتها.

هذا، ولا نعلم بالتحديد متى تم تطوير هذه العين لتصبح عيناً خاصة بغسيل الملابس، ومنها ارتبط إسمها بالمهنة، أي أصبح إسمها عين القصارين، والذي خفف لاحقاً ليصبح عين قصاري. إلا أنه يمكن ترجيح حقبة معينة تم فيها حدوث ذلك؛ حيث تشير الدلائل الآثارية لوجود استيطان قديم في المناطق المحيطة بعين القصارين، والتي يعود أقدمها لقرابة القرن التاسع الميلادي، غير أن الاستيطان وصل إلى ذروته في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي (Insoll 2005). وهكذا يمكننا ترجيح تطوير عين القصارين في حقبة ذروة الاستيطان، أي قرابة القرن الثاني عشر الميلادي. بالطبع، ربما تم تطوير العين قبل هذه الفترة، إلا أن الأكيد، أن عين القصارين تم تطويرها وتخصيصها لغسل الملابس قبل القرن الرابع عشر الميلادي، وهي الفترة التي ذكر فيها اسم عين القصارين.

يذكر أن اسم «عين القصارين» قد ورد ذكره في نقش قديم يرجع تاريخه للعام 1374 م (776 هجرية)، وقد عرف هذا النقش باسم نقش «الوقفية»، وذلك لأنه تضمن مجموعة من أسماء النخيل التي كانت تعتبر وقفاً لمسجد الخميس، كما يرجح أن هذا النقش يوثق ترميم مسجد الخميس والأوقاف التابعة له (Kalus 1990). هذا، ويتكون النقش من قطعتين، النص الذي نقش على القطعة الأولى يتكون من أربعة أسطر هي كالتالي:

بسم الله الرحمان الرحيم أمر بعمارة هذا المسجد المبارك الصاحب المعظم خواجه جمال الدين علي بن المرحوم منصور بن محمود كرد زيد تعظيمه قربة إلى

الله تعالى و وقف على مصالحه جميع السرمر و الملك المعروف بفوليان من البلد القديم مع نصف الملك المعروف بحمكان من حويص عالي على أن يلوث (؟) و يبقى ستمائة منا ثنا لمأن كل من يحضر لقراءة

القرآن كل يوم ....... رمضان ومائة وخمسون منا ثنا لمأن كل من يحضر للصلاة يوم الجمعة كل جمعة خمسة آن وستمائة منا ثنا لقيمه ومائة منا ثنا لقيمه ثمن سراجه بهما وباقي

لمصالحه من فروش ورم وغيرهما تقبل الله حسابه وأعلى درجاته في سابع وعشرين صفر سنة ست وسبعين وسبعمائة هجرية

المرجح أن اسم «البلد القديم» الوارد في هذا النقش كان مرتبطاً بمنطقة شاسعة وهي التي كانت تضم مسجد الخميس، بالإضافة للمناطق المحيطة بها. ثم حدث بعد ذلك تخصيص للإسم فارتبط بمنطقة محددة وتحول مع الزمن لاسم وهو «البلاد القديم».

أما نص القطعة الثانية فيتكون من سطرين وهو ما يهمنا هنا، ونصه كالتالي:

أيضا يضاف على نصف حمكان مع صرمر فوليان جوبار

عين القصارين الصغرى الغربي وقفا شرعيا متقربا إلى الله تعالى

والأسماء الواردة في النقش وهي: سرمر وفوليان وحمكان، ما هي إلا أسماء نخل. أما الجوبار والسطر، فهي عبارة عن شريط ضيق من الأرض يقع على مجرى مياه الري أو بين قطعتين كبيرتين؛ ومن هنا نفهم أن «جوبار عين القصارين الصغرى الغربي» المذكور في النقش هو الشريط الضيق من الأرض الواقع غرب عين القصارين الصغرى.

هذا النقش يدل على قدم مسمى عين القصارين، وكذلك قدم مهنة القصارين في البحرين. كذلك، فإن مهنة القِصارة، أو القصارين، كانت معروفة في البحرين بهذا الإسم، ويسمى العامل فيها باسم «قصار» أي غاسل الملابس؛ حيث ذكر الشاعر أبي البحر جعفر الخطي (توفي العام 1618م) مهنة القصار، كمهنة موجودة في البحرين، وذلك في إحدى قصائده، مما يدل على أن مهنة القصارين كانت معروفة في تلك الفترة الزمنية. يقول الخطي في قصيدته التي ذكر فيها عدداً من المهن المعروفة في البحرين قديماً:

أو فاتبع ابن مهنا في بزازته

أو فامش خلف فتى شنصوه قصارا

هذا وقد علق شارح الديوان على هذا البيت بقوله «وابن شنصوه هو محمد بن سليمان، قصار من أهل البحرين، توطن القطيف مدة ثم عاد إلى البحرين وتوفي بها» (طبعة الانتشار العربي 2005م، ج2، ص 56).

إذاً، من خلال ما سبق، يستنتج أن مهنة القصارين كانت معروفة في البحرين وأنه تم ذكرها خلال الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر الميلاديين.

بـــدايــــة ظهـــور مصطـــلح «الــــدوبـــية» في البــحــريــن

كان آخر ذكر لمهنة القصارين في البحرين في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر الميلاديين، وبعدها لا نعلم ماذا حل بهذه المهنة حتى ظهورها مجدداً بمسمى جديد، وهو الدوبية، ربما نهاية القرن التاسع عشر. والدوبية Dhobi هي لفظة هندية وتعني العامل الذي يقوم بغسل الملابس، كذلك، فاللفظة أصبحت كمسمى لإحدى الطبقات الرسمية المسجلة في الهند، وهي طبقة العاملين في غسل الملابس، وقد دخلت هذه اللفظة حتى في اللغة الإنجليزية العامية في بدايات القرن العشرين (Dalzell and Victor 2008, p. 196).

هذا، ونحن نرجح أن تطوير مهنة القصارين وتغير اسمها للدوبية، وكذلك تغير اسم العين التي ارتبطت بهذه المهنة، فإننا نرجح حدوث ذلك في القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك نتيجة لتواجد التجار الهنود، وبالخصوص الهندوس، في المنطقة. يذكر أن التجار الهنود الهندوس، الذين عرفوا عند العامة في الخليج العربي باسم البانيان، ازدادت أعدادهم في البحرين، والخليج العربي بصورة عامة، نتيجة للوجود البريطاني في المنطقة؛ حيث أعطي هؤلاء التجار ميزات خاصة نتيجة لتمتعهم بالحماية البريطانية (القاسمي 1996، ص 57 - 59). هذا وقد لعب التجار الهندوس دوراً كبيراً في التجارة في البحرين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (القاسمي 1996، ص 121 - 122).

ونحن نرجح، أن من ضمن المهن التي أثر فيها التجار الهندوس هي مهنة القصارين؛ حيث تأكد نتائج الدراسة الميدانية (أنظر دراسة المديفع وحسين، ضمن العدد القادم) أن عدداً من هؤلاء التجار الهنود عملوا في مهنة غسيل الملابس في البحرين منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وعملوا على تطوير عين القصارين. يذكر أن النموذج الذي طورت على أساسه عين القصارين، لتصبح مكاناً مناسباً لمهنة غسيل الملابس، يتشابه مع نماذج الدوبية التي توجد في الهند، من حيث الطريقة والمواد والأدوات المستخدمة، والتي كانت تستورد، بصورة أساسية، من الهند.

هذا، وقد تم تهيئة عين قصاري (أو القصارين) الصغرى، كمكان لغسل الملابس، وقد عُرفت هذه العين لاحقاً باسم عين الدوبية. ولم يقتصر العمل في عين الدوبية على الهنود فقط، بل عمل معهم عدد من البحرينيين، واستمر العمل في هذه العين حتى تم ردمها في العام 1972م، عندما قل تدفق الماء فيها (القصيبي 1997، ص 58- 61).

التوسع في عمل «الدوبية»

بعد أن أصبحت عين قصاري الصغرى أو «الدوبية» مركزاً مهماً لغسل الملابس، وأصبح هناك طلب كبير على غسل الملابس من قبل مؤسسات الدولة والعديد من العوائل، لم تعد تستوعب عين قصاري الصغرى كل تلك الطلبات، فمساحتها محدودة. وهكذا، أصبحت هناك حاجة ملحة للتوسع، وإيجاد بدائل لعين قصاري الصغرى. ومن أوائل البدائل التي ظهرت كانت «دوبية» السويفية، التي أنشأت على ساحل السويفية القديم. يذكر أن دوبية السويفية كانت صغيرة، ولا تعتمد على عين طبيعية بل أن غسل الملابس كان يتم في أحواض، وبعدها كانت تنشر الملابس على ساحل السويفية القديم. بعد ذلك ظهرت المحلات المتخصصة في غسيل الملابس وكيها والتي بدأ العامة يطلقون عليها مسمى «الدوبي» أو «الدوبية»، وقد استمرت هذه التسميات حتى عهد قريب، ولازال البعض يستخدمها.

الخلاصة أن مهنة القصارين، أو غسل الملابس، هي إحدى المهن القديمة في البحرين، والتي لا نمتلك لها توثيقاً جيداً، وأقدم ذكر لهذه المهنة، في البحرين، كان في القرن الرابع عشر الميلادي. هذا، وقد واستمرت هذه المهنة بصورتها التقليدية التي كان يمارسها البحرينيون حتى سبعينيات القرن العشرين. هذا، وقد عُرف العديد من البحرينيين الذين عملوا في هذه المهنة منذ ثلاثينيات القرن العشرين وذلك في عين القصارين (قصاري) الصغرى والتي عرفت، منذ القرن التاسع عشر، باسم عين الدوبية بعد أن أعيد تأهيلها، ربما من قبل عدد من التجار الهنود، لتصبح هذه العين أهم مركز لغسيل الملابس في البحرين في تلك الفترة.

المراجع

المراجع العربية

الأتابكي، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة؛ علق عليه محمّد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولي، 1992م. بيروت - لبنان.

الزَّبيدي مرتضى، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، الكويت.

السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن، لب اللباب في تحرير الأنساب؛ تحقيق محمد أحمد عبدالعزيز وأشرف أحمد عبدالعزيز، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1991م، بيروت - لبنان.

العلي، يوسف ناصر (1973)، أسواق البصرة في القرن الثالث والرابع للهجرة. مجلة الخليج العربي، جامعة البصرة - كلية الآداب، السنة الأولى - العدد الأول.

القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية؛ حققه وقدم له ظافر القاسمي، الطبعة الأولى 1988، دار طلاس للدراسات والتراجم والنشر، دمشق.

القاسمي، نورة محمد صقر. الوجود الهندي في الخليج العربي 1820 - 1947م، الطبعة الأولى 1996م، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة - دولة الإمارات العربية المتحدة.

القصيبي، هند. تاريخ وواقع العيون الطبيعية في دولة البحرين. رسالة مقدمة كجزء من متطلبات الحصول على درجة الماجستير في علوم الصحراء والأراضي القاحلة. كلية الدراسات العليا، جامعة الخليج العربي، البحرين. تاريخ التقديم سبتمبر 1997م.

المبارك، إبراهيم. حاضر البحرين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004 م.

المديفع، حسين أحمد وحسين، حسين محمد. مهنة القصارين في البحرين (1930م - 1970م) - دراسة ميدانية. في هذا العدد من مجلة الثقافة الشعبية.

بشمي، إبراهيم. أيام زمان، مؤسسة الأيام للصحافة والنشر والتوزيع، البحرين، الطبعة الثانية، 2000م.

بن صديق، نوال. التكوين في الصناعات والحرف التقليدية بين المحافظة على التراث ومطلب التجديد. مذكرة ماجستير، تخصص انتروبولوجيا التنمية، جامعة تلمسان، 2012 - 2013م. (نسخة إليكترونية متوفرة على موقع جامعة تلمسان http://dspace.univ-tlemcen.dz).

ديوان أبي البحر الخطي، تحقيق عدنان السيد محمد العوامي، الإنتشار العربي، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2005م.

شرح ديوان ابن مقرب العيوني، أعده وحققه وعلق عليه عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي؛ ساعده علي بن سعيد البيك، وعبد الغني بن احمد العرفات. 7 مج، الطبعة الثانية، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، 2012م.

المراجع الأجنبية

Dalzell, T. and Victor, T. (2008). The Concise New Partridge Dictionary of Slang and Unconventional English. New York: Routledge.

Insoll, T. The Land of Enki in the Islamic Era. Pearls, Palms and Religious Identity in Bahrain. London: Kegan Paul, 2005.

Kalus, L. Inscriptions arabes des îles de Bahrain ; Contribution à l’histoire de Bahrain entre les XIe et XVIIe siècles (Ve-XIe de l’hégire) , 119 p., 2 cartes, 74 pls., Paris, Geuthner, 1990.

Waerzeggers, C. (2006), Neo-Babylonian Laundry. Revue d’Assyriologie et d’archéologie orientale, Vol. 100, pp. 83-96

الصور

الصور من الكاتب

1 أرشيف صور Mike Knight على موقع flickr.com

2 Wheatcroft, A. Bahrain in Original Photographs, 1880 – 1961, London: Kegan Paul, 1988. P. 115

3 أرشيف صور محمد سلمان حماد (@aboalqassim_hammad) على موقع الإنستغرام

4 الخليفة، الشيخ عبدالله بن خالد والحمر، عبدالملك يوسف. البحرين عبر التاريخ. الجزء الأول. الطبعة الثالثة 1982م. مطبعة وزارة الإعلام، البحرين.

5 www.instagram.com/p/j5zA9OtxNW/