اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

عندما يُعبّر الإنسان عن نفسه موسيقياً آلــة الناي نموذجاً
اكتشف الإنسان الآلات الموسيقية، حتى يُعبّر من خلالها عن خلجات نفسه، فتحمل بذلك صوته إلى الآخرين، ولعل آلة الناي، تُعدّ م...

الثّابت والمتحوّل في طقوس الغذاء أثناء الضّيافة في المجتمع التّونسي: مقاربة أنثروبولوجيّة
تشمل الطّقوس مختلف الأحداث الاستثنائيّة واليوميّة، وتجمع بين ثنائيّات عديدة. فهي جادّة وصارمة ورسميّة أحيانا، وأحيانا أخ...

تجليات البطولة في الأدب الشعبي
تشكل البطولة أحد الموضوعات الرئيسية للعديد من أشكال الأدب الشعبي على تعددها وتنوعها، وعلى رأسها أساطير البطولة والملاحم ...
36
Issue 36
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
القول بالعاميّة والشعر الشعبي
العدد 36 - أدب شعبي

د. عاطف عطـيّه

كاتب من لبنان

لا مجتمع إنسانياً بلا قول. ولا يهم في هذا المقام إذا كان المجتمع كبيراً أو صغيراً. كل تجمع بشري يندرج تحت اسم عشيرة أو قبيلة أو إتنية، وبمعنى آخر، كل متحد اجتماعي، له قول. والقول هنا، هو الكلام الذي يتبادله الناس في عملية التواصل. والقول نفسه هو الأداة المستخرجة من وعاء الفكر الذي هو اللغة. ما يعني أن القول بمعنى ما، هو اللغة نفسها، ولكن المستعملة بالعفوية المطلقة والاسترسال اللازم، للتعامل اليومي، وللتبادل في شتى مناحي الحياة وأمورها التي تحقق، بتواصل مستمر، بين الناس في الزمان والمكان. وإذا كان القول من اللغة، فاللغة لا تستحوذ على القول فقط، إلا في الحالات التي كانت مقتصرة عليه، فحسب. وجاء، من بعد، من شارك القول في انتمائه إلى اللغة. جاء عصر التدوين الذي به اصطلح الباحثون على تحديد بدء الحضارة الانسانية.

 

إزدواجية اللغة

العصر الذي أوجد التدوين، لمساس الحاجة إليه، اقتضى معرفة كيفية التدوين، وعلى أي قواعد، وعلى الطرق التي على المدوّن سلوكها من أجل أن يكون التدوين صحيحاً، على الأقل من أجل فهمه عند قراءته بالطريقة التي يفهم من خلالها ما يريد الكاتب أن يقول. والتواصل بين الكاتب والقارئ يقتضي المشاركة في فهم اللغة، كتابة وقراءة، من أجل حسن التواصل، والوصول إلى الغاية، من الكتابة والقراءة معاً.

أكثر ما يظهر الفرق بين القول والقراءة عند تناول مسألة الشعر بالعامية، أو الشعر الشعبي، أو القول بالمعنى الموقّع والمنغّم على نظام معروف، ومقاطع محددة يعرفها القوّالون، ويفهمها المتلقّون بالسليقة دون معرفة بالأوزان، ما خلا السمع الذي يقرر، عن طريق النغمة والإيقاع، مدى جمالية ما يقال، وسرعته في الدخول إلى القلب والوجدان.

في زمن ما قبل التدوين كان القول المتحرّر من أي قاعدة أو مقياس. وبعد التدوين، بقي القول على حاله، متحرراً من قواعد النحو والإعراب، والصرف السليم، والتشكيل المربك. إلا أن هذا الاستمرار لم يبق مقطوع الصلة عن لغة التدوين والكتابة، بما تستمده من أفكار وصور وأساليب جمالية تعطي للقول العفوي، والمرسل على خاطره، طرق تعبير، وأدوات تفكير، تزيد من جمالية القول، ومن قدرته على التصوير، بما لا ينتقص من عفويته، أو بما لا يؤثّر على خروجه سلساً عذباً من القلب إلى اللسان، دون المرور بدهاليز التنميق والزخرفة والبيان، وإظهار المقدرة؛ وهي أفانين البلاغة والبديع التي تتميز بها اللغة المكتوبة، بعد طول تفكير وإبدال تعابير.

الفرق بين ما هو شفاهي وما هو مكتوب، مع إظهار الفروقات في مسيرة كل منهما، أظهرناه في دراسة سابقة تناولت هذه المسألة(1). ولكن، من المهم القول إن هذه المسألة ذاتها لم تأخذ أبعادها الثقافية والاجتماعية، وحتى السياسية، إلا عندما بدأت المقارنة بين اللغة الفصحى، لغة التدوين، واللغة العامية، لغة القول، من خلال البحث في مسائل الشعر. الشعر المكتوب بـــاللـــــغــــة الــــفـــصـــــحـــى، والــــشـعــر المـــكـــتــــــوب بـــــالــلـــغـــــة العامية أو المحكية.

من نافل القول التأكيد على أن السرد الحكائي العربي لم يهتم في مسألة المقارنة بين الفصحى والعامية في السرد الحكائي على أي وجه كان، في الأسطورة، أو السيرة الشعبية، أو حتى الحكاية الشعبية، كما اهتم في مسألة المقارنة بين الشعر الفصيح المكتوب والمدوّن، وبين الشعر المحكي، وإن صار مدوّناً بعد ذلك.

مجافاة اللغة الفصحى للغة العامية والنأي عنها، أضرّت كثيراً بالأدب العربي في كل صنوفه، نثراً وشعراً. إلا أن الضرر أصاب الشعر بالعامية أكثر. ذلك أن المدونين، في مجال الأدب والتاريخ والسيرة، اهتموا بالأدب الرسمي الفصيح، وأهملوا كل ما كان يقال قولاً من نثر وشعر، باعتبار أن هذا لا يرتقي إلى مرتبة الأدب، ولا يدنو من منزلة الفصاحة. وحكموا عليه بأن يبقى كلامَ عوام مهما دلّل على جمالية القول وعفو الخاطر. وقد وصل الأمر إلى التجاهل التام لكل ما كان يصنّف تحت عنوان الأدب الشعبي في كتب تاريخ الأدب ولمعاته، وتاريخ السِيَر، إلا في القليل النادر(2).

ولكن، والحق يقال، لم يوجد الشعر بالعامية، إلا ليقال. فهو منذ بداءة القول الموقّع والمنغّم، لم ينتشر إلا قولاً، ولم تحفظه الذاكرة إلا بالقول. ولم يقله قوّال ليدوًن. الشعر بالعامية قيل ليُسمع. قيل ليحفظ ولتنقله الذاكرة بالصوت المرفوع، والنغمة المركّزة، والإيقاع المنظّم من الفم إلـى الأذن، ومن الذاكرة إلى الفم إلى الأذن، هكذا منذ بدء القول، وإلى زمن لن ينتهي.

والحـق يقـال أيضـاً، إن الشعـر بـالعامية، مهما كان لونه، أو شكله، لم يفقد الكثير من قيمته، ومن وقعه في النفـوس، إلا عنــدما بــــدأ تـــدويـــنه، وإن جـــاء هــــذا التدوين لحفظه من الاندثار. قيمة الشعر بالعاميّة هي في قوله، لأنه يضرب بالقواعد، وبأصول اللغة ونحوها وصرفها وإعرابها، فكيف يمكن، مع كل ذلك، أن يُكتب؟ وكيف يمكن، من بعد، أن يُقرأ؟ ومع ذلك، أضرّ عدم التدوين بالشعر المحكي. ذلك أن النأي عنه منذ أزمنة متطاولة في القدم، باسم الرفعة، والثقافة الرسمية، مع خفوت الذاكرة الشعبية، وإهمالها لهذا النوع من الأدب في أزمنة مختلفة، قد أضاعا (الرفعة وخفوت الذاكرة) الكثير من التراث المحكي، شعراً ونثراً. ولولا التواتر في الحفظ والقول الذي حظي بعضُه بمن اهتم بتدوينه، وبعضُه الآخر بمن نظر فيه ودرسه ومارسه، وهم بطبيعة الحال مهتمون قلائل، ظهروا بمحض الصدفة وبمبادرات شخصية، تجاوزت المواقف المسبقة والسلبية؛ لولا هذا كله، ما وصل إلينا شيء من هذا الشعر الجميل.

حظي الشعر بالعامية بالتدوين، فقط، من أجل حفظه من الإندثار، وليس من أجل أن يقرأ، وإن لا بدّ من قراءته. قراءة الشعر بالعامية تضيّع الكثير من جماليته وطراوته، وتضع المعوّقات الكثيرة التي تعرقل وصوله إلى القلب. ومع ذلك، لا بد من تدوين هذا الشعر، وحفظه، والعمل على نشره وإيصاله إلى كل الناس، وبكل الوسائل الممكنة؛ ولكن، ليس عن طريق القراءة فحسب. ذلك أن تقنيات الاتصال والتواصل الحديثة يسّرت لنا الكثير من الوسائل من أجل تذوّق هذا الفن الجميل، بالصوت والصورة والكلمة واللحن والنغمة والإيقاع. وإذا كان مستقبل القراءة مرتبطاً بهذه الوسائل، عن طريق السمع والصورة والحركة الإلكترونية، والإيقاع السريع، فإن الشعر بالعامية هو المستفيد الأول من هذه التكنولوجيا الحديثة. ذلك أنها سهّلت الانتقال من فم القوّال نفسه، أو الشاعر، أو من يقوم مقامه من متذوّقي شعره ومحترفي القول، إلى أذن المتلقي، مع كل ما يستلزم ذلك من الحركة في الصورة، والإيقاع في النغمة. هذا، بالإضافة طبعاً، إلى ما يمكن أن يتجدّد من ضروب القول وفنونه التي يمكن أن تبدعها موهبة القوّال منفرداً كان، أو في جوقة تقول هذا النوع من القول، على وقع حوارات التحدي والوصف والتصوير، وأهازيج المردّدين وإيقاعات ونغمات أصواتهم وموسيقاهم.

في هذا المجال، من السهل جداً أن يحل الشريط المسجّل محل الكتاب، والقرص المدمج محل الإثنين، ليستمر القول في الإنتشار. فيحل القرص، بذلك، محل الذاكرة، وتستأنف اللغة المحكية شعراً مسيرتها الفنية في نقل لواعج النفس البشرية ومعاناتها، ووصف حياة الناس وأجوائهم، مع ما تضفيه الطبيعة من جمالات موحية، بالإضافة إلى نبضات قلوب العاشقين، وعنتريات القوّالين، إلى آفاق جديدة لم تحظ في الوصول إليها من قبل.

الشعر بالعامية إنتاج مجتمعي

إذا كان عصر التدوين قد فرض على اللغة أن تكون ذات قواعد محددة، وطرائق معلومة في كيفية الكتابة وأساليبها، وموصوفة في بيانها، وفي إتقان إيصال ما يكتب إلى المتلقين، فإنه قد فرض، في الوقت نفسه، اللغة العامية المتداولة بين الناس، والمتفلّتة من كل صنوف البلاغة والبيان والاعراب وغيرها. هذا القول لا يعني لغة بعينها. كل لغة دخلت في عصر التدوين إنقسمت إلى لغتين، إذا لم يكن أكثر. وقد اهتم المعنيون بهذه المسألة واستعملوا بدل تعبير ازدواجية اللغة: اللغة الفصحى واللهجات العامية المحكية. بهــذا التقسيم، بقيت اللغة واحدة بفصاحتها، وانقسمت، في الوقت عينه، إلى عدة «لغات»، لهجات، تستمد من أصل اللغة وسائل تعبيرها، ولكن بالإيقاع السريع، واللهجة الدارجة في هذا المجال من «الديار» اللغوي المنتمي إلى اللغة الفصحى. ويمكن أن تقترب هذه اللهجات من بعضها بعضاً، أو تبتعد، على قدر اقترابها، أو بُعدها، عن أسس ومرتكزات اللغة الفصحى. والقرب والبعد الجغرافيان، هنا، هما اللذان يقرران مدى تشابه اللهجات، أو حتى تماثلها، حسب مقولة التفاعل بين المتحدات الاجتماعية، واختلاطها.

وإذا كان لكل متّحد قوله، أو لهجته، فمن الطبيعي أن يكون له طرائقه في التعبير عن وجوده الحي، فرحاً أو حزناً، في طقوسه واحتفالاته، وفي ممارسة عاداته وتقاليده. وفي هذا التعبير، لا بد من استعمال أدوات تتناسب مع المقام الموصوف. ففي الفرح، حركة وإيقاع وأقوال تتناسب مع الفرح، إن كان رقصاً أو غناء أو زغردة أو دبكة وتصفيقاً. وفي الحزن، حركة وإيقاع وأقوال مغايرة تتناسب مع الحزن، إن كان عويلاً أو صراخاً أو ندباً أو رثاء. وكذلك الحال في الاحتفالات والمناسبات، دينية كانت أو اجتماعية، التي يقام فيها ما يتناسب معها، بحيث أن لكل مقام مقالا. وهنا يمكننا أن نتساءل، هل ثمة شعب أو إتنية، أو قبيلة، أو أي متحد، كبر حجمه أو صغر، توسعت مساحته أو ضاقت، لا يمارس هذه الأنواع من المناسبات والاحتفالات، بما يتناسب مع ظروفه وأوضاعه، بصرف النظر عن مدى توغّله في ضروب التحضر أو البداوة، بالمعنى الذي قصده إبن خلدون، وبالمعنى الحديث الذي يتناول مسائل الحداثة والتقليد؟

هنا، نتساءل عن نوعية القول الذي يمكن أن يقال، وعن نوعية النغم والإيقاع والغناء الذي يمكن أن يرافق هذه الأنواع المختلفة من الاحتفالات.

من المؤكد، أن لكل متحد اجتماعي طريقته الخاصة في إقامة احتفالاته. ومن الطبيعي أن يستعمل القول الذي يشكل وعاء تفكيره وأحاسيسه وانفعالاته، وهو بالتالي، القول الذي يبجّله، للتعبير عن الحال التي تتقمصه لحظة الاحتفال. فيظهر هنا الكلام المنغّم والموقّع على مقاطع موزونة، وتصفيق منظم، يستجيب لحاجات المحتفلين، ويوقظ فيهم الشعور بالفرح، أو الحزن، بما يعمّق شعور الإنتماء إلى الجماعة. هذه التعابير على اختلافها، وبالحركة اللازمة، والنغمة المرافقة، تفعل فعلها في نفوس الجماعة قبل فعل الكلمة، وقبل الاطلاع على تركيبها أو قربها من اللغة الرسمية أو الفصحى، وقبل هوية هذه اللغة والإحساس بالانتماء إليها، باعتبارها لغة فحسب.

بهــــذا المــعــنــى، لـــكـــل مجــتــمــع لغته الاحتفالية، وطريقتــه في إحيـــــاء احتفالاته. إلا أن المشــتـرك بـــين المجتمعات جميعاً، من أصغرها إلى الأكبر، هو القول المنغّم والمغنّى والموزون. وهو القول المترافق مع حركة الأجساد وتمايلها. وذلك، ليس لأن جميع المجتمعات تميل إلى الكلام المنغّم والموزون، أي الشعر، بل لأن هذا الكلام هو الأقرب إلى الحفظ وإلى التخزين في الذاكرة، من أجل إعادة قوله، بمساعدة مباشرة من الوزن والنغمة أيضاً، من جيل إلى جيل. وظيفة الذاكرة موصوفة هنا. وهي وظيفة على قدر كبير من الأهمية، في الوقت الذي لم يكن التدوين قد وصل إلى مرحلة الانتشار الواسع، من جهة؛ وللتدليل عـــلـــى أن الـــشـــعــر المــحــكــي المـــوزون والمــوقّع، بـالنغمة المناسبة واللحن الجميل، كان قد انتشر دون الاهتمام بالتدوين أو الحفظ في بطون الكتب، لا من قائليه، ولا من مؤرخي الأدب، من جهة ثانية؛ ولأن الشعر هذا، المقال شفاهة، لم يظهر ليدوّن بل ليحفظ، من جهة ثالثة. ومن المنطقي القول إن لا مجتمع يخلو من هذا النوع من القول، وإن أخذ الشعر بالعامية أشكالاً متنوعة، وفنوناً متعددة. إلا أن هذا الشعر يعتمد، في الدرجة الأولى على العفوية في القول، وعلى الارتجال في التعبير عن الفكرة، وعلى الصور المأخوذة من واقع الحياة اليومية. وما يعطي لهذه الأقوال قيمتها مدى الصدق في القول والعفوية في التعبير، والصوت الجميل العالي النبرة، واللحن القريب من القلب، والحركة التي تعطي، لكل ذلك، الرخصة في الوصول سريعاً إلى قلوب المتلقين.

القول في «القول» والتدوين

أدى تعاطـــي الأدب الـــرســـمــي ومـــؤرخـــيه بـــالـــرفـــعة الموصوفة، والسلبية المطلقة إلى إبعاد الأدب الشعبي عن أروقة الأدباء والشعراء ودواوين أهل السلطة والمتنفذين من النخبة، ومن أحاطوا أنفسهم بما تيسّر لهم من الثقافة الرسمية، وامتلاك ناصية اللغة. فأبقوا على عزل أنفسهم هكذا عن كل ما يربطهم بمعرفة عامة الناس، وما يشكّل بناهم الذهنية، إن كان على مستوى الأدب باهتماماته المختلفة، أو على مستويات التعبير عن أفراحهم وأحزانهم، وعما يشكل خزائنهم المعرفية التي منها يستقون عناصر احتفالاتهم وطقوسهم التي تفرضها مجاري حياتهم اليومية.

وإذا كان للثقافة الرسمية، ثقافة النخبة وأهل الــســلـــطــة المـعـرفــية والـســياســـية مـنــاحـــيها المـتـنــاغـــمة والمتكاملة في النظرة إلى الأدب واللغة والفن والمعتقدات وأمـــور العــلـم في شـــتى اختــصــاصــاتـــه، فــإن للثــقافــــة الشعبية مناحيها المختلفة ليس مع الثقافة الرسمية فحسب، بل أيضاً، مع ضروب المعرفة الشعبية ذاتها، لأن هذه المعرفة، لعفويتها، ولتلبيتها حاجات الناس وتطلعاتهم، ونظرتهم إلى الحياة وإلى ما وراء الحياة، مختلفة عن معرفة شعبية مجاورة أو بعيدة، لأن عليها أن تلبّي حاجات وتطلعات مخالفة، ويمكن أن تكون متناقضة بهذا القدر أو ذاك، لأن حاجات الناس في ممارساتهم لحياتهم اليومية مختلفة بطبيعة الحال، ليس بين متحد اجتماعي وآخر، ولكن، ربما، في المتحد الاجتماعي نفسه، كل حسب وضعه وحالته الاجتماعية والاقتصادية وموقعه الثقافي وقربه أو بعده عن عناصر الثقافة الرسمية أو الشعبية.

الموقع هذا من كل من الثقافتين تجاه الأخرى، حرم الثقافة الشعبية من الاستمرار والتواصل عبر التدوين. فضاعت، بذلك، عناصر كثيرة من الثقافة الشعبية، مقابل التدوين المتلاحق وغير المنقطع لعناصر الثقافة الرسمية، بصرف النظر عن قيمتها المعرفية أو الأدبية. فلا يزال بين أيدينا ما أطلق عليه مؤرخو الأدب بما يسمى بأدب الانحطاط، الذي يدل على المدى الذي وصل إليه الأدب في عصور بعينها، بحجة اختلاطه بآداب الآخرين، والتقصير عن مجاراة آدابهم، وإهمالهم للغتهم؛ ومع ذلك اندرج انتاج هذه المراحل في بطون الكتب الأدبية، وانطلق على ألسنة مؤرخي الأدب، في الوقت الذي لم يأت أحد على ذكر ما في أدب العامة من صور بلاغية وجماليات في القول والمعنى يقصّر في الوصول إليها الكثير من قصائد الشعر الفصيح.

على أي حال، تجاهُل الأدب الشعبي، في كل تفاصيله، أضرّ بالثقافة العربية، الرسمية منها والشعبية. ذلك أن الأدب الشعبي، باعتباره الصورة المتجلية لحياة الناس، والمعبّرة عن أمانيهم وتطلعاتهم، والمفصحة عما يشغل أفكارهم من هموم وقلق، وما يمكن أن تخبئه لهم الأقدار، وهو الذي تتكون منه ثقافة الناس. ومن الظلم النظر إلى هذه الثقافة من فوق، ونعتها بالجهل وبدنوّ المنزلة، لأنها هي التي تشكّل معطيات الثقافة الشعبية وعناصرها، بعجرها وبجرها. ومن خلال دراستها، وهو ميدان الثقافة الشعبية، يمكن فصل ما هو السمين منها والقابل للاستمرار، وما هو الغث الذي أكمل وظيفته، وعليه أن يرحل، أو أن يوضع للفرجة في المتاحف.

إلا أن تجاهل الأدب الشعبي، والشعر منه على وجه الخصوص، لم يكن عاماً. ذلك أن وسع نظر إبن خلدون، وانفتاح فكره، لم يجعلاه يشارك مؤرخي عصره وأدبائه في تجاهل الأدب الشعبي، وما كان يجري على ألسنة الناس من ضروب الشعر بالعامية. فأفرد مكاناً هاماً في مقدمته لهذا الصنف من الأدب الذي كان شائعاً في الأندلس وفي المغرب العربي، وهو الذي عرف بالموشّحات والأزجال.

كان قد مضى ما يقارب القرنين والنصف على تجـــاهــل إبـــن بســـام (1058-1147م) لـلـمــوشــحــات في الأندلس، إذ لم يدرج أي شي منها في مصنّفه الشهير» الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، مع أن وشّاحين كباراً عاصروه، مثل يحيى بن بقي (توفي سنة 1145م) الذي اعتبره ابن خلدون من أهم الوشّاحين في الأندلس، والحفيد بن زهر (1113-1198م)، وغيرهم.

جاء كلام ابن خلدون (1332-1406م) عن الموشحات والشعر بالعامية فاتحة للبحث في هذا الصنف من الأدب. وقد ذكر، ربما للمرة الأولى في التاريخ الرسمي العربي، شيئاً مفصّلاً عن الموشّحات والزجل. وقد اعتبر أن إبن قزمان القرطبي (توفي سنة 1160م) هو أول من ابتكر الزجل وأبدع فيه. وهو أيضاً معاصر لابن بسام صاحب كتاب «الذخيرة»، ولم يحظ بنصيبه من «محاسن أهل الجزيرة». وقد جاء بعد ابن خلدون من أعطى للموشحات والأزجال في الأندلس حقها من المدح والتقريظ، مشياً على خطى ابن خلدون. فقد ذكر المقري، على ما يقول معدّو «روائع الزجل في لبنان»، أن أول «من أبدع في هذه الطريقة الزجلية ابن قزمان، وإن كانت قيلت قبله في الأندلس، لكن لم تظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها، إلا في زمانه»(3). إلا أن هذا الشهادة، المقتبسة من كتاب المقري، على ما يقول معدّو روائع الزجل في لبنان، مقتبسة، هي بدورها وحرفياً، مما قاله ابن خلدون حول ابن قزمان وبراعته الزجلية في المغرب قاطبة، ويستشهد في مقدمته بابن سعيد الذي قال «رأيت أزجاله مروية ببغداد(المشرق) أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب”(4) (الأندلس والمغرب العربي).

على أي حال، يبدو مما قاله ابن خلدون أن الموشحات والأزجال كانت متداولة وتقال في الأندلس قبل أن تشتهر على لسان ابن قزمان، ما يعني أن القول الموقّع والمنغّم موجود بوجود اللغة وبوجود الاحتفالات والمناسبات في أي مكان من العالم، ومنه الأندلس. وسنرى كيف اتخذ الموشح شكله الفصيح في الأندلس ذات الأصل غير العربي، وكيف اتخذت الأنواع الأخرى من الأدب الشعبي، ومنها الزجل، صيغاً مغايرة حملتها لهجات ولغات محكيّة، منها ما هو الشيء الكثير من التمازج بين العربية واللاتينية واللهجات المحلية المنتشرة. إلا أن ما يمكن ملاحظته أن الإعلام وحده هو الذي يمكن أن يعرّف بالانتاج الأدبي، وينشر إبداعاته. وربما هنا، كان دور ابن خلدون، الفقيه والفيلسوف ومبدع علم العمران، في نشر التعريف بهذا الفن وإيصاله إلى طبقة المثقفين وأهل النخبة، ما أدى إلى الاطلاع عليه، وإظهار ما يحمل من صور وإبداع في المعاني والمباني.

إلا أن من شبه المؤكد، طالما أننا لم نحصل على ما يدحض هذا التأكيد، أن فاتحة الاهتمام بالأدب الشعبي كانت على يد العلامة ابن خلدون. فأفرد له مكاناً متسّعاً في مقدمته، وقدم نماذج كثيرة من صنوف الموشحات والأزجال المعتبرة والمتداولة في الأندلس والمغرب، كما ذكر أسماء متعددة من الوشاحين والزجالين، مع نماذج من مداولاتهم الزجلية. وقد أفرد لصديقه الوزير لسان الدين بن الخطيب موشحاً كاملاً، وهو لا يزال متداولاً إلى اليوم بالإيقاع واللحن.

جادَكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمَى

يـا زمـانَ الـوصلِ بالأنـدلُـسِ

لـم يـكـن وصـلُـكَ إلا حُـلُما

في الكَرَى أو خِلسَةَ المُختلِسِ

من العاميّــة إلى الفصحى

من الممكن أن يكون في قول ابن خلدون حول انبثاق الزجل من الموشح فيه بعض المغالطة. ذلك أن هذين الصنفين الأدبيين ينتميان إلى مجالين مختلفين ومتباعدين، المجال الخاص، النخبة وأهل الثقافة الرسمية، والمجال العام، العامة من الناس بثقافتها الشعبية وإنتاجها المنبثق من الممارسة اليومية، وبالقول الناشئ من ضروب التعامل بين الناس في تفاعلاتهم وفي أفراحهم وأحزانهم. يقول ابن خلدون في هذا الصدد: «ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعراباً. واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاؤوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة»(5). يدل هذا القول على أن الموشح ظهر قبل الزجل في الأندلس، وأن الزجل جاء نتيجة تأثير الموشح في العامة. فنستذكر هنا ما جاء سابقاً حول العلاقة بين الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، وأيهما أفعل في الثانية. وقد ظهر أن للعامة أدباً خاصاً بها، وبلغتها المحكية وأقوالها العفوية. ولا تعير، من خلال ممارستها، للأدب الرسمي ولقواعد اللغة اهتماماً، ما يعني أن هذا الأدب نشأ بذاته، وضمن البيئات الحــاضنة التي تمدّه بالمواضيع والأحاسيس والمشاعر التي عليها أن تتمظهر أقوالاً وأنغاماً ولهجات ملحونة مركّبة مما يتعامل به الناس من صنوف الكلام الذي عليه هنا، أن يكون خليطاً من لهجات ولغات ورموز وإشارات وحركات لا ترتدّ إلى لغة بعينها، ولا إلى لهجة محددة.

في هذا المجال يتولّد الكلام الموقّع والمنغّم والموزون على ترتيب محدّد، يفهمه الناظم والسامع بالسليقة، وتبيّنه اللهجة من خلال القول، ولا يخضع لقواعد اللغة وصرفها ونحوها أوزانها الشعرية، وضروب الفصاحة والبلاغة المعترف بها من قبل أساطين اللغة الفصحى.

في المقام المقابل تولّد الموشح في أحضان ظروف مغايرة، وبأسلوب مغاير، وقواعد واضحة، وبلغة عربية فصحــى، وبـالـبـلاغــة المعـهـودة، والأوزان المعــتـمــدة وإن كانت، بمجمل تركيبها، مخالفة للقصيدة العربية، بصرف النظر عن الإبداع فيها أو الاتباع. فالموشح مصاغ بلغة عربية فصيحة، ومنتج من أهل النخبة والمقربين من السلطة أو من أصحابها، وممن يمتلكون ناصية اللغة العربية، بينما الزجل منتج شعبي، وباللغة «المستعجمة».

ما يقصده ابن خلدون هنا، هي اللغة العامية المتشكّلة من عناصر متعددة، منها ما هو عربي، وبلهجات مختلفة، ومنها ما هو أعجمي متأتٍ من لغات أجنبية لاتينية ومحلية، تشاركت في إنتاج هذا اللون من الأدب الشعبي الذي عُرف بالزجل. ويبدو أن هذا الفن قد ظهر في الأندلس قبل ابن قزمان، أي قبل القرن الحادي عشر للميلاد، ولكنه لم يشتهر إلا على يديه، حسب ما يقول ابن خلدون نفسه، وهذا ما ذكرناه سابقاً.

على أي حال، من المتعارف عليه، أن القول المحكي، وباللغة العامية، أسبق في الوجود من اللغة الفصحى والمصاغة على مقاييس صارمة(6). كما أن ما يصاغ من اللغة العامية المحكية، نثراً كان، على شكل حكاية، أو شعراً، على شكل زجل مغنّى أو موقّع، يبقى متداولاً، ويستمر منتقلاً من جيل إلى جيل دون الاهتمام بمعرفة من القائل الأول أو الراوي. المهم هو بقاء القول لا من قائله.

كما أن ما يتم تداوله، هو أن الثقافة الشعبية، بكل تفاصيلها، علّة وجود الثقافة الرسمية والعالمة. وإن هذه خرجت من رحم تلك. وبالتالي، تطوُّر الثقافة الشعبية ووصولُها إلى مرحلة تلبية حاجات المجتمع، حسب أوضاعه وظروفه المتغيرة، تصل إلى مرحلة ابتداع الثقافة العالمة والرسمية التي عليها أن تعبّر عما وصل إليه المجتمع في ديناميته المستمرة، وتطوّره الذي لا يحدّه حدّ، إلا اللحظة التي وصلت فيها الثقافة المجتمعية إلى حال، لتستأنف مسيرتها، من بعد، إلى حال أكثر تقدماً، بأدوات ومقتضيات أخرى، فيها من عناصر الثقافة المادية واللامادية، ما يضعها في موقعٍ بعينه تجاه الثقافات الأخرى، القريبة والبعيدة. وتبقى الثقافة الشعبية، في كل عناصرها، على مسيرتها المعهودة، وتبتدع طرق تعاملها مع الواقع، وتجدّد اهتماماتها، حسب ما تقتضيه الأحوال، وما يطرأ من محفّزات، وتحيل ما تمّ تجاوزه إلى المتاحف أو بطون الكتب.

موقف ابن خلدون من الثقافة الشعبية، ومن الأزجال والموشحات على الخصوص، كان مصدر نقد لباحثين وكتّاب كثر. وقد اتُّهم بأنه نظر إلى الأدب الشعبي من علياء ثقافته العالمة، مع أنه أول من اهتم بها، وأفرد لها مكاناً واسعاً في مقدمته. ولكنه أبى أن يفرد لها مكاناً مستقلاً بذاته عن الثقافة الرسمية، أو على الأقل، أن يصنّفها باعتبارها نداً للثقافة العالمة والرسمية. فجاء الأدب الشعبي تحت قلمه على أنه تابع للثقافة العالمة وناشئ عنها. وهذا ما حدا بإحسان عباس إلى محاججة ابن خلدون بقوله إن الزجل، في أصله الأندلسي، نشأ، أولاً، تقليداً لأغاني السكان الأصليين، في المدن على الخصوص، من خلال اشتراكهم في إقامة الأعراس والحفلات. «فاحتاجوا(لذلك)، الأغاني الشعبية التي يرددونها في تلك الحفلات وفي مواسم العصير وأيام القطاف». وكانت الخطوة التالية محاولة للتقريب بين الشعر بالفصحى وبين الأغاني المصاغة باللغة العامية المحفوظة في ذاكرة العامة من الناس «يرددونها باللغة الدارجة العربية دون أن يصفّوها تماماً من الألفاظ الأعجمية التي اقتبسوها من جيرانهم ومخالطيهم ودرجت على ألسنتهم فأصبحت جزءاً من لغتهم»(7).

يعيب ابن خلدون على أهل المشرق ركاكة لغتهم في الأزجال، ولم يصل إليه ما يستحق القراءة إلا بعض ما قاله إبن سناء الملك المصري. ويعرّج بعد ذلك على ذكر أصناف الشعر العامي المشرقي، بعد تفصيله القول في أصناف الزجل المغربي، ومنها: عروض البلد وهي على شكل الموشّح ولكن باللغة العامية، والمزدوج والكاري والملعبة والغزل. ويعدّد ابن خلدون أصنافاً من الشعر العامي العراقي والمصري، دون أن يضعها تحت عنوان الزجل، منها المواليا والدوبيت والقوما والكان وكان وغيرها(8).

إلا أن ما يهم في هذا المجال، الرأي الذي استقر عليه ابن خلدون بعد استعراضه لفنون القول الشعري من موشحات وزجل في المشرق والمغرب؛ وهو أن لكل منطقة طريقتها في قول الشعر مهما كان لونه، وهو القول المعبّر عن ظروف المنطقة، ونمط عيشها، وطريقتها في التعاطي مع أمور الحياة، وفي التعبير عما يشكّل البنية الذهنية لناسها في المناسبات والاحتفالات، وفي الأفراح والأحزان، وبالنغم والإيقاع المعبّرَين عن بلاغة أهل المنطقة وقوّاليها. إذ «لا الأندلسي في البلاغة التي في شعر أهل المغرب، ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الأندلس والمغرب، لأن اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم، وكل واحد منهم مدرك لبلاغة لغته، وذائق محاسن الشعر من أهل جلدته»(9).

سار الأبشيهي(10) (1388-1448) على خطى ابن خلدون في التأريخ للأدب الشعبي، وخصوصاً الشعر منه. كانت ولادته، في مصر، في السنة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته. وقد كتب ستة فصول في الموشحات والأزجال من أصل سبعة خصّها بالكلام الموزون والمقفّى والموقّع والمنغّم، كان أولها الشعر، ويسميه هكذا، وهو الشعر الفصيح والموزون والمقفى حسب البحور الخليلية، والفن الثاني هو الموشح، والثالث هو الدوبيت، والرابع هو الزجل، والخامس المواليا، والسادس كان وكان، والسابع القوما.

فصّل الأبشيهي القول في الشعر العربي، وقدّم نماذج كثيرة منه، مستهلاً كل قصيدة، أو جزءاً منها بقائلها، والبحر الشعري الذي تنتمي إليه(11). وكذلك فعل مع فنون القول الستة الباقية دون أن يشير إلى أي بحر من البحور الشعرية الخليلية، ما يعني، ربما، أن هذه الفنون لا تنتمي إلى الأوزان الخليلية المعروفة، وبالتالي لا تنتمي إلى الشعر العربي الرسمي، وإن كـــانـت عــربـــية الهــويــة والانتمـــاء. ومــا إطــلاقُـــه إســـم الفنون على هذه الأنواع من الشعر(12)، وحصر الشعر بما هو فصيح وموزون على البحور الخليلية، دليل على الفرز القطعي بين ما هو معترف به باعتباره شعراً، وبين غيره من صنوف الشعر، إن كان من الموشحات أو الأزجال على اختلافها، باعتبارها فنوناً بلاغية لها مكانتها باستقلال عما يعنيه الشعر «الرسمي» العربي.

عاش المقري (1578-1631) في بلاد المغرب العربي، وجال في المشرق، ومات ودفن في القاهرة. وقد أبدى المقري إعجابه الشديد بالوشّاح الأكبر لسان الدين بـن الخطيب (1313-1375) معاصر ابن خلدون وصديقه، لدرجة أنه عنوَن كتابه، في جزء منه، باسمه، فجاء «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب». ويبدي في هذا الكتاب إعجابه أيضاً بالموشحات الأندلسية ويفرد لها مكاناً فيه، فاحتوى «على مجموعة من الموشحات والمقطّعات التي لم يرد لها ذكر فيما يتداوله الناس..»(13)، ربما بسبب معرفته الوثيقة بسيرة حياة لسان الدين، من ناحية، وبتأثره بابن خلدون الذي انفتح على هذا اللون من الأدب الأندلسي، من ناحية ثانية.

بعد هذه الفترة، انفتح الأدب الرسمي العربي بشكل واسع على الموشحات والأزجال، أكثر بكثير من انفتاحه على بنى السرد الحكائي العربي، إن كـان يخــص الأسطـورة أو السـيرة الشـعبية، أو الحكــايــة الــشـعــبـية. لــقــد بــقــي الســرد الحــكائـــي مــن الأدب الشــعـــبي، دون مــنــزلة الشــعــر بـــالــعامـــية أو الموشحــات، ذلك لأنـــه صعـــب الحـــفـــظ والــــتــرداد بـــالاعتـــماد عــلــى الـــذاكــــرة، بـحـــيث بــقــي حـــيّاً عـــلــى ألســـنــة الــرواة الشــعـــبيــين لــصــعــوبـــة حــفــظه من قبل العامة من الناس، بينما تميّزت موضوعات الزجل ونغماته وأوزانه الموقّعة بسهولة الحفظ والترداد، بسبب الإيقاع ذاته، والنغمة التي تساعد على إطالة أمد الحفظ، والانتقال بالطريقة نفسها من السلف إلى الخلف، متوسّلة المناسبات والاحتفالات الشعـــبية على اختلافها، لإعادة تكرارها وترسيخها في الذاكرة الشعبية.

أفاض أمين نخلة في التأريخ للزجل والموشح في مقدمة ديوان والده رشيد نخلة. وقد ذكر جملة الذين بحثوا في هذه المسألة، وتوسع في ذكر كل ما له علاقة بابن قزمان باعتباره الزجّال الأول في الأندلس، قبل أن تشيع في المغرب والمشرق(14). إلا أن ما يهم في قوله هذا هو اعتبار الزجل، بلغته العامية، ولهجته المحلية، مغرقاً في القدم، فهو «لم يُجعل له أسم الزجل، ولا عرفت به في الأقطار، ولا وُسِّع مجالها للفنون والبلاغات، ولا صيح بعزها في مغرب ومشرق، إلا منذ القرن الثالث للهجرة (القرن التاسع للميلاد)، وإن الأندلس، لذلك العهد، كانت بساطها وسامرها، وإن فنون الشعر الجارية على ألسنة عامة الحضريين، في جميع البلاد التي غلب فيها اللسان العربي، تنزع إلى عرقها»(15).

إلا أن هذا الرأي لا يدلّل على أولوية بلد على آخر في نزوعه نحو الزجل أو القول المنغّم والموقّع على اختلافه، لأن لا وجود لمجتمع مهما كان تصنيفه، بدون هذا النوع من القول، مهما توغّل في التاريخ، ذلك أن الناس مفطورون على القول، وعلى التجمهر في الاحتفالات والمناسبات وعلى الرقص والتمايل بما يرافق ذلك من قول ونغم. إلا أن هذه الأنواع من الممارسات الشعبية ما كانت تحظى باهتمامات المدونين، في الزمن نفسه بين مجتمع وآخر، ما يعني ظهورها في هذا المجتمع قبل ذاك، حسب ما درج على تدوينه المؤرخون والمهتمون بهذا النوع من الفنون الانسانية.

ويبقى الكلام، في كل حال، في دائرة الظن. ولا يمكننا في هذه الحال، إلا الاعتماد على المعاجم العربية للتدليل على ما يمكن أن تعنيه مفردة الزجل، مع بداية تداولها في الكلام على الشعر بالعامية، أو القول الموقّع والمنغم والمستساغ عن طريق السمع.

الزجل، المنشأ والدلالة

من البديهي أن يتجه النظر لدى التفتيش عن مفردة في اللغة العربية، إلى لسان العرب لإبن منظور (1232-1311) المتوفى قبل ولادة ابن خلدون بـإحدى وعشرين سنة. يقول ابن منظور تحت مادة زجل:

الزجل هو « اللعب والجلبة ورفع الصوت، وخُص به التطريب، والزجل رفع الصوت الطرِب، وهو صوت رفيع عال»(16)، وهو معنى مخصوص بالصوت من جملة معان تدل عليها هذه المفردة، ومنها الدفع بقوة. إلا أن هذا المعنى، المقصود هنا، يدل دلالة وافية على ما هو الزجل، في ما يخص هذا البحث. فالزجل، أولاً، يقوم على الصوت الذي عليه أن يوصل المعنى البليغ والمنغّم إلى أذن السامع، بالإضافة إلى الحركة والتمايل والإيماء إلى المشاهد. وبذلك، يستغني الشاهد والمستمع عن التدوين، ومن ثم القراءة، لعدم الحاجة إليهما. الزجل إذاً هو القول بالصوت المرفوع والنغمة المناسبة والإيقاع الموزون، ليصل ما يقول « القوال» إلى المتلقين، فيستحسنونه ويهزجون له، على قدر ملامسته لعناصر واعية ولا واعية من شعورهم الجمعي وأحاسيسهم وعواطفهم المشتركة. وأكثر معنى حداثةً لمفردة الزجل، ما جاء في «المنجد»، فهي بالإضافة إلى كونها تدل، من جملة ما تدل عليه، على الرمي والدفع والرشق، وهي تعابير مجازية يمكن ان تستعمل في وصف طرق المحاورة والهجاء في الأدب الشعبي. كما تدل أيضاً على التطريب والتغني ورفع الصوت وإحداث الجلبة. وهي، بعد كل ذلك، نوع من الشعر المحدث المترافق مع جلبة الناس وضجيجهم(17).

وإذا كان هذا ما تدل عليه اللغة في نظرتها إلى الزجل، فكيف تم التعامل مع هذه المفردة عملياً من قبل المشتغلين بالتأريخ للأدب الشعبي، أو من قبل المبدعين في هذا النوع من الأدب الذي دخل إلى قلوب الناس قبل عقولهم، وعلى اختلاف انتماءاتهم الثقافية والأدبية والاجتماعية؟

اختلف الباحثون في الأدب الشعبي في تسمية هذا اللون الشعري من الأدب الشعبي. وأطلقوا عليه تسميات مختلفة، منها الزجل الذي يضم مختلف ألوان وتوجهات هذا الشعر، ومنها الشعر بالعامية، ومنه الزجل باختلاف تفريعاته؛ ومنها أيضاً، الشعر الشعبي، والشعر باللغة المحكية؛ ومنها ما يختصّ بالشعر اللبناني، بحيث نسب بعضهم الزجل إلى الشعر باللغة اللبنانية. وليفرّقوه عن الشعر بالعامية فصلوا بين الشعر المنبري ليخصّوه بالزجل، والشعر بالعامية ليخصّوه بالقصيدة التي لا تختلف عن مثيلتها الفصحى إلا بنوعية اللغة، فصيحةً أو عامية.

على أي حال، صارت مفردة زجل تدلّ على شكل من أشكال القول الشعري العربي، الشفوي المتبوع بالحركة والإيماء، قبل أن يحظى بعملية التدوين، والنظـر إليــه على هذا الأسـاس. أداتــه الأســاسية اللهجــة المحـكـية العــامــية، المختـلـفة حـسـب اخـتــلاف المتّحدات الاجتماعية، وأوزانها قائمة، في الأساس، علــى المــقـاطــع المــوقّعــة والـنغـمـة المتـنـاسبة، على ما اصطلح عليه المشتغلون في هذا النوع من فنون الأدب، وإن تناسب بعضها مع أوزان الشعر بالفصحى. إلا أن هذا التناسب يقوم على الإيقاع والنغمة الموزونين، وهو الإيقاع الذي لا بدّ له أن يلتقي مع عدد من البحور الشعرية العربية مثل السريع والرجز والكامل، وغيرها، مع تعديلات كثيرة لتتلاءم مع هذا اللون من الشعر، على اعتبار أن الزجال كان يزجل محافظاً على إيقاعه الخاص، ونغمته المعتمدة، دون الاهتمام بالبحر الشعري، أو بالوزن المستعمل. ذلك أن الزجل يسبق البحر الشعري الذي عليه أن يتناسب مع هذا الإيقاع والنغمة، وليس العكس.

ما يلزم الزجّال في الزجل غير ما يلزم الشاعر في اللغة الفصحى. ذلك أن القول الزجلي غير متروك على الغارب. فهو يخضع لاعتبارات شعرية وبلاغية لا يخضع لها الشعر بالفصحى. إذ يتيح الزجل التباين في الأوزان، وتنويع القوافي في القصيدة الواحدة. إلا أن الشاعر الزجلي ملزم بنمط محدد في قصيدته الزجلية. والأنماط الزجلية معروفة لدى شيوخ الزجل ومقدّميه. وهم الذين يحدّدون موقع الزجّال في الزجل، ويميّزون بين المبدع والناظم.

وإذا كان الزجل يفترق عن الشعر بالفصحى باللغة بين عاميّتها وفصاحتها، فإن الصور الشعرية كانت متقاربة، وكذلك التخييل والبلاغة. ذلك أن الشعراء في مختلف توجهاتهم ينهلون من محيط واحد، ومن تصورات متشابهة، ومن بنية ذهنية واحدة، وإن كان الشعراء بالفصحى أكثر وسعاً في مداركهم العامة وفي ثقافتهم العالمة، وأكثر اهتماماً بأمور اللغة، وأكثر قدرة على التعبير من خلال ما تتيحه لهم من بلاغة وبيان. بينما الزجالون أكثر ارتباطاً باللهجة المحلية وبالبيئة التي تمدّهم بالتصورات والأفكار النابعة منها، ومن أجواء العلاقات الاجتماعية التي توجّه تفكيرهم وخيالهم. إلا أن الصلة لا تنقطع بين هذين التوجهين، حتى أن الزجالين يحتلون في أنظار مجتمعاتهم المحلية الدرجة الأرقى من المجتمع، ولا يختلفون في ذلك عن الشعراء بالفصحى، وربما الكثيرون منهم تفوّقوا، بالسمع والقراءة، على الكثيرين أيضا، من شعراء الفصحى المعتبرين.

التميز اللغوي بين الزجل والشعر بالفصحى، لا يختصر كل مميّزات الزجل. ذلك ان الزجل بكل تفريعـاتـــه يخـتــلــف، بهــذا القــدر أو ذاك، عــن الشــعــر بالعامية(18)، بصرف النظر عن تبعية الشعر العامي للزجل، أو الزجل للشعر العامي. وبهذا المعنى، يمكن أن يكون الشعر بالعامية أقرب إلى القصيدة الفصيحة، من ناحية بنيتها وقافيتها والأفكار والتصورات التي دعت إلى إبداعها، أو نظمها، من الزجل، بكل أصنافه أيضاً.

الزجل وميادينه

على هذا المنوال يمكن أن ننسج نظرتنا إلى الزجل العربي. فالزجل لا يختص ببلد عربي دون آخر. إلا أن أساليب الزجل وموضوعاته وطرق نظمه أو ارتجاله، تختلف بين هذا البلد أو ذاك من البلدان العربية. وقد أجمع الكثيرون من الدارسين على القول بأن موضوعات الزجل المشهورة والرائجة بين مختلف الفئات الشعبية، هي تلك التي تنتشر في لبنان وسورية وفلسطين والأردن، والعراق أيضاً، وإن بنسبة أقل في المعنّى والقرادي، وبنسبة أكثر بكثير في المواليا والعتابا وغيرها من الفنون الزجلية.

وإذا كان لكل لون من ألوان الزجل شهرته في بلد عربي أكثر من غيره، فذلك له أسبابه التي عملت وتعمل على انتهاج هذا اللون من الزجل، لأن الأزجال خاضعة لمزاج قوّاليها ولظروف حياتهم وللمحيط الذي يعيشون فيه، وللتجارب التي يخضعون لها. فيعبّرون عن كل ذلك بلغتهم الشعرية وبأساليبهم التي درجوا عليها، وبالأوزان والإيقاعات التي اصطلحوا على وضعها، خلفاً عن سلف.

على هذا المنوال، نسج القوالون الأنواع المختلفة من الإبداع الزجلي. وقد ظهر أن لكل بيئة زجلها وزجّاليها. ولدى كل بيئة مقاييسها في تقويم الإبداع في الزجل، معاني كلمات، وبلاغتها وإيقاعها ونغمتها المطلّة بالصوت الجميل، والشجن المحرّك لنبضات القلوب. فالشروقي مثلاً، لا يمكن أن يسمع دون أن يحرك الأسماع والأجساد، والدمع في العيون أيضاً، وخصوصاً إذا جاءت القصيدة على لسان شاعر مجيد، وصوت رخيم مثل لسان وصوت موسى زغيب مثلاً، أو طليع حمدان، من لبنان، علماً أن هذا اللون هو بدوي في الأصل. ولا يمكن أن تسمع ردة قرّادي من زين شعيب دون أن تهتز طرباً وحماسة. كما لا يمكن أن تسمع موّالاً عراقياً (بغدادياً)، بسيطاً أو مركباً، إلا وتشعر، بالإضافة إلى اللحن الجميل، والصوت الطرب، بمدى البلاغة التي يمكن أن يصل إليها الزجل باعتباره الفن القولي - السمعي بامتياز؛ الفن الذي من الصعب أن يضاهيه أي فن شعري آخر، في سرعة ارتجاله، وفي بلاغة تركيبه، وبيان معانيه. وكلنا نحسّ بروعة الصوت واللحن والكلمة لدى استماعنا إلى المواويل البغدادية، بصوت ناظم الغزالي الرخيم، وإلى القدود الحلبية التي يقدمها صباح فخري بصوته الشجي، أو العتابا التي يقدمها وديع الصافي بصوته الهادر، أو صباح بصوتها النقي، والموشحات والمخمّس المردود بصوت فيروز الملائكي.

على أي حال، لكل بلد زجله، ولكل مجتمع طريقته في التعبير عن حالته الإنسانية، وعن عواطفه وعما يعتمل في خيال قوّاليه من أفكار وصور، يحوّلونها بإبداع يختصون به، إلى قصائد وأدوار وردّات زجلية تشنّف السمع وتبهج القلب.

في مجال تحديد ميادين الشعر الشعبي، فصّل أمين نخلة بين المعنّى وبقية أزجال الشعر بالعامية. وفي مقدمته لكتاب والده رشيد نخلة يقول: {هذا كتاب جمعت فيه قصائد والدي، رحمه الله، في الشعر العامي. أي المعنى في اصطلاح بني قومنا في بلاد الجبل»(19). نستشفّ من هذا القول أن المعنّى في جبل لبنان هو أهم ما يحتوي عليه الزجل اللبناني. وهذا ما جعل نخلة الإبن يفرد له كتاباً خاصاً، على أن يفرد لبقية الميادين كتاباً آخر. ويذكر نخلة هذه الميادين، كما يلي: «أما منظوماته في «القرّادي» و«العتابا» و«الميجنا» و«أبو الزلف»، إلى غيرها من الطرائق الزجلية في الجبل، فهي ليست في هذا الديوان، وكذلك لا يجد فيه القراء منظوماته في «الشروقي» و«الموال البغدادي»، و«الموال المصري» والمواليات إلى غيرها من فنون العامة. ولسوف أجعل ذلك كله في ديوان مستقل}(20). تخصيص ديوان واحد للمعنّى عند رشيد نخلة، وبقية الفنون الزجلية في ديوان آخر، دليل على أهمية المعنّى في شعر رشيد نخلة من ناحية، وعلى أهميته في لبنان منذ بدايات القرن العشرين، من ناحية ثانية.

وإذا كانت هذه الميادين الشعرية أغصاناً في شجرة الزجل، فإن ترسيخها في ذاكرة اللبنانيين جاء على منابر الجوقات الزجلية التي أعلت من شأن بعض هذه الأغصان أكثر من بعضها الآخر. ذلك أن الشهرة تلحق ما يستسيغه الناس وما يكون طرياً على أسماعهم، ملامساً لأوتار قلوبهم. لذلك ازدهر المعنّى والقرّادي على حساب غيرهما من أنواع الزجل، دون أن يعني ذلك إهمال الأغصان الأخرى. فكان للشروقيات مكان، وكان للموشحات مكان، كما كان للعتابا والميجانا مكان فسيح أيضاً، تقاسمته، بالإضافة إلى الجوقات الزجلية، شتى المناسبات والاحتفالات التي عادة ما تنفرد بإلقاء مواويل العتابا والميجنا، وبالدبكة على أنغام الدلعونا والندا الندا، والغزيّل والهوّارة، ونغمات الأبو الزلف والروزانا وعالأوف مشعل، وغيرها من الأغاني الشعبية.

لم يقبل موسى زغيب، الزجّال المجلّي في لبنان، أن ينفرد أي لون من ألوان الشعر بالعامية في لبنان عن دوحة الزجل. كل ما قيل وكتب في مجالات الشعر العامي، حسب قوله، هو من الزجل. حتى أساطين الشعر بالعامية في لبنان وفي غيره من البلدان العربية، هم من الزجّالين. ولا يستثني زغيب أحداً، من ميشال طراد وسعيد عقل إلى طلال حيدر والأخوين رحباني وإيليا أبو شديد، وغيرهم. والفرق الوحيد أن هؤلاء شعراء قلم بينما هو ينتمي إلى شعراء المنابر. وهو في هذا التفريق، لا يحيد عن القول بأن «الزجل اللبناني هو أب (و) جميع متفرعات الشعر اللبناني المحكي، هو أب (و) الأغنية اللبنانية، وكل التصنيفات الأخرى»(21).

إذا كان الشعر بالعامية في لبنان قد انقسم، حسب أمين نخلة، بين ميادين متعددة، طغى عليها المعنّى؛ وحسب موسى زغيب بين شعر المنبر وشعر القلم، فإن مما لاشك فيه أن الزجل في بلدان المشرق اتجه توجهات أخرى جعلته ينفرد بالشهرة في ميادين محددة، منها المواليا في العراق ومصر، والقدود في شمالي سوريا والشروقيات في مناطقها الريفية والبدوية، والموشّحات في أكثر البلدان العربية، وخصوصاً في المغرب، والشعر النبطي في الجزيرة العربية وبلدان الخليج. إلا أن وحدة البيئة، والقرب الجغرافي بين لبنان وفلسطين وسورية جعلت الموضوعات الزجلية وميادينها متشابهة، حتى في طريقة إيصال المضمون الزجلي إلى المتلقين عن طريق الجوقات الزجلية التي بدأت تعمل في لبنان ابتداء من الربع الأول من القرن العشرين، ومن ثم انتقلت إلى فلسطين وسورية بطقوسها وأدواتها، وبالمرددين فيها، وبالأسلوب المحبّب إلى قلوب المتلقين.

الهوامش

1. أنظر في هذا الخصوص:

عاطف عطيه، الثقافة الشعبية العربية، بنى السرد الحكائي في الأدب الشعبي، جرّوس برس، 2016، طرابلس، الفصل الثالث، ص ص57- 80.

2. أنظر في هذا الخصوص:

عدنان السيد حسين ( إشراف)، روائع الزجل، منشورات الجامعة اللبنانية، 2014 بيروت، ص15. ويعطي الكتاب مثالاً على ذلك، كتاب إبن بسام الأندلسي، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة الذي ظهر في الأندلس، عقر دار الموشحات، ومع ذلك ذكر الكثير من شعراء الأندلس، من مجيديهم ومن هم أقل من ذلك، ولم يأت على ذكر الموشحات وشعرائها، مع أنها كتبت بالفصحى، فقط لأنها مصنفة ضمن إطار الأدب الشعبي. وقد تنبّه إلى ذلك محمد رضوان الداية في معرض بحثه في شخصية إبن بسام ومنهجه، فيقول إن إبن بسام كان له « الموقف السلبي من الموشحات. فهو لم يذكرها في كتابه لأن العادة جرت- كما قال- على عدم تدوينها في الكتب المصنفة. وهو حين ترجم للشعراء الوشاحين اكتفى من آثارهم بالنماذج الشعرية التي لم تخرج عن أوزان العرب وأعاريضها». أنظر في هذا الخصوص:

إبن بسام، من الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، مختارات من التراث العربي، إختيار وتقديم محمد رضوان الداية، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1978، دمشق، ص29.

3. السيد حسين( إشراف)، روائع الزجل، مذكور سابقاً، ص19.

4. أنظر في هذا الخصوص للتفصيل:

إبن خلدون، المقدمة، تحقيق عبدالله الدرويش، الجزء الثاني، دار البلخي، 2004، دمشق، ص 433.

5. إبن خلدون، المقدمة، مذكور سابقاً، ص433.

6. للتفصيل حول العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية، وأيهما أسبق في الوجود، وأسباب ذلك، انظر:

رشيد نخلة، معنّى رشيد نخلة، مقدمة أمين نخلة، دار صادر، 2014، بيروت، ص ص33-37، مع الهوامش الهامة جداً.

7. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، عصر الطوائف والمرابطين، الموشحات الأندلسية، في:

www. Khatab38.blogspot.com/2010/09/blog-spot_5738.html

8. أنظر في هذا الخصوص للتفصيل، ولقراءة نماذج من هذه الفنون القولية غرباً وشرقاً:

ابن خلدون، المقدمة، الجزء الثاني، مذكور سابقاً، ص ص440-446. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الصفحات من مقدمة إبن خلدون قد حذفت بالكامل من عدة طبعات نشرت في بيروت، منها: طبعة دار الجيل وطبعة دار القلم.

9. ابن خلدون، المرجع نفسه، ص446.

10. هو شهاب الدين بن محمد بن أحمد الأبشيهي المصري. وللتفصيل حول سيرة حياته ومؤلفاته، أنظر:

الأبشيهي، المستطرف في كل فن مستظرف، قدم له وضبطه وشرحه، صلاح الدين الهواري، مكتبة دار الاداب، الشارقة، ودار ومكتبة الهلال، 2000، بيروت، ص ص5-13.

11. المرجع نفسه، ص ص676-746.

12. الأبشيهي، المرجع نفسه، ص ص753-773.

13. أنظر في هذا الخصوص، حول المقري وأهميته وأعماله:

جمال يامي، أحمد بن محمد المقري، http://www.startimes.com/f.aspx?t=34344816

14. رشيد نخلة، معنى رشيد نخلة، مقدمة أمين نخلة، مذكور سابقاً، ص ص33-44..

15. المرجع نفسه، ص44

16. ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، دار المعارف بمصر، مادة زجل، القاهرة، ص1814.

17. انظر في هذا الخصوص:

المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، الطبعة 27، 1984، بيروت، ص294.

18. أنظر في هذا الخصوص، حول الزجل، المقالة القيمة:

الزجل، معناه وأغراضه، في: www.starline.com/f.aspx?32737576

19. نخلة، معنّى رشيد نخلة، مذكور سابقاً، ص29.

20. المرجع نفسه، ص32.

21. صحيفة المستقبل، العدد 1333، 28حزيران 2003، بيروت، ص20.

الصور

1. http://arabicalligraphy.tumblr.com/image/ 43826246248

2. http://3.bp.blogspot.com/-vWL1Cry0LH8/Vn-C44oACGI/AAAAAAAAA0Q/iA5EAUem8L8/s1600/%25D9%2585%25D9%2582%25D8%25A7%25D9%2585%2B%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B1%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA%2B%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AD%25D8%25AC%25D8%25A7%25D8%25B2%2B%25D9%2588%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B3%25D9%258A%25D9%2583%25D8%25A7.JPG

3. http://arabicalligraphy.tumblr.com/image/ 29649660947

4. https://pashoncoop.wordpress.com/20 10/03/01/khaled-al-saai-arabic-calligraphy/#jp-carousel-11919